أنقرة تدفع بمزيد من التعزيزات إلى الشمال السوري.. والمعارضة تمهل الأكراد 3 أيام للانسحاب شرقًا

مصادر ترجح أن يكون التوغل البري التركي خطوة باتجاه «المنطقة الآمنة»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

أنقرة تدفع بمزيد من التعزيزات إلى الشمال السوري.. والمعارضة تمهل الأكراد 3 أيام للانسحاب شرقًا

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)

واصلت تركيا يوم أمس الجمعة، الدفع بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى الداخل السوري، وبالتحديد إلى مدينة جرابلس الحدودية ومحيطها بأقصى شمال تركيا، ما يوحي بأن التواجد التركي في سوريا قد يستمر لفترة غير محدودة في ظل عدم استبعاد قوى المعارضة أن يكون التوغل البري لأنقرة خطوة باتجاه إنشاء «المنطقة الآمنة» التي كثر الحديث عنها في السنوات الخمس الماضية.
ناشطون أفادوا بأن أنقرة نشرت الجمعة 4 دبابات شوهدت تتجه صوب الحدود السورية بعدما جرى الدفع بأكثر من 10 دبابات يوم الخميس، وأشاروا إلى دوي انفجارات مصدرها جرابلس في مؤشر على استمرار العمليات فيها بعد إخراج تنظيم داعش منها بإطار عملية عسكرية مشتركة بين القوات التركية وفصائل الجيش السوري الحر بدعم جوي من التحالف الدولي.
وأعلن وزير الدفاع التركي، فكري إيشيك، أنه تم فرض السيطرة الكاملة على جرابلس، وأن قوات الجيش الحر بدعم تركي ماضية في تطهير محيط المدينة من مقاتلي التنظيم المتطرف. وأكد إيشيك أن العملية العسكرية حققت هدفين، الأول هو تأمين الحدود التركية، والثاني يتمثل بمنع وحدات حماية الشعب الكردية من الوصول إلى المنطقة.
وبهذا التدخل، منعت تركيا، أكراد سوريا من وصل مناطق نفوذهم في شمال شرقي البلاد في الحسكة وعين العرب (كوباني) بمنطقة عفرين الواقعة في شمال غربي ريف حلب، حيث بات الأكراد اليوم ملزمين بالبقاء شرق نهر الفرات، أي في عين العرب وريفها وامتدادًا إلى الحدود العراقية شرقًا، في حين بقي معقلهم الثالث في «جيب» عفرين، معزولاً في الغرب. أما قوات المعارضة، فقد وسّعت تمددها على الشريط الحدودي مع تركيا، بدءًا من جرابلس غرب نهر الفرات، وإلى العمق مسافة 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية، وهي تسعى لمواصلة المعارك غربا باتجاه محيط بلدة الراعي وريف مدينة أعزاز، لوصل مناطق نفوذها بأعزاز، ما يعني أنها تحاول التقدم غربا على طول 50 كيلومترًا. أما «داعش»، فهو موجود بريف جرابلس، وريف مدينة الباب (30 كيلومترًا شمال شرقي حلب)، ويمتد نفوذه من هناك عبر ريف حلب الشرقي إلى مدينة الرقّة، معقله الرئيسي في سوريا.
هذا، واستمر خلال الساعات الماضية السجال بين فصائل المعارضة السورية وميليشيات «قوات حماية الشعب» الكردية، التي أصرت على نفي التقارير التي أوردها المقاتلون المعارضون عن استمرار حضورها غرب نهر الفرات، وادعت الميليشيات الكردية أن من يعزز مواقعه في المنطقة وبالتحديد في جرابلس هما المجلسان العسكري والمدني للمدينة. كذلك ادعى عبد العزيز محمود يونس، مسؤول العلاقات العامة في ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» (ذات الغالبية الكردية) في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «من يقول إنه اشتبك مع وحدات حماية الشعب غرب الفرات، إنما هو واهم ولديه تخيلات»، جازما بأنّه لم يعد هناك أي وجود للوحدات في المنطقة المذكورة. فلقد قال يونس إن «الوحدات أنهت مهامها التي توجت بتحرير منبج وريفها»، مدعيًا أن المجلسين العسكري والمدني للمدينة هما القوة التي تدير شؤونها حاليا، وأضاف: «أما الطرف الذي يقولون إنه يعزز مواقعه في جرابلس فهو المجلس العسكري للمدينة، وليس وحدات حماية الشعب».
في المقابل، قال ناشطون سوريون إن المعارضة المسلحة أمهلت ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» 3 أيام للانسحاب من غرب الفرات في شمال سوريا. وأشار هؤلاء إلى نجاح المقاتلين المعارضين في بسط سيطرتهم على قرية العمارنة، الواقعة إلى الجنوب من جرابلس، بعد اشتباكات مع ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية. وأضافوا أن «الأمور تسير للأسوأ، باعتبار أن الوحدات الكردية تصر على البقاء غرب نهر الفرات».
ومن جهة ثانية، نقلت «شبكة الدرر الشامية» عن مصادر تأكيدها أن الطائرات والمدفعية التركية استهدفت يوم أمس مواقع سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، في محيط بلدتي منغ وتل رفعت في ريف حلب الشمالي. ونفى إدريس الرعد، الناطق باسم «فيلق الشام» نفيًا قاطعًا انسحاب الميليشيات الكردية إلى شرق نهر الفرات، لافتا إلى أنهم وبعكس ذلك تمامًا «يقومون حاليًا برفع سواتر ترابية في قرى متقدمة بريف جرابلس».
وللعلم، كان المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، ستيف وارن، قد أعلن الخميس أن «قوات سوريا الديمقراطية» انسحبت إلى شرق نهر الفرات، مشيرًا إلى بقاء قوات أخرى منها لإنهاء عملية إزالة العبوات الناسفة بالمنطقة، وأن الوجهة القادمة ستكون مدينة الرقّة. ومن جهته، شدد ريدور خليل، الناطق الرسمي باسم ميليشيات «وحدات حماية الشعب» في بيان، على أن «لا أحد يستطيع التحجج بوجود وحدات حماية الشعب غرب نهر الفرات في مدينة منبج وريفها ليتذرع بمهاجمتها؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن وحداتنا انسحبت من تلك المناطق بعدما قدمت الدعم والمؤازرة للمجلس العسكري لمنبج وريفها لتحريرها من إرهاب (داعش)»، ونبّه بأن «أي اعتداء على منبج سيكون اعتداء على أهل منبج ومجلسيها العسكري والمدني اللذين في الأساس تم تشكيلهما من أهلها، وهم أولى بإدارة شؤون مناطقهم والدفاع عنها».
في هذه الأثناء، طالب ما يسمى بـ«لواء السلاجقة»، الذي أسس في عام 2013 وينشط ضمن ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» في ريف محافظة حلب الشمالي، تركيا بـ«الانسحاب من الأراضي السورية فورًا»، معلنًا في بيان استعداد عناصره لـ«الدفاع عن أنفسنا والوقوف إلى جانب مجلس جرابلس العسكري وأبنائها لدحر الإرهاب ومختلف أشكال الاعتداء والاحتلال لمناطقنا في الشمال السوري». وفيما تقاطعت المعلومات عن توجّه ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» بعد الضغط عليها للتراجع إلى شرق نهر الفرات لتحرير مدينة الباب بعدما أنهت تحرير منبج وريفها، أبلغت مصادر قيادية كردية «الشرق الأوسط» بأن مجلس الباب العسكري هو المخوّل باتخاذ الإجراءات والقرارات الخاصة بذلك، لافتا إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» ستدعم قرارات وخيارات المجلس المذكور.
وقد فتح الموقف الأخير الذي أدلى به نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، وقوله إن «الأتراك مستعدون للبقاء في سوريا ما لزم الأمر للقضاء على تنظيم داعش»، الباب واسعا أمام طرح المنطقة الآمنة التي لطالما سعت إليها تركيا والمعارضة السورية. وكتب المعلق في صحيفة «حرييت» التركية عبد القادر سلفي، أن الهدف من العملية «درع الفرات» يتضمن إقامة منطقة آمنة خالية من المجموعات الإرهابية، ووضع حد لتقدم الميليشيات الكردية. وأضاف أن 450 جنديًا شاركوا في العملية خلال اليوم الأول للهجوم، لكن الرقم قد يرتفع إلى 15 ألفًا، على حد تعبيره.
وحول موضوع «المنطقة الآمنة»، رجّح هيثم المالح، رئيس اللجنة القانونية في «الائتلاف» السوري المعارض، أن يكون التوغل البري لأنقرة خطوة أولى باتجاه المنطقة الآمنة، باعتبار أن الوقت بات مناسبا لتحقيقها. واعتبر ميشال كيلو، عضو «الائتلاف» والمعارض السوري البارز أن مسألة المنطقة الآمنة «لا تزال غير محسومة» باعتبار أن الأتراك «يشترطون أن يؤمن التحالف الدولي الغطاء الجوي لهذه المنطقة، وحتى الساعة فإن أنقرة لم تتلق أي أجوبة واضحة في هذا الخصوص». وقال كيلو لـ«الشرق الأوسط» إن «المنطقة الآمنة بحاجة لإتمام جملة من التفاهمات بخصوصها، وأبرزها تفاهم وتناغم أميركي – روسي»، مرجحا أن تؤدي جملة المتغيرات التي شهدها الميدان السوري وبخاصة الدخول التركي البري إلى الأراضي السورية إلى تقريب الحل السياسي المنشود. وأضاف كيلو: «أنقرة على استعداد للقيام بكل ما يخدم أمنها ومصلحتها ووحدتها، والخطوة الأخيرة التي قامت بها تندرج في هذا السياق».
من جهته، قال المالح لـ«الشرق الأوسط»، إن تركيا ما كانت لتقوم بالتوغل في سوريا لولا تحسين علاقتها بروسيا، لافتا إلى أن «الهدف المعلن لهذه الحركة هو محاربة (داعش)، لكن الغرض الأساسي منها مواجهة الـPYD الذي يشكل عبئا على الثورة السورية، قبل أن يشكل عبئا على الأتراك».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.