بعد 11 عامًا على إقرار آخر موازنة.. لبنان يستقبل بنود المالية العامة «بصعوبة»

خبير: بيروت تمتلك مقومات الصمود الاقتصادي رغم تراجع النمو

مجلس النواب اللبناني (رويترز)
مجلس النواب اللبناني (رويترز)
TT

بعد 11 عامًا على إقرار آخر موازنة.. لبنان يستقبل بنود المالية العامة «بصعوبة»

مجلس النواب اللبناني (رويترز)
مجلس النواب اللبناني (رويترز)

أثارت بنود الموازنة العامة في لبنان، جدلا في الأوساط الاقتصادية، وسط مخاوف من عدم إقرارها نتيجة التداخلات المتشابكة والأوضاع المالية الحالية في بيروت.
ويصل نسبة العجز في الموازنة العامة نحو 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع النمو الاقتصادي في لبنان من 8 في المائة عام 2010 إلى أقل من 1 في المائة حاليًا، بدعم من الركود في قطاع السياحة اللبناني، نتيجة الأضرار التي خلفتها الأزمة السورية.
وتعد الموازنة الحالية المعروضة على البرلمان اللبناني، الأولى بعد 11 عامًا على إقرار آخر موازنة للبلاد في المجلس النيابي، إبان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في عام 2005، والانقسامات والخلافات السياسية منذ ذاك الوقت وحتى اليوم تعيق إقرارها. ويبلغ الدين العام في لبنان 78 مليار دولار، والعجز السنوي يصل إلى 5 مليارات دولار، علمًا بأن الإيرادات تقل عن 10 مليارات دولار، وتقترب النفقات من 15 مليار دولار.
النائب اللبناني فادي الهبر، مقرر لجنة المال والموازنة، عضو كتلة «الكتائب»، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار لبنان بلا رئيس للجمهورية سيزيد من حدة الكارثة التي يعيشها اللبنانيون.
ويستبعد الهبر أن يكون لبنان عرضة لأي وصاية مالية دولية، مثلما أشيع، لافتًا إلى أن «الواقع اللبناني يتمتع بالملاءة المالية بوجود ملاءة لمصرف لبنان والودائع المصرفية الضخمة»، معتبرا أن «لبنان لا يزال عبارة عن جنة استثمار مالي وحديقة آمنة على المستوى النقدي».
ويلفت الهبر إلى أن تصنيف لبنان الائتماني «أصبح بدرجة B2 - وهو ما يدل على حدوث تراجع كبير في الواقعين الاقتصادي والمالي».
ورغم التآكل الاقتصادي وشلل مجتمع الأعمال العام، فإن مقرر لجنة المال والموازنة بمجلس النواب فادي الهبر، متفائل بإمكان معالجة الأوضاع اللبنانية بدءًا من مواجهة الفساد والهدر في كل المؤسسات في شتى القطاعات. مشددًا على ضرورة زيادة المداخيل، لكن دون فرض رسوم وضرائب إضافية.
وأشار إلى أن «كل مسعى من قبل الحكومة يهدف إلى إرساء خطة ضريبية، سيكون غير ذي جدوى، لكن الإسراع لإقرار خطة اقتصادية متكاملة بالإمكانات المتوافرة برؤية واعدة وإرادة شجاعة، سيكون أول ما تنجزه هو تجفيف الهدر».
ويدعو الهبر إلى إقرار الموازنة، سواء في مجلس النواب أم في مجلس الوزراء، إذا تعذر على «النواب» القيام بهذه المهمة كيلا يستمر منطق الإنفاق وفق قاعدة (الإنفاق من غير موازنة)، ويضطر مجلس النواب إلى إقرار قوانين خاصة بالإنفاق سنويا تحت بند «إنفاق الضرورة في ظل تشريع الضرورة».
كما يرى الهبر أن الاقتصاد في حالة تراجع مستمر في السنوات الأخيرة، وأنه لن ينمو مجددا إلا بعد انتخاب رئيس للجمهورية وإطلاق خطة وطنية تقوم على تنفيذ ما اتفق عليه اللبنانيون في الطائف أو الدوحة، أو ما قد يتفاهمون عليه لاحقا على الملفات الحيوية، بينها النفط والغاز والخطة الاقتصادية المستدامة، سواء استهلاكيا وإنتاجيا، مشددا على أن ذلك «سيشكل أساسا متينا للنهوض الاقتصادي». ويلفت الهبر إلى أن إقرار الموازنة مع ضبط الحدود بموجب القرار الدولي 1701، ووضع السلاح غير الشرعي في كنف الدولة: «يندرج كله في خانة الركائز السيادية للدولة التي وحدها تؤمّن الانطلاقة الراسخة والحقيقية للاقتصاد واستعادة النمو لمعدلاته الطبيعية والحيوية للبنان واللبنانيين في ظل الظروف الراهنة». ويرى الهبر أن لبنان في حاجة ليقدم مشهدا مقنعا للجميع في الداخل والخارج ينطلق من الأساسات السيادية ومن دولة المؤسسات الضامنة، الأمر الذي يؤمن مجددًا الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد الوطني.
وعن توقعاته بإقرار الموازنة أو عدمه، يقول الهبر: «لا أرى موازنة لجملة اعتبارات سياسية، ولا سيما على خط تكتل التغيير والإصلاح الذي لديه أجندته السياسية محليا وإقليميا واعتبارات استحقاقية»، موضحا أن التيار الذي يتزعمه النائب ميشال عون «يريد أثمانا تتعلق برئاسة الجمهورية وسواها من الملفات الأخرى».
وفيما تبدو هناك عثرات سياسية أمام إقرار الموازنة، يفنّد الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» كل ما يحيط بالموازنة؛ ويشرح أن وزير المال سيقدم إلى مجلس الوزراء مشروع الموازنة العامة لعام 2017 ضمن المهل الدستورية، أي قبل مطلع سبتمبر (أيلول) 2016 لمناقشته وإقراره، قبل أن يحيله وفق المادة 87 من الدستور إلى السلطة التشريعية قبل أول نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 للتصديق عليه قبل انتهاء العقد العادي.
كما يواجه مسار الموازنة الموعودة تحديات تقنية ومالية تتعلق بغياب مشروع قطع الحساب، أي الحسابات النهائية، ثم تضمنها سلسلة الرتب والرواتب وإجراءاتها الضريبية، خصوصا على القطاعين العقاري والمصرفي، حيث توجد اعتراضات من قبل القوى السياسية لفرض ضرائب إضافية في الظروف الاقتصادية الحالية، كما تواجه تحديات سياسية تتعلق بالتشريع في غياب رئيس الجمهورية، وعدم تضمنها بند نفقات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وعن توقعاته بإقرار الموازنة أو عدمها، يشير وزني إلى وجود صعوبة في إقرار الموازنة العامة رغم أهميتها وضرورتها في الظروف الحالية اقتصاديا وماليا واجتماعيا؛ وذلك لأسباب عدة، موضحا أنه «على صعيد المجلس النيابي، فإن البرلمان معطل لأسباب سياسية، إضافة إلى وجود صعوبة في إقرارها من دون أن تكون مرفقة بمشروع قطع الحساب لعام 2015 وفق المادة 87 من الدستور بسبب عدم جهوزية الحسابات المالية النهائية لدى وزارة المال».
أما على صعيد مجلس الوزراء، فيشير وزني إلى «صعوبة إقرارها من قبل مجلس الوزراء بمرسوم يصدر عنه وفق المادة 86 من الدستور لأسباب سياسية تتعلق بعدم ترءوس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء، ووجود اعتراضات من قبل بعض الأطراف السياسية، ولا سيما أن هذه المادة تنص على توافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لدعوة المجلس النيابي لعقد استثنائي لمتابعة درس الموازنة، وفي حال عدم بت المجلس النيابي بالمشروع يجيز لمجلس الوزراء إصداره بمرسوم»، علما بأن الفراغ الرئاسي بات قائما منذ أكثر من عامين. وعن قراءته للأرقام على مستوى النمو والعجز، يلفت وزني إلى أن الوضع الاقتصادي «مقلق بسبب الأزمة الدستورية والأمنية الداخلية والاضطرابات في المنطقة، ولا سيما في سوريا، إضافة إلى كلفة النزوح السوري، حيث نلحظ أن النمو الاقتصادي هبط بشكل قوي في فترة 2010 – 2015 من 8 في المائة إلى أقل من 1 في المائة نتيجة الأضرار التي أصابت القطاعات الأساسية المحركة للاقتصاد من السياحة، التـي تراجعت نحو 40 في المائة، ومنها السياحة العربية التي تراجعت 60 في المائة، إلى القطاع العقاري الذي تراجعت مبيعاته أكثر من 25 في المائة، وأيضا نتيجة انخفاض الصادرات أكثر من 30 في المائة بفعل إقفال الطرق والمعابر البرية إلى المنطقة العربية».
أما على صعيد المالية العامة، فقد «تدهورت واتسع عجزها من 5.9 في المائة من الناتج المحلي إلى نحو 8.5 في المائة من الناتج المحلي؛ نتيجة الضغوط على النفقات العامة التي ازدادت في فترة 2010 – 2015 نحو 35 في المائة بفعل زيادة الرواتب والأجور والنفقات الأمنية وكلفة النازحين السوريين، وأيضا نتيجة عدم زيادة حجم الإيرادات الضريبية بفعل تباطؤ النشاط الاقتصادي».
ورغم ذلك، لا يرى وزني خوفا على لبنان ماليا واقتصاديا؛ لأنه يملك مقومات صمود تستند إلى «تحويلات اللبنانيين المرتفعة التي بلغت في عام 2015 نحو 7.2 مليار دولار (58 في المائة من دول الخليج) ممثلة نسبة 15 في المائة من الناتج المحلي، وتساهم في نمو الودائع المصرفية وتحسين مداخيل العائلات وتفعيل الاقتصاد عبر الاستهلاك والاستثمار، ولا سيما في القطاع العقاري. يخشى من تراجع التحويلات في العام الحالي بنتيجة تراجع مداخيل الدول النفطية».
ويشدد وزني على «متانة القطاع المصرفي الذي يملك سيولة قوية، ويساهم في تمويل القطاعين العام والخاص، إضافة إلى أن نموه السنوي مقبول؛ إذ يتجاوز 6 في المائة»، كما على «احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية المرتفعة والتي تقارب 37 مليار دولار، والتي تساهم في الاستقرار النقدي والمالي، واستقرار معدلات الفوائد».
وترتفع مظلة الأمان إثر «إجراءات مصرف لبنان التحفيزية للنمو التي تنشّط الاقتصاد وتساهم في تحريك بعض القطاعات الاقتصادية (العقار، المعرفة)، كما أنها تدعم القطاعات المتضررة التي تواجه صعوبات مالية (السياحة، التجارة)». بحسب الخبير الاقتصادي غازي وزني.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.