التصاميم العصرية تعيد للذهب عزه وبريقه

ارتفاع أسعار الأزياء والإكسسوارات جعل الإقبال على قطعة مجوهرات بنفس السعر استثمارا مبررا

التصاميم العصرية تعيد للذهب عزه وبريقه
TT

التصاميم العصرية تعيد للذهب عزه وبريقه

التصاميم العصرية تعيد للذهب عزه وبريقه

عندما أقامت دار «كارتييه» معرضا في «لو لوغران باليه» في نهاية العام الماضي تحتفل به بـ160 سنة من الأناقة والفخامة من خلال 600 قطعة مجوهرات تشد الأنفاس، لم تكن تستعرض فقط قدراتها التصميمية واهتمامها بالتفرد من خلال بريق الأحجار الكريمة والنادرة، بل استعرضت أيضا تلك العلاقة الحميمة التي ربطت المجوهرات بثريات وأنيقات العالم، مؤكدة أنهن فعلا كن يتعاملن معها من منطلق أنها أفضل صديق للمرأة، كما جاء في أغنية مارلين مونرو الشهيرة. من ملكات وأميرات بريطانيا إلى دوقة ويندسور واليس سيمبسونز التي كانت تطلب تصاميم مميزة من الدار، مرورا بسيدات المجتمع المخملي في أميركا وأوروبا اللاتي لم يكن يستغنين عن تصاميم «كارتييه» أو «فان كليف آند آربلز» وغيرها من البيوت. فقد كانت هذه المجوهرات سواء كانت مرصعة بالأحجار الكريمة أو مصنوعة من الذهب وحده، تنعم بمكانة مهمة كزينة وخزينة، وإن كانت الأحجار الضخمة والنادرة في صفائها وألوانها، هي المطلوبة أكثر في وقت من الأوقات.
مرت السنوات، وبدأت المجوهرات الرفيعة تفقد صلتها بعالم الموضة المعاصرة، لأن تصاميمها بقيت متمسكة بالكلاسيكية وتعتمد على بريق الاحجار أكثر مما تهتم بالتصميم العصري. وهكذا، بحلول السبعينات بدأت الأطقم الذهبية المطعمة بالأحجار تتراجع وتفقد جاذبيتها في عيون المرأة الشابة. فهذه الأخيرة ربطتها في مخيلتها بموضة الجدات والأمهات، وأصبحت ترمز بالنسبة لها إلى حقبة ولت لا تخاطب جيلها أو تمس وجدانه، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المجوهرات مسألة عاطفية بحتة، تشعل الرغبة وتثير الحب والإعجاب وما شابه ذلك من مشاعر. في الثمانينات، بدأ الذهب يستعيد قوته، بفضل الموضة، ومنذ بداية التسعينات وهو يستقوي. فقد استعادت المجوهرات مجدها القديم، والفضل هنا يعود أيضا إلى جيل من الصاغة والمصممين، الذين انتبهوا إلى أنه بات عليهم أن ينزلوا من أبراجهم العالية ويتوددون لامرأة أصبحت قدراتها الشرائية كبيرة لا يضاهيها سوى رغبة محمومة في الحصول على قطع متميزة. انتبه هؤلاء أيضا إلى قوة تأثير نجمات هوليوود ووظفنها بشكل جيد، ليعود بريقها إلى اللمعان في المهرجانات السينمائية ومناسبات السجاد الأحمر، لتنافس الأزياء قوة وجمالا في بعض الأحيان، أو على الأقل تكملها. طبعا، التصاميم التي كانت تفضلها نجمات مثل إليزابيث تايلور وجينا لولوبريجيدا وغيرهما تغيرت لتظهر تصاميم جديدة تخاطب جيلا جديدا من النجمات من مثيلات كايت بلانشيت، وتيلدا سوينتون بل وحتى من هن أصغر سنا منهما. فقد أصبحت التصاميم أكثر حداثة تستعرض فنيتها أكثر مما تستعرض حجم الأحجار وفخامتها، ومع ذلك فإن النتيجة دائما رائعة، سواء كانت من معامل «كارتييه» و«فان كليف آند أربلز»، أو من أنامل مصممات شابات دخلن المجال من أبواب مختلفة، مثل اللبنانية دينا كمال، التي استبدلت فن العمارة والتصميم الهندسي بتصميم المجوهرات والإسمنت بالذهب، والألمانية جوليا موغنبورغ، مؤسسة ماركة «بلماكس» التي دخلت عالم المجوهرات من باب الرسم والنحت. فهي تتعامل مع الذهب والمواد المترفة من نظرة فنية محضة، إلى حد أنها حولت محلها الواقع بـ«ديفيز ستريت» المقابل لفندق كلاريدجز، إلى متحف تستعرض فيه أعمال بعض الفنانين وتقيم به معارض خاصة تتعامل مع المجوهرات كفن قائم بذاته. آخر هذه المعارض سيكون عن الذهب، الذي تقول إنه مادة لم تغب أبدا، «فهو لم يفقد جاذبيته على مدى العصور وظل دائما يثير خيال كل الثقافات والحضارات التي مرت علينا ويحركها إلى اليوم». ولا تنكر أنه اكتسب قوة أكبر في الآونة الأخيرة، وترد ذلك إلى أن المجوهرات نفسها اكتسبت قوة جعلت الجيل الجديد يقدر كل ما هو ثمين ونادر. وتتابع في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» أن «الذهب يلهم الإنسان، والجواهر عموما تشكل جزءا من حلم، وأجمل قطعة هي التي تحول هذا الحلم إلى حقيقة عندما تحصل عليها المرأة وترتديها باعتزاز». في المواسم الأخيرة، بدأت جوليا تهتم أكثر بمزج الذهب واللؤلؤ، رغم أن الماس والذهب كانا ولا يزالان أكثر كلاسيكية وأكثر استعمالا. والسبب حسب تفسيرها أنها تريد أن تعطي الذهب حقه من البريق عوض أن تغطيه بالأحجار المتنوعة، الأمر الذي يجعلها تبحث دائما عن طرق جديدة وأحجار مختلفة لمزجه بها مثل الزمرد الذي يتناغم لونه الأخضر العميق مع لون الذهب الأصفر بالذات، ومن ثم لا يمكن أن تخيب قطعة يجتمعان فيها الظن. أما ما يجعل القطعة مثيرة وعصرية بالنسبة لها «فهو اختيار الأشكال والتصاميم الجريئة، وليس المواد والمعادن التي تدخل فيها». ومع ذلك، تؤكد أن الذهب كان ولا يزال عنصرا مهما بالنسبة لها، ولصيقا بكل القطع التي تحمل اسم «بلماكس»، لما يمنحه لها من إمكانات هائلة لصياغة أشكال ساحرة تشبه إلى حد ما عملية بناء بيت من الخشب، «فاستعمال مواد طبيعية ومرنة جزء أساسي بالنسبة لي، ولولا الذهب لما كانت هناك ماركة اسمها (بلماكس) الآن».
من جهتها، بنت دينا كمال اسمها على خاتم الخنصر قبل أن تتوسع إلى قطع أخرى لا تقل حداثة وجمالا، جعلتها تتوافر في محلات مهمة مثل «دوفر ستريت» بلندن وغيرها. تعترف بأن حبها للذهب تحديدا واحد من الأمور التي شجعتها على دخول مجال المجوهرات منذ أربع سنوات تقريبا. دينا تعيد سبب القوة التي اكتسبها الذهب أخيرا إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، «فقد أصبحت الرغبة في الاستثمار في قطع رفيعة وراقية أقوى كأنها مضاد للأزمة، خصوصا بعد أن رأت المرأة أنها يمكن أن تستمتع بالتصاميم الجديدة بشكل يومي وتستفيد منها أكثر من دون أن تفقد قيمتها. وهذا ما ساعد على نشر ثقافة استعمال المجوهرات في مناسبات النهار وبأسلوب منطلق لا يتطلب أناقة عالية بالضرورة».
أغلب زبونات كل من «بلماكس» للمصممة جوليا موغنبورغ ودينا كمال من النساء اللاتي يقدرن جمال التصميم والخامات في الوقت ذاته. نساء يردن تصاميم مختلفة عما هو مطروح في السوق، من ناحية جرأتها وتفردها، لأنهن أكثر دراية بالموضة ومتابعات لكل تفاصيلها ومستجداتها. فقطعة مجوهرات من الذهب لا تبدو نشازا مع فستان في النهار أو المساء على حد سواء. بالعكس، فإن الكثير من فساتين السهرة تأتي بتصاميم هادئة تحتاج إلى بعض البريق كأن مصمميها وضعوا هذا الأمر نصب أعينهم عند تصميمها حتى يتيحوا للمرأة أن تلعب بها وبالمجوهرات في الوقت ذاته.
مثل جوليا موغنبورغ، ترى دينا كامل أن التصاميم العصرية كان لها تأثير إيجابي في استقطاب زبونات جديدات، مشيرة إلى أن هذه التصاميم «لا تفقد المعادن المترفة قيمتها». بالعكس، فهي تضيف إليها مظهرا يبدو لا مباليا يمنحها المزيد من السحر، لكن على شرط أن يكون التصميم مبتكرا في حدود معينة لا تحولها إلى صرعات مجنونة. الخوف بالنسبة لها أن «هناك مصممين أخذوا معنى الابتكار إلى حدود بعيدة، مما جعلها تبدو أقرب إلى الإكسسوارات منها إلى مجوهرات». فالتصميم العصري، كما تقول دينا يعني «دراسة الشكل وربطه بعصره، لكن من دون أن يتجاهل أن هذه الخامات قديمة قدم التاريخ ومن ثم تخضع لأبجديات مهمة عند تصميمها واختيار أحجامها حتى تأتي متوازنة. مثلا، لا يعني التصميم البسيط جدا أنه عصري فقط لأنه بعيد عن التعقيدات، فالمسألة أكبر من ذلك بكثير ولا يمكن أن نتجاهل فيها الماضي وإرثه. أكبر دليل على هذا أن الذهب يعد من أقدم الخامات التي استعملت في صناعة المجوهرات، ومع ذلك لا يزال يعد مادة عصرية ورائعة تصاغ منها أجمل القطع».
وحسب دور المجوهرات الكبيرة والمصممين المستقلين، فإن الحدث الأبرز في السنوات الأخيرة الإقبال الكبير من النساء تحديدا على شراء قطع ثمينة على شرط أن تكون فريدة كنوع من الاستثمار. فهي لم تعد تنتظرها كهدايا في المناسبات من الرجل، بل لا تتردد في البحث عنها وشرائها حسب ذوقها الخاص، وأحيانا تفضلها على حقيبة يد ستتغير موضتها من موسم إلى آخر. وإنفاقها سعرا يتراوح ما بين 3.000 إلى 5.000 جنيه إسترليني، على قطعة مجوهرات يمكنها استعمالها بشكل يومي، للنهار والمساء، مبرر أكثر من شراء حقيبة يد بنفس السعر أو أكثر. طبعا، قد يصل حجم الإنفاق إلى الملايين حسب إمكاناتها وتفرد القطعة. ويشير المتابعون إلى أن ظهور هذه الشريحة من الزبونات المستعدات لإنفاق آلاف أو عشرات الآلاف من الدولارات على المجوهرات الراقية، يعود في جانب منه إلى ارتفاع أسعار منتجات الموضة الأخرى طوال السنوات الخمس الماضية. فإنفاق آلاف الجنيهات على معطف أو حقيبة يد أو زوج من الأحذية، لم يعد يثير الدهشة، فما البال إذا كان على قطعة مجوهرات ستبقى معها طوال العمر، وقد تورثها لأجيال أخرى. وترحب جوليا موغنبورغ بهذه الظاهرة، معلقة أن «المرأة أصبحت تتمتع باستقلالية مادية تمنحها الحرية في أن تشتري ما تريد. وهي عموما تختار قطعة مجوهرات بتصميم يحرك مشاعرها، أو مرصعة بأحجار تمنحها القوة والثقة. في هذه الحالة، فإن جمال القطعة نفسها وتميزها يطغى على فكرة توريثها أو الاستثمار فيها. فهي تقتنيها لكي تزيد من جمالها، ولا بأس أن تسحر الناظر إليها أيضا». في المقابل، ترى دينا كمال أن الأسباب مختلفة، فبينما هناك من النساء من تتبعن توجهات الموضة وتقبل على كل ما هو غال على أساس أنه مضمون يعكس الثراء والجاه، هناك من تتعامل معه كقطع فنية لا تفقد قيمتها. وفي كل الأحوال هي استثمار بعيد المدى.

* الذهب.. عرض لمسيرته كزينة وخزينة
* يسلط المعرض الضوء على طرق استعمالاته المتنوعة في صناعة المجوهرات كما على علاقته بالثقافة البشرية وكيف أثر في تطورها. فهو، كما تقول المصممة جوليا موغنبورغ، يعكس مكنونات الروح ويثير عواطف متناقضة فيها. فقد يرمز إلى الصفاء والحب الأبدي، لهذا فهو لصيق بمناسبات الزواج ووسيلة للتعبير عن الحب، كما قد يرمز لأسوأ ما في النفس البشرية عندما يثير الرغبة المحمومة والجشع. فضلا عن علاقته بالمجتمعات وتطورها، الأمر الذي يمكن تتبعه من أيام المصريين القدامى إلى الآن، مرورا بحمى الذهب بكاليفورنيا وما أشعلته من رغبة في تحقيق الحلم والثروة. لهذا، كله، فإنه بالنسبة لجوليا موغنبورغ، يعد الأساس الذي بنت عليه ماركة «بلماكس»، حيث لا يقتصر استعماله على المجوهرات فحسب، بل أيضا على مستحضرات التجميل التي تطرحها. فهو دائما يظهر في أحمر الشفاه أو ظلال الجفون على شكل ذرات أو رقائق دقيقة جدا تزيد البشرة جمالا وألقا.
G.O.L.D.
سيمتد من 22 أبريل (نيسان) 2014 إلى 17 مايو (أيار) 2014
Belmacz 45 Davies Street
London W1K 4LX



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.