الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

استمرار الظروف الراهنة سيفقد البلاد 15 ملياراً من الحركة التجارية

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
TT

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)

في وقت ما زالت فيه الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تدور رحاها في الخرطوم، حذر خبراء اقتصاديون سودانيون بأن تمادي الحرب واتساع رقعتها سيكبدان الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة، تجهز على سعر الصرف، وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 600 في المائة، ويفقدانه أكثر من 50 في المائة من صادرات البلاد.
- مطار الخرطوم
ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير، فإن خروج مطار الخرطوم من الخدمة، والذي عطل نسبة 5 في المائة من إجمالي الصادرات والواردات السودانية البالغة في مجملها 15 مليار دولار، أفقد الخزينة السودانية صادرات الذهب التي تعادل 50 في المائة من الصادرات بقيمة ملياري دولار.
وقال الناير من العاصمة السودانية الخرطوم، لـ«الشرق الأوسط»: «حدث لسعر صرف العملة السودانية تدهور كبير جداً خلال 4 أعوام من عمر الفترة الانتقالية، حيث انخفض سعر الجنيه السوداني أمام الدولار من 45 و55 جنيهاً إلى 600 جنيه حالياً سعراً متوسطاً جرى الاستقرار عليه لسعر الصرف للعملة السودانية خلال الشهور الماضية».
- تعطيل البنوك
وأضاف الناير: «منذ اندلاع الحرب بين قوات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع)، التي تسببت في إجازة إجبارية مع نهاية شهر رمضان وحتى الآن، فقد سعر الصرف القدرة على السيطرة حالياً، في ظل تعطل البنوك السودانية عن العمل خلال هذه المدة منذ اندلاع المناوشات وحتى الآن».
وبناءً على ذلك، وفق الناير، فإن «الرؤية ضبابية، ولن تتضح إلا بعد انتهاء فترة إجازة العيد ومباشرة العاملين في البنوك السودانية والقطاعات الأخرى الدوامات في القطاعين العام والخاص»، مبدياً ملاحظته حول تقييم معدل تضخم الاقتصاد السوداني، مؤكداً أنه رغم أن المؤشرات تتحدث عن انخفاضه بنسبة 61 في المائة، فإن لديهم بصفتهم خبراء اقتصاديين اختلافاً حول طريقة حساب معدل التضخم التي قُدر بها.
- معدلات التضخم
ووفق الناير؛ فإن «الخلاف حول تقييم معدلات التضخم ليس بالمعادلة الحسابية التي يحسب بها في الوقت الحالي؛ إذ إن ذلك يتطلب أن تقوم الدولة بعمل مسح لميزانية الأسرة لمعرفة متوسط معدل الاستهلاك للأسرة لمعرفة أوزان الاستهلاك بالنسبة إلى الخدمات، والتي من المفترض أن يجري تحديثها كل 5 أعوام، غير أنه للأسف لم تحدث بيانات الميزانية لمعدل استهلاك الأسرة وأسعار الخدمات منذ 17 عاماً».
وبالتالي، والحديث للناير، فإن النتائج التي يصدرها «الجهاز المركزي للإحصاء» في السودان، وقد ذكرت آخر التقارير أن متوسط معدل التضخم بلغ 61 في المائة، لا يعتقد برأيه أن تحقق الدقة المطلوبة لقياس معدل التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل التضخم الأرقام التي ذُكرت بكثير.
وبالنسبة إلى المؤشرات الأخرى، وفق الناير، فإن السودان «يعاني كثيراً من ارتفاع معدل الفقر الذي يتجاوز نسبة 60 في المائة، وارتفاع معدل البطالة الذي يتجاوز نسبة 40 في المائة، فضلاً على مؤشرات أخرى ذات صلة، مستدركاً أنه بالنسبة إلى بدء الحرب، فإن الاقتصاد السوداني يعاني أزمات وإشكالات كثيرة».
وعلى صعيد حجم خسائر الحركة التجارية، فقد قدّر الناير، مقارنة بالعام الماضي 2022، أنه «سيبلغ 15 مليار دولار؛ على أساس 11 مليار دولار للواردات، وما يزيد على 4 مليارات دولار حجم الصادرات».
- استطالة الحرب
وقال الناير: «إذا تمددت الحرب، وانتشرت واتسعت دائرتها، فمن المؤكد أن الاحتياطي المحلي الإجمالي سيتأثر، كما سيتفاقم التضخم، وسينهار سعر العملة السودانية... حتى الآن هناك 16 ولاية في السودان لم تتأثر مباشرة بهذه الحرب بشكل مباشر، مثل ولايات شرق السودان بما فيها القضارف وكسلا وبورتسودان وولاية نهر النيل؛ لأنها تؤمّن الطرق من موقع الموانئ إلى العاصمة الخرطوم، إذ إن الموانئ البحرية لم تتأثر بعد... مما يعني أنه لن تكون هناك إشكالات فيما يتعلق بحجم الصادر والوارد، إلا إذا تعطلت الطرق المؤدية إلى العاصمة السودانية الخرطوم»، مشيراً إلى أن 85 في المائة من حجم الصادرات والواردات الذي تبلغ قيمته الكلية 15 مليار دولار سنوياً تجري عبر الموانئ البحرية، في بورتسودان والبحر الأحمر، و10 في المائة منها عبر طريق (شريان الحياة) إلى الجارة مصر عبر (أرقين) أو (شكيب)».
ووفق الناير، «تبقى فقط 5 في المائة تتم عبر مطار الخرطوم، والتي هي بالتالي النسبة المفقودة حتى الآن من مجمل قيمة حجم الصادرات والواردات، يضاف لها ما نسبته 10 في المائة، لتوقف الحركة التجارية مع مصر التي يتطلع أن تستأنف خلال الأيام المقبلة إذا تحسن الوضع» على حدّ تعبيره.
- صادرات الذهب
حول ما يتعلق بصادرات الذهب، التي تشكل 50 في المائة من مجمل الصادرات السودانية، يرى الناير، أنها ستتأثر؛ «لأن صادراته تحدث عبر الطيران الذي بدا متوقفاً، غير أن الصادرات الأخرى التي تجري عبر ميناء بورتسودان ربما لا تواجه إشكالات حتى الآن، بحكم أن الحرب تدور حالياً في رقعة جغرافية ضيقة، وهي منطقة الخرطوم؛ وسط وجنوب العاصمة في مواقع القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي».
ولا يتوقع الناير حدوث أثر كبير على الصادر والوارد بشكل عام، «إلا إذا اتسعت دائرة الحرب، وشملت مواقع أخرى مؤثرة، وامتد أجلها، إذ حينها سيتأثر الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة»، مشيراً إلى أن أثر الحرب الأكبر يقع على المواطن السوداني «من حيث انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية، مثل خدمات الكهرباء والطاقة والغذاء والصحة داخل العاصمة السودانية الخرطوم، فضلاً على عدم تمكن الموظف والعامل السوداني من مباشرة دوامه وعمله منذ اندلاع الحرب».
- خزينة الدولة
أما فيما يتعلق بإيرادات خزينة الدولة لدى الحكومة المركزية في الخرطوم، فقد أكد الناير أنها «تأثرت منذ اندلاع المناوشات الجارية، بل توقفت تماماً، بخلاف ما هي عليه في خزائن الولايات الأخرى التي لم تتأثر حتى الآن بالحرب، وربما يجري تعويض الخزينة المركزية بعد استقرار الأوضاع، من خلال بذل جهود مضاعفة من قبل ديوان الضرائب والجمارك والجهات الإيرادية الأخرى، لتعويض ما لم يجرِ تحصيله في الفترة الماضية خلال الحرب».
أما ما يخص التوقعات بشأن معدلات التضخم والنمو والاحتياطي الإجمالي المحلي، فإن الحروب؛ وفق الناير، «لطالما كانت سبباً في تدمير البنى التحية»، متفائلاً بأن قوات الجيش السوداني ستمسك بزمام المبادرة، وبالتالي تعود الحياة إلى طبيعتها واستقرارها.
- انهيار اقتصادي
من جهتها، أكدت الاقتصادية سمية سيّد أن الاقتصاد السوداني يشهد تدهوراً ملحوظاً منذ سنوات، وهو برأيها «أحد أسباب سقوط النظام السابق؛ جراء تدهور المعيشة وزيادة معدلات التضخم وارتفاع نسبة الفقر والبطالة» على حدّ تعبيرها، مشيرة إلى أن هذا التدهور استمر حتى بعد «ثورة ديسمبر (كانون الأول)» لفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وعدم إقرار سياسات مشجعة للمنتجين.
وشددت سمية سيّد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن «إهمال موارد البلاد والبحث عن الدعم الخارجي، أديا إلى مزيد من التدهور الاقتصادي»، متوقعة «في ظل اندلاع الحرب الحالية انهياراً تاماً ربما تكون له نتائج كارثية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مما يزيد من معاناة الناس».
- توقف الصادرات
وأضافت سمية سيّد: «كان من المتوقع أن يكون الذهب أحد أهم الموارد البديلة بعد خروج 75 في المائة من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم، لكن الدولة فشلت في الاستفادة من تصدير الذهب؛ وذلك لأن أكثر من 89 في المائة يجري تصديره خارج القنوات الرسمية»، على حد تعبيرها.
وتعتقد أن «موضوع تعاملات شركات التعدين المملوكة لـ(الدعم السريع) مع شركة (فاغنر) الروسية في مجال ذهب السودان محل جدال مستمر»، مشيرة إلى أن الصادرات التقليدية كالحلوى واللحوم والماشية والقطن، «شهدت تدنياً كبيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لم تزد قيمتها على 3 مليارات دولار في العام، مع زيادة نوعاً ما في صادرات الذهب».
واستدركت أنه من المتوقع أن يقود الوضع الحالي الشديد التعقيد إلى توقف الصادرات تماماً، فيما تتوقع مزيداً من التهريب للسلع والمعادن الثمينة، في حين ترجح مزيداً من الانهيار الاقتصادي وهروب المستثمرين وارتفاع حدة المعاناة؛ على حدّ تعبيرها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

شمال افريقيا حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد، ويعد مكوناً رئيسياً لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل. ويأتي نحو 70 في المائة من إمدادات العالم من الصمغ العربي الذي لا توجد له بدائل كثيرة، من أشجار الأكاسيا في منطقة الساحل التي تضم السودان الذي يمزقه القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع. وكشف مصدرون ومصادر من الصناعة لـ«رويترز»، أن الشركات التي تخشى من استمرار انعدام الأمن في السودان وتعتمد على المنتج، مثل «كوكاكولا» و«بيبسيكو»، عملت على تخزين إمدادات، وبعضه

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر الجمارك السودانية (موقع هيئة الجمارك السودانية)

السودان يرفع قيمة الرسوم الجمركية على 130 سلعة مستوردة

رفعت السلطات السودانية رسوم الجمارك على 130 سلعة، من بينها البنزين والغازولين والقمح، وذلك لسد العجز المتوقع في موازنة العام الحالي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الموارد الذاتية للبلاد، وتخلو من أي دعم ومنح خارجية. ويتوقع أن تؤدي هذه الزيادات التي دخلت حيز التنفيذ الفوري إلى ارتفاع في أسعار كثير من السلع المستوردة من الخارج والمنتجة محلياً، في ظل الركود التضخمي الذي تعانيه البلاد.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

دعا سفراء دول عربية في الخرطوم إلى تعميق العلاقات العربية – الصينية باعتبارها قوى مهمة في الاقتصاد العالمي، ومشددين على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الدول العربية والصين، وأهمية دفعها إلى أعلى مستوى من التعاون الشامل واسع النطاق. واستضافت الخرطوم أمس منتدى تحت عنوان «القمة العربية الصينية التحديات الراهنة وآفاق المستقبل» وذلك قبيل يوم انطلاق 3 قمم في الرياض وهي سعودية - صينية - وخليجية - صينية وعربية صينية بمشاركة 30 من قادة الدول والمنظمات الدولية. وقال السفير المغربي لدى السودان، محمد ماء العينين، إن الدول العربية تنظر إلى الصين كقطب اقتصادي جاذب وفاعل، متوقعاً حدوث نقلة نوعية في العلا

محمد أمين ياسين (الخرطوم)

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

نفت «قوات الدعم السريع» في السودان، إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو»، وعودته إلى ميدان القتال في إقليم كردفان؛ وقالت في بيان إن «هذه المزاعم عارية عن الصحة، وتأتي في إطار الحملات الدعائية المغرضة».

ميدانياً، وردت أنباء عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة التكمة بولاية جنوب كردفان يوم الاثنين.

ويأتي هذا بعد أيام من الهدوء النسبي، وسط تداول معلومات عن أن الجيش نجح في استعادة السيطرة على التكمة، وفتح الطريق نحو مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية.

وتواترت أنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على الدلنج، وإدخال تعزيزات إنسانية وعسكرية، بعد عملية انفتاح من الداخل على منطقتي التكمة وهبيلا، إثر هجمات نفذها على «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، الساعية لإعادة حصار المدينة.


قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
TT

قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)

ينتظر مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر سجالات طويلة داخل أروقة البرلمان وخارجه، وسط خلاف نشب مؤخراً بين مؤسسة «الأزهر» والقائمين على تعديل مواد القانون، وهي تباينات عادة ما تظهر بين المؤسسات الدينية والمدنية عند طرح قوانين جديدة تُنظم أحوال الأسرة المصرية.

وقرر رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، الثلاثاء، إحالة مشروع القانون إلى اللجان المختصة لمناقشته، تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة للمجلس.

ويستحدث المشروع مواد عدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، من بينها تقييد إجراء الطلاق المباشر لدى المأذون خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الزواج، وقصر إجراءات الطلاق في هذه المدة على محكمة الأسرة، التي ستحاول بداية الإصلاح بين الزوجين.

كما استحدث المشروع مادة تتيح للطرفين طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور - ما لم تكن الزوجة حاملاً - في حال اكتشف أي من الطرفين بالآخر عيباً كان موجوداً قبل العقد دون إخبار الطرف الثاني به ورضائه عنه، على أن يُستعان بأهل الخبرة لتحديد العيوب التي يُطلب فسخ العقد من أجلها.

وكانت الحكومة المصرية أحالت مشروع القانون إلى المجلس في الثالث من مايو (أيار) الحالي، دون عرضه على الأزهر لأخذ رأيه الشرعي في مواده، على خلاف ما جرت عليه العادة في مشاريع قوانين سابقة للأسرة لم ترَ النور، كان أبرزها في عام 2019.

المؤسسة الدينية

أستاذ الفقه المقارن والشريعة في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، يرى أن «كثيراً من المواد المستحدثة تخالف الشريعة»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه كان على الحكومة أخذ مشورة الأزهر في مشروع الأحوال الشخصية للمسلمين، وهو إجراء اتبعته أيضاً مع الكنائس عند إعدادها قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وأعلنت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بعد نقاشات مع الكنائس المصرية حوله.

وردّ الأزهر في بيان، الاثنين، على تساؤلات وردت إليه بشأن موقفه من مشروع قانون الأحوال الشخصية، قائلاً إن المشروع «لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال».

وأضاف البيان أن الأزهر سبق وقدَّم مقترحاً بقانون للأحوال الشخصية في أبريل (نيسان) 2019، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع، من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، ولا يعلم مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه، مشيراً إلى أن الأزهر «سيُبدِي رأيه وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب».

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (مجلس النواب)

وأرجع رئيس لجنة صياغة مشروع القانون الحكومي، المستشار عبد الرحمن محمد، خلال تصريحات تلفزيونية مساء الاثنين، عدم عرض مشروع القانون على الأزهر قبل إحالته إلى البرلمان إلى الأخذ بآراء الأزهر كافة في المشروع السابق، مؤكداً موافقة جميع المواد للشريعة بنسبة 100 في المائة.

لكن كريمة علَّق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هناك مواد مستحدثة لم تعرض على الأزهر من قبل حتى يُقال إن اللجنة اعتمدت على رأي الأزهر السابق، مثل المادة الخاصة بتقييد الطلاق والأخرى الخاصة بفسخ العقد، وهما مخالفتان للشريعة من وجهة نظري».

ويفسر الباحث في الحركات الإسلامية أحمد سلطان حالة الاستياء لدى المؤسسة الدينية من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى «ما أثاره القانون من لغط مجتمعي، ومحاولة الأزهر النأي بنفسه عنه على أساس أنه ليس جزءاً من المشروع حتى الآن». ووصف سلطان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ما يجري من نقاشات بالأمر الصحي، وقال إنها في صالح المشروع ككل.

أزمة «الطلاق الشفهي»

وفي مقابل الاستياء من مواد يعتقد البعض أنها مخالفة للشريعة، ثمة اعتراضات لا تستند إلى المبدأ ذاته، وإنما إلى مشكلات ظهرت في أثناء تطبيق مواد قوانين الأسرة خلال السنوات الماضية وبحاجة إلى تعديل تشريعي للتعامل معها، وفي مقدمتها قضية «الطلاق الشفهي»، حسب المحامي في مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، أحمد مختار.

حملة توعوية ضد الطلاق الشفهي (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وقال مختار لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع القانون الحالي لا يلبي طموحنا، ونتطلع لأن يصدر قانون جامع بمواد حاكمة واضحة لا تترك الأمر لتأويل القضاة»، مضيفاً أن مشروع القانون الحالي «أمسك بالعصا من المنتصف، في محاولة لتقليل حدة الصدام سواء مع المؤسسات الدينية أو غيرها».

وأضاف: «في ملف الطلاق الشفهي المثير للجدل، لم يحلّ مشروع القانون الأمر بالنص صراحة على عدم الاعتراف به أو وقوع الطلاق ما لم يوثق، وإنما نصّ على إلزام الزوج بالتوثيق خلال مدة 15 يوماً من وقوع الطلاق».

وتساءل: «إذا لم يوثق الزوج الطلاق في هذه المدة فسيقع عبء إثباته على الزوجة، أي أننا نظل أمام المعضلة نفسها الخاصة بوقوعه شرعاً وعدم الاعتراف به قانوناَ ما لم يوثق»، مضيفاً: «ما دام الدولة لا تعترف بالزواج إذا تم شفهياً وتشترط التوثيق، فلا بد أن يُعامل الطلاق بالمِثل».

وسبق أن اقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2017 إلغاء الطلاق الشفهي، وإصدار قانون ينص على عدم الاعتداد بالطلاق ما لم يوثق، وهو ما أثار حفيظة المؤسسات الدينية آنذاك، وقوبل بحملة رفض واسعة.


ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
TT

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات درع الكرامة 2»، التي انطلقت بعد ظهر الثلاثاء، بحضور دبلوماسي عربي ودولي.

وأطلق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش، المناورة حسب «تلفزيون المسار»، بعد أخذ الإذن من القائد العام، لتبدأ وفق الخطة الموضوعة، التي تشرف عليها رئاسة الأركان العامة بقيادة الفريق خالد حفتر.

واطّلع حفتر على سير المناورة جواً، وأثنى على عزيمة جنود «الجيش الوطني» وبسالتهم خلال التدريبات، التي بدأت قبل أربعة أيام.

صدام حفتر يتفقد غرف العمليات ومواقع تمركز «فرقة 309» والوحدات المشاركة في المناورة (القيادة العامة)

وقُبيل انطلاق المناورة التي تحتضنها منطقة «رأس العلبة»، تفقّد خالد حفتر، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، سير تدريبات وحدات القوات المسلحة المشاركة في العملية، وتشمل تدريبات المشاة والدبابات، واقتحام المباني.

وقالت رئاسة الأركان إن خالد حفتر عقد اجتماعاً مع قيادات «الفرقة 309» وآمري الوحدات والألوية المشاركة في المناورة. وفيما أشاد بـ«المستوى المتقدم» الذي ظهر به منتسبو القوات المسلحة، شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على التدريب المستمر، والانضباط ورفع مستوى التأهيل العسكري».

جانب من المناورة العسكرية (القيادة العامة للجيش)

ويحرص «الجيش الوطني» على تحديث ترسانته العسكرية من خلال تطوير أنظمة الدفاع الجوي والبري، بالإضافة إلى إبرام صفقات تسليح وتدريب موسعة مع شركاء دوليين لتعزيز جاهزية قواته. ويعد من أبرز ملامح هذا التطوير تعزيز القوات البرية بمركبات من نوع «BTR-82A» الروسية، ومركبات «Spartak»، إلى جانب تطوير دبابات القتال الرئيسية.

وتضم المناورة، التي يجري التحضير لها منذ السبت الماضي في منطقة «رأس العلبة»، قرابة 25 ألف جندي وضابط، وتُوصف بأنها «الأكبر في تاريخ الجيش الوطني»، وتأتي تزامناً مع الاحتفالات التي تجريها «القيادة العامة» بذكرى «معركة الكرامة».

وتقع منطقة «رأس العلبة» في شمال شرقي ليبيا، جنوب بلدة العزيات التابعة لبلدية درنة.

وسبق أن اجتمع صدام حفتر، في الرابع من مايو (أيار) الحالي، مع قادة الألوية والوحدات المشاركة في المناورة، واطّلع على مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الوحدات المشاركة، كما جرى استعراض التصور العام للمناورة، والخطة التنظيمية لتنفيذها، وآلية التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية المشاركة.

تدريبات بواسطة الهليكوبتر (القيادة العامة)

وأكد صدام حفتر «ضرورة المحافظة على أعلى درجات الجاهزية والانضباط، وتنفيذ مراحل المناورة كافة وفق الخطة المعتمدة، بما يؤكد كفاءة وجاهزية القوات المسلحة، وقدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».

و«معركة الكرامة» عملية عسكرية واسعة، سبق أن شنّتها قوات «الجيش الوطني» في 16 مايو عام 2014، في مواجهة جماعات إرهابية، من بينها «تنظيم داعش»، بسطت قبضتها على مدن ليبية، بينها بنغازي ودرنة.

وقال اللواء عمر مراجع المقرحي، القائد بـ«الجيش الوطني»، إن مناورة «رأس العلبة ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة بأن الجاهزية واقع، وأن الإرادة لا تُكسر، وأن من يحمل شرف المسؤولية لا يتراجع».

وعدّ المقرحي، في تصريح صحافي، هذه المناورة «تجسيداً لانضباط، وقوة تُبنى بصمت وتثبت بالفعل، ورسالة لكل من يراهن على ضعف الدولة بأن الجيش حاضر وقادر، وستبقى رأس العلبة علامة فارقة في تاريخ الجيش الليبي الحديث».

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع خليفة حفتر، في مدينة بنغازي مساء الاثنين، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا. وقالت البعثة إن تيتيه أطلعت حفتر على «التقدم المحرز» في «الحوار المُهيكل»، حيث تعمل مساراته الأربعة حالياً على استكمال وصياغة توصياتها النهائية.

خالد حفتر شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على رفع مستوى التأهيل العسكري» (القيادة العامة للجيش)

كما قدمت إحاطة بشأن المشاورات الجارية ضمن «الاجتماع المصغّر»، الذي يعمل على تجاوز العقبات، التي تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن أول محطتين في خريطة الطريق الأممية، والمتمثلتين في استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقالت البعثة إن حفتر جدد تأكيد دعم «الجيش الوطني» لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية قدماً، بما يحفظ وحدة ليبيا، وينهي الانقسام المؤسسي، ويدعم مسار بناء الدولة.