موضوعات خارج حدود الجغرافيا والتاريخ

مسرحيات غير منشورة للروائي والكاتب المسرحي الراحل عارف علوان

عارف علوان
عارف علوان
TT

موضوعات خارج حدود الجغرافيا والتاريخ

عارف علوان
عارف علوان

صدر خلال معرض الشارقة للكتاب في نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، كتاب «هلاك بابل ومسرحيات أخرى» للمسرحي والروائي العراقي عارف علوان الذي غادر هذه الحياة قبل أشهر. يضم الكتاب أربع مسرحيات، هي: «هلاك بابل، والشرخ، وعنصرية جذابة، وطرطوف».
يبدأ الكتاب بمقدمة طويلة (24 صفحة)، يمكن اعتبارها دراسة مكثفة وشاملة عن المسرح في المنطقة العربية، يبحث فيها عن الأدوات (أو المعاول كما يسميها علوان) التي استعملها «العقائديون» للوصول بالمسرح إلى أزمته الراهنة. يقول المؤلف: «بما أن المسرح، في رأي البعض، هو أقوى أداة للتعبير، بسبب تأثيره المباشر على أحاسيس الجمهور، ركّزت عليه جميع الأحزاب الشمولية والأنظمة الفردية والعسكرية، وحرمته الحرية التي يمكن أن ينمو في ظلها… وقد أراد كل حزب وكل مؤسسة حاكمة، تجنيد المسرح لخدمة وجهة نظره الدعائية فأُلقيت على عاتقه سياسة انقلابية لا طاقة له بها، منعته قسرا من حرية الكشف والتجريب»، ويسوق أمثلة من العراق ومصر ولبنان. ومنها تجربته الشخصية مع مسرحية «هلاك بابل». إذ عرضت عليه اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي فكرة عرض المسرحية في بيروت، بعد أن رفضت دور النشر التقدمية نشرها، فاقترح تخصيص ريع العمل لأطفال إريتريا الذين كانت طائرات منغستو هيلي مريام ألميغ، روسية الصنع، تلاحقهم في كل مكان، لكن اللجنة رفضت ذلك باعتباره «شرطا سياسا» غير مناسب، فبدا وكأن أطفال فيتنام أبرياء، لأن النابالم الذي يتعرضون له «أميركي الصنع» بينما أطفال إريتريا خبثاء، لأن النابالم الذي يُحرقون به «روسي الصنع»، على حد تعبير الكاتب!
«هلاك بابل» هي المسرحية الوحيدة في هذه المجموعة التي سبق وأن نُشرت في كتاب، وكان ذلك عام 1974 عن دار الخليل في بيروت، وتم عرضها في بيروت ودمشق حينها. وقد أُعيد نشرها، لأن بابل على ما يبدو في «هلاك متجدد» مذ خُلقت. بينما يقول المؤلف إن «إعادة نشرها في هذه الفترة بالذات إنما هو لاسترجاع صور الماضي، الكاذب في كل ما طرحه من أفكار، والحاضر الذي لم يتعلم شيئا ذا قيمة من ذلك الخداع الذي تسبب في الهلاك».
الشخصيتان الرئيسيتان في المسرحية هما الحاوي، سليط اللسان، الذي يعتاش من بيع العيون التي يجمعها من حول المقاصل، والسلطان الذي يقرر فجأة أن يكون عادلا، ويعيّن الحاوي مستشارا له، لأنه الوحيد الذي لديه الجرأة لانتقاده وقول الحقيقة مجردة كما هي. الحوار بين شخصياتها يتميز بعمق فلسفي وجودي - إذا جاز لنا التعبير - خصوصا الحاوي، الذي قد يرى القارئ أن لغته البليغة لا تتناسب وطبيعة شخصيته، لكن في نهاية المسرحية تقريبا، نكتشف من هو فعلا هذا الحاوي، فيكون مستوى الحوار واللغة مبررين جدا. وعلى ذلك نسوق هنا مقطعا من حوار بينه وبين شاب بابلي غير مقتنع بالعدل الذي أعلنه السلطان:
الشاب: لا توجد في الإنسان غريزة اسمها الخوف. شرور الأرض هي التي أوجدت الخوف.
الحاوي: الخوف موجود في دم الإنسان يا بني. حيث تكون الحياة يكون الخوف عليها. كلاهما في الدم. وما شرور الأرض سوى جزء من الدفاع عن النفس. إن هؤلاء الذين يهيئون مؤخراتهم لا يستطيعون مقاومة الرغبة في العرش، وحين يستقرون عليه يبدأ دفاعهم المستميت عنه. لقد ربطوا حياتهم برغبة معينة ويصبح عليهم أن يدافعوا عنها. هكذا يبدأ الشر حين يبدأ الدفاع عن النفس وأهوائها.
الشاب: أنت تعترف بالأهواء.
الحاوي: الإنسان هو الأنانية ولا شيء آخر. (يذهب ليراقب الطريق من اليسار) ها هي الجماهير تعود، أسمع هتافاتهم تقترب، قبل قليل دعسوك والآن جاءوا ليأخذوك.
الشاب: لماذا يأخذونني؟
الحاوي: إنهم يجمعون حجر الأساس لصرح اسمه العدل (ساخرا)، أتمانع أن يُقام عدل بابل على جثتك؟
الشاب: ولماذا جثتي أنا؟
الحاوي: لأنك أول من استخف بفرحة الجماهير. هذا خطأ لا يُغتفر. الإمبراطور أعلن العدل، والجماهير سوف تتقاتل من أجله. هكذا حال شعب بابل.
الشاب: ألا تعتقد أن الإمبراطور من أجل أن ينام ليلة واحدة باطمئنان، ليلة واحدة من دون خوف، من دون كوابيس مزعجة، تآمر على مبادئه القديمة؟
الحاوي: لا.
الشاب: لا؟
الحاوي: الشخير، أبرز صفات القادة في هذا العصر، لأنهم في العادة لا يسمحون لفعاليات النهار بالتدخل في مسرات الليل. آثام النهار لا تؤرق إلا الحكام الهواة.
المسرحية الثانية، هي «الشرخ» بشخصيات ثلاث، الزوجة وصال، وزوجها منصور، والخادمة خديجة. في كل فصول المسرحية الثلاثة يلعب أثاث المنزل المبعثر بشكل فوضوي دورا أساسيا لا يمكن تجاهله. الحوار المليء بالتناقضات والمبالغات والمفاجآت - لطرفي الحوار كما للقارئ - يجعل من هذه الفوضى وقطع الأثاث المتكسرة مبررا غير متكلف لتصعيد التوتر والشك بل والحميمية أحيانا (بين الزوج والزوجة) إضافة إلى المبالغة في إيذاء الآخر، وكأنه توكيد لجملة سارتر الشهيرة «الجحيم هم الآخرون». في هذا المقطع تتضح معظم هذه المشاعر:
منصور: كنت أتمنى أن تموتي في ذاك الحريق، أن تتحولي إلى قطعة من الفحم. ما دام الأمر هكذا، خذي إذن… أنا الذي أشعلت النار في غرفة الفندق، أنا، أتعرفين كيف؟ وضعت شمعة قرب أسلاك الكهرباء في الحمام قبل أن نذهب للنوم.
وصال: كنت أعرف أن الحريق لم يحدث صدفة.
منصور: تمنيت أن تلتهمك النار.
وصال: كنت أعرف. وأنا التي أغلقت عليك باب الغرفة، لأني دائما أشك في نياتك. وفي تلك الليلة بالذات كنت أعرف أنك ستقوم بعمل خسيس، لذلك لم يغمض لي جفن، وعندما شممت رائحة غريبة نزلت من الفراش بهدوء حتى تبقى غارقا في أحلامك الوحشية، أقفلت عليك حتى تظل محاصرا بين الجدران. أقفلته ثلاث مرات (مع حركة من يدها) ترك، ترك، ترك... حتى تنشوي في النيران.
هذا الإمعان السادي بتعذيب الآخر في وسط فوضى عارمة من الذكريات والمشاعر كما هي فوضى الأثاث المبعثر، هو ما يركز عليه النص، وهو ذاته الواقع السريالي الذي يعيشه الإنسان اليوم، رغم أن هذه المسرحية كُتبت قبل ربع قرن تقريبا، أي قبل ظهور مصطلح «الفوضى الخلاقة» بمعناه الحديث جدا.
«عنصرية جذابة» هي المسرحية الثالثة في الكتاب. وهي عبارة عن مونولوج من فصل واحد، يتحدث به «روتشن» المواطن النرويجي، مع نفسه، مع النادل، أو مع الخليط متعدد الجنسيات من مرتادي المقهى (في النرويج) من أتراك، وصينيين، وعرب، وأفارقة وغيرهم. تم عرض هذه المسرحية في السويد خلال التسعينات، وأخرجها حينها المخرج فاضل الجاف.
«أكره الدخان لأنه يسبب السعال، وفي الليل يزيد حدّة الربو، ولكنه أسلوب ممتاز لطرد الذباب من حولي» يقول روتشن لنفسه بصوت عال. ثم يبدأ بمد مبسم سيجارته تدريجيا حتى يصل مترا ونصف المتر، ويظل يدخن، وينفخ جمرة السيجارة قريبا من رأس شاب صيني يجلس مع صديقته الأوروبية، فيتململ هذا ويبعد كرسيه قليلا، فيعيد روتشن الحركة ذاتها مع آخرين، فيتجاهلونه. ليقول بعد ذلك: «إذا لم ندافع عن تقاليدنا وعاداتنا العريقة، فإن هؤلاء الأغراب سيقضون علينا في غضون أيام معدودة. طبعا، هذه هي الخطة من وراء مجيئهم هنا، ليست الأسلحة الجرثومية ولا القمع ولا الحروب والمجاعات التي تحدث في بلدانهم. إنها خطة مرتبّة (ينهض ويتحرك في دائرة الفراغ من حوله ويفكر) خطة شيطانية جاءت بهم إلى هذه الأرض، يغزوننا من دون جيوش، هذه خطتهم، يفرضون عاداتهم وتقاليدهم علينا، لنصبح مثلهم فننتهي كشعب أبيض عظيم».
المسرحية الأخيرة في الكتاب هي «طرطوف» المأخوذة عن نص بالعنوان نفسه لموليير. وقد عُرضت باللغة الإنجليزية على مدى أسبوعين على المسرح في لندن عام 1997. هنا وبمستوى التركيز نفسه في الحوار الذي يتميز به أسلوب عارف علوان، سواء في الرواية أو المسرح، يتناول زيف بعض رجال الدين، المتمثل هنا بشخص «طرطوف» نفسه.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.