ابن كيران: المستشار عالي الهمة ساهم في الوصول إلى الصيغة النهائية للوزارة الحالية

رئيس الحكومة المغربية يقول في حديث مع الـ {الشرق الأوسط} إن استعماله لأسماء الحيوانات في خطابه السياسي لا يعني تأثره بابن المقفع والجاحظ

عبد الاله ابن كيران
رئيس الحكومة المغربية يتحدث للزميل حاتم البطيوي (تصوير: جيمس حنا)
عبد الاله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية يتحدث للزميل حاتم البطيوي (تصوير: جيمس حنا)
TT

ابن كيران: المستشار عالي الهمة ساهم في الوصول إلى الصيغة النهائية للوزارة الحالية

عبد الاله ابن كيران
رئيس الحكومة المغربية يتحدث للزميل حاتم البطيوي (تصوير: جيمس حنا)
عبد الاله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية يتحدث للزميل حاتم البطيوي (تصوير: جيمس حنا)

قال عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المغربية، إن وصول دعاة الإصلاح إلى مراكز القرار يجعلهم يبصرون الواقع بشكل مخالف لأنهم يجدون الإكراهات والعراقيل والمقاومات، مشيرا إلى أن الإصلاح في المغرب ممكن «ولكن بسرعة أقل مما كنا نتصور».
وذكر ابن كيران، في حديث شامل خص به «الشرق الأوسط» أول من أمس، خلال وجوده في لندن للمشاركة في المنتدى الاقتصادي الإسلامي العالمي، أنه ليس من عادة الناس أن يعترفوا بأخطائهم، لكنه يمكنه القول إنه لما تحمل المسؤولية «واجهت بعض القضايا المرتبطة بطريقة التفكير، واقتنعت اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الإصلاح والتقدم هما أولا وقبل كل شيء حالة تفكير». وحول الأزمة التي عرفتها حكومته بسبب انسحاب حزب الاستقلال منها، قال ابن كيران «لم تكن هناك أزمة حكومية، بل كانت هناك أزمة في الأغلبية لما التحق بنا الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال»، وأوضح أن الأمور بقيت داخل الحكومة تسير بسلاسة حتى آخر يوم، أي اليوم الذي عين فيه الملك محمد السادس الوزراء الجدد». وعد ابن كيران ما حصل بأنه كان شيئا إيجابيا جدا، وقال «لقد وصلت العلاقة بين باقي مكونات الأغلبية وبين الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال إلى مستوى لا يمكن أن نستمر فيه، ومن ثم أعتقد أن ذهابه كان شيئا إيجابيا جدا بالنسبة للأغلبية الحكومية، وبالنسبة للمغرب». وتطرق ابن كيران إلى حكومات دول «الربيع العربي»، وقال «يجب ألا ننسى أنه في هذه المرحلة كل الحكومات التي جاءت بعد الربيع العربي عرفت مسارات متعددة، منها من انتهى (مصر)، ومنها من أعلن أنه سيقدم استقالته (تونس)، الآن نحن في المغرب نعرف الاستمرارية الكامنة في استمرارية الحكومة واستقرار المغرب وأمنه». وأضاف أنه «لا بد أن نعترف بأننا جئنا في مد الربيع العربي الذي يعيش الآن جزرا.. وهذا شيء لا بد أن يراعى». وكشف ابن كيران أن حزبه لم يقرر الخروج في أي مظاهرة إلى جانب «العدل والإحسان» المحظورة، خاصة مظاهرة الاحتجاج على ما وقع في مصر عقب 30 يونيو (حزيران) الماضي، وقال إن زوجته اتخذت قرار مشاركتها فيها بمحض إرادتها وقناعتها. وبشأن استعماله لأسماء الحيوانات في خطابه السياسي، قال ابن كيران إن ذلك لا يعني أنه متأثر بكتاب «كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع، وكتاب «الحيوان» للجاحظ، أو بالسياسي المغربي المخضرم المحجوبي أحرضان، الذي اعتاد أيضا على استعمال أسماء الحيوانات في خطابه السياسي. وحول علاقته بالبروتوكول قال ابن كيران «تكيفت مع البروتوكول بصعوبة.. ولم أعد مستعدا لمفارقة ربطة العنق». وفي ما يلي نص الحوار.

> في يناير (كانون الثاني) المقبل ستمر سنتان على تبوئكم رئاسة الحكومة المغربية.. ما هي الخلاصة التي خرجتم بها من تجربة الحكم؟
- بكل صدق هذا سؤال وجيه، لأنني سأجعله مدخلا لكي أعترف بأن هناك بونا شاسعا بين الرغبة في الإصلاح والقدرة على الإصلاح. الرغبة في الإصلاح تكون كبيرة بصفة عامة عند كل دعاته، وربما يتصورون أن وصولهم إلى مراكز القرار على مستوى الحكومة في دولة مثل المملكة المغربية سوف يتمكنون من خلاله من أن ينفذوا الإصلاحات التي كانوا يعتقدون صوابها، لكن وصولهم إلى مراكز القرار يجعلهم يبصرون الواقع بشكل مخالف، إذ يجدون الإكراهات والعراقيل والمقاومات، وهي كثيرة ومتنوعة ولها أطراف متعددة. ولهذا يمكنني أن أقول لك اليوم إن هناك تصورا أكثر تواضعا في ما يخص القدرة على إنجاز الإصلاحات، لكن هناك قناعات مهمة جدا تكمن في أن الإصلاح ممكن ولكن بسرعة أقل مما كنا نتصور.
وما حققناه حتى الآن، والحمد لله، خلال السنتين اللتين انقضتا، لا بأس به، والسير في اتجاه الإصلاح يبقى شيئا ضروريا بالنسبة إلينا.
> أين أصبت وأين أخطأت خلال هذه الفترة؟
- ربما ليس من عادة الناس أن يعترفوا بأخطائهم، لكني يمكن أن أقول لك إنني لما تحملت المسؤولية واجهت بعض القضايا المرتبطة بطريقة التفكير، واقتنعت اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن الإصلاح والتقدم هما أولا وقبل كل شيء حالة تفكير. نعم قلت في نفسي منذ أن تحملت هذه المسؤولية، وبدأت تواجهني بعض القضايا، إنني لا بد أن أواجهها حتى وإن كانت تكلفتها غالية. فمثلا قضية الإضرابات في المغرب كانت منتشرة كثيرا في القطاعين العام والخاص، وقلت إن الإضراب حق إذا كان هنالك مبرر له، وقلت أيضا إنه لا يمكن أن يمنع أحد من ممارسته، ولكن ليس من الطبيعي أن يضرب الإنسان يوما أو يومين أو حتى شهرا أو شهرين، في بعض الحالات، ويحصل على أجرة الأيام التي لم يعمل فيها، فسرت في اتجاه شيء نسميه في المغرب «الاقتطاع». فكل يوم يضرب فيه شخص يعمل في القطاع العام، الذي يخضع للحكومة، عن العمل نقتطعه من أجره. ولا أخفيك أن الحكومة في البداية كانت مترددة، وساندني بعض الوزراء الذين عدوا ذلك منسجما تماما مع القانون الدولي للعمل، وأنه معمول به في كثير من الدول منها فرنسا وألمانيا وغيرهما، واقتنعت الحكومة بهذا الإجراء الذي لا أنظر إليه على أنه إجراء صعب لكنه إجراء لم يكن مألوفا. لما وصلت إلى رئاسة الحكومة كان عدد الإضرابات في الجماعات المحلية (البلديات) كبيرا، وكان المضربون يعملون يوما أو يومين في الأسبوع. وطالت الإضرابات المحاكم، وهناك بعض الأشخاص كان يحين وقت خروجهم من السجن ولا يجدون من يقوم بإجراءات خروجهم. وطالت أيضا الإضرابات قطاع التعليم، وكانت المدارس في بعض المستويات التعليمية تعمل أحيانا أقل من نصف السنة. فقلنا إن ذلك يتطلب تطبيق القانون وروحه، وهو ما قمنا به وكان ذلك أمرا صعبا. وأعتقد أنه لا يوجد الآن في القطاع العام أي إضراب تقريبا. وهذا لا يعني أن الإضرابات سوف تنتهي في المغرب بل ستستمر. ولكن في المستقبل لن يستجيب الناس لأي إضراب، إلا إذا كان هنالك إضراب له مبرر حقيقي يجعل الإنسان مستعدا لكي يضحي بأجرة يوم من عمله وستجري الاستجابة له، أما إذا كان إضرابا على غرار ما تدعو إليه بعض النقابات، فلا أظن أنه سيستجاب له.
ويمكن قول الشيء نفسه عن بعض القرارات الأخرى مثل التوٍظيف المباشر. فالمجموعة التي طالبت بذلك كان بينها وبين ممثلين عن الحكومة في السابق محضر في هذا الشأن، ولكن الحكومة نفسها قررت منع التوظيف المباشر، والدستور يدعو إلى تكافؤ الفرص بين المواطنين، فكانت هنالك إشكالية من المفروض أن نحلها، والآن هم ذهبوا إلى المحكمة، فإذا حكمت لصالحهم فلا مانع لدي لأن قرار المحكمة ملزم للإدارة، ولكن هذا الموضوع يجب أن ينتهي. التوظيف الآن يجب أن يكون من خلال المباراة، ويُعطى عن جدارة واستحقاق. ويجب على الناس ألا يتعلقوا بالوظيفة العمومية فهي ليست الوسيلة الوحيدة للكسب. لقد اختلت الموازين الآن، فالمواطن الذي يتوجه للسوق بالإجازة أو الماستر يمكن أن يبدأ عمله بأجرة تتراوح بين ثلاثة أو أربعة آلاف درهم، ويتطور تدريجيا حسب كفاءته. أما إذا كان سينال الوظيفة من خلال الاعتصامات أمام البرلمان ليحصل على نحو عشرة آلاف درهم (نحو 1100 دولار) في الشهر، آنذاك يجب ألا ننتظر منه التوجه إلى السوق. نحن في حاجة إلى شبابنا كي يتوجهوا إلى مجال الاستثمار والعمل والإبداع والمغامرة. طبعا من واجب الحكومة أن تجتهد في أن يكون الاستثمار ناجحا حتى يجد هؤلاء الشباب فرص الشغل، من واجبها أيضا أن تجتهد وتيسر لهم إمكانيات التشغيل الذاتي، وتساعدهم في مختلف المجالات للحصول على القروض إلى آخره، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو «هل سنصبح دولة موظفين؟».. وبالتالي فإن ما لا يمكن أن نقبله هو أن يصبح الأمل الوحيد الموجود عند شبابنا هو الوظيفة، فهذا سيكون كارثة لا قدر الله، وبطبيعة الحال هنالك سؤال مأثور لدى البعض «ماذا هيأ لنا وطننا؟»؛ والسؤال الذي يواجه هذا السؤال هو «ماذا هيأت أنت لوطنك؟».
> عرف المغرب في الأشهر الأخيرة أزمة حكومية، وجرى أخيرا تشكيل الحكومة الجديدة، فما هي الدروس والعبر التي استخلصتموها من هذه الأزمة؟
- لم تكن هناك أزمة حكومية، بل كانت هناك أزمة في الأغلبية لما التحق بنا الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال. فداخل الحكومة بقيت الأمور تسير بسلاسة حتى آخر يوم، أي اليوم الذي عين فيه جلالة الملك الوزراء الجدد. لكننا نعتقد بصراحة وصدق أن ما حصل كان شيئا إيجابيا جدا. لقد وصلت العلاقة بين باقي مكونات الأغلبية والأمين العام الجديد لحزب الاستقلال إلى مستوى لا يمكن أن نستمر فيه، فأعتقد أن ذهابه كان شيئا إيجابيا جدا بالنسبة للأغلبية الحكومية، وبالنسبة للمغرب.
> هناك من يقول إنه كان بإمكانكم تفادي الأزمة مع حزب الاستقلال بالحوار والاستماع إلى أمينه العام الجديد، أم أن الأمر كان يتعلق بتيار جارف كان يصعب عليكم التماهي معه؟
- لا، لا، لا.. لم نبق في مستوى الاستماع أو البرامج أو المذكرات، الرجل (أمين عام حزب الاستقلال) مر إلى الشتم والتعرض للوزراء والقذف في حق بعضهم، وهذا ما جعل التعايش معه داخل حكومة واحدة متعذرا، وأصبح الأمر صعبا كذلك بالنسبة لأحزاب الأغلبية الأخرى عندما بدأ التهجم على وزرائهم، وبالتالي لم يعد الأمر مقبولا، وأظن أن ما حدث كان فيه خير كبير بالنسبة للحكومة.
> ما الفرق بين عبد الإله ابن كيران في الحكومة الأولى وابن كيران في الحكومة الثانية؟
- ليس هناك فرق، أنا ما زلت، ولله الحمد، الشخص نفسه، ربما دخلت بعض النسبية في المنطق الذي أعمل به، لكني آمل أن تنجح التجربة الحالية، وأود هنا القول إنه لولا أن التجربة الأولى كانت ناجحة لما كانت هنالك حكومة ثانية يرأسها عبد الإله ابن كيران. ويجب ألا ننسى أنه في هذه المرحلة كل الحكومات التي جاءت بعد الربيع العربي عرفت مسارات متعددة، منها من انتهى (مصر)، ومنها من أعلن أنه سيقدم استقالته (تونس). الآن نحن في المغرب نعرف الاستمرارية الكامنة في استمرارية الحكومة واستقرار المغرب وأمنه، واستمرارية صورته الحسنة، وتزايد عدد السائحين المقبلين عليه، زد على ذلك أننا كسبنا عشر نقاط في تحسن مناخ الأعمال، ورفع اسمنا من لائحة الدول التي كانت لديها مشاكل في موضوع غسل الأموال، إلى آخره. هناك خطوات حقيقية وأمور تحققت للمغرب تفيد بأن التجربة السابقة لم تكن سيئة، بيد أننا نأمل أن تكون التجربة الحكومية الحالية أحسن من سابقتها.
> هناك ملاحظة تكمن في أنك منذ بدء مفاوضات تشكيل الحكومة الثانية لم تعد تستعمل في خطاباتك مصطلحات من قبيل «التماسيح والعفاريت»، فهل معنى ذلك أن هذه الأخيرة لم تعد موجودة، أم أنك استطعت أن تدخلها إلى القفص الحكومي، أم أن الأمر يتعلق بتوافق قائم على شعار «لا غالب ولا مغلوب»؟
- الأشخاص الذين التحقوا بالحكومة هم أشخاص معروفون. بطبيعة الحال كانت بيني وبين السيد صلاح الدين مزوار (رئيس التجمع الوطني للأحرار) مواجهات، وبطبيعة الحال بعض الناس يخلطون بين المواجهات التي كانت بيني وبينه؛ وبينه وبين بعض أعضاء حزبي، لكن هذين شيئان مختلفان تماما، ولهذا أريد أن أقول لك إن قضية «العفاريت والتماسيح» عبرت بها في وقت من الأوقات، وأصبحت شائعة في الخطاب السياسي المغربي، ووُجه لي سيل كثير من الانتقادات لتعبيري عن آرائي بهذه الطريقة، وأنا أتقبل أن أنتقد، وبطبيعة الحال فلأن أي شيء يثير على رجل السياسة الزوابع يجب أن يتفادى استعماله مجددا إلا إذا كان مضطرا لذلك، فأرجو ألا أكون مضطرا لاستعمال هذه الأوصاف مرة أخرى.
> أنت ثاني شخصية سياسية مغربية بعد السياسي المخضرم، المحجوبي أحرضان، تستعمل أسماء الحيوانات في خطابها السياسي، ما السر في ذلك، هل تأثرت بكتابي «كليلة ودمنة» لعبد الله ابن المقفع، و«الحيوان» للجاحظ، أم أنك تأثرت بأحرضان؟
- لا أظن أنني متأثر بهذا أو ذاك. لكن أظن أن الظروف التي جعلت كليهما (ابن المقفع والجاحظ)، رغم الفارق، يتحدثان بهذه الصيغة، يمكن أن تكون هي نفسها التي دفعتني إلى الاستفادة من هذا المعجم للتعبير عن بعض الأفكار والملاحظات.
> لقد أبنت عن براغماتية وليونة كبيرة لتجاوز عاصفة الأزمة الحكومية، الملاحظ أن الحكومة الحالية زاد عدد التكنوقراط فيها وتخليت عن وزارة الداخلية لصالح شخصية مستقلة بعد أن تولتها لأول مرة شخصية حزبية، كما تخليتم عن وزارة الخارجية.. هل يتعلق الأمر بعقلانية مغربية مقابل فقدان البوصلة في المشرق، وأقصد هنا ما وقع في مصر، أم ماذا حدث بالضبط؟
- مفاوضات تشكيل الحكومة هي مع أطراف متعددة، أي مع الأحزاب التي تكون معك الأغلبية. بطبيعة الحال قبل عرض النسخة النهائية للحكومة على جلالة الملك يجب إبلاغه بالأشخاص الذين نقترحهم لعضوية الحكومة، حتى لا نصبح أمام لوائح ترفض. وحين يكون الكلام في إطار التفاوض والتشاور فإن مختلف الأطراف يبدون آراءهم المرتبطة بالأشخاص وبالأوضاع، وبالمهام.
فأنا كمسؤول عن الحكومة لا بد أن آخذ بعين الاعتبار هذه الآراء، وبالتالي ليس كل تغيير يمثل تنازلا، هذا غير صحيح، في بعض الأحيان يختار المرء الأرجح والأولى في المرحلة التي هو فيها، بمعنى أننا لا بد أن نعترف بأننا جئنا في مد ما كان يسمى بالربيع العربي، والآن يعيش في مرحلة الجزر، وهذا شيء لا بد أن يراعى. وأظن أن المغرب يمكن أن يعتد بأنه أنجز في هذه المرحلة شيئا كبيرا جدا. أولا، حافظ في هذه المرحلة كلها، التي كانت مضطربة، على أمنه واستقراره، ولم تقع فيه أشياء كثيرة مؤلمة وقعت في مناطق أخرى. ثانيا، حافظ على صورته السياسية، واستفاد ويستفيد من هذا المد لصالحه.
كوني براغماتيا ولينا، أود القول إن السياسي الذي لا يكون على براغماتيا ولينا يفشل. السياسة هي فن الممكن، والناس يخلطون بين المبادئ والمواقف، المبادئ تبنى على القناعات أما المواقف فتبنى على الإمكانيات، وفي حدود الحد الأدنى الذي لا يمكن أن يتنازل عنه المرء، وأنا أعتقد أن حزب العدالة والتنمية خرج معززا مكرما من خلال التشكيلة الحكومية الجديدة، إذ حافظنا على نفس عدد وزرائنا. بطبيعة الحال هناك ملاحظة مفادها أن حزب الاستقلال كانت لديه ست وزارات بينما أصبح للتجمع الوطني للأحرار ثماني وزارات، وكانت لدى الحركة الشعبية أربع وزارات فأصبح لديها اليوم ست وزارات، وحزب التقدم والاشتراكية كانت لديه أربع وزارات واليوم أصبح لديه خمس، وهذا ما فرض تشكيل حكومة من 39 وزيرا.
لنقل إن الأمر الصعب هو تخلينا عن وزارة الخارجية، لكن هذا كان فيه تدبير لمصلحة الوطن، وتقدير لهذه المصلحة، إذ جرى التخلي بموافقة وزير الخارجية السابق الأخ سعد الدين العثماني الذي أدى دوره بكامل الجدية ولم يغادر موقعه بسبب أنه أدى مهامه بطريقة سلبية أو أنه لم ينجح في عمله.
> إذن ما هو السبب الحقيقي؟
- لقد قلت لك إن الأمر يتعلق بتدبير لمصلحة الوطن وتقدير لهذه المصلحة. كما أن التشاور مع أطراف مفاوضات تشكيل الحكومة هو الذي جعل من وزير الخارجية السابق نفسه يصل إلى هذه القناعة، وأنه من المصلحة الآن ألا يظل في وزارة الخارجية.
> ألا تخشون أن يتكرر ما حدث مع حزب الاستقلال مع التجمع الوطني للأحرار أو مع باقي مكونات الأغلبية الحالية لتجد نفسك مجددا عند نقطة الصفر.. وهل وضعتم آلية لتجنب تكرار ما حصل، وهل تعتقدون أن حكومتكم الحالية ستكمل ولايتها؟
- الغيب يعلمه الله، بيد أنني أظن أن الحكومة الحالية ستكمل ولايتها بإذن الله، وحتى أكون واضحا معك لا أظن أنه سيقع مع التجمع الوطني للأحرار أو مع غيره من مكونات الأغلبية ما وقع مع السيد (حميد) شباط. السيد شباط إنسان خاص، والجميع يعرفه، يعرف طريقة عمله وخصوصيته، طبعا لا أريد أن أتحدث عن حزب الاستقلال فقد حافظت دائما على أحسن العلاقات معه، ورحم الله علال الفاسي (زعيم الحزب التاريخي)، فهذا هو الحزب الذي لم يقع بيننا وبينه أي احتكاك، حتى في الفترات التي كنا مستهدفين فيها من الآخرين كان هو يتحفظ.
إنني متفائل بالمستقبل مع أن الله وحده يعلم ما سيقع فيه، إن المشكلة لا تكمن في هل سيقع أم لن يقع، بل المهم هو ألا يحدث ذلك بسببي، وألا يقع خطأ من جهتي، وأنا حريص على ألا يقع ارتباك في المغرب بسببي. أما إذا قامت جهة ما أو شخص ما بالتصرف بنفس الطريقة التي تصرف بها السيد شباط، وهو أمر مستبعد جدا، فآنذاك لكل حادث حديث، وأظن أن انطلاقة الحكومة الحالية كانت جيدة ولله الحمد.
> كيف هي علاقتكم الآن مع القصر الملكي المغربي، ومع المحيط الملكي بالذات، وهل تجاوزتم سوء الفهم وحالة الارتياب مع هذا الأخير؟
- يجب أن تكون الأمور واضحة، علاقتنا بجلالة الملك هي علاقة يوضحها الدستور. جلالة الملك هو رئيس الدولة، هو الذي يرأس المجلس الوزاري الذي تكون الحكومة حاضرة فيه، وهو أيضا أمير المؤمنين، وخذ أنت هذه الصفات الثلاث لتفهم ما هي العلاقة التي بيننا وبين جلالته، ذلك أنني مقتنع بأن العلاقة مع جلالة الملك يجب أن تكون، بالإضافة إلى كونها علاقة تعاون، يجب أيضا أن تكون علاقة ودية، لأن هذا يصب في مصلحة الوطن. فأي تنازع على هذا المستوى المغرب هو الذي سيدفع ثمنه، ولا تنس أننا عانينا من عام 1956 حتى عام 1996 بسبب التنازع الذي وقع بين الحركة الوطنية والملك محمد الخامس رحمه الله، أولا، والملك الحسن الثاني رحمه الله، ثانيا، ولم يرجع للمغرب الشعور بالاستقرار إلا بعد أن صوتت الحركة الوطنية متمثلة في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لصالح دستور 1996، ووقعت المصالحة الوطنية التي أدت إلى التناوب التوافقي. إن 40 سنة من التنازع كانت تكلفتها غالية على مستوى التقدم بالنسبة للمغرب.
أما المحيط الملكي فهو لا يتحرك إلا بإذن من جلالة الملك، وعلاقتنا معه ودية. بيد أن التعامل هو أساسا مع جلالة الملك، وحين يكلِّف أي واحد من المستشارين فإننا نتعاون ونتشاور معه في كل مسألة كلِّف بها بنفس الطريقة ونفس المنهج. ولعلك تذكر ما سبق أن قلته لك منذ شهور إن المغاربة إذا كانوا يريدون شخصا يصطدم بملكهم فيجب أن يبحثوا عن شخص آخر غيري، فأنا لا أصلح لهذا. فهذه هي قناعتي، دعوت إليها منذ زمن طويل، وبسببها قيل كلام كثير في حقي، لكنني لا أبالي، فهذه هي قناعتي إزاء ما يصب في مصلحة المغرب.
> تتهم أحزاب المعارضة الحكومة الجديدة بأنها فاقدة للشرعية، لأنها لم تحصل على التنصيب البرلماني.. ألا ترى أن المعارضة محقة في مطلبها خاصة أن حكومتكم التحق بها حزب كان في المعارضة وسبق له أن صوت ضد برنامج حكومتكم الأولى، والآن يوجد ضمن الأغلبية الجديدة، كما انسحب منها حزب آخر والتحق بالمعارضة؟
- هذا ليس كلاما منطقيا، ذلك أنه في مثل هذه الأمور لا يُحكم بالمنطق الرياضي، فالقول إن هذا حزب صوت ودخل، وهذا حزب صوت وخرج، يخص أمورا يحكمها ويتحكم فيها الدستور، والمعارضة أقامت منها ضجة إعلامية.
> كيف؟
- لأنه إذا كانت هذه المسألة صحيحة كان من المفروض أن يلجأوا إلى المجلس الدستوري لأنه هو الذي سيحسم في هذا الموضوع، أو أن يوجهوا لي مذكرة توضح الحجج التي عندهم. هذه قضية أثاروها في البرلمان والآن تجاوزوها، وهنالك تناقضات كثيرة رد عليها إخواننا القانونيون، ونحن لسنا بصدد حكومة جديدة هذه أغلبية حكومية خرج منها حزب والتحق بها آخر، وإلا غدا فإن أي وزير أقيل أو استقال فيجب أن نعيد بسببه التنصيب البرلماني للحكومة من جديد. إذن هذه حكومة مستمرة، وإذا اقتضت المصلحة أي شيء في المستقبل فسوف نقوم بذلك، أما الآن فلا حاجة إلى تنصيبها برلمانيا.

> الملاحظ أن الحكومة الجديدة زاد فيها عدد التكنوقراط، ألا ترون أن عودتهم هي بمثابة تشكيك في أداء الأحزاب، وضرب لها في الصميم، أم أن للضرورة أحكاما؟
- للضرورة أحكام دائما، ولكن ليس هذا هو السبب فقط. واسمح لي هنا بأن أقول إن في الأحزاب كفاءات، وهذا لا شك فيه، ولكن القول إن كل الكفاءات يوجدون في الأحزاب فهذا أمر غير صحيح، فهناك أشخاص كثيرون ذوو كفاءات عالية لا ينتسبون إلى الأحزاب، ودعني أعطك مثالا بالأخ وزير الصناعة والتجارة مولاي حفيظ العلمي، الذي لم يكن معروفا من قبل أنه منتم لأي حزب سياسي بشكل مباشر، ولكن عندما اقترحه علي صلاح الدين مزوار اعتبرته مقترحا مشتركا، لأنه واحد من رجال الأعمال الناجحين إذا استطاع أن يتأقلم مع الجو السياسي فسوف يكون ذلك إضافة، وبالتالي فإن مجيء بعض الأشخاص الذين لم يكن لديهم انتماء سياسي، وعندهم كفاءة مشهود لهم بها، إلى الحكومة هو خدمة وطنية للمغرب، وأنا أرجو أن يصبح هذا الانفتاح في المستقبل أكبر بحيث تختار الأحزاب وزراء من بين أعضائها، ولا بأس أن تختار وزراء من كفاءات المجتمع التي لا تنتمي بالضرورة إليها لا سيما بعض الأشخاص الذين لديهم إلمام بالوضع، والقدرة على إنجاز أشياء كبيرة، بحيث غالبا ما يكون هؤلاء نافعين جدا.
> ما هي أصعب اللحظات التي مرت بها مفاوضات تشكيل الحكومة وجعلتكم تصلون إلى الباب المسدود؟
- لم نصل إلى الباب المسدود خلال المفاوضات، وإنما كانت هناك بعض اللحظات التي عرفت بعض التوتر، لكن أؤكد لك أننا لم نصل إلى الباب المسدود. كانت الأشياء تتجاوز بسرعة نسبيا، لكن يجب ألا ننسى أن هذه الحكومة تكونت مع حزب كانت لدينا معه مشاكسات ومواجهات، وكنا نحتاج إلى وقت لتصفية الأجواء. وهذه هي السياسة. طبعا كانت هناك إمكانية أخرى، وأنا كنت قادرا على تقديم استقالتي لجلالة الملك. ولكن قبل أن يأتي المرء إلى الحكومة تكون نظرته للأمور نظرة رئيس حزب، ولكن عندما يصل إليها تصبح نظرته نظرة رئيس حكومة يراعي مصلحة الوطن ككل، والظروف التي تمر بها المنطقة. لقد اعتبرنا أن إرباك الحكومة هو فتح لجرح لا ندري ما سينتج عنه، ويجعلنا نتساءل متى ستكون الانتخابات، وكيف ستكون نتائجها، وما هي تكلفتها، إلى جانب الكثير من الإشكاليات المرتبطة بذلك. لقد مرت المفاوضات بلحظات صعبة حيث كان يتوقف الحوار في بعض الأحيان مع الأطراف المعنية، لكن في الأخير جرى تجاوز تلك اللحظات الصعبة.
> ما هي حقيقة مساهمة المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في تذليل العقبات التي اعترضت تشكيل الحكومة؟
- هذا المستشار الملكي له مكانة خاصة والجميع يعرف هذا، وسواء تعلق الأمر بالحكومة الأولى أو الحكومة الثانية فإنه قام بدور كبير في التشاور، وأسهم في الوصول للصيغة النهائية لهذه الحكومة، ولكن أي شيء لم يكن يجري من دون اطلاع جلالة الملك، والحصول على إذنه.
> شكل الإبقاء على الوزير محمد الوفا، الذي رفض الاستقالة من الحكومة امتثالا لقرار حزب الاستقلال، مفاجأة الحكومة الثانية.. ما حقيقة الإبقاء عليه هل الأمر يتعلق بالوفاء للرجل أم الهدف منه إغاظة حميد شباط؟
- حميد شباط استهدفني واستهدف حزب العدالة والتنمية، لكن السياسة لا تبنى على الإغاظة.. هذا غير معقول.. أنا اقتعنت بالوفا عندما رأيته يعمل في وزارة التعليم، وعرفت أنه رجل شجاع، ويمتلك قدرات كبيرة جدا، ومتمكن من ضبط بعض القضايا في الجانبين القانوني والاقتصادي. أظن أنه كان من الصعب أن يستمر في دوره كوزير للتعليم، لكنني قررت ألا تضيع كفاءته، وهذا هو السبب الأساسي وراء بقائه في الحكومة، أي ألا يخسر الوطن كفاءته، فاقترحت أن يبقى معي في الحكومة كوزير للحكامة والشؤون العامة، وأظن أنه كان قرارا موفقا.
> لقد كان موقف حزبكم خجولا ومترددا إزاء ما وقع في مصر في 30 يونيو (حزيران) الماضي، هل الأمر يتعلق بتغيير الجلد أم يدخل ضمن ما يسمى «التقية السياسية»؟
- يجب أن تكون الأمور واضحة، نحن اليوم حزب يسير حكومة، والسياسة الخارجية للدولة يقررها جلالة الملك، وهذا شيء محسوم في الدستور، والحزب الذي يسير الحكومة لا يمكن أن يقف مواقف مخالفة لبلده، فالأمر واضح. وبالنسبة لنا لا بد أن تكون الأمور واضحة بخصوص مصلحة شعوب الدول العربية والإسلامية، هذا شيء أساسي. وبخصوص الجماعات والأفراد نحن نتأثر بكل شيء يقع فيه إيلام أو ظلم لأي مواطن في الأمة العربية والإسلامية وفي الأرض كلها، ولا نريد أن يؤذى أي إنسان. ولكن لا بد أن الأولويات تقضي أن ينظر الإنسان إلى المصلحة العامة لأنه إذا انهارت الدول العربية والإسلامية، لا قدر الله، فستكون كارثة كبرى وعظمى، لهذا اختياراتنا كانت واضحة منذ البداية.
> إذا طلب منكم توجيه نصيحة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر للخروج من المأزق الذي تعيشه الجماعة، وتعيشه أرض الكنانة أيضا، فماذا تقول لها في هذا الصدد؟
- نحن لا ننصح الناس عندما يكونون في مثل هذه المحن. نحن نقدرهم ونقدر أنهم يستطيعون أن يتصرفوا من خلال ما يتصورون فيه مصلحة بلدهم ودينهم وجماعتهم، وعلى كل حال لن ننصحهم على رؤوس الأشهاد، ونسأل الله أن ييسر لأهل مصر الخروج من هذه الأزمة القاتلة.
> أود أن أسألك عن الفرق بين حزبكم وحزبي «النهضة» التونسي و«الحرية والعدالة» المصري؟
- أنا أستغرب طرح مثل هذا السؤال علي. هل المغرب هو تونس أو المغرب هو مصر، أو مصر هي تونس والعكس صحيح؟ في المراحل الأخيرة، ابتداء من مرحلة الاستعمار، أصبح لكل دولة مسار خاص.. كان هناك مسار للحكم فيها، ومسار للطبقات السياسية، ومسار للجماعات الإسلامية. والمغرب دولة لها مسار خاص منذ قرون بعيدة، فهو منذ عهد مولاي إدريس رحمه الله (مؤسس دولة الأدارسة) وهو يمثل دولة مستقلة، وظل المغاربة يتفاعلون مع كل ما يأتيهم من الشرق ولكن بطريقتهم. لقد كان هناك التيار القومي العربي، والتيار اليساري، والتيار الإسلامي، والتيار الليبرالي، كل هذه التيارات تعاملنا معها في المغرب بطريقتنا الاستيعابية، فنحن لم نتنكر لأي شيء يأتينا، لكننا استوعبنا هذه التيارات ضمن منطقنا وقوانيننا. وأود الإشارة هنا إلى أن التيار الأمازيغي الذي أحدث مشاكل كثيرة في بعض الدول رجع في المغرب إلى حجمه الطبيعي، ودوره الطبيعي، المتمثل في تفعيل ثقافة أصيلة ووطنية.
> لم يخف الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة أن الوضع صعب بالنسبة لملف الصحراء، وأن الأمور لم تحسم، وأن مناورات خصوم وحدة تراب المغرب لن تتوقف مما قد يضع قضية الصحراء أمام تطورات حاسمة. والمعروف أنكم التقيتم في الرباط أخيرا الوسيط الدولي في نزاع الصحراء كريستوفر روس، ماذا حمل إليكم، وهل يمكن القول إن صفحة سحب المغرب ثقته منه قد طويت نهائيا؟
- أظن أن جلالة الملك كان واضحا. بالنسبة للمغاربة بطبيعة الحال قضية الصحراء محسومة منذ سنة 1975، وبالنسبة للمجتمع الدولي. الملك محمد السادس كان على صواب لأنه ما دامت هذه القضية قائمة فهي لم تحسم بطريقة نهائية. لقد أكد جلالة الملك في خطابه على مسؤولية باقي الفاعلين السياسيين، وهي الآن موضع نقاش. صحيح أن الذي يقود الملف كان في تقديرنا دائما هو القصر الملكي والمغاربة جميعا معه، وهذا شيء لم يتغير، بيد أن المطلوب منا اليوم على مستوى الدبلوماسية البرلمانية هو أن نكون أكثر حضورا ووضوحا في شرح الإشكاليات. وفي تقديري أرى أن هذه القضية ما دام إخواننا الحاكمون في الجزائر يجعلون منها قضية أساسية، مع أنهم يقولون إنهم غير معنيين مباشرة بها، سوف تبقى، مع الأسف الشديد، في هذا الوضع، لكن بالنسبة للمغرب تبقى هذه القضية محسومة داخليا.
في ما يخص روس أظن أن الرجل فهم واستوعب الذي وقع، وحين ألتقي به فإن الكلام الذي أسمعه منه في الغالب كلام معقول ومنطقي، وهو الآن حسب تقديري يريد أن يركز على الزيارات المكوكية التي يمكن أن تحسن الأجواء في المستقبل، وإمكانية البحث عن مخرج لهذه القضية التي أصبحت ورطة، ولم تعد قضية يمكن أن توصف بأي وصف آخر.
> كيف هي علاقة حزبكم بجماعة العدل والإحسان، ففي بداية تشكيل حكومتكم الأولى طالبت قادتها بالكف عن اللعب بالنار، وقبل أشهر وجدنا حزبكم يخرج في مظاهرة جنبا إلى جنب معها احتجاجا على ما وقع في مصر؟
- يجب أن أكون واضحا معك. الحزب لم يقرر الخروج في المظاهرة، لكن خرج فيها عدد من أعضائه وهذا صحيح، وكان كل واحد منهم يعبر عن نفسه.
> بمن فيهم زوجتك؟
- نعم بمن فيهم زوجتي التي أثارت الصحافة أنها ذهبت تنوب عني في المظاهرة. هل هذا كلام؟ ولم أرغب وقتها في الرد على ذلك وتكذيبه لأنه سيؤدي إلى شوشرة إعلامية، فهو كلام غير صحيح، والله خير الشاهدين. لقد اتخذت زوجتي قرار مشاركتها في المظاهرة بمفردها، وبقناعتها، وبإرادتها. هذه حقيقة ما وقع.
أما بالنسبة لعلاقتنا مع جماعة العدل والإحسان فهي تدخل في إطار حرصنا على أن تبقى علاقتنا جيدة مع الجميع. فجماعة العدل والإحسان تأسست في الوقت نفسه تقريبا الذي تأسسنا فيه، وكانت دائما بيننا وبينها علاقة ودية، وفي بعض الأحيان وقعت اختلافات، وشيء من المواجهة على المستوى الفكري إلى آخره، لقد كان رأيي دائما ما يلي: الإنسان يجب أن يقدر الظروف تقديرا صحيحا، والتقدير الصحيح هو أن يبادر المرء إلى خدمة وطنه. وأنا أيضا لا أشعر بأنهم يخلقون مشكلة، لكنهم لو اندمجوا في الحياة السياسية أو الحياة الثقافية، بعد قبولهم بطبيعة الحال بالثوابت التي يقوم عليها البلد، أظن أن هذا سيكون أحسن بكثير.
> هل تكيفتم بشكل نهائي مع البروتوكول..
- بشيء من الصعوبة، لكنني تكيفت بطبيعة الحال.
> أما زال موظفو البروتوكول يوجهون لكم انتقادات أو تنبيهات بشأن طريقة سلامكم على الشخصيات التي تلتقونها أو طريقة جلوسكم معها آو غير ذلك؟
- مسؤولو البروتوكول لا يوجهون إلى أي انتقادات أو تنبيهات في هذا المجال، لكن الصحافة لا تكف عن ترديد ذلك. وأظن أن شخصا مثلي سيصعب عليه أن يتغير مطلقا، لكن لا بد من ذلك لأن الوظيفة تفرض على المرء بعض الأشياء التي قد يبدو في البداية أنه غير مستعد لها.
> كيف أصبحت علاقتك مع ربطة العنق هل تعودت عليها.. ألم تعد تزعجك وتخنقك كما كان الأمر في بداية توليك رئاسة الحكومة؟
- على كل حال لا أظن أنني مستعد لمفارقتها الآن، فأنا رجل وفي. لقد كنت تاركا لها والآن أنا مرتبط بها.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended