منجزات طبية في عام 2016

عيون «بيونية» وجلد طبيعي وتقنيات مطورة لحماية القلب وأبحاث رائدة على المخ

منجزات طبية في عام 2016
TT

منجزات طبية في عام 2016

منجزات طبية في عام 2016

نهاية كل عام تستعرض «صحتك» أهم الأحداث والإنجازات الطبية خلال العام الماضي، والمستجدات المهمة في المجال الصحي لا سيما في التقنيات الحديثة للتشخيص أو العلاج وكذلك الأبحاث المهمة التي يمكن أن تمهد نتائجها لعلاج كثير من الأمراض وتساعد ملايين المرضى في الشفاء.. وقد شهد هذا العام كثيرًا من الاكتشافات والاختراعات الطبية التي يمكن أن تغير من الأحوال الصحية لملايين المرضى

عيون «بيونية»
• عين غوغل الإلكترونية: في هذا العام طورت شركة «غوغل» العدسات التي يتم زرعها في العين بدلا من عدسة العين الطبيعية للمرضى الذين يعانون من مشكلات في الرؤية مثل مرضى المياه البيضاء. ومن خلال هذه العدسة الذكية البيونية cyborg eye implant يتمكن المريض من الرؤية بشكل طبيعي، كما أنها تستطيع ضبط البؤرة وتصحيح الصورة من خلال تغير شكلها وبعدها البؤري من خلال تقنيات عالية الدقة، وتشمل عدة أجزاء دقيقة بجانب العدسة منها مساحة للتخزين وقرون استشعار إلكتروني sensors وبطارية. ويتم حقنها من خلال سائل معين في العين وهذا السائل يتحول بعد ذلك إلى مادة صلبة في تجويف العدسة الأساسية وبذلك يمكنها أن تعالج مرضى قصر النظر دون الحاجة لارتداء نظارة طبية أو عدسات لاصقة.
وتقوم العين الإلكترونية أيضًا بإرسال البيانات إلى الهاتف الذكي أو كومبيوتر محمول متصل بنفس برمجتها على الإنترنت حتى يمكن للطبيب معالجة أي مشكلات في الرؤية ويذكر أن غوغل تعمل على الجيل الجديد من العدسات اللاصقة الذكية يمكنها من قياس الجولكوز بالدم من خلال الدموع ويأمل الباحثون في التوصل إلى عدسة ذكية قادرة على استعادة الرؤية تمامًا للأشخاص الذين فقدوا بصرهم.

تقنيات لحماية القلب
• دعامة شريانية يمتصها الجسم. في كل عام هناك مئات الآلاف من مرضى الشرايين التاجية حول العالم يتم تركيب دعامات لهم تساعد على بقاء شريان واحد أو أكثر مفتوحًا بشكل يسمح للدم بالمرور الطبيعي للقلب. وفي الأغلب تظل هذه الدعامة في جسم الإنسان طيلة حياته. وبطبيعة الحال يمكن بعد مرور السنين أن تحدث تجلطات جديدة في الدعامة نفسها.
وكان العلماء يفكرون دائما في إمكانية عمل دعامة تقوم بتقويم الشريان وعلاج الانسداد وتسمح بالمرور الطبيعي للدم ثم تختفي بعد أداء مهمتها. وفي منتصف العام الحالي تحقق هذا الهدف وتمت الموافقة على أول دعامة يمكن للجسم أن يمتصها bio absorbable stent ومصنوعة من مادة كيميائية تذوب بشكل طبيعي في الجسم بعد أن تكون قد قامت بتوسعة الشريان لمدة عامين كاملين قبل ذوبانها. وبعد اختفاء الدعامة يكون الشريان قد أصبح طبيعيا ويسير الدم بشكل طبيعي فيه، مع تناول المريض الأدوية التي تمنع تجلطات الدم في المستقبل، ويمكن بطبيعة الحال استخدام هذه الدعامات في كثير من أمراض القلب الأخرى.
• منظم صغير جدا لضربات القلب. على الرغم من وجود منظم ضربات القلب منذ فترة طويلة إلا أن التوصل إلى منظم لضربات القلب pacemaker حجمه لا يتعدى حجم كبسولة الفيتامينات، يعتبر إنجازا بالغ الأهمية خصوصا أنه لا يحتاج إلى عمليات جراحية مثل الأجهزة القديمة بل يتم حقنه من خلال القسطرة ليصل إلى القلب مباشرة ويلتصق به.
وتم هذا العام موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA على استخدامه. وهو يوصل النبضات الإلكترونية اللازمة التي تعمل على تنظيم الضربات الطبيعية للقلب للمرضى الذين يعانون من خلل في معدل ضربات القلب وأعرب 96 في المائة من المرضى الذين استخدموا الجهاز عن عدم شعورهم بأي مضاعفات منه.

أدوية السكري
• أدوية جديدة لمرض السكري: منذ 10 سنوات تقريبا ظهرت أنواع جديدة من الأدوية التي تعالج مرض السكري من النوع الثاني والتي تهدف إلى تقليل الجلوكوز في الدم دون الأعراض الجانبية التي كان تحدث مع الأدوية القديمة. ولعل أشهر هذه الأعراض الجانبية كان هبوط السكر الشديد بالدم وبشكل مفاجئ، وأيضًا عدم إمكانية الحفاظ على سلامة الأوعية الدموية بشكل كاف، الأمر الذي كان يسرع من حدوث مضاعفات السكري مثل الأزمات القلبية ومشكلات الإبصار وغيرها.
وعلى الرغم من كفاءة تلك الأدوية، فإنها لم تنجح تماما في التغلب على المضاعفات، لا سيما أن الإحصائيات تشير إلى أن 50 في المائة من مرضى السكري سوف يلقون حتفهم نتيجة للنوبات القلبية، وفي هذا العام ظهر نوعان من الأدوية التي استطاعت أن تخفض من نسبة المضاعفات بشكل كبير وهما Empagliflozin وLiraglutide اللذان يعتقد الباحثون أن العام المقبل سوف يشهد تحول آخر الأنواع المستخدمة حاليا إلى الأنواع الجديدة التي سوف تقلل بشكل كبير من المضاعفات المتعلقة بالنوبات القلبية.

جلد وغضروف صناعيان
• جلد صناعي: في العقود الأخيرة حدثت طفرة كبيرة في استخدام الجلد الصناعي artificial skin graft للمرضى ضحايا الحروق أو الأمراض الجلدية الخطيرة التي تستلزم استئصال جزء من الجلد. ولكن الجديد في هذا العام هو توصل الباحثين إلى ما يشبه جلدًا جديدًا (second skin) لجسم الإنسان مصنوع من مادة رقيقة للغاية وشفافة مصنوعة من السيلكون وتحاكي جلد الإنسان المشدود في مرحلة الشباب واسمه XPL وتأثير الجلد الجديد يحدث مباشرة بعد وضعه، ولكن للأسف فإنه يفقد أثره بعد يوم واحد فقط.
والجلد الجديد يمكن ارتداؤه على الجلد الأصلي دون أن يمكن لأحد التعرف عليه نظرا لرقته البالغة إذ إن أكثر جزء سميك من الجلد يبلغ نحو 70 ميكرومترًا وهو ما يعادل نصف سمك الورقة العادية. ويفيد الجلد الجديد في المناطق المعرضة للرؤية مثل جلد الوجه حيث يعطي المظهر الشبابي المشدود ويكون تقريبًا أنعم مرتين من الجلد العادي. ويمكن بعد أن يفقد الجلد الصناعي مرونته أن يتم خلعه من قبل الشخص وحتى الآن يتم استخدامه في الأغراض التجميلية المؤقتة، لكن الدراسات مستمرة على تطويره لاستخدامه بشكل طبي. وبالفعل هناك بعض الأنواع ذاتية التجدد في طريقها للاستخدام في الأعوام المقبلة.
• غضاريف صناعية: في هذا العام طور العلماء من المملكة المتحدة وإيطاليا مادة أقرب ما تكون للغضاريف الطبيعية Cartilage وتشجع على نمو الغضروف بشكل طبيعي، وسمَّوا هذه المادة الزجاج الطبيعي Bioglass، وهي تتميز بالمرونة والقوة في الوقت ذاته، مثل الغضروف الأصلي وتتحمل الصدمات مثل القفز أو الصعود وأيضًا يمكن تحمل الأوزان، مثل زيادة الوزن. وتتم صناعتها من مادة تشبه الدعامات ويتم زرعها خلف المفصل الطبيعي لتساعد الغضاريف الطبيعية على النمو.
وهذه الغضاريف الصناعية تتميز بإمكانية أن تجدد نفسها self - healing في حالة تعرضها للتلف وعلى الرغم من أن النموذج الحالي تمت تجربته في الغضاريف الموجودة بين فقرات العمود الفقري، فإن التعديلات ما زالت مستمرة لكي تكون مناسبة أيضًا للمفاصل الكبيرة مثل مفصل الركبة، خصوصًا في الإصابات التي يحدث فيها استحالة لنمو الغضاريف.

تقنيات وأبحاث المخ
• شريحة بالمخ تعيد الحركة للجسم: استطاع العلماء التوصل إلى شريحة يمكن وضعها بالمخ تمنح الحركة للأطراف في جسد شاب مصاب بشلل من منطقة الصدر وحتى القدمين عن طريق شريحة إلكترونية صغيرة microchip مزروعة في المخ، ومتصلة بكومبيوتر، وبجهاز حول ذراعه بحيث تستطيع ترجمة أفكاره إلى نبضات كهربائية بشكل مباشر إلى يديه وأصابعه ويحركها دون المرور بالحبل الشوكي. وهذه الشريحة تم زراعتها في المخ منذ عامين، وتم تدريبه من خلال جلسات طويلة وتدريب شاق على تركيز أفكاره في تحريك شيء معين، مثل أن يقوم بصب الماء من زجاجة حتى إنه تمكن من لعب بعض ألعاب الفيديو.
وعلى الرغم من أن التقنية الجديدة لا تعتبر علاجا للشلل وما زالت في طور التجريب في المختبرات إلا أنها تعتبر خطوة كبيرة للأمام، إذ إن الحركة تمت في طرف ليس فيه إحساس أو عن طريق التوصيلات العصبية العادية، ولكن الباحثين أشاروا إلى إمكانية أن تقوم هذه الشرائح في المستقبل بفك شفرات المخ العصبية وتحويلها إلى حركة بشكل يمكِّن المريض من التحرك بمفرده.
• حفظ مخ أرنب بشكل كامل. أعلنت منظمة غير ربحية مهتمة بأبحاث حفظ خلايا المخ أن فريق بحث من مجموعة تسمى طب القرن الحادي والعشرين 21 st Century Medicine قد نجح في حفظ مخ أرنب بشكل كامل من خلال استخدام أنواع معينة من المواد الكيميائية تُستخدم للمرة الأولى في حفظ الأعصاب (من هذه المواد مادة معينة glutaraldehyde وتستخدم حاليا كنوع من أنواع المطهرات القوية جدا) ثم تم بعد ذلك تبريدها لدرجة منخفضة جدًّا من خلال تقنية تسمى الحفظ عن طريق التبريد والكيمائيات Aldehyde - Stabilized Cryopreservation.
وتعمل المادة الكيميائية نظرا لقوتها على وقف تحلل الأنسجة وتحافظ على البروتين المبطن للأوعية الدموية للمخ لا سيما أن درجة حرارة الحفظ هي 135 تحت الصفر، وهي درجة كفيلة بحفظ المخ لسنوات طويلة جدًا. وأهمية هذه التجربة في أن مخ الثدييات قريب جدا من المخ البشري وبذلك قد يكون من الممكن أن تتم الاستفادة بهذه الطريقة في المستقبل القريب ليس للدراسة التشريحية فقط بل ربما يكون من الممكن حفظ الذاكرة أيضا.
• شبكة لدراسة المخ. على الرغم من أن استخدام الشرائح المعدنية المزروعة في المخ سواء لعلاج بعض الأمراض مثل الشلل الرعاش Parkinson’s disease أو لدراسة المخ وديناميكيته، فإن النجاح دائما كان محدودًا. وفى هذا العام تمكن فريق من الباحثين من جامعة هارفارد من التوصل إلى شبكة رقيقة جدًا ومرنة يمكن لخلايا المخ أن تنمو حولها، وهذه الشبكة يتم إدخالها إلى المخ عن طريق حقنها Injectable Brain Mesh من خلال إبرة في فتحة داخل الجمجمة.
وهذه الشبكة مصنوعة من مادة موصلة للكهرباء وتم حقنها بالفعل في فئران التجارب لمدة 5 أسابيع دون أن ينتج عنها أي رد فعل مناعي ولا يرفضها الجسم. ويستعد الباحثون لإجراء التجارب على الإنسان ودراسة الأعصاب والتوصيلات العصبية وبالتالي يمكن مستقبلاً دراسة القدرات الإدراكية للإنسان وأيضًا العواطف المختلفة وتأثيرها العضوي على المخ فضلاً عن دورها العلاجي في أمراض الشلل الرعاش والسكتة الدماغية.

لقاح مضاد للسرطان
• لقاح جديد ضد السرطان: حمل هذا العام اكتشاف لقاح قد يكون فعالاً في الوقاية والعلاج من بعض أنواع السرطان.. وتعتمد فكرة اللقاح الجديدة على إمكانية تدريب خلايا الجسم على مقاومة السرطان بنفس الكيفية التي يقاوم بها الميكروبات المختلفة من خلال ما يمكن وصفه بـ«تعليم» الجهاز المناعي الاستفادة من خبراته السابقة. وعلى الرغم من أن هناك بعض أنواع اللقاحات قامت FDA بالفعل بالموافقة عليها في علاج الحالات المتقدمة من سرطان البروستاتا وكذلك سرطان الجلد، فإن اللقاح الجديد يهدف إلى محاربة التركيبة الجينية الأساسية لأي ورم خبيث مما يجعله لقاحا يمكن أن يستخدم لمعظم الأنواع Universal cancer vaccine.
وبالفعل تمت التجارب عليه في الفئران أظهرت حدوث مناعة قوية ضد السرطان، وفي التجارب على مرضى بسرطان الجلد ساعد في تحسن حالتها وتعتمد الفكرة على حقن جزيئات صغيرة جدا من الشفرة الجينية للسرطان للمريض. ويقوم جهاز المناعة بحماية نفسه من خلال التعرف على الورم على أنه جسم غريب (خلايا السرطان تكون مشابهة للخلايا العادية مما يجعل الجسم يتجاهلها، ولكن في التقنية الجديدة تتم إضافة جزيئات جديدة تساعد جهاز المناعة على التعرف على الورم). ونظرا للطفرة الكبيرة في الهندسة الوراثية يمكن برمجة معظم الشفرات الجينية للأورام المختلفة ويعتبر هذا اللقاح أملاً كبيرًا في الوقاية من السرطان، لا سيما أنه سريع وغير مكلف.
• مضاد حيوي من بكتيريا الجسم: استطاع علماء أميركيون التوصل إلى الجين الرئيسي في البكتيريا الموجودة بالجسم، القادر على تصنيع مضادات لهذه الميكروبات. ومن المعروف أن معظم المضادات الحيوية الحالية تعتمد في تصنيعها على جزيئات طبيعية مشتقة من الأنواع المختلفة للبكتيريا وعلى المدى الطويل يحدث نوع من أنواع المقاومة resistance لعمل هذه المضادات، وهو الأمر الذي يجعل من التوصل إلى أنواع جديدة من المضادات الحيوية أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما أن هناك أنواعًا كثيرة من البكتيريا يصعب زراعتها في المختبرات، وحتى في حالة زرعها لا يتم التوصل إلى الجين المسؤول عن إنتاج الجزيئات اللازمة لتصنيع المضاد الحيوي.
وفي هذا العام تم التوصل إلى هذا الجين في جينوم البكتيريا microbe›s genome، وتم إنتاج نوعين من المضادات الحيوية دون الحاجة إلى زراعة البكتيريا، وبعد التوصل إلى الجين في بكتيريا الجسم تم استخدام برامج الكومبيوتر المتخصصة لفحص المئات من تلك العوامل الوراثية لمجموعات من الجينات التي يحتمل أن تنتج جزيئات تعرف باسم الببتيدات non - ribosomal peptides التي تشكل الأساس لكثير من المضادات الحيوية، كما استخدموا البرنامج لتوقع التركيب الكيميائي للجزيئات التي يمكن للجين أن ينتجها ومن خلال التجارب تم التوصل إلى النوعين الجديدين وتمت تسميتهم humimycins وينتظر أن يحرزا تقدمًا كبيرًا في معالجة كثير من الأمراض التي تسببها تلك الجراثيم.



الصيام والصحة في رمضان

الصيام والصحة في رمضان
TT

الصيام والصحة في رمضان

الصيام والصحة في رمضان

مع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، يبدأ كثير من الناس في إعادة النظر في علاقتهم بأجسادهم وغذائهم ونمط حياتهم اليومي. فالصيام لا يُعد مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب، بل يمثل تجربة فسيولوجية وسلوكية متكاملة، تفرض على الجسم إيقاعاً مختلفاً، وقد تمنحه فرصة نادرة لاستعادة التوازن إذا ما أُحسن التعامل معها. وبينما ينشغل البعض بتجهيز موائد الإفطار، يغيب عن كثيرين أن الصيام، في جوهره، ممارسة صحية ذات أبعاد مثبتة علمياً، شرط أن يُمارس بوعي واعتدال.

ويُنظر إلى شهر رمضان، من منظور طبي، بوصفه فترة انتقالية تتغير فيها مواعيد النوم والطعام والنشاط البدني، ما يجعل الجسم في حالة تكيف مستمر. وقد يكون هذا التكيف إيجابياً، فينعكس تحسناً في بعض المؤشرات الصحية، أو سلبياً إذا ارتبط بعادات غذائية خاطئة وسلوكيات مرهقة. ومن هنا تبرز أهمية فهم العلاقة بين الصيام والصحة، لا بعدّها علاقة تلقائية، بل علاقة مشروطة بنمط الممارسة.

فرصة صحية

يتميّز شهر رمضان بكونه فرصة سنوية لإعادة ضبط العادات اليومية، وهو ما يجعله بيئة مناسبة لتبني سلوكيات صحية جديدة. فالتقليل الإجباري من عدد الوجبات، وتحديد أوقات الأكل، يمنحان الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ويساعدان الجسم على تحسين كفاءته الأيضية. وتشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن أنماط الصيام المتقطع، عندما تُمارس بطريقة سليمة، قد تسهم في تحسين التمثيل الغذائي، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الالتهابات المزمنة.

لكن هذه الفرصة قد تتحول إلى عبء صحي لدى البعض، خصوصاً إذا استُبدل بالحرمان المؤقت إفراط لاحق، أو أُهملت الاحتياجات الأساسية للجسم، مثل النوم الكافي والترطيب المنتظم. لذا فإن النظرة الصحية لرمضان يجب أن تقوم على التوازن، لا على القسوة أو التعويض المفرط.

• ماذا يحدث للجسم في أثناء الصيام؟ خلال ساعات الصيام، يعتمد الجسم في البداية على مخازن الغلوكوز (الغليكوجين) في الكبد والعضلات لتوفير الطاقة. وبعد استنفاد هذه المخازن، يبدأ في التحول التدريجي إلى استخدام الدهون كمصدر بديل للطاقة، وهي عملية تُعرف بالأيض الدهني. ويُعد هذا التحول من أبرز الفوائد الفسيولوجية للصيام، إذ يُسهم في تحسين حساسية الخلايا للإنسولين وتقليل تراكم الدهون الضارة.

كما تشير دراسات منشورة في دوريات طبية متخصصة، مثل The New England Journal of Medicine، إلى أن الصيام قد يحفّز عمليات الإصلاح الخلوي، ويعزز ما يُعرف بآلية «الالتهام الذاتي»، وهي عملية طبيعية يتخلص فيها الجسم من الخلايا التالفة، ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة على المدى البعيد. ويُلاحظ كذلك تحسن في بعض المؤشرات الالتهابية، وانخفاض في مستويات بعض الدهون في الدم، لدى الصائمين الذين يلتزمون بنمط غذائي متوازن.

غير أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً، إذ إن الإفراط في تناول السكريات والدهون المشبعة بعد الإفطار قد يُفقد الصيام أثره الإيجابي، بل وقد يؤدي إلى اضطرابات هضمية وزيادة في الوزن.

• متى يكون الصيام مساعداً على إنقاص الوزن ومتى يزيده؟ يستقبل كثير من الصائمين شهر رمضان وهم يتوقعون أن يؤدي الامتناع اليومي، لساعات محددة، عن الطعام والشراب إلى فقدان الوزن تلقائياً، غير أن هذا التصور لا يكون دقيقاً من الناحية الفسيولوجية. فالصيام لا يعمل بمعزل عن السلوك الغذائي ونمط الحياة اليومي، إذ إن فقدان الوزن يرتبط بشكل أساسي بتوازن الطاقة وتنظيم العمليات الأيضية داخل الجسم، وفي مقدمتها دور هرمون الإنسولين.

خلال ساعات الصيام تنخفض مستويات الإنسولين تدريجياً، ما يسمح للجسم بالانتقال من استخدام الغلوكوز إلى الاعتماد على مخازن الدهون كمصدر للطاقة، وهي آلية فسيولوجية تُعد أساس الفائدة الأيضية للصيام. وعندما يُمارس الصيام ضمن نمط غذائي متوازن، مع توزيع معتدل للوجبات، وتجنب الإفراط في السكريات، والحفاظ على نشاط بدني مناسب، تتحسن حساسية الخلايا للإنسولين، ويصبح الجسم أكثر كفاءة في حرق الدهون وتنظيم الشهية، وهو ما يتوافق مع ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية وهيئات التغذية الدولية بشأن فوائد الصيام المتقطع عند تطبيقه ضمن إطار صحي غذائي وسلوكي متكامل.

في المقابل، تُفقد هذه الفائدة الأيضية عندما يُكسر الصيام بوجبات عالية السكر والدهون، إذ يؤدي الارتفاع الحاد في مستويات الغلوكوز بعد الإفطار إلى إفراز كميات كبيرة من الإنسولين، ما يدفع الجسم إلى تخزين فائض الطاقة على هيئة دهون. ويزداد هذا الأثر مع قلة الحركة واضطراب النوم، حيث تؤكد دراسات فسيولوجية متعددة أن السهر وقلة الراحة يُخلّان بتوازن الهرمونات المنظمة للجوع والشبع، ويزيدان من مقاومة الإنسولين، الأمر الذي قد يحوّل الصيام من فرصة لتحسين الأيض إلى عامل غير مباشر في زيادة الوزن.

ومن هنا تتضح القاعدة الصحية الأساسية: الصيام ليس وصفة سحرية لفقدان الوزن، ولا سبباً حتمياً لزيادته، بل هو أداة فسيولوجية حساسة تتأثر بكيفية استخدامها من حيث كسر الصيام، ونوعية الطعام، وتنظيم النوم والحركة. والنتيجة النهائية لا تحددها ساعات الامتناع عن الطعام بقدر ما تصنعها الخيارات اليومية التي يتخذها الصائم طوال الشهر الكريم.

• فوائد جسدية ونفسية. عند الالتزام بمبادئ التغذية السليمة، يمكن للصيام أن يقدم مجموعة من الفوائد الصحية المهمة. من أبرز هذه الفوائد تحسين التحكم في مستويات السكر في الدم، وهو ما ينعكس إيجاباً على مرضى ما قبل السكري، وفق ما تشير إليه دراسات رصدية متعددة. كما يسهم الصيام في منح الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ما قد يقلل من أعراض عسر الهضم والارتجاع لدى بعض الأشخاص.

ولا تقتصر الفوائد على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية. فقد أظهرت أبحاث منشورة في دوريات علم النفس الصحي أن الصيام المصحوب بنمط حياة منظم قد يساعد في تحسين التركيز، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالانضباط الذاتي. ويعزو الباحثون ذلك إلى انتظام الوجبات، وتقليل استهلاك المنبهات، ووجود بُعد روحي يدعم الاستقرار النفسي.

أخطاء شائعة

رغم الإمكانات الصحية الكبيرة التي يوفّرها الصيام، يقع كثير من الصائمين في ممارسات يومية تقلل من فوائده أو تحرمه من أثره الإيجابي المرجو. فبعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام والشراب، يُفاجئ البعضُ أجسادَهم بوجبات دسمة تفوق احتياجاتهم الفعلية، ما يؤدي إلى شعور بالثقل والخمول واضطرابات في الهضم، مع حدوث ارتفاع سريع في مستويات سكر الدم. ولا يقل إهمال شرب الماء أهمية عن ذلك، إذ يكتفي كثيرون بكميات محدودة من السوائل خلال فترة الإفطار، ما قد يعرّض الجسم للجفاف ويؤثر في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويضاف إلى هذه السلوكيات اضطراب نمط النوم الناتج عن السهر الطويل وقلة عدد ساعات الراحة، الأمر الذي يخلّ بتوازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، ويزيد من الشعور بالإرهاق خلال ساعات الصيام. كما أن الاعتماد المفرط على الحلويات الرمضانية والمقليات، رغم ارتباط ذلك بالعادات الاجتماعية، يؤدي إلى تقلبات حادة في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبها شعور بالتعب والجوع المبكر. وتشكّل هذه الأخطاء مجتمعة، عائقاً حقيقياً أمام تحقيق الفوائد الصحية للصيام، وتحول هذه العبادة إلى تجربة مرهقة بدل أن تكون فرصة لإعادة التوازن الجسدي.

ومن أبرز هذه الممارسات الخاطئة مما يمكن رصده في السلوك الغذائي اليومي للصائمين، والتي تستحق الوقوف عندها بشيء من التفصيل:

• الإفراط في الأكل عند الإفطار. يُعد تناول كميات كبيرة من الطعام فور أذان المغرب من أكثر الأخطاء شيوعاً في رمضان. فبعد ساعات طويلة من الصيام، يكون الجهاز الهضمي في حالة استعداد تدريجي، وليس مهيأً لاستقبال وجبات دسمة ومركزة. وقد يؤدي هذا السلوك إلى الشعور بالثقل، واضطرابات الهضم، وارتفاع مفاجئ في سكر الدم، ما يحرم الصائم من الفائدة الصحية المرجوة من الصيام.

• إهمال شرب الماء. يركز كثير من الصائمين على نوعية الطعام وينسون أهمية الترطيب. والاكتفاء بكميات محدودة من الماء بين الإفطار والسحور قد يعرّض الجسم للجفاف، ويؤثر سلباً في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويؤكد مختصو التغذية أن شرب الماء يجب أن يكون موزعاً على ساعات الإفطار، لا دفعة واحدة.

• السهر الطويل وقلة النوم. يتعامل البعض مع رمضان بوصفه شهر السهر، ما يؤدي إلى اضطراب النوم وقلة عدد ساعاته. هذا الخلل يؤثر في توازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، وقد يسبب الإرهاق، وتقلب المزاج، وزيادة الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية خلال النهار.

• الاعتماد على الحلويات والمقليات. تمثل الحلويات الرمضانية والمقليات عنصراً أساسياً على كثير من الموائد، لكن الإفراط فيها يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبه شعور بالخمول والتعب. ويؤكد الأطباء أن الاعتدال في هذه الأطعمة، واستبدال خيارات أخف بها، يسهم في الحفاظ على استقرار الطاقة والصحة العامة خلال الشهر.

• كيف نجعل من الصيام نمطاً صحياً؟ لتحقيق الفائدة الصحية المرجوة من الصيام، يُنصح باتباع مجموعة من الإرشادات البسيطة والعملية. من أهمها توزيع الوجبات بين الإفطار والسحور بشكل متوازن، والبدء بالإفطار بوجبة خفيفة تسمح للجهاز الهضمي بالاستعداد التدريجي. كما يُعد شرب الماء على فترات منتظمة بين الإفطار والسحور عنصراً أساسياً للحفاظ على الترطيب.

ويُوصي خبراء التغذية، استناداً إلى إرشادات منشورة من هيئات صحية دولية، بضرورة إدخال الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ضمن الوجبات الرمضانية، والحد من السكريات المضافة والدهون المشبعة. كما أن ممارسة نشاط بدني خفيف بعد الإفطار، مثل المشي، تسهم في تحسين الهضم وتنظيم مستويات السكر.

أما النوم، فيجب التعامل معه بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الصحة الرمضانية، من خلال محاولة الحفاظ على عدد ساعات كافٍ، ولو بصورة متقطعة، لتجنب الإرهاق المزمن.

ويبقى الصيام أكثر من مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب؛ إنه تجربة متكاملة لإعادة التوازن بين احتياجات الجسد ومتطلبات الحياة اليومية. ومع الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، تبرز فرصة حقيقية لتحويل الصيام إلى نقطة انطلاق نحو نمط حياة صحي أكثر وعياً واستدامة. فالصحة لا تُبنى بقرارات مفاجئة أو ممارسات موسمية، بل بخيارات يومية مدروسة، تبدأ من مائدة الإفطار، وتمتد إلى ما بعد انتهاء الشهر الفضيل.

• استشاري طب المجتمع.


أهم العوامل المُسببة لحساسية الطعام في الطفولة المبكرة

أهم العوامل المُسببة لحساسية الطعام في الطفولة المبكرة
TT

أهم العوامل المُسببة لحساسية الطعام في الطفولة المبكرة

أهم العوامل المُسببة لحساسية الطعام في الطفولة المبكرة

كشفت دراسة تحليلية كبيرة لباحثين من جامعة ماكماستر (McMaster University) في كندا، عن أهم العوامل التي تحدث في مرحلة الطفولة المبكرة التي تتنبأ بزيادة خطر الإصابة بحساسية الطعام. ونُشرت في مطلع شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، في مجلة الرابطة الطبية الأميركية لطب الأطفال «JAMA Pediatrics».

حساسية الطعام

من المعروف أن حساسية الطعام تؤثر بالسلب على صحة أكثر من 33 مليون شخص في الولايات المتحدة فقط، وتحدث لأسباب مناعية؛ حيث يتعرف الجسم على بعض الأطعمة كما لو كانت خطراً يهدد الجسم مثل الميكروبات، وبالتالي يبدأ الجسم في رد فعل دفاعي للحماية من هذا الخطر. وهذا التفاعل هو ما يطلق عليه لفظ «حساسية».

يتم تشخيص حساسية الطعام بعد حدوث الأعراض المميزة لها، مثل الحكة الجلدية والاحمرار وسيلان الأنف عند تناول طعام معين. ويمكن عمل تحليل في الدم لرصد ارتفاع مستويات البروتين المناعي E (IgE). وفي الأغلب تحدث الحساسية في مرحلة الطفولة، ويمكن أن تستمر مدى الحياة، وفي معظم الأحيان تكون أعراضها بسيطة؛ لكنها يمكن أن تسبب في بعض الأحيان النادرة مشكلة صحية مهددة للحياة.

قام الباحثون بمراجعة بيانات 190 دراسة، أُجريت في 40 دولة، وشارك فيها ما يقرب من 3 ملايين طفل، بهدف تحديد عوامل الخطر الأكثر ارتباطاً بحساسية الطعام؛ لأنها تؤثر على النظام الغذائي للأطفال، ما يساعد في نموهم وتطورهم على المستويين العضوي والإدراكي.

وقامت الدراسة بتقييم كثير من عوامل الخطورة (نحو 300 عامل) للإصابة بحساسية الطعام، لمعرفة تأثير كل عامل على الرضَّع والأطفال في مختلف المجتمعات؛ حيث تباينت معدلات الإصابات بين القارات. وفي المجمل بلغ معدل الإصابة بحساسية الطعام نحو 4.7 في المائة، بينما ارتفعت نسبة الإصابات في أستراليا بشكل كبير؛ حيث بلغ معدل الإصابة نحو 10 في المائة، مقابل نحو 1.8 في المائة فقط في أفريقيا.

وأوضح الباحثون أن وجود خلل في خلايا الجلد يُعد مؤشراً قوياً على الإصابة بحساسية الطعام. وأيضاً كان من بين عوامل الخطر الرئيسية المرتبطة بحساسية الطعام، وجود تاريخ سابق للإصابة بالأمراض المناعية المنشأ. وعلى سبيل المثال، زادت احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بمقدار الضعف في الأطفال الذين عانوا من عرض الصفير في الصدر (wheezing)، وزادت بمقدار 3 أضعاف في الأطفال الذين عانوا من وجود التهابات الأنف/ الملتحمة التحسسية.

ارتبطت الإصابة بالتهاب الجلد التحسسي في السنة الأولى من العمر بزيادة احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بمقدار 4 أضعاف، وارتبط ارتفاع فقدان الماء عبر البشرة، (الذي يعكس ضَعفاً في وظيفة الجلد)، بزيادة الاحتمالية بمقدار 3 أضعاف تقريباً، كما ارتبط تأخير إدخال الأطعمة الصلبة في الفطام، وخصوصاً الفول السوداني، بعد عمر 12 شهراً، بزيادة الاحتمالية بأكثر من الضعف.

دور المضادات الحيوية

وفيما يتعلق بالتعرض للمضادات الحيوية، ارتبط استخدام المضادات الحيوية خلال الشهر الأول من العمر بزيادة احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بمقدار أربعة أضعاف تقريباً، وارتبط التعرض للمضادات الحيوية قبل الولادة بزيادة الاحتمالية بنسبة 30 في المائة، بينما ارتبط التعرض لها خلال السنة الأولى من العمر بزيادة الاحتمالية بنسبة 40 في المائة.

وأظهرت النتائج، أن العوامل الاجتماعية والوراثية لعبت دوراً مهماً في الإصابة بحساسية الطعام؛ حيث ضاعف وجود تاريخ عائلي احتمالية الإصابة، عندما كانت الأم أو كلا الوالدين مصاباً بحساسية الطعام، وزادها بأكثر من الضعف عندما كان الأشقاء مصابين، ورفعها بنحو 70 في المائة عندما كان الأب فقط مصاباً بحساسية الطعام، وارتبطت هجرة الوالدين قبل ولادة الطفل بزيادة الاحتمالية بأكثر من 3 أضعاف.

كما لاحظ الباحثون أن معدل الإصابة بحساسية الطعام في الأطفال ذوي البشرة السوداء كان أعلى بأربعة أضعاف تقريباً مقارنة بالأطفال البيض، وأعلى بمرتين تقريباً مقارنة بالأطفال البيض غير المنحدرين من أصول إسبانية، ولكنهم قالوا إن هذه الارتباطات في الأغلب نتيجة لتأثيرات اجتماعية وبيئية وليست مجرد تأثير للعرق البيولوجي.

وكان هناك بعض العوامل التي أثرت في زيادة احتمالية الإصابة بشكل بسيط، مثل عامل الجنس؛ حيث زادت نسبة الإصابة في الذكور 24 في المائة تقريباً، وأيضاً ترتيب الولادة؛ حيث زادت النسبة في الطفل الأول 13 في المائة، وطريقة الولادة؛ حيث زادت النسبة في الولادة القيصرية 16 في المائة.

ووجد الباحثون أن كثيراً من عوامل الخطر المشتبه بها افتقرت إلى أدلة داعمة قوية، ولم تكن ذات دلالة إحصائية في زيادة فرص الإصابة بحساسية الطعام، بما في ذلك الأدوية التي تتناولها الأم، والاكتئاب، والبيئة الريفية، ومؤشرات الميكروبات المعوية لدى الرضَّع. وأوضحت الدراسة أن السبب في حدوث حساسية الطعام يمكن أن يكون بسبب عدة عوامل مختلفة ومتداخلة. وعلى سبيل المثال، يشير الباحثون إلى أن الهجرة قد تُغيِّر توقيت التعرض لمسببات الحساسية، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم التهاب الجلد التحسسي وتغيير تركيبة الميكروبيوم المعوي، مما قد يُسهم في تطور حساسية الطعام.

وأكد الباحثون أن ارتباط هذه العوامل بزيادة احتمالية الإصابة لا يعني بالضرورة أن كل طفل يعاني من هذه المشكلات سوف يصاب بحساسية الطعام، ولكن يكون أكثر عرضة للإصابة فقط، ولذلك يجب على الوالدين أصحاب التاريخ العائلي للإصابة، مراقبة ظهور أي أعراض تحسسية على أبنائهم في حالة تناول الأطعمة المعروفة بزيادة نسبة الحساسية، مثل زبدة الفول السوداني، وإدخال الأطعمة الصلبة مبكراً في بداية الفطام.

* استشاري طب الأطفال.


دلالات لا تتوقعها لعلاقة قوة القبضة بصحة أجسامنا

دلالات لا تتوقعها لعلاقة قوة القبضة بصحة أجسامنا
TT

دلالات لا تتوقعها لعلاقة قوة القبضة بصحة أجسامنا

دلالات لا تتوقعها لعلاقة قوة القبضة بصحة أجسامنا

تفيدنا النصائح الطبية دائماً بقولها: «مع تقدمنا في العمر، من الطبيعي أن تضعف عضلاتنا. وعند بذلنا الجهد آنذاك، سنشعر بالتعب في بعض مناطق الجسم، وخاصة الركبتين والوركين والظهر. ولذا علينا المواظبة على تمارين تقوية العضلات لأنها أمرٌ بالغ الأهمية لمواجهة هذه الآثار المتعلقة بالتقدم في العمر».

ولكن هناك جزءٌ آخر من جسمنا قد لا نُفكّر في مدى ضرورة حفاظنا على قوته، بينما تُوليه الأوساط الطبية أهمية عالية تفوق ما قد نتصور، وهي «قوة قبضة اليد» Handgrip Strength. وترى هذه الأوساط أن ضعف قوة القبضة له تداعيات ذات دلالات صحية تتطلب العمل على تقويتها لإزالة تلك التداعيات.

ولذا تطرح الأسئلة: ما تعنيه قوة قبضتك، وكيف ترتبط قوة قبضتك بصحتك العامة، وما يمكنك فعله لتحسينها، وهل صحيح حقاً أن صحتك هي بين قوة يديك؟

قوة القبضة

وللإجابة، إليك الحقائق التالية:

1. إن أيدينا حاسمة بالنسبة لقدرتنا على القيام بالعديد من مهامنا اليومية. فإذا كنت تريد تزرير قميصك، أو تناول الطعام بالشوكة، أو تقطيع قطعة اللحم بالسكين، أو الكتابة بالقلم، فإن القيام بتلك الحركات كلها براحة واقتدار وإتقان يتطلب قوة معينة في يديك وأصابعك. ولكن قوة قبضتك مهمة لأكثر من ذلك، حيث يصفها المتخصصون الطبيون بأنها «مؤشر حيوي» لعموم الناس من الإناث والذكور، في كل مراحل العمر. وذلك لأن مقدار القوة التي يمتلكها أحدنا في يديه ومعصميه وساعديه، لتكوين قوة القبضة، تخبرنا الكثير إكلينيكياً عن مستوى صحتنا من جوانب شتى قد لا يتوقعها البعض. كما أن تدني قوة القبضة، قد يكون مؤشراً على ارتفاع احتمالات خطورة التعرّض للإصابات، والاضطرابات البدنية، والمشاكل النفسية، وغيرها.

ويلخص أطباء «كليفلاند كلينك» هذا الأمر بقولهم: «قوة قبضتك هو مقدار القوة التي تمتلكها عند قبض يدك على شيء ما. وهي مؤشر هام على صحتك العامة». ويضيفون: «والطبيعي أن تبدأ قوة القبضة بالتراجع بشكل طبيعي عند بلوغ سن الخمسين تقريباً، وربما حتى قبل ذلك. والأشخاص الذين يحافظون على قوة قبضتهم يشيخون ببطء، ويتمتعون بصحة أفضل لفترة أطول، ويكونون أقوى في جميع أنحاء أجسامهم».

2. غالباً لا يتم التنبه لتدني قوة القبضة.، بل يلاحظ أحدهم فجأة أنه يواجه صعوبات في فتح عبوات كان قادراً على فتحها من قبل.

وإذا كنت تعاني من ضعف في قوة يديك وذراعيك، وبالتالي ضعف في قبضتك، فهذا مؤشر على أن هذا الضعف العضلي قد انتشر في جميع أنحاء جسمك بالفعل. والأساس، أن قوة القبضة تُعدّ مؤشراً سهل القياس على مدى قوة باقي عضلات جسمك. والحفاظ على قوة العضلات في جميع أنحاء جسمك أمرٌ بالغ الأهمية لحركتك وتوازنك وقدرتك على التحمّل، وغير ذلك الكثير.

وببساطة، فإن الجسم القوي يعني أنك قادر على الخروج من المنزل أكثر، وممارسة المزيد من التمارين الرياضية، ومواكبة الأنشطة الترفيهية من حولك بشكل عام. ووفق ما يشير إليه أطباء «كليفلاند كلينك» بقولهم: «في إحدى الدراسات، وجد الباحثون علاقة بين قوة القبضة وقدرات المشي أو صعود الدرج. فقد عانى الرجال من مشكلات في الحركة أكثر عندما كانت قوة قبضتهم تقابل أقل من 37 كيلوغراماً تقريباً، بينما كانت المعاناة لدى النساء حينما كانت قوة القبضة تقابل أقل من 20 كيلوغراماً. إنها حلقة مفرغة. فقلة الحركة تقلل من قدرتك على تحريك جسمك بطرق تُقوّي عضلاتك، وبالتالي تستمر عضلاتك في الضعف، مما يزيد من خطر السقوط والكسور».

والقاسم المشترك في الإشكالية أننا عندما نفقد القوة العضلية، فإن عضلاتنا بالفعل تضمر ويحصل استبدال للأنسجة العضلية البروتينية لتحل محلها الأنسجة الدهنية. وطبياً تُعرف هذه الحالة باسم ضمور العضلات Sarcopenia.

لياقة عضلية

3. يتم قياس قوة القبضة بواسطة جهاز يسمى «مقياس قوة اليد» Hand Dynamometer، وهو جهاز يمكنك الضغط عليه بأقصى ما تستطيع لمعرفة مقدار قوة القبضة لديك. وهو جهاز خفيف وصغير ومحمول يُستخدم لقياس أقصى قوة ثابتة القياس للقبضة. ويتم قياس قوة قبضة اليد، عادةً بالكيلوغرام. وغالباً ما يتميز بمقبض قابل للتعديل لتناسب أحجام الأيدي المختلفة، وشاشات عرض رقمية أو هيدروليكية، وإمكانية تخزين البيانات لعدة مستخدمين. وإكلينيكياً يُستخدم لمراقبة برامج تقوية العضلات وتقييم الإصابات. ولكيفية استخدام مقياس قوة قبضة اليد، عليك اتباع الخطوات التالية:

- اضبط المقبض ليناسب حجم يد المستخدم بشكل مريح.

- قف مستقيماً مع وضع ذراعيك على جانبيك، أو اجلس مع ثني المرفق بزاوية 90 درجة.

- اضغط على الجهاز بأقصى جهد ممكن لبضع ثوانٍ.

- سيعرض لك الجهاز نتيجة قياس قوة القبضة.

تمارين تقوية القبضة .. إيجابيات تتجاوز اليد

تساعد تمارين تقوية قبضة اليد على الحد من تداعيات الضعف، لأن قوة القبضة مؤشر حيوي غير مباشر وموثوق لقوة الجسم بشكل عام، وجودة العضلات، والصحة العامة. ورغم أنها تمارين موضعية، إلا أن تقوية اليدين والساعدين ترتبط بتحسين التوازن، وتحسين وظائف التمثيل الغذائي، وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

وتحديداً، تساعد تمارين تقوية قبضة اليد على الحد من المضاعفات التالية:

-تقليل خطر السقوط والكسور: ترتبط قوة اليد ارتباطًا وثيقًا بقوة الجزء السفلي من الجسم والتوازن. فتحسين القبضة يُحسّن التوازن ويقلل من احتمالية السقوط، الذي يُعدّ سببًا رئيسيًا للإصابات لدى الأفراد الذين يعانون من ضعف عام.

-تحسين الاستقلالية الوظيفية الشخصية: تُسهّل اليدان والساعدان القويتان أداء المهام اليومية، مثل حمل البقالة، وفتح البرطمانات، وتدوير مقابض الأبواب، والنهوض من الكرسي، مما يُساعد على الحفاظ على الاستقلالية.

-تعزيز صحة التمثيل الغذائي: يرتبط ضعف القبضة بانخفاض كتلة العضلات، وهو عامل رئيسي في اضطرابات التمثيل الغذائي مثل مقاومة الأنسولين وداء السكري. يُساعد تدريب القبضة على تحسين جودة العضلات، ويمكن أن يُساعد في تنظيم مستويات السكر في الدم.

-تقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة: تشير الدراسات إلى أن تحسين قوة قبضة اليد يرتبط بانخفاض انتشار الأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب والسكتة الدماغية ومرض الانسداد الرئوي المزمن.

-دعم الصحة الإدراكية والنفسية: تشير الأبحاث إلى أن قوة قبضة اليد ترتبط بتحسين الوظائف الإدراكية، وتقليل الاكتئاب والقلق.

وعلى الرغم من أن قياس قوة قبضة اليد مؤشر ممتاز للصحة العامة، إلا أنه يكون أكثر فعالية كجزء من نهج شامل للياقة البدنية. وتتحقق أفضل النتائج في الحد من مضاعفات ضعف قبضة اليد من خلال الجمع بين تمارين تقوية اليد الموجهة (مثل استخدام أدوات تقوية القبضة، أو كرات الضغط، أو عصر المناشف) مع تمارين المقاومة لكامل عضلات الجسم.

- تحدد بعض المصادر الطبية قوة القبضة الطبيعية بأنها ما كانت أكثر من 26 كيلوغراماً للرجال، وأكثر من 16 كيلوغراماً للنساء. والبعض قد يتمكن من الوصول إلى تحقيق قوة بمقدار 90 كيلوغرام كأقصى حد ممكن.

4. ضمن دراسة في جامعة هارفارد في بوسطن في أميركا، وجامعة كوين ماري في لندن، أفاد باحثون أن تمتع المرء بقوة عالية أو طبيعية لقبضة اليد يدل على أن عضلة قلبه تتمتع بقوة تمكنها من أداء مهامها بصورة طبيعية، وهو ما يُقلل من مخاطر توقع إصابته بأي حوادث قلبية Cardiovascular Incidents. وقال الباحثون في مقدمة الدراسة: «قوة قبضة اليد هي بالفعل مقياس للياقة العضلية في جسم الإنسان، ولها علاقة باحتمالات الإصابة بالأحداث المرضية القلبية وأيضاً باحتمالات الوفاة بسبب مرض قلبي CV Mortality».

وأضافوا: «تقييم مدى قوة قبضة اليد هو وسيلة غير مُكلفة ويُمكن تكرار إجرائها وسهلة التطبيق، وذلك لقياس مستوى اللياقة العضلية في الجسم، وثبت من نتائج عدة دراسات طبية أن مستوى قوة قبضة اليد له علاقة بمستوى خطورة الإصابة بانتكاسات مرضية قلبية لدى المرء، وذلك بغض النظر عن وزن جسمه أو مؤشر كتلة الجسم BMI لديه أو مقدار كتلة العضلات فيه».

كما لاحظ الباحثون أن العلاقة كانت أقوى بين قوة قبضة اليد، وبين مقدار كتلة عضلة القلب ونسبة كتلة القلب إلى حجمه لدى كبار السن. وقالوا: «كلما كانت قوة قبضة اليد أفضل كانت بنية عضلة القلب وقوتها أفضل، وهو نمط يدل على انخفاض احتمالات وجود تضخم في القلب أو حصول تغيرات في بنيته العضلية. وهذه الخصائص من المعروف طبياً أنها مرتبطة بخفض خطورة الإصابة بأحداث الانتكاسات المرضية القلبية».

صحة الجهاز المناعي

5. تُعدّ قوة قبضة اليد مؤشراً حيوياً رئيسياً لصحة الجهاز المناعي، حيث يرتبط ضعف القبضة ارتباطاً مباشراً بزيادة القابلية للإصابة بالعدوى والأمراض المزمنة وبطء فترة التعافي. ويُعدّ الحفاظ على قوة قبضة يد عالية مؤشراً بالغ الأهمية لجهاز مناعي قوي ومرن، خاصةً مع تقدم العمر. وللتوضيح، مع تقدمنا في العمر، تتراجع قدرات جهازنا المناعي، ما يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالعدوى. والكلمة المستخدمة في وصف هذه العملية هي «الشيخوخة المناعية». أي أن الشيخوخة تؤثر على قدرتنا على مكافحة العدوى. وما تجدر ملاحظته أن قدرات المناعة للجسم لا ترتبط فقط بخلايا الدم البيضاء أو تكوين الأجسام المضادة للفيروسات وبقية الميكروبات، بل إن «الكتلة العضلية» للجسم هي عنصر حاسم ضمن مكونات جهاز مناعتنا. وانخفاض كتلة العضلات يعني أن جسمنا يفقد بعضاً من قدرته على الاستجابة للفيروسات والبكتيريا التي تسبب لنا المرض. ووفق ما يشير إليه أطباء «كليفلاند كلينك»: «تظهر الأبحاث أن ضعف قوة القبضة هو مؤشر على ضعف الجهاز المناعي، مما قد يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالمرض. إن القوة الجيدة للقبضة ترتبط بفوائد في الجهاز المناعي. ويمكن أن يكون ضعف قوة القبضة علامة على أنك أكثر عرضة للأمراض المعدية، مثل الإنفلونزا وغيرها. والأشخاص الذين لديهم قوة قبضة أضعف هم أكثر عرضة للإصابة بأعراض ومضاعفات أكثر خطورة من تلك الأمراض. لذا، فهم أكثر عرضة لخطر دخول المستشفى أيضاً».

6. ضعف قوة القبضة قد يكون مؤشراً على ارتفاع خطر الإصابة بالأمراض المزمنة. ويعود ذلك جزئياً إلى أن انخفاض كتلة العضلات يُصعّب على المرء ممارسة الرياضة، مما يؤدي إلى نمط حياة خامل وزيادة خطر الإصابة بالوهن. وهذا بدوره يزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن، ومرض السكري، وأمراض القلب وفشل القلب، والسمنة أو نقص الوزن. كما أن ضعف قوة القبضة مرتبط بالصحة النفسية. ويقول أطباء «كليفلاند كلينك»: «يمكن ملاحظة آثار ضعف قوة القبضة في جميع أنحاء الجسم، كما أنها تؤثر على الحالة النفسية. وهذا منطقي: فضعف قوة القبضة مؤشر على انخفاض قوة العضلات في جميع أنحاء الجسم، مما يؤدي إلى انخفاض القدرة على الحركة، وانخفاض القدرة على الحركة قد يؤدي إلى الشعور بالوحدة. إننا نعلم أن القيود الجسدية قد يكون لها تأثير سلبي كبير على الصحة النفسية.

وإذا لم تتمكن من الخروج وقضاء الوقت مع أصدقائك وعائلتك، ولم تستطع الخروج وممارسة الأنشطة التي تُسعدك، فإنك ستصبح أكثر عزلة. وللعزلة تأثير سلبي على صحتك العقلية والنفسية». كما ربط الباحثون ضعف قبضة اليد بحالات مثل ضعف الإدراك، والتشوش الذهني، ومشاكل الذاكرة، وبطء المعالجة الذهنية للمعلومات، والاكتئاب، ومشاكل النوم.

* استشارية في الباطنية