تقرير: أكثر من نصف أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي لا تلتزم بمكافحة الفساد عبر الحدود

«الشفافية الدولية»: الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا الأكثر التزامًا.. وأقلها 20 دولة بينها تركيا وإسرائيل وروسيا

تقرير: أكثر من نصف أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي لا تلتزم بمكافحة الفساد عبر الحدود
TT

تقرير: أكثر من نصف أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي لا تلتزم بمكافحة الفساد عبر الحدود

تقرير: أكثر من نصف أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي لا تلتزم بمكافحة الفساد عبر الحدود

قالت منظمة الشفافية الدولية، إن 22 دولة من بين 41 دولة، وقّعت على اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بشأن مكافحة الفساد، لم تلتزم خلال السنوات الأربع الماضية، بتنفيذ إجراءات تتعلق بمكافحة الرشوة الأجنبية، لمواجهة الفساد عبر الحدود.
وقال تقرير الشفافية الدولية، الذي صدر أمس (الخميس)، إن 4 دول فقط وتشكل 22.8 في المائة من صادرات العالم، وهي الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وبريطانيا، تحسّنت جهودها في تنفيذ هذا الأمر وقامت بالفعل بملاحقة الشركات التي تدفع رشى لمسؤولين أجانب للحصول العقود والتراخيص والامتيازات أو لتضخيم الأسعار.
وأضاف التقرير، وهو الحادي عشر من نوعه، أنه بعد مرور 16 عامًا على تنفيذ الاتفاقية أصبح هناك 6 دول في خانة التنفيذ المعتدل للاتفاقية، وهي إيطاليا وكندا وأستراليا والنمسا والنرويج وفنلندا، وهؤلاء يشكلون 8.8 في المائة من صادرات العالم، في حين هناك 9 دول يمكن وصفها بأنها تعمل في إطار التنفيذ المحدود، وهي فرنسا، وهولندا، وكوريا الجنوبية، والسويد، والمجر، وجنوب أفريقيا، والبرتغال، واليونان، ونيوزيلندا، وهؤلاء يشكّلون 12.7 في المائة من صادرات العالم.
بينما هناك 20 دولة لا تفعل سوى القليل أو تكاد لا تفعل شيئًا لضمان أن شركاتها لن تقوم بنشر الفساد في العالم، وجرى استبعاد آيسلندا ولاتفيا من التصنيف لضعف صادراتهما.
وفي بيان تلقينا نسخة منه، قال خوزيه أوجاز، رئيس منظمة الشفافية، التي تتخذ من برلين مقرًا لها: «إن نصف الدول تقريبًا التي وقّعت على اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حول مكافحة الفساد، وعلى الرغم من تعهد حكوماتها بالعمل على مكافحة الرشوة الخارجية، فإنها لم تفعل ذلك، وينبغي أن تكون هناك ضمانات بأن تكون هناك متابعة والتزام، وألا يكون هناك تسامح مع أي انتهاك للالتزامات الدولية لمحاربة الرشوة الخارجية».
وقال التقرير إن 20 دولة، ويشكلون جميعًا 20.4 في المائة من الصادرات العالمية، هم في خانة العمل المنخفض أو يكاد يكون منعدمًا، لمكافحة الفساد عبر الحدود، وذلك لعدم وجود الإرادة السياسية، وعدم وجود الموارد اللازمة لإجراء تحقيقات، كما أن هناك 12 دولة موقّعة على الاتفاقية ومنها دول راسخة في الديمقراطية وذات النفوذ السياسي، عرفت عرقلة لسير العدالة الجنائية، كما أن هناك 21 دولة من الدول الموقعة، لا يوجد بها عقوبات منصوص عليها في القانون لردع رشوة المسؤولين الأجانب، مما يعرقل جهود تنفيذ الاتفاقية. وكان التقرير الذي أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي، قد أشار إلى أن 17 دولة فقط من 41 دولة هي التي تفرض العقوبات المناسبة في هذه الأمور، وسجلت النرويج تحسنًا وانتقلت من منطقة التحرك المحدود إلى التنفيذ المعتدل، كما تحولت اليونان وهولندا وكوريا الجنوبية من خانة ضعف التنفيذ إلى التنفيذ المحدود، أما الأرجنتين فهي البلد الوحيد الذي تراجع من المحدود إلى المنخفض. ولمح التقرير إلى أن ست دول من دول مجموعة الـ20 موجودة في خانة المنخفضة أو منعدمة التنفيذ. وأوصى التقرير بأنه لتحسين مكافحة الفساد عبر الحدود بين الدول الموقعة على الاتفاقية، والتي تمثل ما يقرب من ثلثي صادرات العالم، لا بد أن يبدأ المجتمع المدني والقطاع الخاص، في تنفيذ برامج للتغلب على أوجه القصور في حكوماتهم. وأما الدول المحدودة أو المنعدمة في تنفيذ الالتزامات، فهي اليابان، وروسيا، وإسبانيا، وبلجيكا، والمكسيك، والبرازيل، وآيرلندا، وبولندا، وتركيا، والدنمارك، والتشيك، ولوكسمبورغ، والأرجنتين، وتشيلي، وإسرائيل، وسلوفاكيا، وكولومبيا، وسلوفينيا، وبلغاريا، وإستونيا. وجرى استبعاد آيسلندا ولاتفيا لصغر حصتهما من الصادرات العالمية.
وقالت منظمة الشفافية الدولية، إن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فشلت في الالتزام بتعهداتها، التي تتعلق بمنع شركاتها من تقديم رشى، للفوز بأعمال في الخارج. وجاء التقرير تحت عنوان «تصدير الفساد». وتناول التقدم المحرز في 2015 في ما يتعلق بتنفيذ اتفاق منظمة التعاون الاقتصادي، بشأن مكافحة الرشوة الخارجية. وقالت «الشفافية الدولية»، إن الغرض من الاتفاقية هو مواجهة الفساد عبر الحدود، ولا بد من الموقّعين عليها أن يلتزموا قانونيًا بالتحقيق، وأيضًا مقاضاة ومعاقبة الشركات التي تقدم رشى لمسؤولين في دول أجنبية.. «وهو أمر يقوض التنمية، ويشوه الأسواق، ويكلف دافعي الضرائب»، بحسب تقرير الشفافية الدولية. وهو تقرير مرحلي سنوي ويعتبر الحادي عشر من نوعه، وسلط الضوء على الدول التي فشلت في تحقيق أي محاكمات حتى ولو في قضية واحدة من قضايا الرشوة خلال السنوات الأربع الماضية. واستعرض التقرير أوجه القصور على المستوى الوطني بالنسبة للأطر القانونية في البلدان الأعضاء، والممارسات، والتطورات ذات الصلة.
ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي منظمة دولية مكونة من مجموعة من البلدان المتقدمة، التي تقبل مبادئ الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق الحر. ونشأت في سنة 1948 عن منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، للمساعدة على إدارة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد فترة تم توسيعها لتشمل عضويتها بلدانًا غير أوروبية، وفي سنة 1960 تم إصلاحها لكي تكون منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
والمنظمة تمنح فرصة تمكن الحكومات من مقارنة التجارب السياسة والبحث عن إجابات للمشكلات المشتركة، تحديد الممارسات الجيدة وتنسيق السياسات المحلية والدولية. المنظمة تشكل منتدى للضغط التي يمكن أن تكون حافزًا قويًا لتحسين السياسات وتنفيذها عن طريق سن قوانين غير الملزمة التي يمكن أن تؤدي أحيانًا إلى المعاهدات الملزمة.
وتتم التبادلات بين الحكومات المشتركة في المنظمة، عن طريق تدفق المعلومات والتحليلات التي تقدمها الأمانة العامة في باريس. والتي تقوم بجمع البيانات ورصد الاتجاهات والتحليلات والتنبؤات الاقتصادية. كما تبحث التغيرات الاجتماعية أو تطور في أنماط التجارة والبيئة والزراعة والتكنولوجيا والضرائب والمجالات الأخرى. وخلال العقد الماضي، عالجت المنظمة مجموعة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وكذلك ساهمت في تعميق المشاركة مع دوائر الأعمال، ونقابات العمال وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني. على سبيل المثال المفاوضات في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المجال الضريبي والتسعير التحويلي، وقد مهد الطريق للمعاهدات الضريبية الثنائية في جميع أنحاء العالم.
ويوجد أربعة وثلاثون عضوًا كامل العضوية، وهم الأعضاء المؤسسون (1961): أبرزهم الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا والسويد وكندا وإيطاليا والنرويج وتركيا. وهناك 14 دولة التحقت بالمنظمة في سنوات تالية آخرها شيلي وسلوفينيا في عام 2010.
وسبق أن أشارت المنظمة إلى خطورة الفساد عبر الحدود في تقارير سابقة ومنذ سنوات طويلة، فعقب صدور التقرير الأول في 2003، أكد بيتر إيجن رئيس منظمة الشفافية العالمية وقتها، أن محاربة الفساد تسهم في جذب الاستثمارات وتحسن المناخ الاقتصادي بصفة عامة. وقال إن الفساد لا يقتصر على المجال السياسي، وإنما هناك أيضًا فساد في المجال الاقتصادي، حيث تقوم بعض الشركات الدولية بدفع رشى لمسؤولين في بعض الدول للفوز بتعاقدات، مشيرًا إلى أن استطلاعًا أجرته المنظمة كشف عن أن هناك 20 شركة دولية تستخدم الرشى لتسهيل معاملاتها.
وأضاف إيجن في حديث لـ«الشرق الأوسط» خلال زيارته للقاهرة عام 2004 أن البنك الدولي يساند حاليًا وبقوة مشروعات محاربة الفساد في دول العالم المختلفة، ويعد أحد كبار الممولين لبعض مشروعات المنظمة. وقال أيضًا: «هناك مؤشر قوي لمستوى الفساد الاقتصادي هو تقاضي الرشى، وقد أصدرنا عام 2003 مؤشر دافعي الرشى الذي يبحث في قيام الشركات الاقتصادية الدولية بدفع رشى للفوز بتعاقدات في دول أخرى.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.