مع اقتراب الاستفتاء على بقاء المملكة المتحدة ضمن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي أو المغادرة النهائية، تبدو أمارات انقسام حاد تلوح في الأفق بين مختلف الناخبين بشأن القرار المصيري والهام.
ولكن بالنسبة للبنوك الكبرى التي تهيمن على المدينة، وهو الاسم المعروف بها القطاع المالي في لندن، فلا يوجد اختلاف كبير، حيث تميل البنوك البريطانية الكبرى إلى البقاء ضمن كتلة الاتحاد الأوروبي.
تعد لندن من البوابات المالية العالمية الكبيرة، وهي بالفعل الأكبر والأكثر ازدحاما بالأعمال في أوروبا بأسرها وتضاهي في ذلك «وول ستريت» بالولايات المتحدة لكونها مركزًا رئيسيًا للتداولات الدولية في الأسهم، والسندات، والعملات، والسلع. وفي نهاية الأمر، يشعر المسؤولون التنفيذيون في البنوك البريطانية بالمزيد من القلق حيال التداعيات الاقتصادية والمالية الموجعة والمتوقعة إذا ما انسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - وهي الحالة المعروفة في الأوساط السياسية اختزالا بمسمى (الخروج البريطاني). وحتى من دون التعرض للصدمات الكبرى، فمن شأن الخروج البريطاني المشار إليه أن يدفع البنوك العالمية العملاقة مثل بنك «إتش إس بي سي»، وبنك «جيه بي مورغان تشيس»، وبنك «غولدمان ساكس»، وبنك «مورغان ستانلي»، إلى إعادة تقييم العمليات الأوروبية برمتها، وهو التحدي اللوجيستي الرهيب الذي من شأنه أن يؤثر وبعمق على المعاملات المالية الأساسية.
يقول آلان هومان، المدير التنفيذي لشؤون الحكومة الأوروبية لدى مجموعة «سيتي غروب» لصحيفة «نيويورك تايمز»: «لندن مركز مالي عالمي، وتأتي المؤسسات المالية إلى لندن من دول أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، ومن مختلف دول الاتحاد الأوروبي الأخرى للعمل هنا، وبالتالي فإن ذلك يخلق نظاما بيئيا ماليا ضخما تحتل لندن منه مركز القلب».
يجري رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي يرغب وبشدة في بقاء بلاده ضمن كتلة الاتحاد، مفاوضات في الوقت الحالي بشأن تغيير شروط عضوية بلاده في الاتحاد قبل اجتماع قمة زعماء أوروبا المقرر انعقاده في 18 و19 فبراير (شباط) من العام الحالي. (ومن شأن الاستفتاء البريطاني أن يبدأ في شهر يونيو (حزيران) القادم. ويحاول السيد كاميرون، برفقة نظرائه في أوروبا، العمل على تأمين وضعية بريطانيا في الهيكل التراتبي المالي من خلال السعي إلى الحصول على ضمانات بأن البنوك وغيرها من الشركات والمؤسسات لن تعاني من التمييز كلما تحولت منطقة اليورو إلى كيان أكثر اندماجا وتكاملا.
يحاول السيد كاميرون تلمس خطاه بحذر وسط حقل من الألغام السياسية شديد الخطورة. ففي الوقت الذي ترغب فيه كل من ألمانيا وفرنسا في بقاء بريطانيا ضمن كتلة الاتحاد، حيث عملت المملكة المتحدة ولعقود على تعزيز السلام والاستقرار في اتحاد، إلا أن هناك أعضاء آخرين تساورهم الشكوك بشأن سابقات منح أي دولة بعينها الكثير من الصفقات الجانبية لقاء خرق أي مبدأ من مبادئ الوحدة الأساسية في الاتحاد.
ولا تعتبر البنوك العملاقة مفعمة بذات القدر من التعاطف، مما يجعل المديرين التنفيذيين في الصناعة المصرفية الأوروبية أكثر حدة في تعليقاتهم بشأن الخروج البريطاني من الاتحاد. ويلقي الجمهور البريطاني باللائمة على كبار المديرين المصرفيين في التسبب في الأزمة المالية وفضائح الفساد المالي الخاصة بتداولات العملات والتلاعب في أسعار الفائدة.
تستفيد الشركات البريطانية من كل المجالات من مقدرتها على البيع والشراء في اقتصاد السوق المشتركة بالاتحاد الأوروبي والمقدر بقيمة 1.5 تريليون دولار إلى جانب تعداد سكان الاتحاد البالغ نحو 500 مليون نسمة. وعلى الرغم من أن الهجرة الخارجية هي من القضايا الشائكة والملحة باستمرار، إلا أن الشركات البريطانية في واقع الأمر تستفيد كثيرا من مقدرتهم على تعيين أي مواطن داخل الاتحاد الأوروبي.
لا يحب المصرفيون كثيرا مجموعة اللوائح المتعددة المعمول بها في أوروبا، مثل القيود المفروضة على المكافآت ومقترحات فرض الضرائب على المعاملات المالية المختلفة. ولكن الكثير منهم يعتقدون بأن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي سوف يثير من المشكلات أكثر مما يحل.
ومن المخاوف الكبيرة أن يُسبب الخروج البريطاني حالة من الانكماش الاقتصادي لبريطانيا وهبوطًا حادًا في العملة المحلية للبلاد. حيث تمثل الخدمات المالية نسبة 14 في المائة من الاقتصاد البريطاني المقدرة قيمته بـ3 تريليونات دولار، وفقًا لمؤسسة سيتي أوف لندن، وهي حكومة الأمر الواقع لجانب كبير من النشاط المالي.
وإذا ما غادرت بريطانيا دول الاتحاد الأوروبي، فلن يكون للمصرفيين في لندن الحق التلقائي لتوفير الخدمات للعملاء في الدول الأوروبية الأخرى - مثل تداول الأوراق المالية، والصرف الأجنبي للعملات، وإدارة الاستثمار.
وقد تتخلى بريطانيا كذلك عن مقدرتها على المساعدة في صياغة، أو منع سريان، أو تعديل القوانين المالية والمصرفية الأوروبية. كما يمكن أن تتنازل، تحت ضغوط حملات معارضة الخروج البريطاني، من مرتبة صانع القواعد إلى مرتبة منفذ القواعد.
يقول مايكل شيروود وريتشارد نود، المديران التنفيذيان المشاركان لبنك «غولدمان ساكس»، في مقالة افتتاحية في صحيفة الـ«تايمز» اللندنية: «لن تختفي البنوك من لندن بين عشية وضحاها، ولكنهم سوف ينسحبون تدريجيا إذا ما صوت الشعب البريطاني بـ(لا) للاتحاد الأوروبي».
وكان بنك «غولدمان» أكثر وضوحًا من أي بنك آخر فيما يتعلق بهذه النقطة، ولقد تبرع بمبلغ من ستة أرقام لحملة «بريطانيا أقوى في أوروبا»، وهي حملة الضغط التي تعارض الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. ولقد رفض بنك «غولدمان» التعليق على التبرعات المشار إليها.
أمام بنك «سيكيور تراست»، البنك البريطاني المحلي الصغير، القليل ليكسبه تجاريًا من السوق الأوروبية الموحدة. كما يشعر المدير التنفيذي للبنك السيد بول ليمان بالحزن للطريقة التي تفسر بها الهيئات التنظيمية المصرفية الأوروبية القواعد المالية الدولية. وأشار، على سبيل المثال، إلى أن الاتحاد الأوروبي يطالب بنك سيكيور تراست بالمحافظة على احتياطيات رأس المال - أي الدروع ضد وقوع المخاطر - والتي يقول إنها أكبر من الضروري لمؤسسة مثل البنك الذي يديره والذي يوفر الخدمات المالية والمصرفية للعملاء والشركات المحلية الصغيرة.
وعلى الرغم من أنه يعتقد أن الخروج البريطاني سوف يكون «ساري المفعول»، إلا أن ذلك على الأرجح سوف يعني سنوات من التفاوض حول تفاصيل العلاقة الجديدة التي تربط بريطانيا بالاتحاد الأوروبي. وتلك العملية، كما يقول السيد ليمان، سوف تكون «فوضوية، ومكلفة، ومعطلة، وسوف تستغرق وقتا طويلا للغاية».
وأضاف السيد ليمان: «نحتاج معرفة الخيارات المتاحة إلينا عن طريق التنازلات ذات الصلة بمخاطر القفز نحو المجهول».
كما يساور السيد ليمان القلق كذلك بشأن ردود الفعل الغاضبة بين مختلف عملاء البنوك. حيث تشير أغلب استطلاعات الرأي إلى أن الجمهور البريطاني منقسم على نفسه بالتساوي تقريبا إزاء قضية الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
وتابع السيد ليمان: «إذا ما تبنيت الموقف العام في هذه القضية فسوف أُغضب نصف عملاء البنك - وهم يقتربون من ربع مليون عميل. ولذا، فلن أكون في عجلة من أمري أبدا للإعلان عن موقفي».
ومع ذلك، لا يزال البعض في مدينة لندن يفكرون علانية في الخروج البريطاني.
ومن بينهم نورمان بركويل، وهو المستشار السابق لاثنين من رؤساء الوزراء البريطانيين من حزب المحافظين، وهم جون ميجور ومارغريت ثاتشر، وهو يشغل الآن منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة لويد المصرفية. ففي العام الماضي، صرح السيد بلاكويل أمام مجلس اللوردات البريطاني - والذي هو عضو من أعضائه - أن علاقة بريطانيا مع الكتلة الأوروبية قد تصبح «غير متحملة على نحو متزايد». وأشار كذلك إلى أن تعليقاته تعكس وجهة نظره وآرائه الشخصية فحسب.
ومن المتوقع لبعض من المديرين التنفيذيين لصناديق التحوط في لندن أن يغادروها بمجرد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي. وتشعر صناديق التحوط بالضجر الشديد من الرقابة المكثفة التي تطالبها بها الهيئات التنظيمية الأوروبية منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008.
ولقد تبرع كريسبين أودي، وهو من الشخصيات البارزة في عالم صناديق التحوط في لندن، لحملة التصويت للمغادرة، وهي من مجموعات الضغط المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولقد قال السيد أودي عن ذلك: «أفضل لو أننا غادرنا الاتحاد الأوروبي بالفعل».
ولكن من بين مختلف صناديق التحوط في لندن، لا يوجد هناك توافق في الآراء حول هذه القضية، وخصوصًا بالنظر إلى أنهم سوف يواجهون نفس القواعد الأوروبية الصارمة عند محاولة اجتذاب الاستثمارات الأوروبية.
يقول جاك انغليس، المدير التنفيذي لرابطة إدارة الاستثمارات البديلة ومقرها لندن: «تدرك شركات صناديق التحوط في المملكة المتحدة أنهم لن يكونوا قادرين على تجنب قواعد الاتحاد الأوروبي التنظيمية بالكلية إذا ما خرجت بريطانيا من كتلة الاتحاد، حيث يتعين على كافة صناديق التحوط غير التابعة للاتحاد الأوروبية حاليا الامتثال مع مجموعة من قواعد الاتحاد الأوروبي التنظيمية حتى يمكنها جمع رؤوس الأموال داخل الاتحاد الأوروبي أو التجارة في أسواق رؤوس الأموال في الكتلة الأوروبية».
وحتى البنوك العالمية الكبرى التي تستفيد من السوق الأوروبية الموحدة تفترض أنها، ربما، تنجو من قرار الخروج البريطاني المتوقع. حيث تمارس هذه البنوك عملياتها المالية في أغلب دول منطقة اليورو وهي العمليات التي يمكن أن تتوسع بمرور الوقت.
والبعض من هذه البنوك بدأت بالفعل في نقل بعض عملياتها من لندن إلى مدن أخرى تقليلا للنفقات. حيث افتتح بنك «كريدي سويس»، على سبيل المثال، مكتبًا لفرعه الجديد في مدينة دبلن.
وفي ضوء ما تقدم، فإن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي يمثل مخاطرة كبيرة على دور لندن كمركز مالي عالمي أكثر من تأثيره على أي بنك منفرد أو مؤسسة مالية بعينها.
يقول السيد هومان من مجموعة «سيتي غروب»: «إذا لم يتحرك أحد، فلن يفعل أحد شيئا البتة. وإذا ما تحرك الجميع قليلا، فسوف نشهد تراجعا كبيرا في كل شيء».
إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تلقي بظلالها على قطاع المال في لندن
أكبر البنوك الإنجليزية والعالمية تخشى تداعياته «الدراماتيكية»
إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تلقي بظلالها على قطاع المال في لندن
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









