روسيا تطرح «المناطق الهادئة» بديلاً للمناطق الآمنة في سوريا

الخطة تشمل 4 مناطق وتضم معابر للمدنيين... ووحدة رصد للخروقات

طفلة سورية نازحة إلى بلدة أعزاز (شمال حلب) تحتضن دميتها أمام جدار دمرته المعارك (أ.ف.ب)
طفلة سورية نازحة إلى بلدة أعزاز (شمال حلب) تحتضن دميتها أمام جدار دمرته المعارك (أ.ف.ب)
TT

روسيا تطرح «المناطق الهادئة» بديلاً للمناطق الآمنة في سوريا

طفلة سورية نازحة إلى بلدة أعزاز (شمال حلب) تحتضن دميتها أمام جدار دمرته المعارك (أ.ف.ب)
طفلة سورية نازحة إلى بلدة أعزاز (شمال حلب) تحتضن دميتها أمام جدار دمرته المعارك (أ.ف.ب)

فاجأت روسيا المعارضة السورية باقتراحها 4 «مناطق هادئة» مع قوات فصل، تمهيدا لمعركة «طرد» تنظيمي «داعش» و«النصرة» من المناطق السورية، كما تنص الورقة التي ستكون طبقا أساسيا على طاولة مؤتمر «آستانة» الذي سينعقد غدا في العاصمة الكازاخية.
وأعطت الفصائل المسلحة الـ15 التي ستشارك في المؤتمر «موافقة مبدئية» على المقترح، لكنها طالبت بتوضيحات حول احتمال مشاركة إيران في قوات الفصل، فيما بادرت قوى معارضة أخرى إلى محاولة سحب فتيل المواجهة مع «النصرة» بمحاولة وضع اسم «القاعدة» بدلا منها. وقالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعا تحضيريا عقد في أنقرة بين الفصائل المسلحة ومبعوثين روس، بحضور تركي، طرحت فيه الورقة التي قدمتها موسكو إلى الجانب التركي أولا، ثم إلى الفصائل المعارضة التي أعلنت «موافقة مبدئية»، بانتظار مباحثات جديدة بين الفصائل. وقال المصدر إن أنقرة لم تبد رأيا في المقترح، لكنها تؤيد «كل ما يمنع قتل مزيد من الأشقاء السوريين».
وقال مصدر في المعارضة السورية شارك في الاجتماع إن الروس والأتراك «طلبوا موافقة فورية على النص المقترح»، مشيرا إلى أن الجانب التركي ترك الخيار للمعارضين، لكنه رأى أنه ليس هناك ما يخسرونه من الموافقة، باعتبار أن المقترح قد يكون إيجابيا إذا ما طبق. وأشار المصدر إلى أن ثمة ملاحظات يتم تدارسها بين الفصائل لتعديل المقترح من بينها استبدال اسم «النصرة» باسم «القاعدة» في محاولة من الفصائل على ما يبدو لمنع تفجر قتال معها قبل أوانه («جبهة النصرة» فكت ارتباطها عن «القاعدة» العام الماضي). وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن المعارضة تريد توضيحات بشأن قوة الفصل ومن سيشارك فيها، مؤكدا أنها لن تقبل أبدا بقوات إيرانية.
وعشية انطلاق الجولة الرابعة من مفاوضات آستانة، تم تسريب الورقة الروسية التي تتضمن خطة لإنشاء «مناطق تخفيف التصعيد في سوريا بين المعارضة والنظام» بما يبدو أنّها محاولة واضحة من موسكو لسحب بساط «المناطق الآمنة» من تحت أقدام واشنطن، وهو ما تدركه تماما قوى المعارضة السورية التي لا تزال تتعاطى بريبة مع المقترح الجديد.
وأعلن أكثر من طرف في المعارضة، أمس، أن عددا كبيرا من الفصائل قرر المشاركة في «آستانة 4»، وقد توجه لهذه الغاية، يوم أمس الاثنين، وفد إلى كازاخستان. وتحدث مصدر معارض معني بالملف لـ«الشرق الأوسط» عن تغيير في خريطة الفصائل المشاركة في المفاوضات، لافتا إلى أن الفصائل الرئيسية التي ستشارك في «آستانة 4»، هي تلك المنضوية في «درع الفرات» وبالتالي المقربة من تركيا، كما تلك المنضوية في «الجبهة الجنوبية» والمقربة من الأردن. وأكد أحمد رمضان، عضو الائتلاف المعارض لـ«الشرق الأوسط» مشاركة محمد علوش ممثل «جيش الإسلام» بإطار وفد يضم كلا من: أحمد بري، وأحمد عثمان، وياسر الفرحان، ويحيى العريضي، وممثلين عن فصائل الجبهة الجنوبية، فيما لم يعرف موقف «حركة أحرار الشام» التي حضرت اجتماع أنقرة.
وكشف المصدر أن «موسكو بعثت يوم الأحد الماضي بورقة إلى فصائل المعارضة سيتم بحثها في الجولة الجديدة من المفاوضات في آستانة، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بعدما فشل بنظر الروس الاتفاق الأخير وأثبت عدم فعاليته»، لافتا إلى أن الورقة تتضمن 9 بنود تلحظ وبشكل أساسي إنشاء مناطق سمتها «مناطق تخفيف التصعيد» وتشمل محافظة إدلب وشمال حمص والغوطة الشرقية وجنوب سوريا، على أن يُمنع فيها استخدام أي من أنواع الأسلحة، بما فيها طائرات النظام. وتلحظ الخطة الروسية الجديدة، إنشاء خطوط فاصلة على طول حدود المناطق المذكورة: «مع إمكانية إنزال المجموعات العسكرية للدول الضامنة لأجل الإشراف على مراعاة وقف الأعمال القتالية». وفي الجانب الإنساني، تتحدث الورقة عن تأمين مرور المدنيين بين المناطق المختلفة وعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، وكذلك إيصال المساعدات الإنسانية، وإعادة تهيئة البنى التحتية، وتوفير متطلبات الحياة اليومية للناس.
ونقل موقع «روسيا اليوم» عن فاتح حسون عضو وفد الفصائل المسلحة ووفد الهيئة العليا للتفاوض، قوله: «لم يتم تحديد الدول التي ستشارك في تلك القوات التي سيتم نشرها على خطوط التماس بين طرفي الصراع في سوريا»، لكنه أكد أن الدول المشاركة بقواتها ستكون «محايدة وغير مشاركة بالمعارك الجارية حاليا في سوريا».
وإذ أكد حسون أنّه «في حال تمت الموافقة من قبل أطراف الصراع على اقتراح موسكو، فسيتم إنشاء مجموعة عمل، وهي التي ستختار بدورها الدول التي ستشارك في تشكيل تلك القوات»، عدّ أن «روسيا ضامن لبدء العملية السياسية والاتفاقات التي تم التوصل إليها مع النظام السوري، وذلك يتطلب من المجتمع الدولي تدخلا أكبر في محادثات آستانة».
وأوضح عبد الرحمن الحاج، المعارض السوري المطلع على تفاصيل الورقة والحركة المستجدة على هذا الصعيد، أن أنقرة اقترحت أن تكون منطقة الفصل التي تتحدث عنها الخطة من اثنين من الكيلومترات، كما أن يتم ضم مناطق أخرى إلى المناطق المذكورة، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الفصائل لا تقبل ببند أساسي وارد في الورقة لجهة اعتماد القوات الإيرانية، باعتبار إيران إحدى الدول الـ3 الضامنة، كقوات فصل، وأضاف: «هذه القوات قوات عدوة ووجودها في مناطق الفصل سيؤدي لعزل مناطق المعارضة وتثبيت مبدأ التقسيم والكونتونات فعليا على أرض الواقع».
وعدّ عبد الرحمن أن ما تسعى إليه موسكو من خلال مقترحها الجديد، هو «القيام بعملية استباقية للإطاحة بفكرة المناطق الآمنة والتي هي حاليا مشروع أميركي»، لافتا إلى أن الروس «قد يكونوا أعدوا ورقة تفصيلية أخرى سيتم تقديمها خلال الاجتماعات في كازاخستان».
من جهته، عدّ أحمد أبا زيد، الباحث والكاتب السوري، أن روسيا تحاول ومن خلال خطتها الجديدة التي أطلقت عليها عنوان: «إنشاء مناطق تخفيف التصعيد في سوريا بين المعارضة والنظام»، «سحب ملف المناطق الآمنة من الأميركيين من خلال وضعه استباقيا على طاولة البحث في آستانة»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «احتمالات التوصل لاتفاق بشأنه ضئيلة جدا، بخاصة أن الفصائل تراهن على تغيير أكبر بالموقف الأميركي، أضف إلى أن الانقسامات داخل كيان الفصائل والصراعات الداخلية فيما بينها، كبيرة، وتقلل فرص الوصول إلى اتفاق على مخرجات آستانة 4».
أما أبو علي عبد الوهاب، القيادي في «جيش الإسلام» في إدلب، فاستغرب طرح ملف بهذه الأهمية على طاولة «آستانة» التي تقاطعها معظم قوى المعارضة، لافتا إلى أنه وبعد مجزرة الكيماوي في خان شيخون وبعدها الفيتو الروسي في مجلس الأمن، كان هناك قرار واضح من قبل الفصائل بأن «آستانة انتهت». وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»: «كيف نتعاطى في آستانة مع موسكو كطرف ضامن وهي بالحقيقة إلى جانب إيران تقتل الشعب السوري؟». وأوضح أن التعويل اليوم هو على «عودة الأميركيين إلى الملف السوري، ما سيؤدي حتميا لتغيير بموازين القوى القائمة حاليا على الأرض».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.