نزعات جديدة في تصاميم الهواتف الذكية قبل نهاية العام

هاتف «إل جي في 30» الأنيق والمتقدم  -  كاميرا للواقعين الافتراضي والمعزز من «سوني»
هاتف «إل جي في 30» الأنيق والمتقدم - كاميرا للواقعين الافتراضي والمعزز من «سوني»
TT

نزعات جديدة في تصاميم الهواتف الذكية قبل نهاية العام

هاتف «إل جي في 30» الأنيق والمتقدم  -  كاميرا للواقعين الافتراضي والمعزز من «سوني»
هاتف «إل جي في 30» الأنيق والمتقدم - كاميرا للواقعين الافتراضي والمعزز من «سوني»

تستمر الهواتف الذكية والكومبيوترات والملحقات بتقديم مزايا مفيدة للمستخدمين، ولكن عجلة الابتكار قد لا تدور بالسرعة نفسها بين عام وآخر. وتقدم الكثير من شركات التقنية مبتكرات جديدة من شأنها تسهيل التفاعل مع الأجهزة وفتح آفاق جديدة لتطبيقات لم تكن بالبال. ولوحظت بوادر نزعات تقنية جديدة لأجهزة وملحقات ستطلق في الأسواق قبل نهاية العام الجاري، مثل دمج تقنيات الذكاء الصناعي ووحدات المعالجة العصبية داخل الهواتف الجوالة لوضع نظم الذكاء الصناعي في جيب المستخدم، وسماعات ذكية منزلية مستقلة بتصاميم وقدرات مطورة، بالإضافة إلى كاميرات رقمية متخصصة وكومبيوترات محمولة تدعم تصوير البيئة بتقنيات التجسيم وعكس ذلك في بيئة الواقع الافتراضي والمعزز، وحتى طباعتها من خلال الطابعات ثلاثية الأبعاد، مع القدرة على التفاعل صوتيا مع الكومبيوترات المحمولة حتى لو كان المستخدم بعيدا عنها. وظهرت أبرز النزعات التقنية عند كشف الشركات التقنية النقاب عنها في معرض «إيفا 2017» IFA 2017 في مدينة برلين الذي بدأت فعالياته يوم الجمعة الماضي وتنتهي يوم غد الأربعاء.
- هواتف ذكية
بعد إعلان «سامسونغ» في أغسطس (آب) الماضي عن هاتف «غالاكسي نوت 8»، كشفت «إل جي» عن هاتفها الجديد من طراز «في 30» V30 الذي يقدم أجمل تصميم من «إل جي» إلى الآن، وشاشة مبهرة فائقة الدقة 4K، ومميزات رائعة للكاميرا. ويبلغ قطر الشاشة 6 بوصات، مع استخدام كاميرتين خلفيتين (16 و13 ميغابيكسل) ومعالج «سنابدراغون 835». والهاتف مقاوم للمياه ويدعم الشحن اللاسلكي السريع، وتبلغ سماكته 7.3 مليمتر، ويبلغ وزنه 158 غراما. وسيطلق الهاتف في 21 سبتمبر (أيلول) الجاري بسعتي 64 و128 غيغابايت، دون ذكر السعر، وهو من أفضل الهواتف التي ستطلق قبل نهاية العام الحالي.
وكشفت «هواوي» عن تقنية الذكاء الصناعي داخل معالجات الهواتف الجوالة، والتي ستطلق في المعالج المقبل «كيرين 970» Kirin 970، حيث ستغير هذه التقنية من الأسلوب الذي نتفاعل به مع الهواتف لتصبح أكثر ذكاء وإدراكا لاحتياجاتنا. ويتضمن المعالج الجديد وحدة معالجة عصبية Neural Processing Unit NPU ويحتوي على 5.5 مليون ترانزستور في منطقة لا تتجاوز مساحتها سنتيمترا مربعا واحدا، وهو يستخدم 8 أنوية بتقنية 10 نانومترات. ويقدم المعالج أداء مضاعفا بنحو 25 مرة وكفاءة أعلى بنحو 50 مرة مقارنة بالمعالجات السابقة، ويستطيع تأدية نفس مهمات حوسبة الذكاء الصناعي بوتيرة أسرع وبقدر أقل بكثير من الطاقة.
ومن التطبيقات الممكنة لهذه التقنية تحليل وحدة المعالجة العصبية للصور قبل التقاطها وتعديل الألوان والتركيز وفقا لماهية الأجسام الموجودة في الصورة (مثل العناصر الجامدة أو البشر أو الحيوانات الأليفة، مثلا). كما يمكن لهذه التقنية تعلم أسلوب عمل المستخدم واقتراح الأعمال قبل طلبها، مثل معرفة أن المستخدم سيرسل بحثا حول موضوع ما في تاريخ محدد (من خلال جدول مهام المستخدم)، ليبحث النظام عن معلومات مرتبطة ويقدمها للمستخدم بشكل استباقي، مثلا. ويُتوقع أن يتم استخدام هذه التقنية في هاتف «مايت 10» المقبل في أكتوبر (تشرين الأول).
من جهتها استعرضت «سوني» هاتف «إكس زيد 1» XZ1 الجديد الذي يركز على القدرات التصويرية بشكل مكثف، مع قدرته على التصوير بسرعات بطيئة جدا للحصول على مؤثرات بصرية رائعة، والقدرة على التقاط صور ذاتية («سيلفي») بدقة عالية، ومسح العناصر ضوئيا في 3 أبعاد من حول المستخدم. ويعتبر «إكس زيد 1» من الهواتف الأولى التي ستطلق باستخدام نظام التشغيل الجديد «آندرويد 8 أوريو»، وهو يستخدم تقنيات «سوني» الموجودة في تلفزيونات «برافيا» لعرض الصورة بوضوح كبير، مع قدرته على تشغيل عروض الفيديو التي تدعم تقنية المجال العالي الديناميكي High Dynamic Range HDR لتقديم تباين ألوان مبهر، وقدرة على معالجة الصور أسرع بنحو 5 أضعاف مقارنة بالهواتف الأخرى، وتسجيل عروض فيديو بسرعة 960 صورة في الثانية. ويستخدم الهاتف معالج «سنابدراغون 835» ويبلغ قطر شاشته 5.2 بوصة وتبلغ قدرة بطاريته 2700 ملي أمبير في الساعة، وهو يقاوم المياه والغبار داخل هيكل معدني متين.
- أجهزة وملحقات منوعة
نزعة أخرى هي إطلاق سماعات ذكية مستقلة تحتوي على مساعد شخصي رقمي متصل بالإنترنت يمكن التفاعل معه صوتيا، مثل سماعات شركات «سوني» و«هارمان» و«جيه بي إل» الجديدة، وهي المجموعة الأولى من الأجهزة التي من شأنها مساعدة «غوغل» و«أمازون» على التحكم بقطاع المساعدات الشخصية المنزلية. وعوضا عن إطلاق مساعدها الشخصي المنزلي، قررت «سوني» استخدام قوة مساعد «غوغل أسيستانت» ودمجه داخل سماعة خاصة من طراز «إل إف – إس 50 جي» LF - S50G تقدم للمستخدم المعلومات صوتيا وتخبره بحالة الطقس والازدحام وتتحكم بالأجهزة المنزلية الذكية (مثل الإضاءة ودرجة الحرارة والقفل، وغيرها). والسماعة مقاومة للمياه، وتسمح بتشغيل الصوتيات من أي جهاز عبر شبكة «واي فاي» اللاسلكية. كما وتشغل السماعة الصوتيات في 360 درجة بقدرة عالية، ويبلغ سعرها 200 دولار أميركي وستطلق في شهر أكتوبر المقبل باللونين الأسود والرمادي.
وكشفت «موتورولا» عن هاتفها «إكس 4» X4 الذي يعتبر أول هاتف للشركة يستخدم مساعد «أليكسا» الصوتي للتفاعل مع المستخدم، مع قدرته على بث الصوتيات إلى أكثر من جهاز في وقت واحد عبر تقنية «بلوتوث» (مثل السماعات الرأسية والمكتبية، وغيرها). واستعرضت «بانغ & أولافسون» المتخصصة بالصوتيات سماعات أذن لاسلكية جديدة من طراز «بيوبلاي 8» Beoplay E8 تعمل لمدة 4 ساعات للشحنة الواحدة. وتستمر «لينوفو» بتقديم مبتكرات تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز، وذلك باستعراض نظارة تحتوي على كاميرتين مدمجتين تتبع تحرك رأس المستخدم ومحاكاة أثر ذلك في داخل البيئة الرقمية التي يشاهدها المستخدم دون استخدام أي مجسات خارجية توضع حول الغرفة أو المنطقة التي يوجد فيها المستخدم، مع تقديم أدوات تحكم إضافية للمزيد من التفاعل والانغماس. وأطلقت الشركة اسم «المستكشف» Explorer على هذه النظارات، وستطلقها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بسعر 350 دولارا للنظارة لوحدها أو 450 دولارا للنظارة وأدوات التحكم.
وكشفت «سوني» عن كاميرا رقمية محمولة صغيرة الحجم لتسهيل تسجيل البيئة وتحويلها إلى بيئة للواقع الافتراضي أو المعزز من خلال ربط عدة كاميرات (لغاية 15 كاميرا) وتسجيل العروض وتحويلها إلى صيغة رقمية. الكاميرا هي «آر إكس 0» RX0 وتستخدم مستشعر صورة بدقة 15.3 ميغابكسل وتسجل العروض بالدقة الفائقة 4K أو بالدقة العالية 1080 بسرعة 240 صورة في الثانية. الكاميرا مقاومة للمياه والغبار والصدمات. وستطلق الشركة الكاميرا في شهر أكتوبر المقبل بسعر 700 دولار أميركي. وبالنسبة للكومبيوترات المحمولة، استعرضت «لينوفو» مجموعة من الأجهزة التي يستخدم بعضها الجيل الثامن الجديد لمعالجات «إنتل» رباعية النواة من فئات «يوغا 920» و«يوغا 720» و«ميكس 520» Miix 520، والتي تتميز باستخدام ميكروفونات متعددة مدمجة للتفاعل صوتيا مع المستخدم حتى لو كان يقف بعيدا عن كومبيوتره. ويبلغ قطر شاشة «يوغا 920» 13.9 بوصة وتعرض الصورة بالدقة الفائقة 4K ويمكن التفاعل معها باللمس عبر القلم الذكي في 4096 درجة مختلفة من الضغط، بالإضافة إلى دعم تجسيم الصوتيات بتقنية «دولبي أتموس». وسيطلق الكومبيوتر في شهر أكتوبر المقبل بسعر 1330 دولارا أميركيا. وبالنسبة لإصدار «يوغا 720»، فيقدم شاشة بقطر 12 بوصة وهو سهل للحمل والتنقل، ولكنه يستخدم معالجات الجيل السابع من «إنتل» وشاشة بدقة 1080 مع استخدام منفذ «يو إس بي تايب - سي»، وسيطلق في شهر أكتوبر المقبل بسعر 650 دولارا أميركيا. ويمكن فصل شاشة كومبيوتر «ميكس 520» عن لوحة المفاتيح بسهولة ليتحول إلى جهاز لوحي، وهو يقدم كاميرات مدمجة تلتقط الصور المجسمة لطباعتها لاحقا من خلال الطابعات ثلاثية الأبعاد. وستطلق الشركة الجهاز في شهر أكتوبر المقبل بسعر 1000 دولار أميركي.
أما «سامسونغ»، فقدمت 3 أجهزة جديدة يمكن ارتداؤها، هي ساعة «غير سبورت» Gear Sport الرياضية التي تجلب غالبية التقنيات التي كانت موجودة في ساعة «غير إس 3» في تصميم أصغر، مع تركيزها على تطبيقات التدريب الرياضي للياقة ومقاومة أكبر للمياه مقارنة بالسابق. وتسمح الساعة تسجيل الموسيقى من خدمة «سبوتيفاي» إلى الذاكرة المدمجة التي تبلغ سعتها 4 غيغابايت. الساعة الثانية هي «غير فيت 2 برو» Gear Fit 2 Pro التي تقدم تحديثات كثيرة للإصدار السابق، وخصوصا فيما يتعلق بممارسة رياضية السباحة والهرولة ومقاومة المياه. ويبلغ قطر الشاشة الملونة 1.5 بوصة، وستطلق بسعر 200 دولار أميركي. والجهاز الثالث هو سماعات لاسلكية من طراز «غير آيكون إكس» Gear IconX توضع في الأذن وتسمح للمستخدم التفاعل مع مساعد «سامسونغ» الشخصي المسمى «بيكسبي». وتعمل هذه السماعات لمدة 5 ساعات قبل معاودة شحنها، وتقدم ملخصات صوتية في أذن المستخدم حول مستويات أدائه الرياضي أثناء الجري. وستطلق السماعات في 3 ألوان (الأسود والرمادي والزهري) دون ذكر تاريخ الإطلاق أو السعر.


مقالات ذات صلة

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

يحاول الابتكار إعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

خاص «مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.


استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية
TT

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

لا يرغب أي والد في معرفة أن ابنه أو ابنته قد تعرَّض، أو تعرَّضت، لضغوط لإرسال صور جنسية، لكن استطلاعاً جديداً يشير إلى أن كثيراً من المراهقين يفعلون ذلك بالفعل، وغالباً مع شخص تربطهم به علاقة.

استطلاع أميركي

شمل الاستطلاع، الذي نُشر في مجلة «JAMA Network Open»، يوم الثلاثاء، أكثر من 6200 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، سُئلوا عن حوادث التحرُّش الجنسي بواسطة الصور، التي تعرَّضوا لها قبل بلوغهم سن 18 عاماً. وتناول الاستطلاع الجهات التي تميل إلى الضغط على المراهقين لنشر صور جنسية لأنفسهم، ومدى استجابتهم، والآثار النفسية المترتبة على هذه القرارات.

الفتيات يتعرَّضن لطلبات فاضحة من معارفهن

أكثر من 90 في المائة ممن أفادوا بتلقيهم طلباً قسرياً لصورة جنسية كانوا من الإناث، واستجاب أكثر من نصفهن للطلب. وكان من المرجح أن يفعلن ذلك بناءً على طلب شريك في علاقة عاطفية، وليس من شخص غريب أو شخص يعرفونه عبر الإنترنت فقط.

وقالت ليزا جونز، أستاذة علم النفس في مركز أبحاث الجرائم ضد الأطفال بجامعة نيو هامبشاير، وإحدى مؤلفي الدراسة الجديدة، إن هذا الأمر جدير بالملاحظة لأنَّ التغطية الإعلامية لـ«الابتزاز الجنسي» وآثاره قد توحي بأن «الخطر الأكبر يأتي من أشخاص لا تعرفهم على الإنترنت».

وعلى الرغم من وقوع مثل هذه الحالات، فإن «هذا النوع من الإيذاء يرجح أن يكون مصدره شخصاً تعرفه»، كما أوضحت: «بل وحتى شخصاً تربطك به علاقة عاطفية».

الاستجابة لطلبات إكراه متكررة

وكان المراهقون الذين استجابوا لطلبات الإكراه أكثر عرضةً للاستجابة إذا استمرَّت هذه الطلبات لأكثر من شهر، أو إذا طلب الشخص صوراً 4 مرات أو أكثر، ما يشير إلى أنهم ربما شعروا بالإرهاق من كثرة هذه الطلبات.

تأثيرات نفسية سيئة

وكان المشاركون الذين قرَّروا مشاركة الصور تحت الضغط، أكثر عرضةً للتغيب عن المدرسة أو التفكير في إيذاء النفس بعد إرسالها، مقارنةً بمَن لم يشاركوا الصور.

وقالت جونز إن الاستطلاع الجديد أُجري بوصفه جزءاً من دراسة أوسع نطاقاً حول تجارب المراهقين مع الإساءة القائمة على الصور، وكيف يمكن أن تؤثر هذه الطلبات وردود فعلهم على الصحة النفسية.

شيوع تبادل الرسائل الجنسية

وكانت دراسة حديثة شملت أكثر من 3400 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، وجدت أن نحو ثلثهم قد تلقوا رسائل جنسية، بينما أرسل نحو رُبعهم رسائل جنسية.

فضح الصور... والابتزاز

ووجدت تلك الدراسة أن نحو نصف المراهقين الذين أرسلوا رسائل جنسية قالوا إن صورهم نُشرت لاحقاً دون إذنهم. كما تعرَّض نحو نصفهم للابتزاز الجنسي، أي أنهم تعرَّضوا للتهديد.

وقال سمير هيندويا، الأستاذ في كلية علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة فلوريدا أتلانتيك، والمدير المشارك لمركز أبحاث التنمر الإلكتروني، والذي أسهم في إعداد الدراسة السابقة: «معظم المراهقين لا يفعلون ذلك». وأضاف: «لكننا نلاحظ أن الأرقام (الحالية) أعلى مما كانت عليه في السابق».

تكتّم المراهقين

وفي الاستطلاع الجديد، كان المشاركون الذين شاركوا صوراً جنسية أقل عرضةً بكثير لإخبار مَن حولهم عن تعرُّضهم للإكراه مقارنةً بمَن قالوا إنهم تعرَّضوا للإكراه لكنهم لم يشاركوا أي صورة.

وقالت جونز: «أعتقد أن هذا الأمر مُقلق للغاية. يجب أن تتمحور رسائلنا حول مساعدتهم على فهم أن الأمر ليس خطأهم، وأنه من المهم توجههم لطلب المساعدة».

ماذا يمكن للوالدين فعله؟

وأشار هيندويا إلى أنه فوجئ بكيفية إشارة الدراسة الجديدة - التي لم يشارك فيها - إلى أنَّ بعض المراهقين يتعرَّضون لضغوط نفسية شديدة من شركائهم في العلاقات العاطفية. وأوضح أن من الطبيعي أن يرغب المراهقون في الشعور بالرغبة والقبول، وألا يُنظر إليهم على أنهم «غير جذابين» أو «متحفظين».

توعية الشباب بالمخاطر

من جهتها أكدت ديبي هيربينيك، مديرة مركز تعزيز الصحة الجنسية في جامعة إنديانا ومؤلفة كتاب «نعم، طفلك: ما يحتاج الآباء إلى معرفته عن المراهقين اليوم والجنس»، أن «الشباب لا يعرفون دائماً كيفية التعامل مع الإكراه، وكثيراً ما يرسلون صوراً عارية».

توصي هيربينيك في كتابها بالتحدث مع الأطفال حول العواقب المحتملة لمشاركة أو طلب صور عارية مع مَن يعجبون بهم، أو مَن يواعدونهم، أو مَن تربطهم بهم علاقة جدية، بما في ذلك التنمر والقلق والابتزاز الجنسي والتبعات القانونية.

وأضافت هيربينيك أن «مَن المستفيد؟ ومَن الخاسر؟» أسئلة جيدة لطرحها على المراهقين. «كيف تُعامل الفتيات عندما تنتشر صورهن؟ وكيف يُعامل الأولاد؟».

وأشارت إلى أن هذا النوع من الحوارات يجب أن يبدأ عندما يمتلك الأطفال جهازاً قادراً على إرسال واستقبال الصور، أو عندما يقضون وقتاً دون إشراف مع مَن يمتلكون هذه الأجهزة.

مناقشة الموضوعات مع الأطفال

قال جيف تمبل، الأستاذ وعالم النفس في جامعة تكساس للعلوم الصحية في هيوستن، إن الدراسة الجديدة تُبرز أهمية مناقشة هذه الموضوعات مع الأطفال في سنٍّ مبكرة وبشكل متكرِّر. وأضاف: «إن أهم ما يُمكن فعله هو التحدث مع أطفالكم، وليس مجرد حديث عابر عن الجنس، بل هو حوار مستمر حول العلاقات الصحية والجنسية السليمة، ومفهوم الموافقة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

مع تسارع أنظمة الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام كانت تُعدّ في صميم القدرات البشرية؛ من الكتابة والتحليل إلى دعم اتخاذ القرار، تركّزت معظم النقاشات على الإنتاجية والكفاءة، وفقدان الوظائف. لكن خلف هذه التحولات الظاهرة، يبرز تغيّر أعمق بكثير، يطال ليس فقط طريقة عملنا، بل تعريفنا للذكاء والقيمة، وحتى معنى أن نكون بشراً.

بالنسبة للمؤلف العالمي في تطوير الذات، ديريك ريدال، لا يمثل هذا التحول مجرد نقلة تقنية، بل لحظة فلسفية واجتماعية مفصلية، حيث تتعرض مفاهيم راسخة حول الذكاء لإعادة نظر جذرية.

يقول ريدال خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن «السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الذكاء، بل ما إذا كنا قد عرّفناه بشكل صحيح منذ البداية».

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الذكاء بالقدرة على معالجة المعلومات، والتعرُّف إلى الأنماط، وحل المشكلات. وقد شكّلت هذه القدرات أساس أنظمة التعليم وسوق العمل والهياكل الاقتصادية. لكن مع تفوق الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بسرعة وتكلفة أقل، يفقد هذا التعريف تفرده.

ديريك ريدال - مؤلف عالمي في تطوير الذات

من الذكاء إلى المعنى

مع تحوُّل الذكاء إلى مورد وفير، تبدأ قيمته الاقتصادية بالتراجع. ويختصر ريدال هذه الفكرة بقاعدة بسيطة، وهي أن «القيمة تتجه نحو ما هو نادر».

في هذا السياق، قد يصبح الذكاء بمعناه التقليدي مشابهاً للأكسجين، أي متاحاً للجميع، لكنه لم يعد عاملاً مميزاً. وعندما تصبح المعرفة والتحليل متاحين على نطاق واسع، تنتقل القيمة إلى بُعد آخر أقل قابلية للقياس، لكنه أكثر إنسانية. ويضيف ريدال أن «هناك المادة... وهناك ما له معنى».

فاللحظات التي تدفع البشر إلى الفعل، كالحب والإبداع والرسالة، نادراً ما تكون نتاج حسابات منطقية. إنها تنبع من إدراك أعمق يتجاوز البيانات، وهو ما يجعل القدرة على إنتاج المعنى محوراً جديداً للقيمة.

خطر انهيار الهوية

ورغم أن فقدان الوظائف يشغل حيزاً كبيراً من النقاش، يرى ريدال أن الخطر الأعمق يكمن في الهوية نفسها؛ فقد بنى الناس عبر أجيال تعريفهم لذواتهم على ما يفعلونه. لم تكن الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل إطار للمعنى والانتماء. لكن مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء هذه الأدوار، ينهار هذا الإطار. ويردف: «لن يفقد الناس وظائفهم فقط، بل سيفقدون الإجابة عن سؤال: من أنا؟».

وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر بالفعل في ازدياد الشعور بالعزلة وفقدان المعنى. ومع غياب الغاية، تتجاوز التأثيرات الجانب الاقتصادي لتطال الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي فقط تشكيل العمل، بل يفرض إعادة تعريف جوهر الذكاء الإنساني نفسه (شاترستوك)

وهم الاستعانة بالآلة في التفكير

في موازاة ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحاً كتفويض التفكير للآلة. يحذر ريدال قائلاً: «عندما تفوّض تفكيرك النقدي، لا تحصل فقط على إجابة أسرع، بل تفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة».

وهذا ما يسميه «التراجع الإنساني»، أي تآكلاً بطيئاً للقدرات الذهنية والقدرة على الحكم المستقل. والخطر هنا ليس فورياً، بل يتخفى خلف الراحة والكفاءة، بينما تتراجع القدرات الأساسية، دون أن نلاحظ.

تعزيز أم اعتماد؟

هذا يقود إلى سؤال محوري: هل يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يستبدلها؟ يجيب ريدال: «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان خلف الأداة ينمو أم يتضاءل بهدوء».

عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، يمكنه تطوير التفكير والإبداع. لكن عندما يحل محل الجهد الذهني، فإنه يضعف هذه القدرات. والاختبار هنا بسيط: إذا ابتعدت عن الأداة، هل تبقى لديك القدرة؟

أما على مستوى المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كفاءة ظاهرية، لكنه يخلق ثقافات عمل «فارغة». في المقابل، المؤسسات التي تستخدمه لتعزيز التفكير البشري تبني ميزة تنافسية مستدامة. ويصف ريدال هذه الميزة بـ«الإنسانية المصنوعة يدوياً» أي العمق والأصالة اللذين لا يمكن تحويلهما إلى سلعة.

يرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الوظائف بل في اهتزاز هوية الإنسان المرتبطة بما يفعله

إعادة التفكير في التعليم

تكشف هذه التحولات أيضاً حدود أنظمة التعليم الحالية، التي صُممت لنقل المعرفة، وهي مهمة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، اليوم. ويرى ريدال أن التعليم يجب أن يُعاد بناؤه حول الإبداع والحكمة والشخصية. الإبداع يعني القدرة على إنتاج أفكار جديدة. والحكمة تنبع من التجربة والتأمل، لا من المعلومات فقط. أما الشخصية، فتشمل القيم والقدرة على بناء علاقات إنسانية حقيقية. وفي مناطق، مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال تقاليد التعلم المجتمعي، ونقل الحكمة حاضرة، قد تمثل هذه المقومات ميزة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما بعد الاقتصاد التقليدي

يذهب ريدال أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه؛ ففي عالم قد لا يعتمد على العمل البشري بالشكل التقليدي، تصبح مفاهيم، مثل الإنتاجية والناتج المحلي، بحاجة إلى إعادة تعريف. وقد تنتقل القيمة إلى معايير تتعلق بجودة الحياة والمعنى والعلاقات الإنسانية. لكن هل يمكن للآلة أن تحل محل الحدس؟

يرد ريدال، عادّاً أن جزءاً من الحدس يمكن تفسيره كتعرُّف سريع على الأنماط، لكن هناك بُعداً أعمق يسميه «المعرفة التلقائية»، وهو إدراك لا يعتمد على التحليل، بل على الحضور الذهني العميق؛

فكثير من الاكتشافات الكبرى لم تأتِ من التفكير المكثف، بل من لحظات صفاء. وما إذا كان هذا النوع من الإدراك يمكن للآلة الوصول إليه، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

تحدّ تنظيمي يتجاوز الاقتصاد

مع توسع الذكاء الاصطناعي، تتجاوز آثاره الجانب الاقتصادي لتشمل الإدراك والصحة النفسية. ويؤكد ريدال ضرورة أن تأخذ السياسات العامة هذه الجوانب بعين الاعتبار، محذراً من «أن عدم القيام بذلك يمثل فشلاً تنظيمياً لا عذر لنا فيه». في النهاية، لا يتمثل التحدي في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله. ويؤكد ريدال أن الحل يبدأ بالوعي الذاتي حيث إن «تنمية الوعي ليست رفاهية... بل شرط أساسي للبقاء إنساناً كاملاً».