المغرب: هل هناك دخول ثقافي.. أم خروج؟

سؤال يتكرر كل عام بلا إجابات مقنعة

جانب من معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب في دورة سابقة ({الشرق الأوسط})
جانب من معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب في دورة سابقة ({الشرق الأوسط})
TT

المغرب: هل هناك دخول ثقافي.. أم خروج؟

جانب من معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب في دورة سابقة ({الشرق الأوسط})
جانب من معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب في دورة سابقة ({الشرق الأوسط})

كما لو أن طرح سؤال «الدخول الثقافي في المغرب» قد تحول إلى عادة لا بد من استعادتها كل عام، عبر تناول مناسباتي، يطرح، هنا، فيما تسبق إجابته السؤال، هناك في الغرب، ليصير سؤال «الدخول الثقافي»، في المغرب، مثلاً، أشبه بالشجرة التي تخفي غابة من الأسئلة الحارقة التي تهم الشأن الثقافي الوطني، بشكل عام، وذلك بعد أن تحول طرح هذا السؤال، إلى ما يشبه العادة التي يساير بها المتتبعون، للشأن الثقافي المغربي، مختلف تجليات «الدخول»، سواء تعلق الأمر بـ«الدخول الثقافي» أو «المدرسي» أو «الرياضي» أو «السياسي» أو «الاجتماعي»، أو غيرها، فيما تبدو الإجابة عن السؤال معروفة، مسبقًا، لدى السائل والمجيب، على حد سواء، إلى درجة أن تنسحب على سؤال السنة الحالية إجابات السنوات السابقة، دون حاجة إلى تعديل في مضامين الأجوبة أو تخفيف من جرعة المرارة المصاحبة للأسئلة. هكذا، بدل أن يبسط المجيب، المهتم بالشأن الثقافي، أجوبة إيجابية عن سؤال الدخول الثقافي، تجده يحول وجهة نظره إلى محاكمة لوضع ثقافي يبدو معطوبًا، في بلد يتفق فيه الجميع على أن هذا الوضع يبقى دون المأمول، خصوصا عند مقارنته بما يقع في أوروبا، حيث «للدخول الثقافي طقوس معروفة وعلامات تدل عليه»؛ غير أنك تجدهم يتفاوتون في طريقة تشريحهم للواقع وسبل تجاوزه نحو الأفضل.
عن مقارنته بين الدخول الثقافي في المغرب والدخول الثقافي في فرنسا، حيث يشتغل مسؤولاً عن اللقاءات الثقافية بـ«معهد العالم العربي» بباريس، ومنسقًا علميًا للملتقيات التاريخية بالمعهد نفسه، يقول الكاتب المعطي قبال: «لا مقارنة بين البلدين والحدثين. في فرنسا، ما يسمى بـ(الدخول الأدبي)، يعد طقسًا ثقافيًا تحركه عدة آليات؛ من بينها دور النشر، والبرامج الثقافية على المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية المخصصة لمتابعة الإصدارات، والملاحق الأدبية، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، والمؤسسات الثقافية والإعلامية التي تطلق الجوائز وتمنحها لأفضل رواية أو دراسة نقدية.. إلخ. هكذا يخرج الكتاب عن نطاق المكتبات إلى المتاجر الكبرى، ومحطات القطار، والمطارات، والمعارض. على سبيل المثال، صدرت هذه السنة 560 رواية وقصة قصيرة فرنسية وأجنبية، كما افتتح موسم الجوائز الأدبية بترشيح جوائز الـ(غونكور)، و(رونودو)، و(ميديسيس)، والـ(فيمينا).. إلخ، للقوائم الأولى من المرشحين والمرشحات. وعلى مستوى الكتب والدراسات النقدية، تصدر 2200 دراسة نقدية تغطي مجالات التاريخ، والسياسة، والفكر الفلسفي والأنثروبولوجي، والسيرة الذاتية السياسية.. إلخ. وستكون مناسبة على خلفية الانتخابات الرئاسية لعام 2017 لمطارحات فكرية وسياسية كثيرة. وعليه، يكاد الدخول الثقافي، في فرنسا، يكون طقسًا فريدًا من نوعه لا نجد مثيله في أي بلد آخر. ويعترف الأنجليساكسون أنفسهم بهذا التميز. وإذن، لا مجال للمقارنة مع أو بالمغرب الذي اقتبس تسمية (دخول أدبي) من دون أن يفتح الثقافة، بل الثقافات المغربية، على دينامية التنشيط بمعناه العام. لا نتوفر على (كاتالوغ) شامل بالإصدارات الجديدة، ولا على البرامج الموسمية للأنشطة التي تقوم بها المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية، بل وحتى المستقلة. هذا يتطلب خطة وإدارة ثقافية نفتقد لهما. المؤسسات التي تنشط بانتظام، نسبي، هي المعاهد الفرنسية التي تدخل سياستها في نطاق التعريف والدعاية للثقافة الفرنسية. رب متسائل: لم الدخول الأدبي في بلد علاقة سكانه بالكتاب رخوة إن لم تكن منعدمة؟ ليس ذلك بمبرر. ذلك أنه بالمغرب رغبة وطموح إلى نهضة ثقافية تجعل من الثقافة محركًا رئيسيًا في المجتمع. وستوفر مناسبة استضافة المغرب ضيفا شرفيا في معرض الكتاب لعام 2017 فرصة لتحديد المعالم الأولية لهذه النهضة، إذا ما أوكلت الأمور إلى الاحترافيين والعارفين في الشأن الثقافي، وإلا قد (يتفرج) علينا، بالمعنى الساخر، الجمهور الفرنسي والأوروبي الذي يحج للمعرض الدولي للكتاب».
من جهته، يبدو حسن نرايس، الإعلامي والكاتب والناقد، أكثر تشاؤمًا وانتقادًا للمنطق الذي يتم به التعاطي مع المشهد الثقافي، خصوصا فيما يخص الاستراتيجيات المسطرة، لذلك كان طبيعيًا أن تأتي إجابته عن سؤال الدخول الثقافي منسجمة مع رؤيته للوضع الثقافي بشكل عام، حيث يقول: «الدخول الثقافي بالمغرب يبتدئ يوم افتتاح فعاليات المعرض الدولي للكتاب، وينتهي يوم اختتام الفعاليات. وطيلة الأشهر الأخرى، نتعامل مع الثقافة بمنطق التقسيط.. ندوات هنا.. تقديم وتوقيع كتب مجملها على الحساب الشخصي لأصحابها. هناك نقص ملحوظ في استراتيجية فعالة من طرف الوزارة الوصية. هناك عدم تنسيق جاد بين الفاعلين في الحقل الثقافي. بعض دور النشر تتعامل كشركات همّها الأول والأخير الربح المالي. وفي هذه الأجواء المكهربة لا يمكن الحديث عن الدخول، بل عن الخروج».
وعند سؤاله عن أوجه المقارنة بين الدخول الثقافي في المغرب ومثيله في فرنسا، مثلا، قال كاتب «الضحك والآخر.. صورة العربي في الفكاهة الفرنسية»: «عدد دور النشر في الدوائر الباريسية 1 و5 و6 و7 يفوق عدد دور النشر في المغرب كله. قمت بالحساب بداية الألفين. ناهيك بعدد الكتب الصادرة في جميع الحقول وكل الأجناس. ولذلك، لا مجال للمقارنة».
من جهته، يشير عزيز أزغاي، الشاعر والفنان التشكيلي، في بداية تناوله سؤال الدخول الثقافي في المغرب، إلى أن «تقليد (الدخول الثقافي) يعد عادة غربية – أوروبية بامتياز، وهي عادة تعكس تلك السيرورة الطبيعية، التي تكرست، تاريخيًا، بوصفها تقليدًا مجتمعيًا ورسميًا، جاء نتيجة لانشغال مؤسساتي وشعبي منتظم بالمسألة الثقافية، لا باعتباره ترفًا معرفيًا، وإنما رافعةً إضافيةً لسقف التنمية». لذلك، «ليس من باب المصادفة (يضيف كاتب: الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب)، أن يكون لكثير من الدول الغربية دخولها الثقافي، الذي يعتبر، إلى جانب الدخول المدرسي والاجتماعي والسياسي، أيضًا، محطة قارة يتم خلالها تقديم ما اجتهدت دور النشر في طبعه من كتب، هي حصيلة مجهود يساهم في ضمان استمرار هذه المؤسسات الثقافية، بما يحقق تميزها في جو من المنافسة الشرسة على استمالة القراء».
ويرى أزغاي أنه «مما لا شك فيه أن هناك ظروفًا تاريخية ساهمت في فرض هذا الواقع الحضاري المتصل بفعل القراءة. ومن ذلك، يمكننا الحديث عن المكانة التي يحظى بها السؤال الثقافي في أجندات الأحزاب السياسية الغربية - على اختلاف مشاربها وميولها الآيديولوجية - وفي برامجها الانتخابية، مما يجعلها على قدم المساواة مع المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من القطاعات الحيوية الأخرى ذات الصلة بحياة المواطن الغربي اليومية»؛ ويضيف أزغاي: «ما أعطى للشأن الثقافي قوته داخل النموذج الغربي أنه يتصل، آليا، بآفاق وتصورات رجالات الاقتصاد ومنظريه، من خلال تحويل مختلف المبادرات الثقافية من ممارسات مستقلة بطموحاتها ومعزولة بقضاياها، إلى معادل حيوي في سيرورة النهوض باقتصادات كثير من الدول المتقدمة». ومن هنا، يشدد أزغاي، «برز إلى الوجود، قبل ما يقارب قرنا من الزمن، مفهوم (الصناعات الثقافية)، الذي تطور إلى مفهوم (الصناعات الإبداعية)، وهما مفهومان يحيلان إلى نوع من التعامل الغربي البرغماتي مع المسألة الثقافية، في سياق البحث عن موارد جديدة غير تقليدية، وعن أسواق خارجية لتسويق الأفكار والثقافات والقيم والصور، إلى أن تحول الأمر إلى ما يشبه حربا نظيفة، حلت محل الحروب القديمة، التي أفرزت الظاهرة الاستعمارية. فإلى جانب التطور الكبير الذي شهدته صناعة الكتاب والمطبوعات، على اختلاف أنواعها ومحتوياتها، عرفت الصناعة السينمائية، بوصفها مرحلة متأخرة من ثقافة الصورة، انتشارًا غير مسبوق، أسهم ليس فقط في مضاعفة مداخيل هذه الأنواع من الصناعات الذكية، حتى فاقت، بالنسبة لدول مثل إنجلترا وأميركا وفرنسا وتركيا في السنوات القليلة الماضية، مداخيل بعض الصناعات التقليدية الثقيلة، وإنما أيضا في ضمان مكانة جد متقدمة ومؤثرة في صناعة الرأي وتدجين البشر وخلخلة قناعات المشككين منهم في طموحات الأنظمة الجبارة، التي باتت تسيطر على اقتصادات العالم». لذلك، بعد هذا الجرد السريع لواقع السياسات الثقافية لدى الغرب، ينتهي أزغاي إلى القول: «إن كان لنا أن نتساءل، بغير قليل من السذاجة القاسية: ما نصيبنا من كل هذا التطور؟ مجرد سؤال أبيض لا نملك له، على الأقل في الوقت الراهن، جوابًا مقنعًا».



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».