الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

استمرار الظروف الراهنة سيفقد البلاد 15 ملياراً من الحركة التجارية

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
TT

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)

في وقت ما زالت فيه الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تدور رحاها في الخرطوم، حذر خبراء اقتصاديون سودانيون بأن تمادي الحرب واتساع رقعتها سيكبدان الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة، تجهز على سعر الصرف، وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 600 في المائة، ويفقدانه أكثر من 50 في المائة من صادرات البلاد.
- مطار الخرطوم
ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير، فإن خروج مطار الخرطوم من الخدمة، والذي عطل نسبة 5 في المائة من إجمالي الصادرات والواردات السودانية البالغة في مجملها 15 مليار دولار، أفقد الخزينة السودانية صادرات الذهب التي تعادل 50 في المائة من الصادرات بقيمة ملياري دولار.
وقال الناير من العاصمة السودانية الخرطوم، لـ«الشرق الأوسط»: «حدث لسعر صرف العملة السودانية تدهور كبير جداً خلال 4 أعوام من عمر الفترة الانتقالية، حيث انخفض سعر الجنيه السوداني أمام الدولار من 45 و55 جنيهاً إلى 600 جنيه حالياً سعراً متوسطاً جرى الاستقرار عليه لسعر الصرف للعملة السودانية خلال الشهور الماضية».
- تعطيل البنوك
وأضاف الناير: «منذ اندلاع الحرب بين قوات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع)، التي تسببت في إجازة إجبارية مع نهاية شهر رمضان وحتى الآن، فقد سعر الصرف القدرة على السيطرة حالياً، في ظل تعطل البنوك السودانية عن العمل خلال هذه المدة منذ اندلاع المناوشات وحتى الآن».
وبناءً على ذلك، وفق الناير، فإن «الرؤية ضبابية، ولن تتضح إلا بعد انتهاء فترة إجازة العيد ومباشرة العاملين في البنوك السودانية والقطاعات الأخرى الدوامات في القطاعين العام والخاص»، مبدياً ملاحظته حول تقييم معدل تضخم الاقتصاد السوداني، مؤكداً أنه رغم أن المؤشرات تتحدث عن انخفاضه بنسبة 61 في المائة، فإن لديهم بصفتهم خبراء اقتصاديين اختلافاً حول طريقة حساب معدل التضخم التي قُدر بها.
- معدلات التضخم
ووفق الناير؛ فإن «الخلاف حول تقييم معدلات التضخم ليس بالمعادلة الحسابية التي يحسب بها في الوقت الحالي؛ إذ إن ذلك يتطلب أن تقوم الدولة بعمل مسح لميزانية الأسرة لمعرفة متوسط معدل الاستهلاك للأسرة لمعرفة أوزان الاستهلاك بالنسبة إلى الخدمات، والتي من المفترض أن يجري تحديثها كل 5 أعوام، غير أنه للأسف لم تحدث بيانات الميزانية لمعدل استهلاك الأسرة وأسعار الخدمات منذ 17 عاماً».
وبالتالي، والحديث للناير، فإن النتائج التي يصدرها «الجهاز المركزي للإحصاء» في السودان، وقد ذكرت آخر التقارير أن متوسط معدل التضخم بلغ 61 في المائة، لا يعتقد برأيه أن تحقق الدقة المطلوبة لقياس معدل التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل التضخم الأرقام التي ذُكرت بكثير.
وبالنسبة إلى المؤشرات الأخرى، وفق الناير، فإن السودان «يعاني كثيراً من ارتفاع معدل الفقر الذي يتجاوز نسبة 60 في المائة، وارتفاع معدل البطالة الذي يتجاوز نسبة 40 في المائة، فضلاً على مؤشرات أخرى ذات صلة، مستدركاً أنه بالنسبة إلى بدء الحرب، فإن الاقتصاد السوداني يعاني أزمات وإشكالات كثيرة».
وعلى صعيد حجم خسائر الحركة التجارية، فقد قدّر الناير، مقارنة بالعام الماضي 2022، أنه «سيبلغ 15 مليار دولار؛ على أساس 11 مليار دولار للواردات، وما يزيد على 4 مليارات دولار حجم الصادرات».
- استطالة الحرب
وقال الناير: «إذا تمددت الحرب، وانتشرت واتسعت دائرتها، فمن المؤكد أن الاحتياطي المحلي الإجمالي سيتأثر، كما سيتفاقم التضخم، وسينهار سعر العملة السودانية... حتى الآن هناك 16 ولاية في السودان لم تتأثر مباشرة بهذه الحرب بشكل مباشر، مثل ولايات شرق السودان بما فيها القضارف وكسلا وبورتسودان وولاية نهر النيل؛ لأنها تؤمّن الطرق من موقع الموانئ إلى العاصمة الخرطوم، إذ إن الموانئ البحرية لم تتأثر بعد... مما يعني أنه لن تكون هناك إشكالات فيما يتعلق بحجم الصادر والوارد، إلا إذا تعطلت الطرق المؤدية إلى العاصمة السودانية الخرطوم»، مشيراً إلى أن 85 في المائة من حجم الصادرات والواردات الذي تبلغ قيمته الكلية 15 مليار دولار سنوياً تجري عبر الموانئ البحرية، في بورتسودان والبحر الأحمر، و10 في المائة منها عبر طريق (شريان الحياة) إلى الجارة مصر عبر (أرقين) أو (شكيب)».
ووفق الناير، «تبقى فقط 5 في المائة تتم عبر مطار الخرطوم، والتي هي بالتالي النسبة المفقودة حتى الآن من مجمل قيمة حجم الصادرات والواردات، يضاف لها ما نسبته 10 في المائة، لتوقف الحركة التجارية مع مصر التي يتطلع أن تستأنف خلال الأيام المقبلة إذا تحسن الوضع» على حدّ تعبيره.
- صادرات الذهب
حول ما يتعلق بصادرات الذهب، التي تشكل 50 في المائة من مجمل الصادرات السودانية، يرى الناير، أنها ستتأثر؛ «لأن صادراته تحدث عبر الطيران الذي بدا متوقفاً، غير أن الصادرات الأخرى التي تجري عبر ميناء بورتسودان ربما لا تواجه إشكالات حتى الآن، بحكم أن الحرب تدور حالياً في رقعة جغرافية ضيقة، وهي منطقة الخرطوم؛ وسط وجنوب العاصمة في مواقع القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي».
ولا يتوقع الناير حدوث أثر كبير على الصادر والوارد بشكل عام، «إلا إذا اتسعت دائرة الحرب، وشملت مواقع أخرى مؤثرة، وامتد أجلها، إذ حينها سيتأثر الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة»، مشيراً إلى أن أثر الحرب الأكبر يقع على المواطن السوداني «من حيث انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية، مثل خدمات الكهرباء والطاقة والغذاء والصحة داخل العاصمة السودانية الخرطوم، فضلاً على عدم تمكن الموظف والعامل السوداني من مباشرة دوامه وعمله منذ اندلاع الحرب».
- خزينة الدولة
أما فيما يتعلق بإيرادات خزينة الدولة لدى الحكومة المركزية في الخرطوم، فقد أكد الناير أنها «تأثرت منذ اندلاع المناوشات الجارية، بل توقفت تماماً، بخلاف ما هي عليه في خزائن الولايات الأخرى التي لم تتأثر حتى الآن بالحرب، وربما يجري تعويض الخزينة المركزية بعد استقرار الأوضاع، من خلال بذل جهود مضاعفة من قبل ديوان الضرائب والجمارك والجهات الإيرادية الأخرى، لتعويض ما لم يجرِ تحصيله في الفترة الماضية خلال الحرب».
أما ما يخص التوقعات بشأن معدلات التضخم والنمو والاحتياطي الإجمالي المحلي، فإن الحروب؛ وفق الناير، «لطالما كانت سبباً في تدمير البنى التحية»، متفائلاً بأن قوات الجيش السوداني ستمسك بزمام المبادرة، وبالتالي تعود الحياة إلى طبيعتها واستقرارها.
- انهيار اقتصادي
من جهتها، أكدت الاقتصادية سمية سيّد أن الاقتصاد السوداني يشهد تدهوراً ملحوظاً منذ سنوات، وهو برأيها «أحد أسباب سقوط النظام السابق؛ جراء تدهور المعيشة وزيادة معدلات التضخم وارتفاع نسبة الفقر والبطالة» على حدّ تعبيرها، مشيرة إلى أن هذا التدهور استمر حتى بعد «ثورة ديسمبر (كانون الأول)» لفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وعدم إقرار سياسات مشجعة للمنتجين.
وشددت سمية سيّد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن «إهمال موارد البلاد والبحث عن الدعم الخارجي، أديا إلى مزيد من التدهور الاقتصادي»، متوقعة «في ظل اندلاع الحرب الحالية انهياراً تاماً ربما تكون له نتائج كارثية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مما يزيد من معاناة الناس».
- توقف الصادرات
وأضافت سمية سيّد: «كان من المتوقع أن يكون الذهب أحد أهم الموارد البديلة بعد خروج 75 في المائة من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم، لكن الدولة فشلت في الاستفادة من تصدير الذهب؛ وذلك لأن أكثر من 89 في المائة يجري تصديره خارج القنوات الرسمية»، على حد تعبيرها.
وتعتقد أن «موضوع تعاملات شركات التعدين المملوكة لـ(الدعم السريع) مع شركة (فاغنر) الروسية في مجال ذهب السودان محل جدال مستمر»، مشيرة إلى أن الصادرات التقليدية كالحلوى واللحوم والماشية والقطن، «شهدت تدنياً كبيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لم تزد قيمتها على 3 مليارات دولار في العام، مع زيادة نوعاً ما في صادرات الذهب».
واستدركت أنه من المتوقع أن يقود الوضع الحالي الشديد التعقيد إلى توقف الصادرات تماماً، فيما تتوقع مزيداً من التهريب للسلع والمعادن الثمينة، في حين ترجح مزيداً من الانهيار الاقتصادي وهروب المستثمرين وارتفاع حدة المعاناة؛ على حدّ تعبيرها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

شمال افريقيا حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد، ويعد مكوناً رئيسياً لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل. ويأتي نحو 70 في المائة من إمدادات العالم من الصمغ العربي الذي لا توجد له بدائل كثيرة، من أشجار الأكاسيا في منطقة الساحل التي تضم السودان الذي يمزقه القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع. وكشف مصدرون ومصادر من الصناعة لـ«رويترز»، أن الشركات التي تخشى من استمرار انعدام الأمن في السودان وتعتمد على المنتج، مثل «كوكاكولا» و«بيبسيكو»، عملت على تخزين إمدادات، وبعضه

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر الجمارك السودانية (موقع هيئة الجمارك السودانية)

السودان يرفع قيمة الرسوم الجمركية على 130 سلعة مستوردة

رفعت السلطات السودانية رسوم الجمارك على 130 سلعة، من بينها البنزين والغازولين والقمح، وذلك لسد العجز المتوقع في موازنة العام الحالي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الموارد الذاتية للبلاد، وتخلو من أي دعم ومنح خارجية. ويتوقع أن تؤدي هذه الزيادات التي دخلت حيز التنفيذ الفوري إلى ارتفاع في أسعار كثير من السلع المستوردة من الخارج والمنتجة محلياً، في ظل الركود التضخمي الذي تعانيه البلاد.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

دعا سفراء دول عربية في الخرطوم إلى تعميق العلاقات العربية – الصينية باعتبارها قوى مهمة في الاقتصاد العالمي، ومشددين على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الدول العربية والصين، وأهمية دفعها إلى أعلى مستوى من التعاون الشامل واسع النطاق. واستضافت الخرطوم أمس منتدى تحت عنوان «القمة العربية الصينية التحديات الراهنة وآفاق المستقبل» وذلك قبيل يوم انطلاق 3 قمم في الرياض وهي سعودية - صينية - وخليجية - صينية وعربية صينية بمشاركة 30 من قادة الدول والمنظمات الدولية. وقال السفير المغربي لدى السودان، محمد ماء العينين، إن الدول العربية تنظر إلى الصين كقطب اقتصادي جاذب وفاعل، متوقعاً حدوث نقلة نوعية في العلا

محمد أمين ياسين (الخرطوم)

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
TT

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي

قضت المحكمة العسكرية في تونس بسجن المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي، أربع سنوات بتهم متعددة، من بينها «التآمر على أمن الدولة».

وقال المحامي أكرم موسى: «لقد صدر الحكم في حقها بالسجن أربع سنوات، وبغرامة مالية قيمتها أربعون ألف دينار (نحو 12 ألف يورو)». وأضاف المحامي موضحاً أن من بين التهم الموجهة إليها «تحريض العسكر على عدم الإطاعة، والتآمر على أمن الدولة استناداً للتدوينات التي نُسبت إليها»، مبرزاً أن هذه الأحكام قابلة للاستئناف.

وتُحاكَم ألفة الحامدي (38 عاماً)، التي أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية في عام 2024، في ثلاث قضايا، وصدر في حقها حكم قضائي سابق من قبل القضاء العسكري بالسجن عامين، قبل توقيفها عند وصولها إلى مطار تونس قرطاج، في منتصف فبراير (شباط) الماضي. وتتعلق التهم بتدوينات على صفحتها بموقع «فيسبوك»، انتقدت فيها الرئيس التونسي قيس سعيد والجيش.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قبل النطق بالحكم، إن السلطات الأميركية على عِلم بالمعطيات المتعلقة بالملاحقات القضائية، و«تتابع الوضع عن كثب».

شغلت الحامدي التونسية - الأميركية، لفترة وجيزة منصب الرئيسة المديرة العامة لشركة خطوط الطيران التونسية «تونس إير» مطلع عام 2021، وأسست في عام 2022 حزب «الجمهورية الثالثة»، وكانت شديدة الانتقاد لسياسة الرئيس قيس سعيّد الذي يحتكر السلطات في البلاد، منذ صيف عام 2021. وسجن عشرات من المعارضين السياسيين، وصدرت بحقهم أحكام مشددة، بتهم «التآمر على أمن الدولة». ولهذا السبب تُوجِّه منظمات حقوقية دولية ومحلية انتقادات لجهة تراجع الحريات في تونس، التي اعتبرت مهد ما سُمّي «الربيع العربي» في عام 2011.


جدل في مصر حول ألقاب السيسي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

جدل في مصر حول ألقاب السيسي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

أثار إطلاق لقب «فخامة الرئيس الزعيم» على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوسائل إعلام محلية محسوبة على الدولة، ردود فعل متباينة وجدلاً في الأوساط الإعلامية والسياسية.

وعقب جدل وتحفظات على تلك الألقاب، ظهرت وسائل الإعلام ذاتها، الأربعاء، وحذفت لقب «الزعيم» من التوصيف مكتفية بلقب «فخامة الرئيس السيسي» أو «الرئيس السيسي».

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان السيسي أن نهاية فترة رئاسته «أمر محسوم» في عام 2030، مشدداً على «عدم تعديل الدستور»، ونافياً تجهيز أحد أقاربه لحكم مصر، حيث نشرت وسائل إعلام، وصحف محسوبة على الدولة، اسم الرئيس المصري في أكثر من مناسبة، مقروناً بلقب «فخامة الرئيس الزعيم» الأمر الذي صار لافتاً للانتباه وتصدر «الترند» على «إكس» بمصر، الأربعاء.

ونشرت «قناة إكسترا نيوز»، خبراً عن «فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي يشارك في جلسة التنمية الحضرية والعمرانية في إطار اليوم الثاني لأعمال منتدى_مصر2026»، كما نشرت بوابة «الأهرام» خبراً يقول: «وصول فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي إلى مقر فعاليات منتدى مصر 2026» الاثنين الماضي.

صحف ومواقع استخدمت اللقب (فيسبوك)

وترى عميدة كلية الإعلام السابقة بـ«جامعة القاهرة» الدكتورة ليلى عبد المجيد، أن «الألقاب التي انتشرت أخيراً بوسائل إعلام مصرية تصف الرئيس السيسي بالزعيم - وهو رجل عظيم وزعيم بالفعل وليس بحاجة لمن يطلق عليه هذه الألقاب - جاءت من صحافيين وإعلاميين كانعكاس لردود الفعل الغاضبة، بسبب إعلان الرئيس أن فترة حكمه تنتهي في 2030 وسيسلم السلطة في هذا التاريخ».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الألقاب تأتي تعبيراً عن الحب والانتماء والامتنان للدور الذي قام به الرئيس، ومن ذلك مشروعات كثيرة وضعت مصر في مكانة مميزة، لكنني لا أفضل استخدام تلك الألقاب، حتى لا يتهم أحد من يستخدموها بالنفاق أو المبالغة أو المزايدة بأي شكل».

وتولى السيسي الحكم في مصر عام 2014 بعد انتخابات أعقبت فترة اضطرابات شهدتها البلاد منذ «أحداث 20 يناير 2011» وما تلاها من حكم «جماعة الإخوان» ثم قيام «ثورة 30 يونيو».

وعدّ المحلل السياسي والصحافي المصري، طلعت طه، «أنه لا يوجد ما يمنع من إطلاق هذه الألقاب على الرئيس، خصوصاً حين يكون قد تقدم بالوطن خطوات واسعة على المستوى المحلي أو العالمي، لكن دائماً الزعيم الوطني، لا يحتاج إلى ألقاب، فمواقفه وأعماله هي التي تحدد صفاته وألقابه».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس السيسي استطاع خلال العشر سنوات الماضية أن يحقق الكثير من الإنجازات ويحقق ما لم يستطع تحقيقه الكثير من الرؤساء، وعادة ما يستخدم البعض لقب (الزعيم) كنوع من التفخيم، والرئيس المصري لا يحتاج لذلك في رأيي الشخصي، فهو رئيس مصر وكفى».

أخبار الرئيس تصدرها اللقب (إكس)

وحول تصدر لقب «الرئيس الزعيم»، الترند على مواقع التواصل، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الجدل حول الألقاب المستخدمة يستحق قراءة مهنية هادئة، بعيداً عن ثنائية التأييد والرفض»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم التمييز بين الصفة الدستورية، واللقب البروتوكولي، والوصف التقييمي، فعبارة (رئيس الجمهورية) تشير إلى منصب دستوري، و(فخامة الرئيس) صيغة تشريفية معروفة في البيانات الرسمية، بينما تحمل كلمة (الزعيم) دلالات سياسية وتاريخية تتفاوت تفسيراتها لدى الجمهور».


الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
TT

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية، في ظل جملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي تفرض نفسها على الجانبين.

تجري الأشغال في مدينة الوادي جنوب شرق الجزائر، في إطار «اللجنة الثنائية لتنمية مناطق الحدود»، ويشارك فيها المسؤولون المحليون، ومدير التعاون بوزارة الداخلية عن الجانب الجزائري، وولاة الكاف والقصرين وجندوبة وتطاوين وقفصة وتوزر.

جانب من أشغال اجتماع لجنة تنمية مناطق الحدود بين الجزائر وتونس (ولاية الوادي)

وتتناول الأشغال التي تدوم يومين تحقيق توازن بين تأمين الحدود ومكافحة الأنشطة غير القانونية من جهة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز المبادلات التجارية القانونية من جهة أخرى، وفق تقارير صحافية محلية.

وحسبما ترسب من الاجتماعات، لا تقتصر هذه التحديات على تشديد الرقابة الأمنية، بل تتطلب مقاربة شاملة، تقوم على توفير فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل الاستثمار، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، وإطلاق مشروعات تنموية مشتركة تستجيب لاحتياجات سكان المناطق الحدودية في البلدين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار، وتحقيق تنمية مستدامة على جانبي الحدود.

وحسب نفس التقارير الإعلامية، تطرق الولاة المجتمعون، بحضور أطر الشرطة والدرك الجزائريين، إلى التهريب والتجارة غير النظامية والبطالة المتفشية، وضعف فرص العمل، وضعف التنمية والبنية التحتية، والعراقيل التجارية والإدارية. كما تطرقوا إلى الهجرة غير النظامية والشبكات الإجرامية، وضعف الاستثمار والمبادرات الاقتصادية المشتركة، والمخاطر البيئية والتغيرات المناخية، وضعف استغلال الإمكانات السياحية والفلاحية، والتفاوت في التنمية بين المناطق وصعوبات التنسيق وتطبيق الاتفاقات.

والي الوادي ومسؤول بوزارة الداخلية الجزائريان في اجتماع لجنة الحدود (ولاية الوادي)

وأكدت ولاية الوادي بحسابها بالإعلام الاجتماعي، أن الاجتماع «يعكس تجسيد التوجهات المشتركة للبلدين نحو تعزيز التعاون الحدودي، وتكثيف التنسيق والتشاور بين مختلف القطاعات المعنية، بما يسهم في متابعة تنفيذ التوصيات المنبثقة عن أشغال الاجتماع الأول للجنة الثنائية (نظم في 2024)، وتقييم مدى تجسيدها على أرض الواقع، فضلاً عن بحث السبل الكفيلة بتطوير المبادرات والمشروعات التنموية بالمناطق الحدودية، بما يستجيب لتطلعات سكانها ويدعم التبادل والتكامل بين البلدين الشقيقين».

وأوضحت أن اللقاء «يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الشراكة الجزائرية - التونسية، من خلال توحيد الرؤى وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، بما يسمح بتذليل الصعوبات المطروحة، واستكشاف فرص جديدة للتعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وترسيخ التنمية المستدامة بالمناطق الحدودية».

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

وتم إطلاق «اللجنة الثنائية الجزائرية - التونسية لتنمية وترقية المناطق الحدودية»، بموجب مذكرة تفاهم وُقعت بين حكومتي البلدين في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بالجزائر. وعقدت اجتماعها الأول في الجزائر العاصمة في نهاية يناير (كانون الثاني) 2024، واختُتم بالتوقيع على خريطة طريق لترقية وتنمية المناطق الحدودية.

وخلال هذا الاجتماع تم الاتفاق على إطلاق «منظومة مشتركة للوقاية والإنذار المبكر، والتدخل للحد من حرائق الغابات». وتعهد وزير الداخلية ابراهيم مرَاد يومها بإعداد مقترحات مطلع 2025 بشأن حماية المناطق الحدودية من مختلف المخاطر، لا سيما تهريب الوقود والمواد الغذائية والماشية، فضلاً عن التصدي لشبكات الهجرة غير النظامية.

كوادر بجهازي الدرك والشرطة الجزائريين في اجتماع لجنة الحدود (ولاية الوادي)

كم تم إطلاق مشروع لتطوير المبادلات التجارية والاقتصادية عبر الحدود بين ولاية الطارف الجزائرية ومحافظة جندوبة التونسية، بما يعزز التعاون الاقتصادي، ويدفع نحو إقامة شراكات عملية بين المناطق الحدودية في البلدين.

وتضمّنت خريطة الطريق، وفقاً لتصريحات وزير الداخلية الجزائري، مشروع إنشاء شركة تونسية - جزائرية متخصصة في تنظيم المعارض، تتولى تنظيم تظاهرات تجارية بالولايات الحدودية، تُعرض خلالها المنتجات والسلع المصنعة محلياً. وأشار إلى أن حكومتي البلدين تعوّلان على هذا المشروع لإحداث حركية اقتصادية على طول الشريط الحدودي، وتنشيط المبادلات التجارية، وفتح آفاق جديدة أمام المنتجين والمتعاملين الاقتصاديين المحليين.

كما كشف مراد عن التوصل إلى اتفاق ثنائي، يهدف إلى تطوير زراعة النباتات الطبية والعطرية، وتوسيع زراعة التين الشوكي وأشجار الزيتون، إلى جانب إنعاش تجارة اللحوم الحمراء والبيضاء، ومنتجات الألبان، والخضر الموجَّهة للتجفيف والتصبير.

الاجتماع الأول للجنة تنمية الحدود الذي عُقد في يناير 2024 (الداخلية الجزائرية)

وشملت الاتفاقات كذلك مشروع استحداث منطقة مشتركة للتبادل الحر بمنطقة «الطالب العربي» بولاية الوادي الجزائرية، ومنطقة حزوة بمحافظة توزر التونسية، في خطوة ترمي إلى تسهيل المبادلات التجارية، وتعزيز النشاط الاقتصادي بين المناطق الحدودية.

وزير الداخلية الجزائري يشرح نتائج الاجتماع الأول للجنة الحدود خلال لقاء عُقد في يناير 2024 (الداخلية الجزائرية)

كما صرح مراد بأنه تم الاتفاق على إعداد برامج تكوينية لفائدة العاملين والناشطين في مجالات السياحة والفندقة والصيد البحري، على مستوى المدرسة السياحية بعين دراهم، ومراكز التكوين السياحي بطبرقة في تونس، بهدف تطوير المهارات المهنية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة في هذه القطاعات.