متى تنتهي الرواية ويبدأ الفيلم؟

معالجات سينمائية مختلفة لأعمال أدبية شهيرة

من الفيلم الشكسبيري «تايتوس» - من فيلم «اللمعان»
من الفيلم الشكسبيري «تايتوس» - من فيلم «اللمعان»
TT

متى تنتهي الرواية ويبدأ الفيلم؟

من الفيلم الشكسبيري «تايتوس» - من فيلم «اللمعان»
من الفيلم الشكسبيري «تايتوس» - من فيلم «اللمعان»

بين كل أشكال الأدب والفنون، يقف الأدب الروائي في مقدمة المصادر التي تعتمد السينما عليها. وبقدر ما هناك أنواع مختلفة من الروايات الأدبية والشعبية بقدر ما هناك أنواع سينمائية.
المرجح هنا هو أن الروايات الأدبية، شعبية وثقافية، احتاجت، لكي تبيع، إلى أن تعلن عن نفسها بتبويب نفسها حسب العنصر القصصي السائد لكل منها، فكانت هناك الروايات التاريخية والعاطفية، وروايات الجريمة والغموض، وروايات الجاسوسية، إلى آخر أنواع الكتابات القصصية.
كان من الضروري للسينما الأميركية، على الأخص، أن تبدأ بالاستعانة بالتقليد ذاته: فيلم مغامرات، فيلم وسترن، فيلم بوليسي، فيلم عاطفي، فيلم خيالي – علمي، إلى آخر الأقسام المعتادة.
ومثل الرواية كان على المخرجين (في هوليوود كما حول العالم) اتباع المنهج جيداً، وذلك ما عني مباشرة الالتزام بلغوية الفيلم ومدى انتسابها إلى النوع المطروح في الفيلم الواحد. بذلك، فإن أسلوب معالجة فيلم كوميدي ليس هو ذاته أسلوب معالجة فيلم بوليسي أو تاريخي. هذا الاختلاف لا يتركه صانعو الأفلام للحكاية ذاتها أن تبديه، بل عليهم تأليف العناصر الكفيلة بطرح هذا الاختلاف منذ المشهد الأول بما في ذلك عناصر الحبكة وما يرد فيها وعناصر الأسلوب الفني والتقني للمادة.

استلهام

بهذا المفهوم، فإن أفلام ما يعرف بـ«الفيلم نوار»، تلك التي تصوّر أبطالها من مقتفي أثر الحقيقة المفقودة في الحياة ويجدون أنفسهم مطلوبين من العدالة ومطاردين من الخارجين عن القانون في الوقت ذاته، ولا يستطيعون تحمل لدغة الأنثى التي وثقوا بها، لها بناؤها الخاص الذي يشمل إخراج وإدارة المشاهد («ميزانسن») وإخراج وإدارة اللقطات المنفردة («ميزانشوت»). يشمل أيضاً الكيفية التصويرية للفيلم بأسره. الفيلم الداكن للبوليسي والفيلم «الفاتح» للفيلم العاطفي، وهكذا.
ما سبق هو لتقريب المرغوب طرحه هنا، وهو الحد الذي تنتهي عنده الرواية ليبدأ الفيلم. ما هو مشترك بينهما وما لا يستطيع العمل الروائي فرضه على الفيلم السينمائي. وهذا الأمر لا يتعلق بالبدايات والأنماط فقط، بل بما يقرر كاتب السيناريو ومن ثم المخرج نقله من العمل الروائي وما يتركه وراءه.
الاقتباس من الأدب إلى السينما يأخذ منحنين مهمّـين، أحدهما يتميز بالأمانة قدر المستطاع، والآخر بالإيحاء. وهذا الأخير له وجهتان: واحدة تستعير الحبكة لصالح عمل ليس مطلوباً منه أن يترك تأثيراً أو وقعاً لأكثر من أسابيع عروضه الأولى وأخرى تستعير الحبكة، أو تستلهمها، لصالح عمل يحتاج إلى فحواها وفكرتها وبذورها الداخلية ليصنع ما هو مختلف أو منتمٍ إلى ذاتية المخرج.
في هذا الصعيد الأخير لدينا مثال مهم يكشف عما قد يحدث لو أن المخرج اختار إلغاء الأحداث التي بناها الروائي وصولاً إلى تأليف مجمل حكايته والاكتفاء بالمضمون ونوعه. هذا المثال هو فيلم «اللمعان» The Shining لستانلي كوبريك المصنوع سنة 1980 عن رواية ستيفن كينغ. قام كوبريك بتحويل الرواية من مجرد حكاية صبي «لامع» تتراءى له الأسرار وأب يعيش كابوساً مر عليه سابقاً من دون وعي. أمسك الفيلم بناصية المصادر الاجتماعية الغائبة وأضاف إليها الكثير من الرموز المهمة من دون أن يتخلّى الرعب، بل أضاف إليه.
في المقابل، فإن الحفاظ على الحكاية (قدر الإمكان) لاستغلال منابعها وعناصرها كما الحال في الفيلم المأخوذ عن رواية جون تشاينبك «عناقيد الغضب» (The Grapes of Wrath) التي نشرها الكاتب سنة 1939 وأخرجها جون فورد بعد عام واحد من نشرها فيلماً من بطولة هنري فوندا.
فحوى هذا العمل الأدبي المميّـز هو الرحلة التي قامت بها عائلة من فلاحي الوسط الأميركي إلى ولاية كاليفورنيا (بسيارة متهالكة) بحثاً عن العمل تحت وطأة ما سُمي سنوات «الكساد العظيم» في نهاية العشرينات.
الفيلم يحافظ بالتأكيد على هذا المضمون الاجتماعي الصارخ وينقل الرسالة السياسية التي وقفت مع المعدمين ضد المستغلين وأصحاب المصالح ما جعله، وما زال إلى اليوم، يبدو كما لو أنه فيلم يساري من المخرج جون فورد المعروف بانتمائه اليميني.
المنهل الشكسبيري
ما سبق في هذا المجال يتطابق مع مفهوم الناقد المجري بيلا بالاش (1884 - 1949) الذي رأى أن للفيلم لغته الخاصة (وذلك في كتاب له بعنوان «نظرية الفيلم: الشخصية ونمو الفن الجديد») تبدأ منذ بداية كتابة السيناريو بصرف النظر عن نوعية الاقتباس وما إذا كان السيناريست مخلصاً للعمل الأدبي أم لا.
يمضي بالاش ليؤكد أن النص السينمائي (السيناريو) هو حالة أدبية خاصّـة بنفسها. وأن إمكانية كتابة سيناريو فذ ومتكامل هي في مقدور الكاتب، وعليه، فإن ذلك لا علاقة له بالرواية الأصلية التي قد تكون جيدة الكتابة أو سيئة.
وفي الحقيقة، نجد أن هذا الكلام الذي نشر له في الثلاثينات صحيح أكثر من أي وقت مضى في هذا العصر. وأحد نماذجه منعكس تماماً في فيلم أكيرا كوروساوا «ران» (1985) المقتبس عن إحدى أهم روائع الأدب وهي «الملك لير» لويليام شكسبير.
السيناريو، الذي ما زال متوفراً على بعض المواقع، متحرر من النص الأدبي الثقيل (على روعته) ليس فقط لأن الغاية هي تحقيق فيلم ياباني من المسرحية الإنجليزية، بل أساساً، لما يتطلبه العمل على مثل هذا السيناريو من ضبط أوتار كثيرة. من ناحية البحث في داخل النص الرئيسي ومن ناحية ثانية الإتيان بعمل يوازي قدرة وقوّة النص الأدبي، ومن ناحية ثالثة، سيناريو منفصل عن النص بجمالياته وبثقافاته الوطنية في المكان والزمان الذي تنتقل الأحداث إليه.
تجربة مماثلة أقدمت عليها المخرجة الأميركية جولي تايمور سنة 1999 عندما قامت بتحويل مسرحية شكسبير «تايتوس أندرونيكوس» إلى فيلم بعنوان «تايتوس». هنا نجد مثالاً آخر على تطويع السيناريو لكي يستقل ويرتبط في الوقت ذاته. ففي حين يسرد الفيلم ترجمته المصوّرة للمسرحية، ينفصل عنها بقيامه بتحديث الفحوى لنقد نظم العالم اليوم، تماماً كما فعل بعد سنوات الممثل راف فاينس عندما قرر تحقيق أول أفلامه فاختار من أعمال شكسبير «كوريالانوس» وشحنها بالمضامين السياسية منتقلاً في أحداثها ما بين موقعها التاريخي البعيد وموقع تاريخي معاصر ليثبت فحواها المعادي للفاشية.
هذه الأمثلة، والسينما مليئة بها، تجيز استخدام النص السينمائي كعمل مختلف ومنفصل عن الأصل، وذلك حسب رغبة الكاتب. هذا لا يعني أنه ليست هناك من سيناريوهات أمينة للنص الأدبي (بل هي كثيرة ومتعددة أيضاً) بل يعني أن الاقتباس مجال على الكاتب أن يكون أهلاً له، سواء حافظ على الأصل أو اختلف عنه. مع هذا الخيار يبرز السيناريو محورا ثابتا في عملية تأكيد الانفصال بين النص الأدبي والنص السينمائي انفصالاً تاماً وضرورياً بصرف النظر عن حجم ذلك الانفصال وكيفيته.


مقالات ذات صلة

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يوميات الشرق يكرّم المهرجان الفنان جورج خبّاز (الجهة المنظمة)

«أيام السينما اللبنانية» تحتفل بيوبيل الـ10 سنوات ضمن برنامج حافل

يحطّ مهرجان «أيام السينما اللبنانية» رحاله في كندا للمرة العاشرة، في احتفالية تجمع عشاق السينما اللبنانية وتتنقّل بين 3 مدن كندية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بطلات الفيلم الروسيات في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)

«موسكو - كايرو» يروي قصة هجرة 4 فنانات روسيات إلى الغردقة

يُعيد الفيلم الروائي الطويل «موسكو - كايرو» التعاون السينمائي المصري الروسي بعد أكثر من نصف قرن، منذ إنتاج فيلم «الناس والنيل» للمخرج يوسف شاهين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان إبراهيم الحساوي قدم عديداً من الأعمال السينمائية والدرامية (الشرق الأوسط)

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

أعلن مهرجان «VS-FILM» للأفلام القصيرة جداً، الاثنين، عن تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي عن مجمل أعماله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو» (إدارة المهرجان)

من بيروت إلى غزة... مهند يعقوبي يستعيد أرشيف جوسلين صعب

الفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم عُرض ضمن مهرجان سراييفو (إدارة المهرجان)

بليرتا باشولي: «دوا» يرصد أحلام المراهقين وسط الحرب

قالت المخرجة الكوسوفية بليرتا باشولي إن فيلمها «دوا» يرتبط بحياتها الشخصية، إذ تستند حكايته إلى تجربتها خلال الحرب في كوسوفو.

أحمد عدلي (القاهرة)

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.


هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز