الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

استمرار الظروف الراهنة سيفقد البلاد 15 ملياراً من الحركة التجارية

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
TT

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)

في وقت ما زالت فيه الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تدور رحاها في الخرطوم، حذر خبراء اقتصاديون سودانيون بأن تمادي الحرب واتساع رقعتها سيكبدان الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة، تجهز على سعر الصرف، وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 600 في المائة، ويفقدانه أكثر من 50 في المائة من صادرات البلاد.
- مطار الخرطوم
ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير، فإن خروج مطار الخرطوم من الخدمة، والذي عطل نسبة 5 في المائة من إجمالي الصادرات والواردات السودانية البالغة في مجملها 15 مليار دولار، أفقد الخزينة السودانية صادرات الذهب التي تعادل 50 في المائة من الصادرات بقيمة ملياري دولار.
وقال الناير من العاصمة السودانية الخرطوم، لـ«الشرق الأوسط»: «حدث لسعر صرف العملة السودانية تدهور كبير جداً خلال 4 أعوام من عمر الفترة الانتقالية، حيث انخفض سعر الجنيه السوداني أمام الدولار من 45 و55 جنيهاً إلى 600 جنيه حالياً سعراً متوسطاً جرى الاستقرار عليه لسعر الصرف للعملة السودانية خلال الشهور الماضية».
- تعطيل البنوك
وأضاف الناير: «منذ اندلاع الحرب بين قوات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع)، التي تسببت في إجازة إجبارية مع نهاية شهر رمضان وحتى الآن، فقد سعر الصرف القدرة على السيطرة حالياً، في ظل تعطل البنوك السودانية عن العمل خلال هذه المدة منذ اندلاع المناوشات وحتى الآن».
وبناءً على ذلك، وفق الناير، فإن «الرؤية ضبابية، ولن تتضح إلا بعد انتهاء فترة إجازة العيد ومباشرة العاملين في البنوك السودانية والقطاعات الأخرى الدوامات في القطاعين العام والخاص»، مبدياً ملاحظته حول تقييم معدل تضخم الاقتصاد السوداني، مؤكداً أنه رغم أن المؤشرات تتحدث عن انخفاضه بنسبة 61 في المائة، فإن لديهم بصفتهم خبراء اقتصاديين اختلافاً حول طريقة حساب معدل التضخم التي قُدر بها.
- معدلات التضخم
ووفق الناير؛ فإن «الخلاف حول تقييم معدلات التضخم ليس بالمعادلة الحسابية التي يحسب بها في الوقت الحالي؛ إذ إن ذلك يتطلب أن تقوم الدولة بعمل مسح لميزانية الأسرة لمعرفة متوسط معدل الاستهلاك للأسرة لمعرفة أوزان الاستهلاك بالنسبة إلى الخدمات، والتي من المفترض أن يجري تحديثها كل 5 أعوام، غير أنه للأسف لم تحدث بيانات الميزانية لمعدل استهلاك الأسرة وأسعار الخدمات منذ 17 عاماً».
وبالتالي، والحديث للناير، فإن النتائج التي يصدرها «الجهاز المركزي للإحصاء» في السودان، وقد ذكرت آخر التقارير أن متوسط معدل التضخم بلغ 61 في المائة، لا يعتقد برأيه أن تحقق الدقة المطلوبة لقياس معدل التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل التضخم الأرقام التي ذُكرت بكثير.
وبالنسبة إلى المؤشرات الأخرى، وفق الناير، فإن السودان «يعاني كثيراً من ارتفاع معدل الفقر الذي يتجاوز نسبة 60 في المائة، وارتفاع معدل البطالة الذي يتجاوز نسبة 40 في المائة، فضلاً على مؤشرات أخرى ذات صلة، مستدركاً أنه بالنسبة إلى بدء الحرب، فإن الاقتصاد السوداني يعاني أزمات وإشكالات كثيرة».
وعلى صعيد حجم خسائر الحركة التجارية، فقد قدّر الناير، مقارنة بالعام الماضي 2022، أنه «سيبلغ 15 مليار دولار؛ على أساس 11 مليار دولار للواردات، وما يزيد على 4 مليارات دولار حجم الصادرات».
- استطالة الحرب
وقال الناير: «إذا تمددت الحرب، وانتشرت واتسعت دائرتها، فمن المؤكد أن الاحتياطي المحلي الإجمالي سيتأثر، كما سيتفاقم التضخم، وسينهار سعر العملة السودانية... حتى الآن هناك 16 ولاية في السودان لم تتأثر مباشرة بهذه الحرب بشكل مباشر، مثل ولايات شرق السودان بما فيها القضارف وكسلا وبورتسودان وولاية نهر النيل؛ لأنها تؤمّن الطرق من موقع الموانئ إلى العاصمة الخرطوم، إذ إن الموانئ البحرية لم تتأثر بعد... مما يعني أنه لن تكون هناك إشكالات فيما يتعلق بحجم الصادر والوارد، إلا إذا تعطلت الطرق المؤدية إلى العاصمة السودانية الخرطوم»، مشيراً إلى أن 85 في المائة من حجم الصادرات والواردات الذي تبلغ قيمته الكلية 15 مليار دولار سنوياً تجري عبر الموانئ البحرية، في بورتسودان والبحر الأحمر، و10 في المائة منها عبر طريق (شريان الحياة) إلى الجارة مصر عبر (أرقين) أو (شكيب)».
ووفق الناير، «تبقى فقط 5 في المائة تتم عبر مطار الخرطوم، والتي هي بالتالي النسبة المفقودة حتى الآن من مجمل قيمة حجم الصادرات والواردات، يضاف لها ما نسبته 10 في المائة، لتوقف الحركة التجارية مع مصر التي يتطلع أن تستأنف خلال الأيام المقبلة إذا تحسن الوضع» على حدّ تعبيره.
- صادرات الذهب
حول ما يتعلق بصادرات الذهب، التي تشكل 50 في المائة من مجمل الصادرات السودانية، يرى الناير، أنها ستتأثر؛ «لأن صادراته تحدث عبر الطيران الذي بدا متوقفاً، غير أن الصادرات الأخرى التي تجري عبر ميناء بورتسودان ربما لا تواجه إشكالات حتى الآن، بحكم أن الحرب تدور حالياً في رقعة جغرافية ضيقة، وهي منطقة الخرطوم؛ وسط وجنوب العاصمة في مواقع القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي».
ولا يتوقع الناير حدوث أثر كبير على الصادر والوارد بشكل عام، «إلا إذا اتسعت دائرة الحرب، وشملت مواقع أخرى مؤثرة، وامتد أجلها، إذ حينها سيتأثر الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة»، مشيراً إلى أن أثر الحرب الأكبر يقع على المواطن السوداني «من حيث انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية، مثل خدمات الكهرباء والطاقة والغذاء والصحة داخل العاصمة السودانية الخرطوم، فضلاً على عدم تمكن الموظف والعامل السوداني من مباشرة دوامه وعمله منذ اندلاع الحرب».
- خزينة الدولة
أما فيما يتعلق بإيرادات خزينة الدولة لدى الحكومة المركزية في الخرطوم، فقد أكد الناير أنها «تأثرت منذ اندلاع المناوشات الجارية، بل توقفت تماماً، بخلاف ما هي عليه في خزائن الولايات الأخرى التي لم تتأثر حتى الآن بالحرب، وربما يجري تعويض الخزينة المركزية بعد استقرار الأوضاع، من خلال بذل جهود مضاعفة من قبل ديوان الضرائب والجمارك والجهات الإيرادية الأخرى، لتعويض ما لم يجرِ تحصيله في الفترة الماضية خلال الحرب».
أما ما يخص التوقعات بشأن معدلات التضخم والنمو والاحتياطي الإجمالي المحلي، فإن الحروب؛ وفق الناير، «لطالما كانت سبباً في تدمير البنى التحية»، متفائلاً بأن قوات الجيش السوداني ستمسك بزمام المبادرة، وبالتالي تعود الحياة إلى طبيعتها واستقرارها.
- انهيار اقتصادي
من جهتها، أكدت الاقتصادية سمية سيّد أن الاقتصاد السوداني يشهد تدهوراً ملحوظاً منذ سنوات، وهو برأيها «أحد أسباب سقوط النظام السابق؛ جراء تدهور المعيشة وزيادة معدلات التضخم وارتفاع نسبة الفقر والبطالة» على حدّ تعبيرها، مشيرة إلى أن هذا التدهور استمر حتى بعد «ثورة ديسمبر (كانون الأول)» لفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وعدم إقرار سياسات مشجعة للمنتجين.
وشددت سمية سيّد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن «إهمال موارد البلاد والبحث عن الدعم الخارجي، أديا إلى مزيد من التدهور الاقتصادي»، متوقعة «في ظل اندلاع الحرب الحالية انهياراً تاماً ربما تكون له نتائج كارثية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مما يزيد من معاناة الناس».
- توقف الصادرات
وأضافت سمية سيّد: «كان من المتوقع أن يكون الذهب أحد أهم الموارد البديلة بعد خروج 75 في المائة من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم، لكن الدولة فشلت في الاستفادة من تصدير الذهب؛ وذلك لأن أكثر من 89 في المائة يجري تصديره خارج القنوات الرسمية»، على حد تعبيرها.
وتعتقد أن «موضوع تعاملات شركات التعدين المملوكة لـ(الدعم السريع) مع شركة (فاغنر) الروسية في مجال ذهب السودان محل جدال مستمر»، مشيرة إلى أن الصادرات التقليدية كالحلوى واللحوم والماشية والقطن، «شهدت تدنياً كبيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لم تزد قيمتها على 3 مليارات دولار في العام، مع زيادة نوعاً ما في صادرات الذهب».
واستدركت أنه من المتوقع أن يقود الوضع الحالي الشديد التعقيد إلى توقف الصادرات تماماً، فيما تتوقع مزيداً من التهريب للسلع والمعادن الثمينة، في حين ترجح مزيداً من الانهيار الاقتصادي وهروب المستثمرين وارتفاع حدة المعاناة؛ على حدّ تعبيرها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

شمال افريقيا حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد، ويعد مكوناً رئيسياً لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل. ويأتي نحو 70 في المائة من إمدادات العالم من الصمغ العربي الذي لا توجد له بدائل كثيرة، من أشجار الأكاسيا في منطقة الساحل التي تضم السودان الذي يمزقه القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع. وكشف مصدرون ومصادر من الصناعة لـ«رويترز»، أن الشركات التي تخشى من استمرار انعدام الأمن في السودان وتعتمد على المنتج، مثل «كوكاكولا» و«بيبسيكو»، عملت على تخزين إمدادات، وبعضه

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر الجمارك السودانية (موقع هيئة الجمارك السودانية)

السودان يرفع قيمة الرسوم الجمركية على 130 سلعة مستوردة

رفعت السلطات السودانية رسوم الجمارك على 130 سلعة، من بينها البنزين والغازولين والقمح، وذلك لسد العجز المتوقع في موازنة العام الحالي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الموارد الذاتية للبلاد، وتخلو من أي دعم ومنح خارجية. ويتوقع أن تؤدي هذه الزيادات التي دخلت حيز التنفيذ الفوري إلى ارتفاع في أسعار كثير من السلع المستوردة من الخارج والمنتجة محلياً، في ظل الركود التضخمي الذي تعانيه البلاد.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

دعا سفراء دول عربية في الخرطوم إلى تعميق العلاقات العربية – الصينية باعتبارها قوى مهمة في الاقتصاد العالمي، ومشددين على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الدول العربية والصين، وأهمية دفعها إلى أعلى مستوى من التعاون الشامل واسع النطاق. واستضافت الخرطوم أمس منتدى تحت عنوان «القمة العربية الصينية التحديات الراهنة وآفاق المستقبل» وذلك قبيل يوم انطلاق 3 قمم في الرياض وهي سعودية - صينية - وخليجية - صينية وعربية صينية بمشاركة 30 من قادة الدول والمنظمات الدولية. وقال السفير المغربي لدى السودان، محمد ماء العينين، إن الدول العربية تنظر إلى الصين كقطب اقتصادي جاذب وفاعل، متوقعاً حدوث نقلة نوعية في العلا

محمد أمين ياسين (الخرطوم)

زعيم المعارضة في موريتانيا يتهم الحكومة بالتقصير

زعيم المعارضة متحدثاً في لقاء سابق للإعلام العمومي (الوزارة الأولى)
زعيم المعارضة متحدثاً في لقاء سابق للإعلام العمومي (الوزارة الأولى)
TT

زعيم المعارضة في موريتانيا يتهم الحكومة بالتقصير

زعيم المعارضة متحدثاً في لقاء سابق للإعلام العمومي (الوزارة الأولى)
زعيم المعارضة متحدثاً في لقاء سابق للإعلام العمومي (الوزارة الأولى)

انتقد زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية في موريتانيا، حمادي ولد سيد المختار، الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتصدي لأزمة الطاقة العالمية، الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط والخليج العربي.

وقال ولد سيد المختار في مؤتمر صحافي، عقده بعد ظهر اليوم الثلاثاء، بحضور أعضاء المؤسسة، إن الإجراءات التي أعلنتها الحكومة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات «تظل ناقصة، وغير قادرة على احتواء تداعيات الأزمة»، وحذر من أن عدم معالجة الاختلالات الناجمة عن الوضع الكارثي سيؤثر بشكل كبير على استقرار السوق الوطنية، والقدرة الشرائية للمواطنين.

وتضم مؤسسة المعارضة الأحزاب المعارضة، الممثلة في البرلمان، وهي هيئة قانونية أنشأتها الحكومة بنص قانوني.

ورفعت السلطات الموريتانية في وقت سابق من هذا الأسبوع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين عشرة وخمس عشرة في المائة، بينما زادت أسعار غاز الطهي المنزلي بنسبة زادت على ستين في المائة. وأضاف ولد سيد المختار موضحاً أن المقاربة الحكومية اتسمت بـ«الارتجال»، ولم تستجب بالقدر الكافي لحجم التحولات، التي تشهدها الأسواق العالمية، معتبراً أن الوضع الحالي قد يقود إلى اضطرابات في التموين، وارتفاع متسارع في أسعار المواد الأساسية. وطالب بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي عبر مراجعة بنود الميزانية، والتخلي عن النفقات غير الضرورية، مع توجيه الموارد نحو دعم قطاع الطاقة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية، بما يضمن استقرار الأسعار في ظل الضغوط الراهنة.

وكان حزب تجديد الحركة الديمقراطية المعارض، بزعامة الناشط الشبابي يعقوب لحود لمرابط، قد دعا إلى تنظيم المسيرة في نواكشوط للاحتجاج على قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات والغاز المنزلي والمطالبة بالتراجع عنها.

وانتقد الحزب ما سماه التضييق على الحريات ومصادرة حق التظاهر، مندداً كذلك بقرارات الحكومة، وقال إن هدفها تدمير القدرة الشرائية للمواطنين بدل حمايتها.


جهود الوسطاء تتواصل لمنع «السيناريو الكارثي» في حرب إيران

وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
TT

جهود الوسطاء تتواصل لمنع «السيناريو الكارثي» في حرب إيران

وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)

تتواصل جهود الوسطاء لوقف التصعيد الجديد في المنطقة، وتجنيبها «سيناريو كارثياً»، وفق تحذيرات مصرية رسمية دعت لترجيح الحوار والدبلوماسية مقابل مهلة أخيرة طرحتها واشنطن لاستهداف غير مسبوق لطهران، وتوعُّد إيراني بردٍّ مماثل.

هذه الجهود المتواصلة «أمامها فرصة ولو محدودة» لدفع الأطراف إلى شيء ملموس يُوقف التصعيد الحالي عبر المفاوضات، وفق رؤية دبلوماسي مصري سابق تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنه ليس أمام المنطقة في تلك الساعات الحاسمة سوى سيناريوهين؛ الأول كارثيّ بتحول التهديدات إلى دمار شامل للمنطقة، والثاني الذهاب إلى طاولة المفاوضات لوضع حدٍّ لهذه الحرب المشتعلة منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وفي إطار جهود خفض التصعيد واحتواء الموقف العسكرى المتصاعد، واصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاته المكثفة، حيث تواصل مع نظرائه بالعراق فؤاد حسين، وباكستان محمد إسحاق دار، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط جان أرنو، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية، الثلاثاء.

وشهدت الاتصالات تقييماً للأوضاع المتسارعة والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق التهدئة وخفض التصعيد.

وشدد عبد العاطى على «ضرورة تغليب الحكمة لنزع فتيل التوتر وتجنب سيناريو كارثى لن يكون أى طرف بمنأى عن تداعياته»، مؤكداً أهمية ترجيح الحوار والدبلوماسية للتوصل إلى حل توافقي يحقق التهدئة ويجنب المنطقة تداعيات واسعة النطاق.

وتناولت الاتصالات التداعيات الوخيمة للحرب على حرية الملاحة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن أمن الطاقة في ضوء ارتفاع الأسعار عالمياً، وتأكيد أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الحرب وتجنب مزيد من عدم الاستقرار وانعدام الأمن.

ونقلت «رويترز»، الثلاثاء، عن مصدرين باكستانيين أن الجهود الرامية لتيسير المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال جارية، غداة حديث «الوكالة» عن تلقّي البلدين مقترحاً من الوسطاء لإنهاء الأعمال العدائية.

كانت أربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات قد صرّحت، لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، بأن الولايات المتحدة وإيران تتناقشان مع الوسطاء - مصر وتركيا وباكستان - حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، واصفين المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة («الخارجية» المصرية)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن أن هناك احتمالاً قائماً بأن يقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب العودة للمفاوضات، في ضوء بعض المؤشرات؛ ومنها تمديده المهلة التحذيرية أكثر من مرة، مؤكداً أن استمرار جهود الوسطاء بهذه الكثافة يؤكد إمكانية نجاح المساعي الحالية.

وحذّر ترمب، الثلاثاء، إيران من أن «حضارة بأكملها ستندثر الليلة، ولن تعود أبداً»، مشيراً إلى أنه رغم عدم رغبته في حدوث ذلك، فإنه أمر «من المرجح وقوعه».

وقال ترمب، في تدوينة على منصته «تروث سوشيال»، إن العالم يقف أمام «واحدة من أهم اللحظات في تاريخه الطويل والمعقد»، مضيفاً: «مع تحقيق تغيير كامل وشامل للنظام وبروز عقول أكثر ذكاءً وأقل تطرفاً، قد يحدث أمر ثوري ورائع».

ويوم الأحد الماضي، هدد ترمب إيران بقصف جسورها ومحطاتها للطاقة، مساء الثلاثاء، ما لم تُعِد فتح مضيق هرمز.

في المقابل، قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي (القيادة العسكرية المركزية الإيرانية)، في بيان نشرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، الاثنين، على تطبيق «تلغرام»: «إذا تكررت الهجمات على الأهداف المدنية، فإن المراحل التالية من عملياتنا الهجومية والانتقامية ستكون أكثر تدميراً وأوسع نطاقاً».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال السفير حسن إن تحوّل تلك التهديدات إلى واقع «سيحمل سيناريو كارثياً للجميع، وليس لمنطقةٍ بعينها، كما سيتأثر به العالم بأسره».

وأضاف أن السيناريو الآخر يتمثل في بقاء هذه التهديدات مجرد ضغوط لدفع الأطراف إلى المفاوضات ونَيل مكاسب أكبر، في ظل إقرار أميركي بوجودها أساساً على طاولة التفاوض.


حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
TT

حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)

أكد قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي يرأس حكومة «تأسيس» الموازية في السودان، للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، استعداده لــ«وقف الحرب، والتعاون لإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المتضررة من النزاع في البلاد».

وجرى اللقاء في وقت متأخر من مساء الاثنين، في العاصمة الكينية نيروبي، حسب المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك.

وفي إفادة عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، قال حميدتي إنه بحث مع هافيستو «التطورات السياسية والأمنية إلى جانب الوضع الإنساني والجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار».

جانب من اللقاء بين «حميدتي» والمبعوث الأممي في نيروبي (الدعم السريع)

وأضاف أن حكومة «تأسيس» التي تتخذ من مدينة نيالا بدارفور عاصمة لها، «مستعدة للتعاون الكامل مع الأمم المتحدة والعمل على تقديم المساعدات اللازمة بما يسهم في رفع المعاناة عن الشعب السوداني».

وذكر البيان أن حميدتي قدم للمبعوث الأممي «شرحاً حول أسباب الحرب التي أشعلتها جماعة الإخوان المسلمين وأعوانها في الجيش السوداني»، مجدداً تأكيد تمسك حكومته بـ«وحدة البلاد لقطع الطريق على المحاولات الساعية إلى تمزيق السودان وتفكيك نسيجه الاجتماعي».

وشدد قائد «الدعم السريع» على «أهمية إجراء تحقيق شفاف وعادل بشأن الانتهاكات التي تعرض لها السودانيون، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي»، مشيراً إلى أن ذلك «يمثل خطوة أساسية نحو وقف الحرب وتحقيق السلام في البلاد... وهذا المطلب لا تنازل عنه تحت أي ظرف من الظروف».

وجدد حميدتي طلبه من الأمم المتحدة فتح مكاتبها في مناطق سيطرة حكومة «تأسيس» في إقليمَي دارفور وكردفان، لتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين هناك.

من جانبه، أكد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، هافيستو، سعي الأمم المتحدة إلى إنهاء الحرب في البلاد وتحقيق السلام.

ووفق البيان، أشاد هافيستو باستجابة قائد «قوات الدعم السريع» للقاء، الذي تبادلا فيه وجهات النظر حول مجمل الأوضاع في السودان، مشيراً إلى أنه استمع إلى عدد من الأطراف السودانية في إطار البحث عن أنجح الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى حل الأزمة.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، دوجاريك، إن اجتماع مبعوث الأمين العام، مع قائد «الدعم السريع»، «أتاح فرصة بنّاءة لتبادل وجهات النظر واستكشاف سبل عملية لخفض التصعيد وضمان استمرار حماية المدنيين».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما لإطاحة نظام عمر البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضاف في إيجاز صحافي، أن جميع الأطراف السودانية التي التقاها المبعوث في نيروبي، أعربت عن استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة، مشيراً في هذا الصدد، إلى اللقاء الذي جمع هافيستو مع رئيس «مجلس السيادة»، عبد الفتاح البرهان، في العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع الماضي، وبحثا فيه الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد.

وأكد دوجاريك «أن هذه اللقاءات أمر مشجع، وتجب ترجمته بسرعة إلى تقدم ملموس نحو إنهاء معاناة جميع السودانيين بصورة نهائية».

وجدد المتحدث باسم الأمم المتحدة، دعوة أطراف النزاع في السودان إلى «ضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل سريع وآمن ودون عوائق».

في السياق ذاته، ذكَّر دوجاريك بأن هناك حاجة إلى تمويل إضافي لتقديم المساعدات الإنسانية في السودان، بمبلغ 2.9 مليار دولار للوصول إلى أكثر من 20 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد.

تجدد المعارك

ميدانياً تجددت الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الدلنج، ثانية كبرى مدن ولاية جنوب كردفان.

وقال شهود عيان ومصادر عسكرية إن قوات تحالف «تأسيس» المكونة من «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، هاجمت صباح الثلاثاء، مدينة الدلنج، من 3 محاور قتالية.

عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

ووفق الشهود، توغلت قوات «تأسيس» وفرضت سيطرتها على منطقة التكمة على أطراف المدينة.

كان الجيش السوداني قد تصدى، الاثنين، لهجوم بري واسع النطاق نفّذته «الدعم السريع» من محاور عدة على الدلنج، واستولى على عربات قتالية ودراجات نارية تخص القوة المهاجمة.

وعلى مدى أكثر من عام، بقيت مدينة الدلنج، التي تبعد نحو 110 كلم عن مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، تخضع لحصار «قوات الدعم السريع»، قبل أن تكسر قوات من الجيش الحصار في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي.

Your Premium trial has ended