حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

مزارع يتسلق شجرة أكاسيا لجمع الصمغ العربي في بلدة النهود بغرب السودان التي تقع في ولاية شمال كردفان الزراعية الرئيسية 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يتسلق شجرة أكاسيا لجمع الصمغ العربي في بلدة النهود بغرب السودان التي تقع في ولاية شمال كردفان الزراعية الرئيسية 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
TT

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

مزارع يتسلق شجرة أكاسيا لجمع الصمغ العربي في بلدة النهود بغرب السودان التي تقع في ولاية شمال كردفان الزراعية الرئيسية 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يتسلق شجرة أكاسيا لجمع الصمغ العربي في بلدة النهود بغرب السودان التي تقع في ولاية شمال كردفان الزراعية الرئيسية 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد، ويعد مكوناً رئيسياً لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل.
ويأتي نحو 70 في المائة من إمدادات العالم من الصمغ العربي الذي لا توجد له بدائل كثيرة، من أشجار الأكاسيا في منطقة الساحل التي تضم السودان الذي يمزقه القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وكشف مصدرون ومصادر من الصناعة لـ«رويترز»، أن الشركات التي تخشى من استمرار انعدام الأمن في السودان وتعتمد على المنتج، مثل «كوكاكولا» و«بيبسيكو»، عملت على تخزين إمدادات، وبعضها لديه مخزون يغطي ما بين 3 و6 أشهر كي لا تعاني من نقصه.
وأفاد ريتشارد فينيجان مدير المشتريات بمجموعة «كيري»، التي تورد الصمغ العربي لمعظم شركات الأغذية والمشروبات الكبرى قائلاً: «بناء على الفترة التي سيستغرقها الصراع، قد تكون هناك تداعيات على السلع المُصنعة المعروضة على الرفوف، التي تحمل علامات تجارية شهيرة».
وقدر فينيجان أن المخزونات الحالية ستنفد في غضون 5 - 6 أشهر. واتفق معه مارتين بيركامب، الشريك في شركة التوريد الهولندية «فوجا غام»، الذي قال إن المخزونات تكفي لفترة تتراوح من 3 - 6 أشهر.
وقال متحدث باسم شركة «كلويتا إيه بي» السويدية المتخصصة في صناعة الحلوى، ومن بينها مستحلبات لاكيرول التي تستخدم الصمغ العربي، في رسالة بالبريد الإلكتروني إن الشركة لديها مخزون «وافر» من الصمغ العربي.
ووفقاً لتقديرات نقلتها مجموعة «كيري»، يبلغ الإنتاج العالمي من الصمغ العربي نحو 120 ألف طن سنوياً، بقيمة 1.1 مليار دولار. ويأتي معظم هذا المكون من منطقة «حزام الصمغ» التي تمتد 500 ميل من شرق إلى غرب أفريقيا حيث تلتقي الأراضي الصالحة للزراعة بالصحراء، وتضم أيضاً إثيوبيا وتشاد والصومال وإريتريا.
وأشار 12 من المصدرين والموردين والموزعين الذين اتصلت بهم «رويترز» إلى أن التجارة في الصمغ، الذي يساعد في تماسك مكونات الطعام والشراب، توقفت.
ونوه محمد النور مدير «شركة الصمغ العربي» في الولايات المتحدة، التي تبيع المنتج للمستهلكين كمكمل غذائي، بأنه «من المستحيل» الآن الحصول على كميات إضافية من الصمغ العربي من المناطق الريفية في السودان بسبب الاضطرابات وإغلاق الطرق.
مجموعة «كيري» وموردون آخرون من بينهم شركة «غام سودان» السويدية، قالوا إن التواصل مع الأشخاص على الأرض في السودان صعب، وأضافوا أن ميناء بورتسودان الذي يستخدم لشحن المنتج يعطي الأولوية حالياً لعمليات إجلاء المدنيين.
وقال جينش دوشي العضو المنتدب لشركة «فيجاي بروس» للاستيراد، ومقرها مومباي: «يكافح موردونا لتأمين الضروريات بسبب الصراع... ولا يعرف أي من المشترين أو البائعين متى ستعود الأمور إلى طبيعتها».
وذكر الوليد علي، الذي يملك شركة «إيه جي بي إنوفيشنز» المحدودة، وهي شركة لتصدير الصمغ العربي، أن عملاءه يبحثون عن دول بديلة يحصلون منها على الصمغ العربي.
وأضاف أنه يبيع الصمغ لشركات تصنيع في فرنسا والولايات المتحدة.
ورفضت شركة «بيبسيكو» التعليق على الأمور المتعلقة بالتوريد والسلع، بينما لم ترد شركة «كوكاكولا» على طلب للتعليق.
وقال داني حداد مدير التسويق والتطوير في شركة «أغريغام»، وهي واحدة من أكبر 10 موردين في العالم: «بالنسبة لشركات مثل (بيبسي) و(كوكاكولا)، فإنها لا يمكن أن تستمر دون وجود الصمغ العربي في تركيباتها».
وفي إشارة إلى أهمية الصمغ العربي بالنسبة لصناعة السلع الاستهلاكية، استثنته الولايات المتحدة من العقوبات التي تفرضها على السودان منذ التسعينات، لأنه سلعة مهمة، وخوفاً من خلق سوق سوداء.
ووفقاً لشركة «غام سودان» يستخرج البدو السودانيون الصمغ من أشجار الأكاسيا، ثم يجري تنقيته وتعبئته في جميع أنحاء البلاد. ويمثل الصمغ مصدر رزق لآلاف الناس، ويمكن أن يبلغ سعر الطن من أغلى أنواعه نحو 3 آلاف دولار.
وقال محمد النور إن هناك صمغاً أرخص وأقل جودة خارج السودان، لكن المكون المفضل موجود فقط في أشجار الأكاسيا في السودان وجنوب السودان وتشاد.
وذكر فواز أبارو المدير العام لشركة «سافانا لايف» في الخرطوم أن لديه طلبات شراء وكان يعتزم تصدير من 60 إلى 70 طناً من الصمغ العربي لكنه يشك في أنه سيتمكن من ذلك بسبب الصراع.
وأضاف أبارو: «لا يوجد استقرار حتى في الحصول على الطعام أو الشراب. لن يكون الوضع مستقراً للعمل».
وتابع: «كل المعاملات يسودها الارتباك في الوقت الحالي».


مقالات ذات صلة

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

شمال افريقيا الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

في وقت ما زالت فيه الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تدور رحاها في الخرطوم، حذر خبراء اقتصاديون سودانيون بأن تمادي الحرب واتساع رقعتها سيكبدان الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة، تجهز على سعر الصرف، وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 600 في المائة، ويفقدانه أكثر من 50 في المائة من صادرات البلاد. - مطار الخرطوم ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير، فإن خروج مطار الخرطوم من الخدمة، والذي عطل نسبة 5 في المائة من إجمالي الصادرات والواردات السودانية البالغة في مجملها 15 مليار دولار، أفقد الخزينة السودانية صادرات الذهب التي تعادل 50 في المائة من

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر الجمارك السودانية (موقع هيئة الجمارك السودانية)

السودان يرفع قيمة الرسوم الجمركية على 130 سلعة مستوردة

رفعت السلطات السودانية رسوم الجمارك على 130 سلعة، من بينها البنزين والغازولين والقمح، وذلك لسد العجز المتوقع في موازنة العام الحالي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الموارد الذاتية للبلاد، وتخلو من أي دعم ومنح خارجية. ويتوقع أن تؤدي هذه الزيادات التي دخلت حيز التنفيذ الفوري إلى ارتفاع في أسعار كثير من السلع المستوردة من الخارج والمنتجة محلياً، في ظل الركود التضخمي الذي تعانيه البلاد.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

دعا سفراء دول عربية في الخرطوم إلى تعميق العلاقات العربية – الصينية باعتبارها قوى مهمة في الاقتصاد العالمي، ومشددين على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الدول العربية والصين، وأهمية دفعها إلى أعلى مستوى من التعاون الشامل واسع النطاق. واستضافت الخرطوم أمس منتدى تحت عنوان «القمة العربية الصينية التحديات الراهنة وآفاق المستقبل» وذلك قبيل يوم انطلاق 3 قمم في الرياض وهي سعودية - صينية - وخليجية - صينية وعربية صينية بمشاركة 30 من قادة الدول والمنظمات الدولية. وقال السفير المغربي لدى السودان، محمد ماء العينين، إن الدول العربية تنظر إلى الصين كقطب اقتصادي جاذب وفاعل، متوقعاً حدوث نقلة نوعية في العلا

محمد أمين ياسين (الخرطوم)

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات التي اندلعت في صيف 2024. كما لوحظ غياب حدّة التصريحات من الجانبين، لتحلّ محلها لغة التهدئة، واستحضار القواسم المشتركة، ما يوحي بأن التطبيع بات وشيكاً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى قرب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر؛ حيث كشفت تقارير متطابقة نقلتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية نصف الشهرية، في آخر عدد لها، عن «عدم ممانعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عودة الدبلوماسي الفرنسي لممارسة مهامه بالعاصمة الجزائرية.

وقد برز هذا الملف بوضوح خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير (شباط) الماضي؛ إذ أكد الرئيس تبون خلال محادثات جمعته بالوزير الفرنسي أن السفير روماتيه يمكنه استئناف عمله، حسب التقارير نفسها.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وفُسر «ترحيب» تبون المفترض بعودة روماتيه بأنه خطوة ملموسة نحو التهدئة، تهدف إلى كسر جمود التوتر الذي طبع علاقات البلدين منذ أن أعلن الإليزيه في يوليو (تموز) 2024، دعمه الصريح لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء تحت السيادة المغربية. وعلى أثرها سحبت الجزائر سفيرها من باريس، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

سفير في قلب العاصفة

غاب ستيفان روماتيه عن منصبه منذ أبريل (نيسان) 2025، حين قرر الرئيس إيمانويل ماكرون استدعاءه إلى باريس في ذروة أزمة دبلوماسية حادة، جاءت إثر سلسلة من الأحداث المعقدة، كان أبرزها «قضية خطف اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص»، وقرار الجزائر ترحيل 12 دبلوماسياً فرنسياً، إثر اتهام موظف قنصلي جزائري بباريس بالوقوف وراء عملية الاختطاف، التي لم تُحقق هدفها في النهاية وهو تصفيته، أو على الأقل ترحيله سراً إلى الجزائر.

وزير الداخلية الفرنسي مع عميد مسجد باريس ورئيسة بلدية باريس (مسجد باريس)

وردّت باريس على طرد دبلوماسييها بإجراء مماثل، شمل استدعاء سفيرها وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. كما زاد تقرير بثته قناة «فرانس 2» من حدّة الخلافات، بعد أن أثار محتواه غضب السلطات الجزائرية التي عدّته مسيئاً.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً حاداً في الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني)، بعدما أعلنت «القناة الدولية الجزائرية» الحكومية أن السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أصبح «غير مرحب به» في الجزائر، رداً على مشاركته في وثائقي بثه التلفزيون العمومي «فرانس 2»، عدّته السلطات الجزائرية «اعتداءً على مؤسسات الدولة، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وزير الداخلية الفرنسي خلال إلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني السنوي بمسجد باريس الكبير (المسجد)

وتناول التحقيق ما وصفه بـ«حرب خفية» بين البلدين، تقوم على صراع الروايات وتبادل الاتهامات. كما ظهر فيه المعارض أمير بوخرص مهاجماً الرئيس تبون؛ حيث اتهمه بإعطاء الضوء الأخضر لمحاولة خطفه عام 2024 قرب باريس، وهي قضية تقول التحقيقات الفرنسية إنها تورط فيها 8 جزائريين بينهم دبلوماسيان.

وظهر السفير ستيفان روماتيه في التقرير، معتبراً أن البلدين قادران على تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر عدّت مشاركته «خطأ جسيماً»، ورأت فيها مؤشراً على دعم من الحكومة الفرنسية لمضمونه.

بوادر الانفراج

وشكّلت زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي نقطة تحول محورية؛ حيث ناقش الوزير الفرنسي مع مسؤولين جزائريين ملفات أمنية وسياسية حساسة، كان من بينها الوضع القانوني والبروتوكولي للسفير.

ويُنظر اليوم إلى «الضوء الأخضر»، الذي منحه الرئيس تبون لعودة روماتيه، بوصفه بادرة حسن نية لترميم جسور الثقة، وفق التقارير نفسها التي استندت إليها «جون أفريك». وفي تقدير متتبعي تطورات الأزمة، ستضع عودة روماتيه، في حال تأكدت، حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار الدبلوماسي المستقر، وتنهي واحدة من أصعب فترات الفتور بين باريس والجزائر.

وسبق هذا المؤشر الإيجابي، مبادرة لافتة على تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، تمثلت في موافقة فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين جدد، معلنة بذلك عن طي «أزمة تبادل طرد الدبلوماسيين». وتم ذلك في سياق نتائج زيارة نونيز.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعاد لوران نونيز، الخميس الماضي، إلى العلاقات مع الجزائر بمناسبة حضوره الإفطار السنوي الرمضاني، الذي ينظمه «مسجد باريس الكبير» المموَل جزائرياً، مشيداً في كلمة قرأها، بأهمية الحوار بين باريس والجزائر، منتقداً في الوقت نفسه مواقف سلفه برونو روتايو، الذي تصدّر الأزمة لمدة عام تقريباً، وبعض القوى اليمينية التي تدعو إلى التصعيد مع الجزائر.

وشدد نونيز في خطابه، الذي نشره «مسجد باريس» بموقعه، على أن «الحوار (مع الجزائر) يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتجاوز الخلافات»، مشيراً إلى أن زيارته للجزائر ولقاءه رئيسها، أسهم في إعادة إطلاق التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والهجرة بعد نحو 18 شهراً من الجمود.

وتطرّق نونيز أيضاً إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، مشيراً إلى إحصاء 326 اعتداءً معادياً للمسلمين خلال عام 2025، وذلك بزيادة بلغت نحو 90 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. ومن بين الحوادث التي أثارت صدمة واسعة، أشار إلى مقتل الشاب المالي أبو بكر سيسي داخل مسجد في منطقة غارد بجنوب غربي فرنسا في أبريل 2025، ومقتل التونسي هشام مراوي في منطقة فار بالجنوب الشرقي نهاية مايو (أيار) من العام نفسه، واصفاً مرتكبي هذه الجرائم بأنهم «أعداء للجمهورية».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر (رويترز)

وفي ملف الحجاب، جدّد نونيز رفضه المقترح، الذي تدعمه بعض أحزاب اليمين بمنع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، قائلاً: «لن أكون الشخص الذي يذهب ليقول للأطفال إن ارتداء الحجاب يُهدد العيش المشترك الجمهوري»، عاداً أن مثل هذه الإجراءات «قد تصرف الانتباه عن التحدي الحقيقي المتمثل في مواجهة التطرف الديني».


محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
TT

محكمة تونسية تأمر بسجن المعارِضة عبير موسي 10 سنوات

صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)
صورة أرشيفية لعبير موسي خلال اجتماع حزبي (موقع الحزب)

أصدرت محكمة استئناف تونسية في وقت متأخر من ليلة الجمعة، حكماً بسجن رئيسة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي، 10 سنوات، بعد جلسة محاكمة استمرت ساعات عدة، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الألمانية».

وأودعت عبير موسي -وهي محامية وسياسية معارضة للرئيس قيس سعيد- السجن منذ 23 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتعود القضية إلى عام 2023 عندما تقدمت عبير موسي بتظلُّم ضد مراسيم أصدرها الرئيس سعيد قبل الانتخابات الرئاسية، عند مكتب الضبط بالقصر الرئاسي، قبل أن تعتقلها قوات الأمن وتودعها السجن بتهمة «الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وإثارة الهرج». كما تواجه رئيسة الحزب تهمتَي تعطيل حرية العمل، واستخدام معطيات شخصية دون إذن صاحبها.

ونفت هيئة الدفاع وجود جرائم مرتكبة، وأعلنت أنها ستلجأ إلى الطور التعقيبي. وقال عضو الهيئة والقيادي بالحزب، كريم كريفة، إن «هيئة الدفاع ترافع في لا جريمة». وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكمها الأول بالسجن 12 عاماً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قبل أن تطعن فيه هيئة الدفاع.

وصدرت الأحكام في جلسة الجمعة، وسط اعتراضات عدد كبير من المحامين وقياديي الحزب الذين تجمعوا خارج المحكمة حتى وقت متأخر في الليل.

ويقبع في السجن عشرات من السياسيين المعارضين، ونشطاء، ورجال أعمال، بتهمة التآمر على أمن الدولة، وهي تهم تعتبرها المعارضة «ملفقة وسياسية»، كما تتهم السلطة التي يقودها الرئيس سعيد بترسيخ نظام حكم فردي.

ويتهم الرئيس سعيد الذي فاز بولاية ثانية من 5 سنوات في 2024، خصومه، بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، وإشاعة الفوضى.


مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)
وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)

تعزز مصر «أمن الطاقة» عبر تنويع مصادر توفير احتياجاتها المحلية تزامناً مع تصاعد الحرب الإيرانية. وتحدثت الحكومة عن جهود لتحفيز الاستثمار وزيادة الاكتشافات الجديدة «بما يسهم في خفض فاتورة استيراد الغاز، وبخاصة في ظل التحديات الراهنة».

وقال وزير البترول المصري، كريم بدوي، الجمعة، إن وزارته تعمل على تطبيق نماذج اقتصادية مرنة لتسويق المناطق البترولية والغازية المطروحة للاستثمار، بما يعزز جاذبيتها لشركات البحث والاستكشاف العالمية.

وأوضح خلال الجمعية العامة لـ«الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية» (إيجاس)، أن «الشركة تؤدي دوراً محورياً في تأمين واستدامة إمدادات الغاز الطبيعي لكل قطاعات الدولة، وفي مقدمتها محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والمنازل»، مؤكداً «أهمية الاستعداد المبكر لفصل الصيف من خلال الإسراع بربط الآبار الجديدة على خريطة الإنتاج، إلى جانب تكثيف أعمال صيانة الآبار».

أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، يرى أن «التحركات المصرية تأتي لتأمين الطاقة في ظل الحرب بالمنطقة». ويضيف أن قطاع البترول من وقت لآخر يعمل تنشيطاً لكل الشركاء الأجانب؛ لكن يمكن التوقيت الآن مهم جداً، وبخاصة أن هناك كثيراً من المشروعات يتم إنجازها تحت مظلة الشركة القابضة للغازات (إيجاس)».

ويتابع: «مشروعات معظمها غاز طبيعي في البحر المتوسط، سواء (شل) التي تنفذ مشروعها (غرب مينا)، و(إيني) الإيطالية التي تعمل على زيادة حفر آبار حقل (ظُهر)، وهناك عمليات بحث واستكشاف تقوم بها (إيني) من خلال استخدام الحفار (القاهر 1)، فضلاً عن عمليات بحث وتنقيب في الصحراء الغربية لشركة (أباتشي)».

ويضيف القليوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من هذه الاستكشافات يحارب الوقت لزيادة عملية الاكتشاف، وفي الوقت نفسه، تنمية الآبار لربطها بالشبكة من أجل تقليل فاتورة الاستيراد». ويشير إلى أن «قطاع البترول مستمر في دعم قطاع الكهرباء وقطاعات الصناعات، وما تحتاجه مصر من الغاز الطبيعي، وهناك تعاقدات مع شركة (غازبروم) الروسية، وأخرى نيجيرية، وكذا تعاقدات مع أستراليا».

السيسي شدد خلال اجتماع حكومي الأربعاء على ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية (الرئاسة المصرية)

وأكد وزير البترول المصري، الجمعة، «أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بسداد المتبقي من مستحقات شركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز، تمثل رسالة ثقة قوية للمستثمرين في هذا القطاع».

وشدد السيسي خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، على «ضرورة الحفاظ على انتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية للتحفيز نحو زيادة الاستكشافات والإنتاج»، وأكد حينها «ضرورة وضع آلية لتطوير أعمال البحث والاستكشاف والتنمية بما يُسهم في تلبية الاحتياجات المحلية وتقليل الاستيراد».

كما دعا الرئيس المصري في اجتماع آخر مطلع مارس (آذار) الحالي، إلى تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل «سفن التغييز».

وبحسب القليوبي، فإن «قطاع البترول ما زال مستمراً في التعاقد مع سفن التغييز الثلاث»، قائلاً: «واحدة منها تجري صيانة حالياً»، ويوضح أن «مصر بصدد أن تكون منظومة سفن التغييز جاهزة في أي وقت يحتاجه قطاع البترول، وبخاصة أن مستويات العجز لدى القطاع خلال عام 2026، بلغت نحو 1.8 مليار قدم مكعب».

الوزير بدوي، أشار الجمعة، إلى أن «الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وتداعياتها على إمدادات الطاقة أكدت أهمية منظومة سفن التغييز، بوصف ذلك حلاً استراتيجياً عاجلاً لتأمين احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي المسال المستورد، بما يدعم استقرار الإمدادات وتلبية احتياجات مختلف القطاعات، خصوصاً في أوقات الأزمات».

وقال أستاذ هندسة البترول والطاقة إن «مصر تستورد 1.8 مليون طن منتجات بترولية، وسفن الوقود عندها القدرة على التغييز لمستويات تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب غاز يومياً، وبالتالي هي تكفي وتوفي الغرض».

«سفينة تغيير» بميناء الإسكندرية في أغسطس (آب) الماضي (وزارة البترول المصرية)

رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، كان قد تحدث في تصريحات الشهر الحالي، عن أن «الحكومة عملت منذ شهور على وضع خطط استباقية لتأمين ملف الطاقة وعدم الاكتفاء بسياسة ردّ الفعل، واتخذت إجراءات مهمة لتوفير كل الإمدادات المطلوبة من الغاز والبترول لضمان انتظام الكهرباء والصناعة، حتى في ظل الأزمات العالمية».

في سياق ذلك، استعرض العضو المنتدب التنفيذي لشركة «إيجاس»، سيد سليم، خلال الاجتماع مع وزير البترول، الجمعة، ملامح خطة 2026 - 2027، وتتضمن طرح مزايدة جديدة للبحث عن الغاز خلال عام 2026 في عدد من قطاعات غرب البحر المتوسط، إلى جانب حفر 17 بئراً استكشافية خلال العام المالي المقبل، والبدء في تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع المسح السيزمي بشرق المتوسط خلال النصف الثاني من العام.

في المقابل، يرى أستاذ هندسة البترول، خبير أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، أن «الواقع يشير إلى أنه لم يتم الإعلان عن اكتشافات مؤثرة تزيد الاحتياطي الاستراتيجي المصري منذ عام 2015 عندما تم الإعلان عن اكتشاف حقل (ظُهر)»، متمنياً «تحقيق اكتشافات مؤثرة تزيد الاحتياطي الاستراتيجي المصري».

لكنه تحدث عن «جهود الحكومة المصرية عندما تغلبت على أزمة توقف إسرائيل عن إمدادات مصر بالغاز الطبيعي العام الماضي، حيث تستورد مصر نحو مليار و100 مليون قدم مكعب يومياً من إسرائيل».

سفينة الحفر «STENA ICEMAX» عقب وصولها إلى مصر لبدء تنفيذ برنامج «شل» لحفر 4 آبار جديدة للغاز (أرشيفية - وزارة البترول)

ويضيف أبو العلا لـ«الشرق الأوسط»: «استطاعت مصر التغلب على توقف الغاز الإسرائيلي حينها، ووضعت خطة لاستيراد كميات محددة من الغاز المسال والاستعانة بـ4 سفن تغييز، طاقة كل واحدة منها 750 مليون قدم مكعب، بمعنى أنها تفوق الكميات التي يتم استيرادها من إسرائيل».

ويشير إلى أن «الجانب السلبي في هذا الأمر، أن أسعار الغاز عن طريق الأنابيب نحو 7 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية، أما الغاز الذي يتم استيراده عن طريق السفن وناقلات الغاز ويتم تغييزه في مصر، يُكلف نحو 11 دولاراً للمليون وحدة حرارية بريطانية».

وأعلن مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء، البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين.