الأمين العام المساعد لـ {الاتحاد من أجل المتوسط}: نحتاج حلولاً عملية لمواجهة زيادة العاطلين

صدقي العموش قال لـ«الشرق الأوسط» إن عدم التوافق بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل أحد التحديات للحد من البطالة في المنطقة

السفير صدقي العموش
السفير صدقي العموش
TT

الأمين العام المساعد لـ {الاتحاد من أجل المتوسط}: نحتاج حلولاً عملية لمواجهة زيادة العاطلين

السفير صدقي العموش
السفير صدقي العموش

يستضيف الأردن، على البحر الميت، يوم 27 سبتمبر (أيلول) الحالي المؤتمر الثالث لوزراء العمل في بلدان الاتحاد من أجل المتوسط ما يعكس رغبة الاتحاد في إيجاد سبل وآليات للتعاون بين دوله لتوفير فرص عمل والحد من البطالة التي تشكل الآفة الاقتصادية والاجتماعية الكبرى لبلدان جنوب وشرق المتوسط.
ويأتي المؤتمر الثالث الذي يعقب مؤتمرين من النوع نفسه أولهما استضافه المغرب عام 2008 والثاني في بروكسل عام 2010 في إطار ظروف بالغة الصعوبة لكثير من بلدان جنوب وشرق المتوسط بسبب الحروب والنزاعات والهجرة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وتبين الوثائق التي تم إعدادها أن المجتمعين سيركزون على التحديات التي تواجهها سوق العمل من خلال ثلاث زوايا وهي: إيجاد فرص عمل جديدة، انخراط الشباب وانضمامهم إلى سوق العمل، وأخيرًا الحوار الاجتماعي. وبهذه المناسبة، أجرت «الشرق الأوسط» حوارا مع الأمين العام المساعد لشؤون التنمية الاقتصادية في الاتحاد من أجل المتوسط السفير صدقي العموش الذي أسهم في الإعداد للمؤتمر لإلقاء الضوء على العوائق الأساسية التي تصعب التعاون بين بلدان المنظومة المتوسطية، وعلى المأمول من المؤتمر. وفيما يلي نص الحديث:
* ما توقعاتكم من المؤتمر الثالث لوزراء العمل في بلدان الاتحاد من أجل المتوسط المنتظر عقده في الأردن ؟ وما التدابير التي يمكن أن تقر والتي سيكون لها تأثير على سوق العمل؟
- يكتسب المؤتمر الثالث لوزراء العمل للاتحاد من أجل المتوسط أهمية كبرى هذا العام لكثير من الأسباب، أهمها: أولا نظرًا للتحديات الحالية التي تواجهها دول المنطقة سواء التي تتمثل في نسب البطالة المرتفعة بين الشباب والنساء، والذي تشترك فيه أيضا بعض الدول الأوروبية، بالإضافة إلى دول جنوب وشرق المتوسط، وثانيًا لمرور بعض من الدول الأعضاء بفترات من التحول السياسي والاقتصادي والتي كان لها أثر كبير على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام، وبالتالي على فرص العمل والتشغيل المتاحة، وثالثًا لأن المؤتمر هذا العام يعقد بعد فترة زمنية طويلة، شهدت خلالها المنطقة كثيرا من التغيرات، منذ انعقاد الاجتماع الوزاري الثاني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، وبالتالي فهناك كثير من الموضوعات والتحديات الإقليمية التي يجب متابعتها والاتفاق على الأهداف المشتركة لكيفية مواجهتها.
ولقد شهدت الفترة الماضية منذ عام 2012 حتى عام 2016 كثيرا من الاجتماعات الفنية والمشاورات فيما بين الدول الأعضاء للإعداد الجيد لهذا المؤتمر والتي عكفت على الاطلاع على أهم البرامج والمشروعات التي تنفذ بالمنطقة في مجال التشغيل وتوفير فرص العمل وتشجيع الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وذلك بهدف اقتراح التوصيات المختلفة لمواجهة المشكلات الهيكلية في أسواق العمل بدول جنوب وشرق المتوسط. وتشتمل هذه التوصيات على كثير من التدابير الممكن تبنيها لمواجهة بعض المشكلات الحالية فيما يتعلق بالمهارات المطلوبة في سوق العمل، وبرامج التعليم الفني والتشغيل، ودور القطاع الخاص والتعاون فيما بين الشركاء المختلفين من القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني، وتوفير البيئة المناسبة لإقامة الأعمال.
* ما الدور التي تنوي الأمانة العامة أن تقوم به لمعالجة البطالة وإيجاد فرص العمل؟ وهل تتوفر لها الإمكانيات؟
- تعد الأمانة العامة للاتحاد شريك أساسي وفاعل في الاجتماعات التحضيرية كافة للمؤتمر الوزاري، وتعمل على تنسيق المواقف فيما بين الدول الأعضاء، وعرض واقتراح الموضوعات الفنية على السادة الوزراء سواء عن طريق مشاركتها مع الدول الأعضاء والمنظمات والمؤسسات الدولية الأخرى ذات الصلة مثل المفوضية الأوروبية والمؤسسة الأوروبية للتدريب ومنظمة العمل الدولية في إعداد التقارير الفنية اللازمة في هذا الشأن لمعالجة البطالة وإيجاد مزيد من فرص العمل وتطوير القطاع الخاص، أو عن طريق بعض المبادرات الإقليمية والأنشطة المختلفة التي تطلقها في مجال تشغيل الشباب وتعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة ومنها المبادرة المتوسطية للتوظيف (Med4Jobs).
* إحدى أعقد صعوبات العمالة في بلدان جنوب وشرق المتوسط تكمن في عدم التوافق بين النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل. هل توافقون على هذا التشخيص؟ وإذا كانت هذه هي الحال، ما خطط الحل؟
- تكمن التحديات الرئيسية التي تواجهها المنطقة في عدم القدرة على توفير فرص العمل اللازمة التي يمكن أن تستوعب الأعداد الكبيرة من خريجي المدارس الفنية والجامعات التي تدخل إلى سوق العمل كل عام. فهناك كثير من العوامل الرئيسية المتسببة في عدم قدرة القطاع الخاص (الذي يوفر أكثر من 90 في المائة من الوظائف المتاحة في سوق العمل) على تلبية الطلبات الهائلة لراغبي الحصول على فرصة عمل، ويتمثل بعض هذه الأسباب في: عدم التوافق بين مخرجات النظام التعليمي والمهارات والمطلوبة في سوق العمل، وعدم التوافق بين العرض والطلب في سوق العمل والافتقار إلى الإرشاد الوظيفي الفعال وآليات التطابق الموجهة في سوق العمل، وعدم وجود آليات وأنظمة حديثة تساعد على الربط بين أرباب الأعمال والباحثين عن فرص العمل، وعدم وجود الوسائل اللازمة والبيئة المناسبة لتطوير وتنمية الأعمال والمشروعات الريادية، وعدم القدرة على جذب الاستثمارات اللازمة لإقامة الشركات والأعمال في كثير من القطاعات الاقتصادية. ونظرًا لأن بعضا من هذه الأسباب يشترك فيها كثير من دول المنطقة، فهناك حاجة ماسة إلى توحيد وتكثيف جهود التعاون الإقليمي لوضع التصور المشترك لكيفية المواجهة، فهناك بعض الحلول التي توصلت إليها بعض الدول لمواجهة هذه المشكلات يمكن أن تستفيد منها بعض الدول الأخرى، وهنا يأتي الدور المهم للاتحاد من أجل المتوسط والذي يساعد على تفعيل الحوار بين شركاء المنطقة سواء من الحكومات أو القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني وكذا مؤسسات التمويل الدولية، وذلك بهدف تطوير مشروعات إقليمية تسهم في توفير فرص العمل وصقل مهارات الشباب والنساء بالدول الأعضاء.
* الجميع يعلم أن الفئات الأكثر معاناة من موضوع البطالة في المجتمعات المشار إليها «جنوب وشرق المتوسط» هي الشباب والنساء وبالتالي هل من خطط محددة لمساعدتهما؟
- تشير الإحصاءات المتاحة إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير بين الشباب والنساء في كثير من دول المنطقة، فنحو 60 في المائة من سكان المنطقة اليوم تحت سن الثلاثين، ومن المتوقع أن يزداد إجمالي عدد الشباب الذين هم تحت 15 عاما بنسبة تزيد على 18 في المائة بحلول عام 2020. وعلى سبيل المثال، بلغ متوسط نسبة البطالة نحو 28 في المائة بمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وبالتالي فإن الموضوعات والمناقشات كافة التي سيتم بحثها خلال الاجتماع الوزاري تركز بشكل أساسي على كيفية طرح الحلول العملية للحد من البطالة فيما بين الشباب والنساء، وكيفية مساعدتهم على التشغيل من خلال برامج التدريب المصممة وفقًا لحاجة سوق العمل، وكذا توفير وسائل وأدوات التمويل المبتكرة لتشجيعهم على إقامة المشروعات الريادية في كثير من المجالات الاقتصادية.
* هل يمكن أن تعرضوا لنا نتائج الخطة التي أطلقتها الأمانة العامة لمساعدة الشباب على إيجاد فرص عمل والمسماة Med4Jobs؟
- المبادرة المتوسطية للتوظيف هي برنامج إقليمي يشمل قطاعات اقتصادية وتنموية مختلفة ويهدف إلى التصدي للتحديات المتعلقة بتوفير فرص عمل في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد طورتها الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط بالتشاور مع الدول الأعضاء وكثير من الشركاء بالمنطقة لمواجهة معدلات البطالة المرتفعة، وتحديدًا للمساعدة في زيادة قابلية توظيف الشباب والنساء، وسد الفجوة بين العرض والطلب على اليد العاملة، وتعزيز ثقافة مباشرة الأعمال الحرة وتنمية القطاع الخاص.
وتعمل المبادرة في الوقت نفسه على محورين: تعزيز ومحاكاة عدد من مشروعات خلق فرص العمل الملموسة في منطقة جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وتأسيس منصة إقليمية للحوار وتبادل المعلومات بشأن أفضل الممارسات والتفاعل بين القطاعين الخاص والعام والتعاون بينهما. كما تساهم علاوة على ذلك في تطوير وتنمية فرص العمل بالقطاع الخاص وجعله محورًا أساسيا للنقاش فيما يتعلق بموضوعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتحقيقًا لهذه الغاية أطلقت الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط المبادرة المتوسطية للتوظيف (Med4Jobs) عام 2013. وباعتبارها منصة للحوار الشامل وبناء توافق الآراء فإن الأمانة العامة للاتحاد لديها صلاحية جمع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات المحلية والأطراف المعنية وحشد طاقاتها بهدف تطوير وتنمية مشروعات التعاون الإقليمي. وفي الوقت الراهن، تمتلك المبادرة المتوسطية للتوظيف 12 مشروعًا يتم تنفيذها على ضفتي البحر المتوسط، ويستفيد منها أكثر من مائة ألف شاب وتساهم في تطوير وإقامة أكثر من 800 مؤسسة صغيرة ومتوسطة.
ومن هذه المشروعات: «المبادرة الدولية لخدمات سوق العمل المبتكرة للشباب - YouMatch» التي تركز على الصلة بين العرض والطلب في سوق العمل، بغية تحسين توافق مهارات الشباب مع متطلبات الوظائف، حيث يتصدى المشروع لتحدي إلحاق الشباب، وخصوصا النساء منهم، بوظائف مستدامة وإتاحة آفاق لهم للارتقاء على المدى البعيد من خلال الحلول المبتكرة. يتيح المشروع للممارسين من وزارات العمل وجمعيات رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني وبرامج تشجيع التوظيف منصة لمناقشة عوامل النجاح العامة لخدمات سوق العمل الحالية للشباب، ويساعد على تحديد الأمثلة الجيدة، والمزيد من تطوير وتنفيذ حلول سوق العمل المبتكرة، ونقل نماذج مصممة خصيصًا إلى مختلف السياقات القطرية، ويعمل على تبادل الدروس المستفادة. يموّل هذا المشروع بالكامل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية وتنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في الجزائر ومصر والأردن والمغرب وفلسطين وتونس.
* الاقتصاد غير الرسمي يمثل أحد أسباب هشاشة سوق العمل في البلدان المتوسطية العربية. ما نظرة الأمانة العامة لهذا الموضوع؟
- تتفاوت نسب مساهمة الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الكلي بالدول العربية المتوسطية، ولكن بشكل عام تشير الإحصاءات إلى ارتفاعها نسبيا مما يؤثر على هيكل وطبيعة اقتصادات هذه الدول وشبكات الحماية الاجتماعية المتوفرة. ويرجع التفاوت في التقديرات إلى عدم وجود تعريف موحد لماهية الاقتصاد غير الرسمي، ومع ذلك فأكثر التعريفات المتفق عليها هي كل حالة تشتمل على عدم وجود عقد عمل وغطاء للضمان الاجتماعي. وهناك حالات وصور متعددة لأشكال الأنشطة غير الرسمية والأعمال غير المعلنة، ولا سيما ما يتعلق بالظروف الحالية لكثير من اللاجئين والمهاجرين.
ويمكن التطرق لعملية تشجيع الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي من خلال كثير من الإجراءات والسياسات والتي تشتمل على مراجعة قوانين العمل الحالية ووسائل المراقبة على العمل لتتضمن عددا أكبر من أنواع العقود ومرونة أكثر لتتواكب مع طبيعة بعض من فرص العمل الجديدة المختلفة الممثلة في استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة. هذا بالإضافة إلى مراجعة قوانين الضرائب والأجور لوضع الحوافز اللازمة للشركات غير الرسمية للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، وكذلك القوانين الخاصة بالضمان الاجتماعي وأنظمة الحماية الاجتماعية.
* فقدان التأهيل للمهن الجديدة في أوساط الشباب يشكل صعوبة في الحصول على فرصة عمل. ما الذي يمكن القيام به لأصحاب الشهادات العليا المحرومين من العمل؟
- تعمل أمانة الاتحاد مع كثير من الشركاء الدوليين على تنمية وتطوير المهارات الخاصة بسوق العمل، وقد قامت خلال الفترة الماضية من خلال بعض المشروعات الإقليمية على توفير برامج تدريبية متخصصة للطلبة في الجامعات والمدارس لتنمية قدراتهم الريادية وكذا مهاراتهم الفنية وفقا لمتطلبات سوق العمل. ومن هذه المشروعات: مشروع جيل ريادة الأعمال بالتعاون مع مؤسسة إنجاز العرب، ومشروع مهارات - المتوسط بالتعاون مع مركز تنمية الأعمال بالأردن. وتتم هذه المشروعات في إطار مبادرة Med4Job.
* ما يمنع الراغبين في إطلاق شركاتهم الخاصة والصغيرة صعوبة الحصول على التمويل اللازم، هل سيتناول المؤتمر هذا الجانب؟
- لا شك أن أحد العوامل الرئيسية التي يتم مناقشتها هي تشجيع القطاع الخاص من خلال مساندة الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وكيفية توفير البيئة الملائمة لتنمية ونمو هذه الشركات. ولعل أحد العوامل المؤثرة في هذا الشأن تسهيل الحصول على التمويل اللازم. ومع ذلك فإن هذه الموضوعات يتم تناولها بشكل أكبر وأكثر تفصيلاً في اجتماعات وزارية أخرى ذات الصلة بالاتحاد من أجل المتوسط، كالمؤتمر الوزاري للتعاون الصناعي والتعاون الدولي.
* عندما يطرح موضوع العمل والبطالة، يقرن ذلك بالحديث عن الحوار الاجتماعي وأهميته. لكن في ظل غياب النمو الاقتصادي الذي من شأنه خلق فرص عمل وهو ما تعاني منه غالبية البلدان المتوسطية، ما تأثير هذا الحوار؟
- إن الحوار الاجتماعي الفعال، سواء على المستوى الثنائي أو الثلاثي الأطراف، يتطلب شروطًا في الإطار العام، ألا وهي: أولاً، إطار قانوني ملائم يتماشى مع مبادئ منظمة العمل الدولية، وثانيًا، منظمات اجتماعية شريكة مستقلة وقوية وممثلة بما فيه الكفاية، وثالثًا، ثقافة حوار اجتماعي تمثل عملية موجهة نحو النتائج وتحقق المكاسب للجميع، ورابعًا، إعدادات وإجراءات مؤسسية تتيح إدارة هذا الحوار. ولضمان تحقيق الإمكانيات الكاملة للحوار الاجتماعي، ووضع استراتيجيات تجمع بين القدرة التنافسية والتقدم الاجتماعي، تم اقتراح بعض التوصيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات منظمات الشركاء الاجتماعيين وهيئات الحوار الاجتماعي، وتنمية ثقافة الحوار الاجتماعي، وتطوير ممارسات الحوار الاجتماعي السليمة في الشركات وعلى المستوى القطاعي.
* كيف يمكن لبلدان شمال وغرب المتوسط أن تساعد بلدان جنوب وشرق المتوسط في موضوع العمالة، بينما تعاني هي نفسها من هذه الآفة الاجتماعية والاقتصادية؟
- تعمل أمانة الاتحاد من أجل المتوسط على تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول الأعضاء وفق مبدأ الملكية المشتركة الذي يقوم عليه الاتحاد من أجل المتوسط، بحيث تقف دول جنوب المتوسط على قدم المساواة مع الدول الأوروبية في توجيه التعاون الأورومتوسطي وتحديد أولويات العمل المشترك. وتعتمد مشروعات التعاون الإقليمي على مبدأ السرعات المتفاوتة الذي يعد من أبرز مبادئ الاتحاد من أجل المتوسط، خاصة أنه يتيح لعدد من الدول الأعضاء أن تتقدم للحصول على دعم الاتحاد من أجل المتوسط لتنفيذ أحد المشروعات فيما بينها، دون أن يتطلب ذلك مشاركة بقية الدول الأعضاء في هذا المشروع.
ومما لا شك فيه أن التعاون الإقليمي لا ينحصر فقط في إطار التعاون بين الشمال والجنوب ولكن يندرج على أطر أخرى تشمل التعاون فيما بين دول الجنوب والذي ينعكس في عدد من المشروعات الإقليمية للاتحاد.
وتتفاوت الأسباب المؤدية إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب على جانبي المتوسط، وهناك كثير من الدروس المستفادة من تجارب بعض الدول الأوروبية التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، يمكن أن تستفيد منها الدول العربية المتوسطية في عمليات التحول والنمو الاقتصادي.



بعد استثمارات بمئات الملايين… تطبيق «نعناع» السعودي للتوصيل أمام اختبار البقاء

أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
TT

بعد استثمارات بمئات الملايين… تطبيق «نعناع» السعودي للتوصيل أمام اختبار البقاء

أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)

في مشهد يجمع بين صعود سريع، وتمويلات قياسية، ثم دخول مسار إعادة الهيكلة، فتحت المحكمة التجارية في الرياض فصلاً جديداً في قصة شركة «نعناع»، عبر حكم بإعادة التنظيم المالي لشركة المتاجر المركزية لتقنية المعلومات، المالكة والمشغلة لتطبيق توصيل البقالة في السعودية.

وبحسب ما نشرته منصة «إيسار»، أعلن أمين الإفلاس ماجد النمر صدور الحكم عن الدائرة التاسعة في المحكمة التجارية في الرياض، متضمناً فتح إجراءات إعادة التنظيم المالي، مع دعوة الدائنين لتقديم مطالباتهم خلال مهلة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ الإعلان. فكيف وصل مسار التطبيق إلى هذا المستوى؟

رهان على نهاية «بقالة الحيّ»

تعود قصة «نعناع» إلى عام 2016، حين أسَّسها رائد الأعمال سامي الحلوة مع شريكين آخرين، لتكون واحدة من أوائل تطبيقات توصيل البقالة المحلية في السعودية.

منذ انطلاقتها، لم تكن فكرة «نعناع» مجرد دخول سوق التوصيل، بل قامت على رهان أكبر: أن نموذج البقالة التقليدية في طريقه إلى التراجع، وأن المستهلك سيتجه تدريجياً إلى الطلب الرقمي السريع كخيار أساسي للاستهلاك اليومي.

هذا الرهان دفع الشركة إلى تبني نموذج «التجارة السريعة»، القائم على تقليص زمن التوصيل عبر إنشاء متاجر صغيرة داخل الأحياء بدل الاعتماد الكامل على المتاجر التقليدية.

توسُّع سريع

بدأت الشركة بنموذج يعتمد على مناديب يشترون الطلبات من المتاجر القائمة، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى تشغيل متاجرها الخاصة داخل الأحياء لتسريع التوصيل.

ومع هذا التوسُّع، ارتفع عدد الفروع إلى 36 فرعاً، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 16 فرعاً مع إعادة هيكلة العمليات وإيقاف بعض الخدمات في مواقع مختلفة.

إحدى بقالات «الدارك ستور» التابعة لـ«نعناع» (موقع الشركة)

وفي الوقت نفسه، توسَّعت الشركة جغرافياً لتصل إلى 18 مدينة داخل السعودية، بالإضافة إلى القاهرة، ضمن خطة توسع إقليمي طموحة.

تمويلات ضخمة

بحسب بيانات الشركة والمستثمرين، جمعت «نعناع» منذ تأسيسها نحو 780 مليون ريال (211.9 مليون دولار) عبر 6 جولات تمويلية. وبدأت الرحلة بجولة تأسيسية في 2016 بنحو 2.1 مليون دولار، تلتها جولة دين قابلة للتحويل في 2017 بقيمة 2.2 مليون دولار، ثم جولة في 2019 بقيمة 6.6 مليون دولار، تلتها في 2020 بقيمة 18 مليون دولار بقيادة «إس تي في» وهو صندوق سعودي مخصص لدعم الشركات الناشئة المبنية على الذكاء الاصطناعي في المنطقة.

وفي 2022، حصلت الشركة على 50 مليون دولار، قبل أن تصل إلى أكبر جولة في تاريخها خلال 2023 بقيمة 500 مليون ريال، قادتها «المملكة القابضة» بمشاركة تحالف من المستثمرين.

ويمثل تمويل عامي 2022 و2023 أكثر من 85 في المائة من إجمالي الاستثمارات، ما يوضح تسارعاً كبيراً في ضخ الأموال بالتوازي مع التوسع التشغيلي.

طرح الشركة

وفي تلك الفترة، كشف المؤسس والرئيس التنفيذي سامي الحلوة أن الشركة تستهدف طرح أسهمها في السوق المالية السعودية خلال عامين أي بحلول العام الحالي، مع توسع إضافي داخل المملكة وخارجها.

استثمارات الأفراد

وقد أثارت التطورات الجارية مخاوف المستثمرين في التطبيق، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتساؤلات وانتقادات لما آلت إليه الأمور.

يقول أحد المستثمرين في تعبيره عن استيائه في منصة «إكس»: «استثمرت في شركة (نعناع)عن طريق منصة (ثقة) التابعة لـ(عوائد)، وللأسف منذ الاستثمار وحتى هذه اللحظة لم يتم تحديث ما الذي حصل للاستثمار، ولا يوجد أي تقرير يوضح الوضع... هل تم الاستثمار في الشركة أم لا؟»، وتابع: «من المفترض أن (منصة عوائد) هي المسؤولة عن استثماراتنا نحن وغيرنا في الصندوق، وإذا لم يتم حفظ حقوقنا أو توضيح ما الذي جرى، فهذه مشكلة حقيقية».

ضغط المنافسة

لكن مع التوسُّع السريع، بدأت التحديات التشغيلية بالظهور. إذ اعتمدت الشركة على نموذج «التجارة السريعة»، الذي يهدف إلى تقليص زمن التوصيل لأقصى درجة، لكنه في المقابل يرفع التكاليف التشغيلية بشكل كبير، خصوصاً مع انتشار الفروع وزيادة الطلبات.

ومع اشتداد المنافسة في قطاع التوصيل، دخلت السوق مرحلة ضغط سعري حاد، حيث أصبحت المنافسة تعتمد بشكل كبير على الأسعار وسرعة الخدمة، ما أثر على الهوامش التشغيلية.

سوق لا ترحم

لم تكن «نعناع» وحدها في مواجهة هذا الواقع. ففي عام 2025، ودَّع تطبيق «شقردي» السوق بعد 6 سنوات من التشغيل، رغم نجاحه في تنفيذ أكثر من 7 ملايين طلب وخدمة أكثر من 3 ملايين عميل في 35 مدينة ومحافظة داخل المملكة.

وجاء في بيانه أن قرار الإيقاف يعود إلى «سياسة حرق الأسعار»، في إشارة إلى طبيعة البيئة التشغيلية الصعبة في هذا القطاع.

وهذه السياسة التنافسية تقوم على خفض الأسعار بشكل حاد وأحياناً دون التكلفة، بهدف جذب العملاء بسرعة، والاستحواذ على حصة سوقية، أو إخراج بعض اللاعبين الأضعف من السوق.

ما هو إجراء إعادة التنظيم المالي؟

وفي شرحه لطبيعة إجراء إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس السعودي، أوضح المحامي والمحكّم التجاري محمد المزيّن لـ«الشرق الأوسط» أن نظام الإفلاس السعودي يمثل ركيزة قانونية توازن بين استمرارية النشاط الاقتصادي وحماية حقوق الدائنين. ولفت إلى أن إجراء إعادة التنظيم المالي ليس مجرد إجراء قانوني جاف، بل هو مسار يهدف بالأساس إلى تيسير توصل المدين إلى اتفاق مع دائنيه تحت إشراف قضائي وفني متخصص، بما يضمن تصحيح المسار بدلاً من الخروج من السوق.

وأشار المزيّن إلى أن هذا الإجراء يمنح المنشآت التي تواجه اضطرابات مالية، أو تلك المتعثرة بالفعل، فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. وتتجلى مرونة النظام في المادة 69، التي تنص على أن الأصل هو استمرار المدين في إدارة أعماله ونشاطه تحت إشراف «أمين إعادة التنظيم المالي»، ولا يتم غل يده عن الإدارة إلا في حالات استثنائية تتعلق بالإهمال أو سوء الإدارة.

واعتبر المزيّن أن افتتاح هذا الإجراء هو بمثابة «قوة قانونية» تهدف صراحة إلى تمكين المدين من الاستفادة من خيارات الهيكلة لمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد، وفقاً لما نصت عليه المادة الخامسة من النظام.

وبيّن أن النظام يفتح أبوابه للمنشآت في ثلاث حالات: إذا كان من المرجح تعثرها بسبب اضطرابات مالية، أو إذا كانت متعثرة بالفعل، أو حتى في حالة الإفلاس التام.

استمرارية التشغيل تحت الرقابة القضائية

وحول الجوانب الإجرائية، أوضح المزيّن أن العملية تمر بمرحلتين زمنيتين؛ تبدأ الأولى من تاريخ قيد طلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي وحتى صدور الحكم، وفيها يتم تفعيل المادة 46 بشأن «تعليق المطالبات»، وهي حصانة قانونية فورية تمنع إجراءات التنفيذ وتتيح للمدين التركيز الكامل على إعداد خطة الإصلاح، وذلك بهدف حماية أصول الشركة وضمان استقرارها القانوني خلال فترة التقاضي.

أما المرحلة الثانية، فتبدأ بعد صدور الحكم القضائي بافتتاح الإجراء، حيث حيث تستأنف الشركة نشاطها تحت إشراف «أمين الإجراء» المعين من قبل المحكمة. واستناداً إلى المادة 57، يتولى «أمين الإجراء» التحقق من عدالة الإجراءات وضمان تنفيذ الخطة المالية بما يكفل سرعة الأداء وتوفير الحماية اللازمة لمصالح الدائنين وجميع الأطراف المتأثرة.

هيكلة الديون

فنّد المزيّن الاعتقاد السائد بأن افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي يمثل نهاية لنشاط الشركة، مؤكداً أنه على العكس من ذلك، يعد بمثابة «طوق نجاة» وقوة قانونية تهدف صراحة إلى هيكلة الديون والعودة إلى المسار الصحيح، وليس إعلاناً لنهاية نشاط الشركة. واستشهد بالمادة 5 (الفقرة 1) من النظام التي تهدف إلى تمكين المدين من الاستفادة من إجراءات الإفلاس لمعاودة نشاطه ودعم الاقتصاد.

وأضاف أن النظام يدعم هذه العودة عبر ركيزتين: «الحماية القانونية» التي تمنح فترة سماح من ملاحقات الدائنين، و«استمرار الإدارة» التي تبقي الشركة كياناً حياً ممارساً لأعماله وليست في حالة تصفية، مما يجعل الإعلان بداية لمرحلة «التصحيح» والوصول لاتفاق جماعي يضمن الاستدامة.

الحقوق القانونية لمستثمري الأفراد

وفيما يتعلق بمصير استثمارات الأفراد، لاسيما الذين ضخوا أموالهم عبر منصات التمويل الجماعي مثل منصة «عوائد» بناءً على وعود بعوائد استثمارية مرتفعة تتجاوز 93 في المائة، أكد المزيّن أن نظام الإفلاس السعودي وضع إطاراً قانونياً حازماً يضمن حقوق هؤلاء المستثمرين بصفتهم «دائنين» للشركة. وأوضح أن عملية استرداد الأموال تخضع لقواعد وإجراءات محددة تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة:

  • الإلزام القانوني عبر الخطة: بمجرد تصديق المحكمة على مقترح كيفية سداد الديون وتسوية المستحقات، يصبح خطة ملزمة قانوناً للمدين تجاه جميع الدائنين، بما في ذلك المستثمرون الأفراد.
  • تصنيف الدائنين: تلزم المادة 29 المدين بتصنيف الدائنين إلى فئات وفقاً لطبيعة ديونهم لضمان المعاملة العادلة.
  • التمثيل القانوني: يتيح النظام تشكيل لجنة لتمثيل مصالح المستثمرين ومراقبة أداء الشركة والأمين لضمان تنفيذ بنود السداد.

واختتم المزيّن حديثه بالتحذير من مغبة المخالفات، مؤكداً أن النظام يتيح ملاحقة الشركة في حال تبديد الأصول أو تفضيل دائن على آخر، حيث تصل العقوبات بموجب المادة الثالثة بعد المائتين إلى السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 5 ملايين ريال، مما يضمن حماية صارمة لحقوق كافة الأطراف في ظل سيادة القانون.

اليوم، ومع صدور حكم إعادة التنظيم المالي، تنتقل «نعناع» من مرحلة التوسع المدفوع بالتمويل، إلى مرحلة إعادة التنظيم المالي تحت إشراف قضائي.

وبينما كانت الشركة تُصنف في 2023 كأحد أبرز قصص النمو في قطاع التجارة السريعة، فإنها اليوم تدخل اختباراً مختلفاً تماماً يتمثل في اختبار الاستدامة.

وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بخطة إعادة التنظيم، وقدرة الشركة على إعادة بناء نموذجها التشغيلي والمالي في سوق لا تزال شديدة التنافسية، وتعيد تعريف قواعدها باستمرار.


أسهم الدفاع الأوروبية تفقد زخمها مع إعادة تقييم مكاسب الحروب

يظهر شعار شركة «راينميتال» خلال معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبينت بفرنسا (رويترز)
يظهر شعار شركة «راينميتال» خلال معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبينت بفرنسا (رويترز)
TT

أسهم الدفاع الأوروبية تفقد زخمها مع إعادة تقييم مكاسب الحروب

يظهر شعار شركة «راينميتال» خلال معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبينت بفرنسا (رويترز)
يظهر شعار شركة «راينميتال» خلال معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبينت بفرنسا (رويترز)

تراجعت شهية المستثمرين تجاه أسهم شركات الدفاع الأوروبية، في ظل عمليات جني أرباح متزايدة وتقييمات اعتُبرت مرتفعة، بالتزامن مع تصاعد حالة عدم اليقين بشأن مسار الصراعات الجيوسياسية، ولا سيما بعد أن أعاد الصراع الإيراني تسليط الضوء على فاعلية الطائرات المُسيَّرة منخفضة التكلفة.

وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» لقطاع الطيران والدفاع الأوروبي بنسبة 9.2 في المائة في مارس (آذار)، مسجلاً أكبر تراجع شهري له منذ 5 سنوات، في انعكاس واضح لبدء موجة تصحيح، بعد أداء قوي سابق، وفق «رويترز».

وعادة ما تستفيد أسهم شركات الدفاع من اندلاع الحروب، كما حدث عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أو عند تصاعد الضغوط السياسية لزيادة الإنفاق الدفاعي؛ خصوصاً من جانب الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو). إلا أن هذا النمط لم يتكرر بالزخم نفسه مع اندلاع الصراع الإيراني في 28 فبراير (شباط)، رغم التصعيد السياسي المتواصل.

وقال مارتن فراندسن، مدير المحافظ في شركة «برينسيبال لإدارة الأصول»: «شهدنا تراجعاً واضحاً في بناء المراكز الاستثمارية، مع اتجاه المؤسسات والمستثمرين الأفراد إلى خفض الانكشاف على المخاطر، في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين».

ومنذ بدء النزاع، تراجعت أسهم شركات دفاع بارزة؛ إذ انخفض سهم «سي إس جي» التشيكية بنحو الثلث، بينما تراجعت أسهم «راينميتال» و«رينك» الألمانيتين بنحو 10 في المائة، وسهم «ساب» السويدية بنحو 12 في المائة.

تراجع المراكز بعد موجة صعود تاريخية

كانت أسهم الدفاع الأوروبية من بين أفضل القطاعات أداءً منذ 2022؛ إذ ارتفعت بأكثر من 450 في المائة، مقارنة بنحو 40 في المائة لمؤشر «إم إس سي آي- أوروبا». وجاء هذا الأداء مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتخفيف القيود المالية في ألمانيا لتسريع إعادة التسلح.

لكن وتيرة العقود الفعلية جاءت أقل من توقعات بعض المستثمرين، مع تأخر أو تأجيل عدد من الطلبات، بفعل ضغوط مالية في دول مثل فرنسا وبريطانيا، حسب محللي «مورغان ستانلي».

ورغم تأكيد شركة «راينميتال» أن زيادة الإنفاق على الدفاع الجوي «أمر حتمي» في ظل استمرار الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم يوقف الضغوط البيعية على القطاع.

وفي مذكرة حديثة، أشارت «سيتي غروب» إلى أن المستثمرين ما زالوا إيجابيين على المدى العام، لكن الحماسة تراجعت بشكل واضح، مع تقليص المراكز الشرائية الكبيرة، ما زاد من حدة التقلبات.

وقال لويس-فينسنت غاف، الرئيس التنفيذي لشركة «غافيكال للبحوث»: «بداية الحرب الإيرانية وما رافقها من اضطرابات في الطاقة وسلاسل الإمداد، أدت إلى تفكيك عدد من التداولات المزدحمة في الأسواق».

كما تراجعت أسعار الذهب والفضة والنحاس بالتوازي، في حين امتدت موجة التصحيح إلى أسهم الدفاع.

تقييمات مرتفعة وتحوُّل في مفهوم «حروب المستقبل»

وشكلت التقييمات المرتفعة عاملاً إضافياً في الضغوط؛ إذ كانت أسهم القطاع تُتداول عند نحو 29 ضعف أرباحها المتوقعة عند اندلاع الحرب، وهو مستوى قريب من ذروة تاريخية.

وقال آرين شيكري، محلل الأسهم في «هارغريفز لانسداون»: «جزء كبير من نمو الإنفاق الدفاعي المستقبلي كان مُسعّراً بالفعل في أسهم الشركات العالمية».

وحسب محللين، فإن التراجع الأخير يعكس إعادة تقييم لتوقعات النمو المفرطة في القطاع.

كما أعاد الصراع الإيراني طرح تساؤلات حول طبيعة الحروب الحديثة، في ظل الاستخدام الواسع للصواريخ المكلفة وأنظمة الدفاع الجوي، مقابل صعود الطائرات المُسيَّرة منخفضة التكلفة كعنصر حاسم في ساحات القتال.

وقال كيران كالاغان من «أموندي لإدارة الأصول»: «مفهوم مستقبل الحروب تغير بشكل واضح، مع صعود التقنيات منخفضة التكلفة التي تضعف الطلب على الأنظمة التقليدية الباهظة».

في المقابل، بدأت بعض الشركات الأوروبية في تعزيز استثماراتها في تقنيات الطائرات المُسيَّرة وأنظمة مكافحة المُسيَّرات.

نظرة طويلة الأجل ما زالت إيجابية

ورغم التصحيح الحالي، لا يزال المحللون يرون أن النظرة طويلة الأجل للقطاع مستقرة، مدعومة بارتفاع التزامات الإنفاق الدفاعي الحكومي.

وتشير بيانات «مجموعة بورصة لندن» إلى تدفقات صافية بقيمة 1.32 مليار دولار إلى صندوق «وِزدوم تري أوروبا للدفاع» المتداول خلال عام 2026، منها 377 مليون دولار منذ بدء الصراع الإيراني.

كما جذبت صناديق دفاع أخرى -مثل «آي شيرز أوروبا للدفاع» و«هان إتف لمستقبل الدفاع»- نحو 355 مليون دولار هذا العام.

ويخلص المحللون إلى أن «صورة النمو الطويل الأجل لا تزال قائمة»، ولكنها أصبحت أكثر انتقائية وأقل اندفاعاً مقارنة بالموجة الصعودية السابقة.


الأسهم الأوروبية تتراجع مع تذبذب آمال تهدئة الشرق الأوسط

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تتراجع مع تذبذب آمال تهدئة الشرق الأوسط

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

تراجعت الأسهم الأوروبية يوم الاثنين مع تلاشي آمال التهدئة في الشرق الأوسط، وعودة المخاوف الجيوسياسية بعد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، عقب احتجاز واشنطن سفينة شحن إيرانية وتعهد طهران بالرد.

وزادت حالة الحذر في الأسواق مع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار المقرر انتهاؤه يوم الثلاثاء، في وقت رفضت فيه إيران بدء محادثات سلام جديدة، مما أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة، وفق «رويترز».

وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.8 في المائة ليصل إلى 621.52 نقطة بحلول الساعة 07:17 بتوقيت غرينتش، متخلياً عن مكاسب الجلسة السابقة التي جاءت بدعم من تفاؤل مؤقت بشأن فتح مضيق هرمز.

كما تراجعت المؤشرات الرئيسية في أوروبا، حيث هبط «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.9 في المائة، و«داكس» الألماني بنسبة 1 في المائة.

وعلى مستوى القطاعات، ارتفعت أسهم الطاقة بنسبة 1.9 في المائة مدفوعة بصعود أسعار النفط، بينما سجَّلت المرافق والاتصالات مكاسب محدودة. في المقابل، قاد قطاع السفر والترفيه الخسائر بتراجع بلغ 2 في المائة، كما انخفضت أسهم البنوك والسيارات بنسبة 1.8 في المائة لكل منهما.

وضغطت التوترات أيضاً على أسهم الخدمات اللوجيستية، حيث تراجع سهم «لوميس» بعد خفض تصنيفه من قبل «غولدمان ساكس» من «شراء» إلى «محايد».

ويأتي هذا الأداء المتقلب رغم استمرار بعض مؤشرات النشاط في مضيق هرمز، حيث أظهرت بيانات «كيبلر» عبور أكثر من 20 سفينة يوم السبت، في أعلى حركة مرور منذ مطلع مارس (آذار)، مما يعكس استمرار حالة عدم اليقين حول مسار الإمدادات.

وتبقى أسعار الطاقة المرتفعة عاملاً ضاغطاً على الاقتصادات الأوروبية، في وقت يُعد فيه مضيق هرمز ممراً لنحو خُمس تجارة الطاقة العالمية.