الهالات السوداء تحت العيون.. الأسباب والوقاية

رقة الجلد وشيخوخة البشرة أهم أسبابها

الهالات السوداء تحت العيون.. الأسباب والوقاية
TT

الهالات السوداء تحت العيون.. الأسباب والوقاية

الهالات السوداء تحت العيون.. الأسباب والوقاية

يتعرض معظم الناس، في وقت من حياتهم، لظهور ما يُعرف بالدوائر السوداء تحت أعينهم، سواء كانوا من المفرطين في إجهاد أنفسهم، أو قد وصلوا إلى سن الشيخوخة، أو أنهم يعانون من الحساسية مثلاً. وهم يتساءلون عن الأسباب وراء هذا الشكل الذي يعتبرونه نوعًا من التشوُّه في الوجه، وبالتالي يبحثون عن العلاج والوقاية. ويبدأ البعض منهم بالمعاناة من التأثير النفسي كلما نظر إلى المرآة أو قابل شخصًا مهمًا حتى وهو يعلم علم اليقين أنها حالة حميدة ولا تحمل أي خطورة على الصحة. وبالطبع فهناك تعليمات معينة ووسائل يمكن تطبيقها، من شأنها أن تقلل من ظهور الهالات السوداء تحت العينين، وتجعل الشخص لا يبدو كما لو كان متعبًا ومرهقًا لحظة استيقاظه صباحًا.
* رقة الجلد وشيخوخة البشرة
إن أسباب ظهور الهالات السوداء متنوعة، ولكنها جميعًا تبدأ بوجود فرق في سماكة الجلد حول العينين عن الأجزاء الأخرى من الوجه وبقية مناطق الجسم التي يتراوح سمك الجلد فيها ما بين 2 و3 ملم، بينما لا يزيد سمك الجلد في منطقة العينين عادة عن 0.5 ملم، أي أن الجلد هنا يكون رقيقًا جدًا لدرجة أن الأوعية الدموية الموجودة تحت هذا الجلد تكون ظاهرة وأكثر وضوحًا للعين المجردة، وتعطي انطباعًا باختلاف لون البشرة، فالهالة التي نراها على سطح الجلد تحت العين ما هي إلا انعكاس للأوعية الدموية الموجودة بشكل طبيعي تحت الجلد.
إن طبقة الأنسجة تحت الطبقة الخارجية للجلد مباشرة تسمح بمرور الموجات الزرقاء أو البنفسجية فقط. وهذا هو السبب الذي يجعل الأوعية الدموية (الأوردة) تظهر زرقاء اللون من خلال الطبقة الرقيقة من الجلد. وبالطبع فإن لون البشرة (القاتم أو الأبيض) سوف يؤثر على درجة اللون الأزرق، فالأوردة تظهر باللون الأخضر أو البني إذا كانت البشرة قاتمة أو داكنة، بينما تكتسي باللون الأرجواني الداكن أو الأحمر الداكن في حالة البشرة البيضاء.
كما أن التقدم في السن يفقد البشرة مادة الكولاجين والمرونة أيضًا، فيصبح الجلد أرقّ في منطقة العينين، والهالات الداكنة أكثر وضوحًا. وهذا ما يتعرض له معظم كبار العمر من الناس عندما يكونون أكثر عرضة لرؤية هالات زرقاء للأوعية الدموية تحت أعينهم مقارنة مع مناطق البشرة الأكثر سمكًا.
ولا تظهر الهالات والدوائر الداكنة كلها بسبب وضوح الأوعية الدموية من تحت الجلد الرقيق، مع أن هذا هو السبب الشائع. فهناك احتمال أكبر لظهورها عند الأشخاص الذين لديهم دافع وراثي لتكوين الجلد الرقيق تحت العيون بشكل سريع ومبكر عن سن الشيخوخة.
* فرط تصبغ الجلد
وهذا نوع آخر من الهالات أو الدوائر الداكنة تنتج عن فرط تصبغ الجلد تحت العينين، واللون الشائع منه هو البني، ويحدث بسبب إنتاج كمية أكبر من صبغة الميلانين في الجلد تحت العينين. وهذه حالة خاصة تكون أكثر وضوحا في الأشخاص الذين يكون لون جلدهم أكثر قتامة أو لديهم فرط في التصبغ.
وفي دراسة أجرتها كلية طب بانديت ديندايال أوبادياي Pandit Deendayal Upadhyay Medical College في الهند، وجد الباحثون أن الدوائر السوداء تحت العين هي حالة شائعة جدًا بين الناس، ويتم تشخيصها في عيادات الأمراض الجلدية. وتصنف الدوائر السوداء الناجمة عن فرط التصبغ إلى نوعين؛ إما ابتدائي primary أو ثانوي secondary من حيث المسبب. وفي السبب الابتدائي، نجد أن زيادة التصبغ تكون تحت كلتا العينين، وتحدث بشكل تلقائي. أما في السبب الثانوي، فيحدث فرط التصبغ ضمن عملية محددة ومنظمة. ووجد أيضًا أن بعض الأسباب التي تسهم في فرط تصبغ الجلد في منطقة حول العينين، تكون مؤقتة وتزول بعد أن تتم إزالة المسبب أو المهيج. ومن أهم المحفزات المؤقتة والدائمة لفرط تصبغ الجلد تحت العينين ما يلي: التعرض للشمس - التهاب الجلد التحسسي - المخدرات - التصبغ الجيني - أكزيما التماس – الشيخوخة - كثرة الخلايا الميلانينية في الجلد - وذمة (تورم) - الهرمونات.
* أكسدة الدم
ويمكن أيضًا أن تنجم الهالات السوداء تحت العينين من أكسدة الدم المتسرب من الأوعية الدموية حول العينين، إذ إن تسرب الدم وأكسدته لا يؤديان فقط إلى ظهور الهالات السوداء، ولكن أيضًا يصاحبهما تورم وتكوين أكياس تحت العيون. ويحدث هذا عندما يحاول الجسم إيقاف تسرب الدم من منطقة البشرة الرقيقة التي تتأثر بسهولة عن طريق الجاذبية. وهذه الحالة غير مؤذية نسبيًا للصحة، ولكن التعامل معها مسألة تحدٍّ. وبالنسبة لوقف تسرب الدم، فهناك علاجات جراحية وأخرى دوائية طبية متاحة، ولكن من الأفضل أن يبدأ المريض بتغيير نمط الحياة والاهتمام بالتغذية الصحية وتفادي المزيد من الخيارات الغازية invasive الأخرى.
خيارات وقائية على الرغم من أن الهالات الداكنة عادة ما تكون غير مؤذية نسبيًا، فقد يرغب المريض في الحد من تأثيرها عليه بقدر الإمكان. وهناك كثير من الخيارات التي يمكن أن تطبق يوميًا للمساعدة في الحد من كل من التهدل والتلون تحت العينين. وجميع هذه الوسائل متاحة ويمكن تجربة تطبيقها مع كل مريض على حدة لأن ما أفاد زيدا قد لا يفيد عبيدًا.
وقبل التفكير في الخيارات الجراحية، يستحسن استخدام بعض الاستراتيجيات الأخرى للحد من الآثار الجانبية. وإذا اخترت الجراحة، كن حذرًا من أن هناك مجموعة من الأمور اليومية غير المناسبة قد تسبب فرط التصبغ أو الانتفاخ حول العينين للعودة بسرعة.
* تجنب فرك العينين. الجلد تحت العينين رقيق، وسيفقد المرونة والكولاجين مع تقدم السن، كما يمكن أن تكون أنت عرضة لتسرب الدم. كل هذه العوامل تُسهِم في ظهور دوائر العين التي تسوء عند فرك الجلد.
* التحكم في الحساسية. الحساسية، يمكن أن تسبب حكة، وعيون دامعة، وفرك منطقة حساسة يمكن أن يزيد من الانتفاخ حول العينين. وعينا تجنب فرك العينين.
* تغيير طريقة النوم. إن الناس معتادي النوم على بطونهم، سوف يعانون من تجمع السوائل تحت العيون بفعل الجاذبية والضغط المستمر على الجلد مما يؤدي إلى التجاعيد المتفاقمة. فيحبذ النوم على الظهر، مع تجنب النوم على أكثر من وسادة.
* إزالة الماكياج بلطف. إن ترك الماكياج أثناء الليل يمكن أن يزيد من تهيج العين الحساسة. لكن فرك العين كل ليلة لإزالة الماكياج سوف يسبب الضرر بالأوعية الشعرية الدقيقة والتهاب في منطقة العين، مما يجعل الهالات السوداء تسوء أكثر. فبدلاً من ذلك، ننصح باستخدام مزيل ماكياج العيون اللطيف وتركه لمدة دقيقة ثم يُغسل. ومن المرطبات الجيدة زيت جوز الهند فهو من الخيارات الجيدة.
* الامتناع عن تناول الكحول. الكحول يسبب الجفاف وسحب الماء من الجلد. وهذا يزيد من خطر حدوث مزيد من الضرر للمنطقة، إذا قام شخص بالصدفة بفرك عينيه وكان يشرب الكحول. كما ننصح بشرب ما يقرب 1.8 لتر من الماء قبل الذهاب إلى السرير. وقد تبدو هذه الكمية من السوائل كبيرة، ولكنها سوف تساعد على ترطيب البشرة.
* حماية العين
* ارتداء واقٍ العين. ارتداء نظارات شمسية ذات جودة عند الخروج، فهي تساعد على حماية كل من العينين والجلد الحساس حول العينين من أشعة الشمس. ويستحسن البحث عن النظارات الواقية من الأشعة فوق البنفسجية 400 أو الموجهة لامتصاص 99 - 100 في المائة منها، اختيار العدسات الكبيرة التي تلتف حول العين، وحماية البشرة على جانب من العينين. ولون العدسة لا يشير إلى قوة الحماية للأشعة فوق البنفسجية.
* الإقلاع عن التدخين. التدخين هو إدمان قوي، يسرع في فقدان الكولاجين من الجلد، مما يزيد من تكوين أكياس حول العينين.
* خفض تلوث الهواء في الأماكن المغلقة. تلوث الهواء هو مهيج كبير للعين سواء داخل المنزل أو خارجه في الهواء الطلق. وبالنسبة لمعظم الناس الذين يعملون ويعيشون في الولايات المتحدة، فقد وجد أنهم يقضون ما يقرب من 98 في المائة من وقتهم في داخل بيوتهم. إذن يجب أن تقلل من تلوث الهواء في الأماكن المغلقة.
* استخدام مسكن لعلاج العيون. إن المنطقة في محيط العين تستجيب بشكل جيد للعلاجات المهدئة وتساعد في تقليل الانتفاخ.
* أكياس تصاحب الدوائر
إنها حالة أخرى يمكن أن تجعل الدوائر السوداء تبدو أكثر قتامة وأكثر وضوحًا هي تورم تحت العينين، وتسمى عادة الأكياس. وعندما يكون الشخص منا صغيرا في السن، قد يكون سبب هذا التورم من أمراض الحساسية، والأمراض التي تؤدي إلى تراكم مفرط للسوائل.
ومع التقدم في السن هناك أسباب أخرى تؤدي إلى تطوير الانتفاخ والتورم تحت العينين. كما أن تأثير الجاذبية على الخلايا يجعل فقدان الكولاجين ببطء ومرونة ويمكن أن يؤدي إلى ترهل الأنسجة بسبب فقدان الدهون تحت العين.
وقد يميل البعض إلى توجيه أصابع الاتهام لقلة النوم والراحة في زيادة حجم أكياس تحت العين، ولا يوجد أي دليل علمي يربط بين هذا السبب والنتيجة، وعليه فقلة النوم لا تزيد من شدة الانتفاخ تحت العينين صباحًا.



4 مراحل للصداع النصفي

4 مراحل للصداع النصفي
TT

4 مراحل للصداع النصفي

4 مراحل للصداع النصفي

الأمر ليس مجرد وهم، بل وحرفياً: لا يقتصر الصداع النصفي (صداع الشقيقة) على ألم حاد ونابض في الرأس فحسب، بل يشمل أيضاً العديد من الأعراض الأخرى المصاحبة للنوبة، والتي تطال أعضاء ومناطق أخرى في الجسم.

والصداع النصفي وإن كان حالة مزمنة تؤثر بشدة على جودة الحياة، ويشكل مصدر قلق صحي بالغ، غير أن معرفة مراحل نوباته تساعد على معالجة الأعراض مبكراً، وربما تُسهم في تقليل آثاره.

والسؤال: ما الذي يحدث في الدماغ ليُسبب هذه العاصفة المؤلمة؟ تبدأ نوبة الصداع النصفي عادةً بمُحفّز. وغالباً ما يكون المحفز معلومات حسية ترد إلى الدماغ ولا تُزعج معظم الناس، مثل فتح الباب على ضوء الشمس الساطع، أو تناول قطعة من الجبن المعتق اللذيذ. ولكن خلال نوبة الصداع النصفي، تبدو هذه المحفزات وكأنها اجتياح شامل يزيل راحة الدماغ ويُدخل الشخص في معاناة.

والنتيجة: يُنتج الدماغ رد فعل للمحفز بشكل مُفرط، حيث يعمل نظامه الكهربائي بكامل طاقته. ويُسبب هذا النشاط الكهربائي تغييراً في تدفق الدم إلى الدماغ، ما يؤثر بدوره على أعصاب الدماغ، مُسبباً الألم.

وتفيد منظمة الصحة العالمية أن الصداع النصفي يُعد مشكلة صحية عالمية رئيسية، تُصيب أكثر من مليار شخص. مما يجعله ثالث أكثر الأمراض شيوعاً في العالم. وارتفع معدل انتشاره وتكاليف عبئه بين عامي 1990 و2023.

مراحل الصداع النصفي

وتقول الدكتورة ستارلينغ، طبيبة الأعصاب في «مايو كلينك»: «قد تحدث أعراض تحذيرية قبل الصداع النصفي أو مصاحبة له. وقد تتفاقم «الشقيقة» عبر أربع مراحل لكل منها أعراض مختلفة: بادرة ما قبل الصداع، و الهالة (الأورة)، ونوبة الألم، وما بعد الصداع. ولكن ليس كل منْ أُصيب بالصداع النصفي يمر بجميع المراحل».

وإليك هذه المراحل الأربعة:

1. مرحلة البادرة Prodrome. تبدأ مرحلة «البادرة»، التي تُسمى أيضاً المرحلة التمهيدية، قبل يوم أو يومين من الصداع نفسه. ولا يمر جميع المرضى بهذه المرحلة، والنساء أكثر عرضة لها من الرجال. وفي مرحلة «البادرة» قد يلاحظ المريض قبل إصابته بالصداع، تغيرات طفيفة تنذر بأن نوبة صداع نصفي قادمة، وتشمل:

- الإمساك.

- التغيرات المزاجية، من الاكتئاب إلى الابتهاج إلى العصبية.

- فرط النشاط.

- صعوبة في التركيز.

- الحساسية للضوء أو الصوت.

- الرغبة الملحة في تناول الطعام.

- ألم أو تيبّس الرقبة، وخاصة أعلى الرقبة.

- كثرة التبول.

- احتباس السوائل.

- كثرة التثاؤب.

ويكمن مفتاح إيقاف نوبة الصداع النصفي في التشخيص والعلاج المبكرين. وتزداد احتمالية نجاح العلاجات عند البدء بها مبكراً بدلاً من انتظار تفاقم الأعراض. وإذا وصف الطبيب للمريض أدوية مثل الجيبانت Gepants أو التريبتانات Triptans لعلاج الصداع النصفي، فإن تناولها خلال مرحلة ما قبل ظهور الأعراض قد يساعد في إيقاف نوبة الصداع النصفي.

والجيبانتات هي فئة حديثة من الأدوية الفموية ذات الجزيئات الصغيرة، مصممة خصيصاً لعلاج الصداع النصفي والوقاية منه عن طريق تثبيط مستقبلات الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين CGRP. وتعمل هذه الأدوية عن طريق منع CGRP، وهو بروتين يحفز الالتهاب والألم، من الارتباط بمستقبلاته.

أما التريبتانات، فهي فئة من الأدوية تُستخدم لعلاج الصداع النصفي الحاد، حيث تعمل على تضييق الأوعية الدموية المتوسعة في الجمجمة وتقليل الالتهاب. وتكون فعَّالة للغاية عند تناولها في بداية النوبة، ولكنها لا تمنع حدوث الصداع النصفي.

2- مرحلة «الهالة» Aura. لا تُصاحب كل نوبة صداع نصفي بهالة الأورة. بل يُعاني فقط نحو ربع المصابين بالصداع النصفي من الهالة، التي قد لا تظهر دائماً في كل نوبة. وقد يشعر بعض الأشخاص بالأورة قبل الإصابة بنوبات الصداع النصفي أو أثناءها. وللتوضيح، يُعاني المصابون بالصداع النصفي المصحوب بهالة الأورة من أعراض عصبية قبل 5 إلى 60 دقيقة من بدء الصداع. وفي بعض الحالات، قد تستمر هذه الأعراض خلال مرحلة الصداع. وتعد الأورة عَرضاً للجهاز العصبي يمكن علاجه. وتكون مظاهر الأورة بصرية عادةً، ولكنها يمكن أيضاً أن تنطوي على اضطرابات أخرى. ويبدأ كل عَرض بشكل تدريجي في العادة، ويزداد حدة على مدار عدة دقائق، ما يصل إلى 60 دقيقة. وتتضمن أمثلة أعراض هالة الصداع النصفي:

- التغيُّرات البصرية، مثل رؤية أشكال متنوعة أو خطوط متعرجة أو بقع عمياء أو بقع ساطعة أو ومضات من الضوء.

- فقدان الرؤية.

- الشعور بوخز بالإبر أو ضعف في الذراع أو الساق.

- تنميل أو وخز في الوجه.

- اضطرابات في حاسة التذوق أو الشم أو اللمس.

- ضعف أو خدَر في الوجه أو أحد جانبَي الجسم.

- صعوبة الكلام.

وتجدر ملاحظة أنه إذا ظهرت لدى الشخص أي من هذه الأعراض العصبية الجديدة بشكل لم يعانِ منه المرء من قبل، فمن المهم مراجعة الطبيب، فقد تكون هذه أعراض سكتة دماغية أو حالة طبية طارئة أخرى. ولكن إذا تم تشخيص إصابته بالصداع النصفي المصحوب بهالة الأورة، وكان يعاني من أعراض الهالة المتكررة، فيمكنه حينها التعامل مع هذه الأعراض كجزء من الصداع النصكك

ويفيد أطباء «كليفلاند كلينك» أنه عند بدء أعراض الأورة للصداع النصفي، فيجب اتخاذ إجراء فوري بالتوقف عن النشاط، والراحة في غرفة هادئة ومظلمة، وتناول الأدوية الموصوفة خلال أول 15-30 دقيقة. كما تشمل الإجراءات الشائعة وضع كمادات باردة، وشرب الماء بكثرة، وتناول أدوية مسكنة للألم (مثل التريبتانات أو مسكنات الألم) لتخفيف حدة الصداع أو منع حدوثه لاحقاً.

نوبة الصداع

3. مرحلة نوبة الصداع Headache. يُعدّ الألم النابض الكلاسيكي للصداع النصفي هو مرحلة الصداع.

وعند البالغين، يتركز ألم الصداع عادةً في جانب واحد من الرأس.

أما عند الأطفال، فمن المرجح أن يصيب كلا الجانبين.

وتستمر نوبة الصداع النصفي الرئيسية عادة من 4 ساعات إلى 72 ساعة إذا لم تُعالَج. ويختلف عدد مرات حدوث الشقيقة من شخص إلى آخر. وربما تحدث الشقيقة نادراً أو قد تحدث عدة مرات في الشهر. وقد يشعر المريض عند الإصابة بالصداع النصفي بما يلي:

- ألم نابض أو خافق في أحد جانبي الرأس عادةً، إلا أنّه قد يكون في الجانبين.

-تقلبات مزاجية.

- زيادة التحسس للضوء والصوت، وأحياناً للرائحة والملمس.

- الغثيان والقيء.

- صعوبة، ربما بالغة، في النوم.

والتطبيقات الدوائية (العلاجية والوقاية) الواردة في المعالجة الطبية لمرحلة الهالة هي الأساس في معالجة حالة الصداع نفسه. ويقول أطباء «مايو كلينك»: «الدواء وسيلة مثبتة الفعالية لعلاج الصداع النصفي والوقاية منه. ولكن الدواء لا يمثل سوى جزء واحد من المسار العلاجي كله. فمن المهم أيضاً أن تعتني بنفسك جيداً وأن تفهم كيفية التعامل مع ألم الصداع النصفي عند حدوثه. ويمكن أيضاً أن يقلل تبني خيارات نمط الحياة نفسها التي تدعم الصحة الجيدة عموماً، عدد مرات إصابتك بالصداع النصفي وتقليل الألم الذي يسببه. وغالباً يكون الجمع بين الأدوية والتدابير السلوكية ونمط الحياة الجيد، أكثر الطرق فعالية في التعامل مع الصداع النصفي».

وفي هذه المرحلة من المفيد جداً شرب الماء، لأن الجفاف هو أحد محفزات الصداع النصفي وأحد عوامل شدة الصداع خلال نوباته. وقد يساعد تناول الكافيين، من خلال تناول فنجان صغير من القهوة أو الشاي، في تخفيف آلام الصداع النصفي في مراحله المبكرة، على الرغم من أن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى صداع الانسحاب.

والزنجبيل من العلاجات الطبيعية والمريحة. مثل تناول شاي الزنجبيل أو مكملاته الغذائية للمساعدة في تخفيف الغثيان وربما تقليل شدة الصداع. وكذلك التدليك، وخاصة تدليك منطقة الصدغين أو الرقبة برفق لتخفيف التوتر. وأيضاً العلاج بالروائح العطرية، حيث يجد البعض راحة مع روائح خزامى اللافندر أو النعناع.

4. مرحلة ما بعد الصداع النصفي Postdrome. تُعرف مرحلة ما بعد النوبة أيضاً باسم «صداع ما بعد الصداع النصفي». وتبدأ هذه المرحلة عندما يخفّ ألم ذروة الصداع. وقد يشعر المريض بعد نوبة الصداع النصفي بالإنهاك وفقدان التركيز والإرهاق لمدة تصل إلى يوم كامل. وقد يظهر الألم أو الانزعاج الناتج في أي مكان من الجسم. وقد يشعر بعض الأشخاص بالابتهاج. ولذا تختلف تجربة هذه المرحلة من شخص لآخر، كما أن أعراضها ليست متشابهة. وقد تستمر مرحلة ما بعد النوبة لمدة تصل إلى 48 ساعة، ولكنها لا تصيب الجميع، ولا يشترط أن تحدث بعد كل نوبة صداع. وقد تشمل أعراض ما بعد نوبة الصداع النصفي ما يلي:

- إرهاق.

- آلام في الجسم.

- تشوش ذهني.

- جفاف.

- اكتئاب.

- شعور بالنشوة.

- صعوبة في التركيز.

ويقول أطباء «كليفلاند كلينك» ما مُلخصه، أنه عند بدء مرحلة ما بعد الصداع النصفي (مرحلة «الخُراب» Hangover Phase)، يُنصح باتباع «أساليب العناية الجيدة بالصداع» Good Headache Hygiene. وذلك من خلال الراحة، وشرب كميات كافية من الماء أو محاليل الإلكتروليت، وتجنب التحفيز الحسي الزائد، مثل الأضواء الساطعة أو الشاشات. وحتى بعد زوال الألم، يظل الدماغ في طور التعافي من حدث عصبي كبير، لذا من الضروري عدم التسرع في العودة إلى الأنشطة المعتادة.

متى تجب زيارة الطبيب فورًا أو التوجّه إلى قسم الطوارئ

تفيد مصادر طب الأعصاب بعدد من الحالات التي يتطلب الصداع فيها زيارة الطبيب فورًا أو التوجّه إلى قسم الطوارئ، لأن الأمر قد يكون بسبب مشكلة صحية أكثر خطورة من مجرد "صداع". وذلك في الحالات التالية:

-صداع شديد للغاية ومفاجئ مثل قصفات الرعد.

-صداع مصحوب بحمى أو تصلب في الرقبة أو ارتباك أو نوبات مَرَضية أو ازدواج الرؤية أو خَدر أو ضعف في أي جزء من الجسم. قد يكون ذلك مؤشرًا على الإصابة بسكتة دماغية.

-صداع بعد التعرّض لإصابة في الرأس.

-صداع مزمن يتفاقم بعد السعال أو بذل مجهود أو إجهاد أو حركة مفاجئة.

-صداع جديد يبدأ في الظهور بعد بلوغ 50 عامًا.

مُحفزات بيئية متعددة لحدوث نوبات الصداع النصفي

أسباب الصداع النصفي ليست مفهومة بالكامل لدى الأطباء، ويبدو أن للجينات والعوامل البيئية دورًا فيه. كما يبدو أن تفاعلات منطقة جذع الدماغ مع العصب ثلاثي التوائم (مسار رئيسي لألم صداع الشقيقة)، له دور في هذه العملية. ويبدو أيضاً أن حصول اختلال في توازن وجود عدد من المواد الكيميائية في الدماغ له دور مُساهم. ومن أمثلة ذلك مركب السيروتونين، الذي يضبط الشعور بالألم في الجهاز العصبي. ولذا يطرح بعض الباحثين ضرورة الاستفادة من هذا الدور للسيروتونين في اكتشاف علاج للصداع النصفي.

ومهما كان السبب وآلية تأثيره، فإن ما يهم المريض بالدرجة الأولى أن ثمة عدد من العوامل "المُحفّزة" للإصابة بنوية صداع الشقيقة، ومن ذلك وفق ما يلخصه أطباء الأعصاب في مايوكلينك:

-التغيُّرات الهرمونية لدى المرأة. تقلّب مستويات هرمون الإستروجين قد يُسبب حدوث صداع لدى بعض النسوة. وهذا ما قد يحدث قبل الدورات الشهرية أو أثناءها أو أثناء الحمل وفترة انقطاع الطمث. كما قد تُسبب الأدوية الهرمونية، مثل وسائل منع الحمل التي تؤخذ عن طريق الفم، في تفاقم الصداع النصفي. ومع ذلك، تجد بعض النساء أن نوبات الصداع النصفي تحدث بمعدل أقل عند تناول وسائل منع الحمل الهرمونية.

-الكحول والكافيين. وقد يسبب كذلك الكحول، لا سيما النبيذ، والكميات الكبيرة من الكافيين، كالتي في القهوة، صداع الشقيقة.

-يمكن أن يسبِّب الإجهاد في العمل أو المنزل، الصداع النصفي.

-المحفزات الحسية (الضوء، الصوت). قد تحفِّز الأضواء الساطعة أو الوامضة وكذلك الأصوات العالية. نوبات الصداع النصفي. وقد تؤدي الروائح القوية إلى إصابة بعض الأشخاص بالشقيقة. قد تشمل هذه الروائح العطور ومخفف الطلاء والتدخين السلبي وغيرها من المحفزات.

-يمكن أن تؤدي قلة النوم أو الإفراط فيه إلى الإصابة بالشقيقة لدى بعض الأشخاص.

-قد يُسبب المجهود البدني الشديد، بما في ذلك النشاط الجنسي، الإصابة بالشقيقة.

-تغيُّرات الطقس أو الضغط الجوي.

-قد تؤدي الأجبان القديمة والأطعمة المالحة والأطعمة المعالجة إلى حدوث الشقيقة. وقد يسبب تخطي الوجبات أيضًا الشقيقة.

-مُنكهات الغذاء. وتشمل هذه المُنكهات محليات الأسبارتام والغلوتامات أحادية الصوديوم المعروفة اختصارًا بـ MSG. حيث توجد هذه المُنكهات في عديد من الأطعمة.

* استشارية في الباطنية.


ألعاب الفيديو تضعف التحكم العصبي لدى المصابين بالتوحد

ألعاب الفيديو تضعف التحكم العصبي لدى المصابين بالتوحد
TT

ألعاب الفيديو تضعف التحكم العصبي لدى المصابين بالتوحد

ألعاب الفيديو تضعف التحكم العصبي لدى المصابين بالتوحد

كشفت دراسة حديثة لباحثين في جامعة ويسترن أنتاريو University of Western Ontario في كندا، ونُشرت في النصف الأول من شهر مايو (أيار) من العام الحالي في مجلة هيليون العلمية Heliyon، عن وجود صلة قوية، بين الإفراط في استخدام ألعاب الفيديو لدى الأطفال المصابين بالأمراض العصبية مثل اضطرابي طيف التوحد ونقص الانتباه وفرط النشاط، وضعف التحكم في ردود الفعل، وهي مهارة عصبية ضرورية للتعلم، والتفاعل الاجتماعي، لأنها تمكن الطفل من التفكير قبل التصرف.

دراسة علمية

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 226 طفلاً، وشملت أطفالاً مصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) وبلغت نسبتهم 39 في المائة تقريباً، وأيضاً مصابين باضطراب طيف التوحد وبلغت نسبتهم 22 في المائة، بالإضافة إلى أطفال عاديين نسبتهم 38 في المائة، وكانت أعمارهم جميعاً تتراوح بين 4 و16 عاماً.

وأجاب أولياء الأمور، عن استبيانات حول استخدام أطفالهم للشاشات المختلفة، (مثل مشاهدة التلفاز بشكل سلبي، ووسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو). وأيضاً شملت الأسئلة بقية الأمور الحياتية التي يقضي الأطفال وقتهم فيها، مثل القراءة والأنشطة البدنية اليومية والأسبوعية والعلاقات الاجتماعية مع الأقران والأقارب، وكيفية قضاء وقت الفراغ، بالإضافة إلى عدد ساعات النوم وجودته.

وطُلب من أولياء الأمور تقديم تفاصيل حول تشخيص اضطراب النمو العصبي المصاب به طفلهم، ومدى حدة الأعراض، وقام الباحثون باستبعاد الأطفال الذين يعانون من تأخر شامل في النمو، وصعوبات واضحة في المهارات الحركية سواء الدقيقة أو الكبيرة، بالإضافة إلى الاضطرابات العصبية أو السلوكية الأخرى (مثل اضطراب الوسواس القهري).

كان معظم الأطفال الذين شملتهم الدراسة، قد قاموا بتجاوز إرشادات الجمعية الكندية لطب الأطفال الخاصة بوقت استخدام الشاشات، (أقل من ساعة واحدة يومياً للأطفال من عمر سنتين إلى 4 سنوات وأقل من ساعتين يومياً للأطفال الأكبر من 5 سنوات) حيث بلغ متوسط استخدام المشاركين، ما بين ثلاث إلى أربع ساعات يومياً في أنشطة رقمية متنوعة.

قلة ضبط النفس

كان الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد، هم الأكثر عرضة لتجاوز الإرشادات لوقت الشاشات، بنسبة بلغت 88 في المائة، وبلغت النسبة 78 في المائة في الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وفي المقابل بلغت نسبة الأطفال العاديين 74 في المائة.

في الاغلب، يعاني معظم الأطفال المصابين بالأمراض العصبية، من ضعف مهارات ضبط النفس بشكل متكرر، ولذلك هدفت هذه الدراسة إلى تقييم كيفية تأثير زيادة وقت استخدام الشاشات على الوظائف التنفيذية المختلفة، عن طريق اختبار معين (اختبار ستروب Stroop task) وهو اختبار نفسي تفاعلي يسمى «المشكلة المزدوجة» لأنه يتطلب إجابة سريعة مع التفكير قبل الاختيار، يُستخدم لقياس قدرة الأطفال على التحكم في ردود فعلهم.

تعتمد فكرة اختبار ستروب بشكل أساسي، على قدرة الطفل على كبح الإدراك المعرفي المسبق، بمعنى عدم الاندفاع وراء المعرفة المسبقة، والتركيز على الهدف المطلوب، حيث يُطلب من المشاركين، تسمية لون حبر لكلمة معينة مع تجاهل معناها الحقيقي.

وعلى سبيل المثال اختيار كلمة (أحمر) المكتوبة أسفل الشاشة من ضمن اختيارين، عند رؤية أي كلمة مطبوعة باللون الأحمر في أعلى الشاشة، ويمكن في بعض الحالات أن يتطابق الوصف مع لون الخط.

أو قد تكون الكلمة المستهدفة مكتوبة بلون معاكس للون الوصف مثل (الأزرق). وفي معظم الأحيان تكون الكلمة المطبوعة بلون مختلف لقياس التركيز، حيث تمثل الدرجات عدد الإجابات الصحيحة خلال دقيقة ونصف وتُخصم نقطة واحدة للإجابات الخاطئة.

يقوم الاختبار بتقييم الانتباه، وسرعة المعالجة، وقدرة المخ على المرونة، بسبب التناقض الواضح بين معنى الكلمة ولونها، ما يبطئ زمن الاستجابة، وفي حالة الأطفال الذين يعانون من مشاكل عصبية، في الأغلب لا يستطيعون اختيار الإجابة الصحيحة، بسبب اندفاعهم الشديد في اختيار الكلمة تبعاً لمعرفتهم السابقة بمعناها، وعدم قدرتهم على التفكير بهدوء للوصول للإجابة الصحيحة.

أظهرت النتائج، أن الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، لم تكن لديهم القدرة على التحكم في ردود فعلهم، وبالتالي اختاروا بشكل عشوائي متسرع. وعند مقارنة هذه النتيجة بالمستويات العادية، تبين أن الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد الذين يقضون وقتاً أطول في لعب ألعاب الفيديو، أظهروا مستوى أعلى من الاندفاعية، أكثر حتى من المصابين بنقص الانتباه وفرط النشاط، واحتاجوا إلى عدد أكبر من المحاولات حتى يصلوا إلى الإجابة الصحيحة.

وعلى الرغم من تشابه إجمالي وقت استخدام الشاشات بين المجموعات المختلفة، فإن الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، كانوا أكثر حساسية لأنواع معينة من استخدام الشاشات، وخاصة ألعاب الفيديو.

ويرتبط الإفراط في استخدام العاب الفيديو لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد وأيضاً نقص الانتباه، بتأخر النمو اللغوي، وعدم القدرة على فهم اللغة، خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة. وفي المقابل، يمكن أن يفيد الحد من وقت الشاشات واستبدال عوامل نمط حياة صحي به، وزيادة النشاط البدني، في تحسن حالة هؤلاء الأطفال، على المستوى البدني والنفسي والاجتماعي والمعرفي.

وحذرت الدراسة، الآباء من خطورة زيادة وقت الشاشات، على كل الفئات العمرية، خاصة الأطفال الذين يعانون من مشاكل في الجهاز العصبي، ونصحتهم بضرورة حث الأطفال على المشاركة في أنشطة متنوعة، وممارسة الرياضة في الهواء الطلق، وتكوين علاقات اجتماعية مع شخصيات حقيقية، حتى يمكن لهؤلاء الأطفال النمو بشكل طبيعي.

• استشاري طب الأطفال


«حِج بصحة»... دليل وقائي لصحة الحجاج

«حِج بصحة»... دليل وقائي لصحة الحجاج
TT

«حِج بصحة»... دليل وقائي لصحة الحجاج

«حِج بصحة»... دليل وقائي لصحة الحجاج

مع دخول اليوم الخامس من شهر ذي الحجة ستكون جموع الحجاج قد اكتملت تقريباً في مكة المكرمة استعداداً للانتقال إلى المشاعر المقدسة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، في رحلة إيمانية استثنائية تختلط فيها الروحانية العميقة بالمشقة البدنية، والنفسية. وفي هذه الأيام القليلة التي تسبق الوقوف بعرفة يتحول الاهتمام الصحي من مرحلة الاستعدادات والتطعيمات المسبقة إلى مرحلة أكثر حساسية، وهي «الإدارة الصحية الميدانية» للحاج أثناء أداء المناسك.

ويتميّز الحج بخصوصية صحية لا تشبه أي تجمع بشري آخر في العالم؛ فالحجاج يأتون من أكثر من مائة دولة بخلفيات صحية واجتماعية مختلفة، وبينهم كبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة، كما يجتمعون في مساحة محدودة، وخلال فترة زمنية قصيرة، وفي ظروف مناخية قد تكون قاسية مع ارتفاع درجات الحرارة التي قد تقترب من 45 درجة مئوية، أو تزيد، إضافة إلى الزحام، والتنقل المستمر، والجهد البدني الكبير.

ولذلك أصبحت صحة الحشود أو «طب الحشود Mass Gatherings Medicine» أحد أهم التخصصات الصحية الحديثة، حيث يُنظر إلى الحج عالمياً بوصفه نموذجاً متقدماً لإدارة المخاطر الصحية المرتبطة بالتجمعات البشرية الكبرى، وهو ما دفع المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى تطوير منظومات صحية وميدانية متقدمة، لحماية ضيوف الرحمن، والحد من المخاطر الصحية المحتملة.

استعدادات صحية

• الاستطاعة الصحية. في الفقه الإسلامي، ترتبط فريضة الحج بمفهوم «الاستطاعة» الذي لا يقتصر على القدرة المالية فقط، بل يشمل أيضاً القدرة الصحية، والبدنية. ومن هذا المنطلق شددت الجهات الصحية السعودية في السنوات الأخيرة على أهمية تقييم الحالة الصحية للحاج قبل إصدار التصاريح، خاصة للحالات المرضية عالية الخطورة التي قد لا تتمكن من تحمّل مشقة المناسك بأمان.

وتشمل هذه الحالات بعض المرضى الذين يعانون من فشل عضوي متقدم غير مستقر طبياً، مثل بعض حالات قصور القلب، أو أمراض الرئة الشديدة، أو الفشل الكبدي المتقدم، إضافة إلى بعض الاضطرابات العصبية أو النفسية التي تؤثر على الإدراك، والقدرة على الحركة، واتخاذ القرار. كما يُنصح طبياً بأن تؤجل الحوامل، في المراحل المتقدمة من الحمل، أداء فريضة الحج، خصوصاً إذا وُجدت عوامل خطورة صحية قد تعرض الأم أو الجنين للخطر.

وتهدف هذه المعايير في جوهرها إلى حماية الحاج نفسه، وضمان أن يكون قادراً على أداء المناسك دون أن تتحول الرحلة الروحية إلى خطر صحي جسيم.

• الحج مجهود بدني قد يفوق التوقعات. قد لا يدرك بعض الحجاج قبل وصولهم إلى المشاعر المقدسة حجم الجهد البدني الذي يتطلبه أداء المناسك، فالحاج قد يضطر إلى المشي لمسافات طويلة خلال أيام قليلة، خصوصاً أثناء التنقل بين منى، وعرفات، ومزدلفة، والطواف، والسعي، وقد تصل المسافات المقطوعة لدى بعض الحجاج إلى عشرات الكيلومترات خلال فترة الحج.

ولهذا يؤكد الأطباء على أهمية الاستعداد البدني المسبق قبل الحج بأسابيع أو أشهر، من خلال المشي التدريجي، وتحسين اللياقة البدنية، خاصة لكبار السن، ومرضى السكري، والقلب، وارتفاع ضغط الدم.

كما تلعب الأحذية المناسبة دوراً بالغ الأهمية في الوقاية من إصابات القدمين، إذ إن البثور والجروح البسيطة قد تتحول إلى التهابات خطيرة، لا سيما لدى مرضى السكري الذين قد يعانون من ضعف الإحساس الطرفي، وتأخر التئام الجروح.

• الحرارة والإجهاد الحراري. يُعد الإجهاد الحراري وضربات الشمس من أكثر المشكلات الصحية شيوعاً وخطورة خلال مواسم الحج الصيفية. فالتعرض المباشر للشمس، مع الزحام، وفقدان السوائل المستمر، كلها قد تؤدي إلى اضطراب قدرة الجسم على تنظيم حرارته، خاصة لدى كبار السن، ومرضى القلب، والسكري.

وتبدأ الأعراض غالباً بالإرهاق الشديد، والعطش، والدوخة، والصداع، وتشنجات العضلات، لكنها قد تتطور إلى ضربة شمس حقيقية تهدد الحياة، حيث ترتفع حرارة الجسم بصورة خطيرة، وقد يتعرض الحاج لفقدان الوعي، أو اضطرابات في القلب، والدورة الدموية.

ومن هنا يشدد الدليل الصحي التوعوي «حِج بصحة»، الصادر عن وزارة الصحة السعودية وهيئة الصحة العامة «وقاية» الخاص بموسم الحج، على أهمية الالتزام بعدد من التدابير الوقائية البسيطة، والتي قد تلعب دوراً حاسماً في الوقاية من الإجهاد الحراري، وضربات الشمس، ومن أبرزها:

-شرب المياه والسوائل بصورة منتظمة حتى دون الشعور بالعطش.

-استخدام المظلات فاتحة اللون أثناء التنقل.

-تجنب التعرض الطويل لأشعة الشمس المباشرة.

-أخذ فترات راحة متكررة.

-ارتداء الملابس الخفيفة، والفاتحة.

كما ينصح الأطباء مرضى الأمراض المزمنة بمراجعة أطبائهم قبل الحج، إذ قد تتطلب بعض الأدوية، مثل مدرات البول أو أدوية السكري، تعديلات خاصة تتناسب مع فقدان السوائل، والجهد البدني، على أن يتم ذلك تحت إشراف طبي فقط.

الوقاية من الأمراض المعدية

ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها المملكة في السيطرة على المخاطر الوبائية خلال الحج، فإن الأمراض المعدية تظل من أهم التحديات الصحية، بسبب الطبيعة الفريدة لهذا التجمع البشري الضخم، استناداً إلى الدراسة الشاملة حول ممارسات مكافحة العدوى المنشورة في مجلة (JICRCR) لعام 2024.

• التهاب السحايا (الحمى الشوكية) يأتي في مقدمة الأمراض التي تحظى بمتابعة صحية دقيقة، ولذلك أصبح التطعيم باللقاح الرباعي شرطاً أساسياً لدخول الحجاج، ويجب إعطاؤه قبل الوصول بمدة كافية، لضمان فعاليته.

• الأمراض التنفسية. كما تستمر التوصيات بالحصول على لقاحات الإنفلونزا الموسمية، وكوفيد-19، خاصة لكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، نظراً لأن الفيروسات التنفسية تنتشر بسهولة في البيئات المزدحمة.

ولا تزال الإجراءات الوقائية البسيطة تمثل خط الدفاع الأول ضد العدوى، مثل غسل اليدين المتكرر، واستخدام المعقمات، وارتداء الكمامات عند الحاجة، وفي الأماكن شديدة الازدحام، إضافة إلى تجنب مشاركة الأدوات الشخصية.

أما بالنسبة لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، فلا تزال الهيئات الصحية تنصح الحجاج بتجنب مخالطة الإبل، أو شرب حليبها غير المبستر، أو تناول منتجاتها غير المطهوة جيداً، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية المعروفة.

• العناية الخاصة بمرضى الأمراض المزمنة. تشير الدراسات الصحية الخاصة بالحج إلى أن نسبة كبيرة من الحجاج يعانون من أمراض مزمنة، مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والجهاز التنفسي، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات أثناء المناسك.

ولهذا ينصح الأطباء بأن يحمل الحاج حقيبة صحية صغيرة تحتوي على أدويته الأساسية، وأجهزة قياس السكر أو الضغط عند الحاجة، إضافة إلى تقرير طبي مختصر يوضح حالته الصحية، والأدوية التي يستخدمها.

كما يجب حفظ الأدوية بطريقة صحيحة، خاصة الإنسولين، وبعض العلاجات الحساسة للحرارة، مع حمل كميات كافية تكفي طوال الرحلة.

ويؤكد الأطباء كذلك على أهمية العناية اليومية بالقدمين لدى مرضى السكري، وعدم المشي حافياً مطلقاً، مع فحص القدمين باستمرار لاكتشاف أي جروح أو التهابات في وقت مبكر.

من الجوانب الصحية التي قد يغفل عنها البعض مسألة الحلاقة بعد انتهاء المناسك، وتؤكد المراجع الصحية الصادرة عن مراكز مراقبة الأمراض الأميركية (CDC) أن استخدام أدوات حلاقة غير معقمة قد يرفع احتمالات انتقال بعض الأمراض المنقولة بالدم.

ولهذا يوصي الدليل الوقائي لصحة الحجاج بالتعامل فقط مع الحلاقين المرخصين في المواقع المعتمدة، والتأكد من استخدام شفرة جديدة لكل حاج يتم فتحها أمامه مباشرة، في خطوة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية، للحد من احتمالات العدوى.

أهمية «الإدارة الصحية الميدانية» للحاجّ ضمن الحشود في ظروف مناخية قاسية

سلامة الغذاء والإصابات

• سلامة الغذاء. في بيئة شديدة الازدحام ومرتفعة الحرارة، تصبح سلامة الغذاء قضية صحية أساسية، إذ ترتفع احتمالات فساد الطعام وتلوثه إذا لم تُراعَ شروط الحفظ والنقل المناسبة.

وتحدث معظم حالات التسمم الغذائي نتيجة تناول أطعمة مكشوفة، أو محفوظة لفترات طويلة في درجات حرارة مرتفعة، خاصة اللحوم، ومنتجات الألبان، والأطعمة المطهية مسبقاً، وفقاً للمجلة الدولية للطب في الدول النامية (IJMDC) لعام 2026.

ويؤكدُ الخبراءُ الصحيون على الاعتماد على مصادر الغذاء الرسمية، والموثوقة، وتجنب شراء الطعام من الباعة غير المرخصين، والتأكد من نظافة المياه المستخدمة، مع التخلص من أي طعام تُرك خارج التبريد لساعات طويلة. كما ينبغي غسل الفواكه، والخضراوات جيداً، والحرص على شرب المياه المعبأة، أو المياه المعتمدة من المصادر الرسمية.

• الإصابات والسقوط. إلى جانب الأمراض، تشكل الإصابات الجسدية أحد التحديات المهمة خلال الحج، خاصة مع كثافة الحشود، والمشي الطويل، والإجهاد البدني. فالسقوط، والتعثر، والتزاحم، كلها قد تؤدي إلى إصابات متفاوتة، كما أن التسلخات الجلدية، وإجهاد العضلات، وآلام المفاصل تُعد من المشكلات الشائعة بين الحجاج، خصوصاً كبار السن.

ولذلك تنصح الجهات الصحية بالالتزام بخطط التفويج، والتنظيم، وعدم محاولة مخالفة المسارات، أو الإسراع الشديد أثناء التنقل، إضافة إلى استخدام الأحذية المريحة، والحفاظ على جفاف الجلد، لتقليل التسلخات، والإصابات.

• منظومة صحية متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن. خلال العقود الماضية بنت المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر منظومات «طب الحشود» تطوراً على مستوى العالم، وذلك عبر شبكة واسعة من المستشفيات، والمراكز الصحية، والعيادات المتنقلة، والفرق الإسعافية المنتشرة في المشاعر المقدسة.

كما يتم تدريب آلاف الكوادر الصحية سنوياً للتعامل مع الحالات الطارئة، والأمراض المعدية، والإجهاد الحراري، إلى جانب تطبيق أنظمة مراقبة وبائية متقدمة تهدف إلى الاكتشاف المبكر لأي مخاطر صحية محتملة.

وقد ساهم هذا التكامل بين التخطيط الصحي والخدمات الميدانية والتوعية الوقائية في خفض كثير من المضاعفات الصحية، وتحسين سلامة الحجاج عاماً بعد عام.

• اليقظة الصحية بعد انتهاء المناسك. لا تنتهي المسؤولية الصحية بمجرد انتهاء الحج، والعودة إلى الوطن، إذ توصي الهيئات الصحية العالمية بمراقبة الحالة الصحية لمدة تصل إلى أسبوعين بعد العودة، خاصة في حال ظهور أعراض مثل الحمى، أو السعال، أو ضيق التنفس، أو الإسهال الشديد.

ويُفضل في هذه الحالات مراجعة الطبيب، وإبلاغه بتاريخ السفر، وأداء الحج، لأن هذه المعلومة قد تساعد على سرعة التشخيص، والتعامل المبكر مع بعض الأمراض المعدية.

وأخيراً، يبقى الحج رحلة إيمانية عظيمة تختبر صبر الإنسان، وروحه، وجسده في آنٍ واحد، ومع ما تبذله المملكة من جهود صحية وتنظيمية هائلة لخدمة ضيوف الرحمن، فإن الوعي الصحي الشخصي يظل حجر الأساس في الوقاية من العديد من المشكلات الصحية، والمضاعفات.

وتتفق معظم التوصيات الصحية الحديثة على أن الالتزام بالإرشادات الوقائية البسيطة -من شرب السوائل، والالتزام بالأدوية، وتجنب الإجهاد الزائد، والحرص على النظافة وسلامة الغذاء- يمكن أن يُحدِثَ فرقاً كبيراً في سلامة الحاج، وتمكينه من أداء المناسك بطمأنينة، وأمان، والعودة إلى وطنه بسلام.

*استشاري طب المجتمع