هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

تحركات أميركية متسارعة بعد صدور نتائج «الحوار المهيكل»

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر
شمال افريقيا الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)

واشنطن والبعثة الأممية تعترفان بانتخاب رئيس «النواب» الليبي... والمنفي يرفض

في وقت تكرّس فيه واشنطن والبعثة الأممية الشرعية للرئاسة الجديدة للبرلمان الليبي يعمّق رفض محمد المنفي ودعوته الموازية شقاق الانقسام السياسي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (مجلس النواب)

انفتاح رئيس «النواب» الجديد على «الأعلى للدولة» يختبر المسار السياسي في ليبيا

يفتح انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي الباب أمام اختبار جديد للعلاقة مع المجلس الأعلى للدولة، وسط دعوات لاستئناف الحوار بين المؤسستين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا برفع رواتب موظفي الدولة حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي.

علاء حموده (القاهرة)

السودان: مناوي يلوّح بورقة التمرد إذا «استمرت الدولة في دعم الميليشيات»

أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

السودان: مناوي يلوّح بورقة التمرد إذا «استمرت الدولة في دعم الميليشيات»

أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)

لوّح حاكم إقليم دارفور، (غرب السودان)، مني أركو مناوي، بالتمرد المسلح مجدداً، احتجاجاً على ما سماه «استمرار الدولة في إنشاء المزيد من الميليشيات» في البلاد... وأثارت تصريحاته الكثير من الجدل والتكهنات حول دلالتها السياسية والعسكرية، في وقت تقاتل قواته إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وفي لقاء جماهيري، الأربعاء، في العاصمة السودانية الخرطوم، قال مناوي: «لا نريد دولة تدعم الميليشيات، وسنتمرد على أي دولة تدعم ميليشيات الجنجويد أو أي ميليشيات تحت أي مسمى»، مكرراً عبارة: «تحت أي اسم» أكثر من مرة.

جنود بمطار الخرطوم الدولي خلال استقبال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بعد مشاركته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

واسترسل قائلاً: «لن نقبل بدولة تأتي بأي جنجويدي أو ميليشياوي وتدعمه من أموال دافع الضرائب السوداني... أو من دمنا ودم أطفالنا».

لكن في المقابل، أكد، حاكم دارفور، مناوي، أن «القوة المشتركة» والقوات المسلحة السودانية «يعملان جنباً إلى جنب على الأرض وفوق الجو لتحرير» آخر منطقة تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»؛ في إشارة إلى إقليم دارفور، التي تسيطر عليه الأخيرة بالكامل.

ويرأس «مناوي» حركة «جيش تحرير السودان»، أكبر الفصائل المسلحة المكونة لـ«القوة المشتركة» في إقليم دارفور، التي انحازت للقتال في صفوف الجيش ضد «قوات الدعم السريع». إلى جانب «حركة العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

ولم تمض إلا ساعات على حديثه، حتى استدرك مناوي في منشور على منصة «إكس»، بالقول، إن خطابه الذي رفض فيه «أي ميليشيا تم تحريفه من قبل إعلامي الجنجويد»؛ في إشارة إلى منتسبي «قوات الدعم السريع». وأضاف: «نعم أرفض الميليشيات مستفيداً من تجربتكم... ومهما حرفتهم أو حرضتم، لا ميليشيا سواكم حتى الآن، كنتم الميليشيا الأولى ويجب أن تكون الأخيرة».

ورأى البعض، أن تصريحات مناوي التي وصفت بأنها أقرب إلى لغة التهديد، تعبر عن مخاوفه من تحالف عسكري جديد قيد التأسيس، تحت اسم «درع الغرب» يضم عدداً من القادة الميدانيين الذين انشقوا من «قوات الدعم السريع»، وانضموا إلى الجيش السوداني، وغالبيتهم ينحدرون من المجموعات العربية بدارفور.

من جهة ثانية، أثار حديث مناوي، بصفته حليفاً رئيسياً للجيش في حربه ضد «الدعم السريع»، موجة شديدة من العداء والغضب وسط أنصار الحكومة التي وجهت إعلامها في منصات التواصل الاجتماعي للهجوم عليه. وأشار البعض منهم، إلى أن تصريحاته «رسالة تهديد صريحة ومباشرة إلى الجيش»، باعتباره يقف وراء احتواء الفصائل المنشقة من «الدعم السريع» للاستقواء بها، تحسباً من أي مواجهات عسكرية داخل معسكر المجموعات المسلحة المتحالفة معه.

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي خلال زيارته مخيم نازحين بشمال السودان في 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقالت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش أو «قوات الدعم السريع»، يغلب عليها التكوين «القبلي والجهوي» بلا استثناء، وإن زعمت غير ذلك. وأضافت أن «وجود هذا العدد الكبير من الميليشيات خارج نطاق سلطة الدولة والجيش يُشكل مصدر قلق حقيقياً لمستقبل السودان». وأشارت إلى أن تعدد الميليشيات وتكاثرها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، يثير الكثير من المخاوف بين السودانيين من اندلاع حروب ونزاعات مسلحة جديدة في مناطق مختلفة من البلاد.

ويأتي الهجوم الكثيف على حاكم إقليم دارفور، عطفاً على واقعة سابقة، عقب تمرده الثاني أبان توليه منصب كبير مساعدي مساعد الرئيس المعزول، عمر البشير، في عام 2013.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

ودافع أنصار الرجل عنه، باعتبار أن حديثه «يتسق تماماً» مع موقف رئيس «مجلس السيادة»، عبد الفتاح البرهان، بدمج كل المجموعات العسكرية في الجيش.

وتُعد «القوة المشتركة» التي تضم إلى جانب حركة مناوي، «حركة العدل والمساواة» بقيادة وزير المالية، جبريل إبراهيم، و«قوات التحالف السوداني» من الفصائل الفاعلة في الميدان العسكري ضد «الدعم السريع»، وتشارك قواتها حالياً في كل العمليات الحربية التي تدور في إقليمي كردفان ودارفور.


السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف إنشاء ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها، وذلك وسط توتر متصاعد مع إثيوبيا التي تسعى إلى الوصول إلى منفذ بحري وتعده «أولوية وطنية قصوى».

وجاءت التأكيدات المصرية المتجددة بشأن قضية «المنفذ البحري»، خلال مؤتمر صحافي عقده السيسي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، الخميس، في سيول.

وأشار الرئيس المصري إلى أن مسؤولية أمن البحر الأحمر وحوكمة شؤونه «تقع على عاتق الدول المشاطئة»، رافضاً «أي محاولات للهيمنة أو الوجود الخارجي خارج الأطر الشرعية للتعاون الإقليمي».

وتحدث السيسي أيضاً عن أهمية مياه النيل بصفتها مسألة وجودية للشعب المصري، وأعلن في الوقت ذاته دعم مصر الكامل للتنمية في دول حوض النيل، مع رفضها القاطع لأي إجراءات أحادية تنتهك مبدأ عدم الإضرار وقواعد القانون الدولي ذات الصلة، أو تمس حقوقها المائية التاريخية.

حوكمة البحر الأحمر

ويتسع التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر خلافات حادة في ملف المياه والمنافذ البحرية، وترفض القاهرة إقامة أديس أبابا أي سدود جديدة على النيل، ولوّحت «بحق الدفاع الشرعي» عن حقوقها المائية، كما ترفض حصول إثيوبيا على أي منفذ على البحر الأحمر، على أساس أن هذا ليس حقاً قانونياً لها.

وأكدت «القمة الرباعية التشاورية»، التي انعقدت بمدينة العلمين المصرية الأحد الماضي، وشارك فيها زعماء مصر والصومال وإريتريا ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة». كما شددت الدول الأربع على مبدأ حرية الملاحة.

قمة رباعية في العلمين بمصر تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)

وإثيوبيا دولة حبيسة محاطة بالبر من جميع الجهات منذ انفصال إريتريا عنها عام 1993.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، الخميس، تصريحات على لسان الرئيس السابق لمجلس نواب الشعب الإثيوبي، أبادولا جيميدا، أكد فيها أن «أي جهة لا يمكنها منع إثيوبيا من تأمين منفذ بحري»، عادّاً أن «إثيوبيا حُرمت من الوصول إلى البحر بموجب قرارات لم تخضع لنقاش وطني كافٍ أو مداولات ضمن إطار قانوني رسمي».

وزعم أن «خصوم إثيوبيا التاريخيين سعوا طويلاً إلى منع البلاد من تأمين منفذ بحري، بما في ذلك من خلال دعم قوى تعمل من داخل إثيوبيا نفسها»، وأعاد الاتهامات التي وجهتها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد لمصر بدعم جبهات حركات إثيوبية معارضة.

مبادئ القانون الدولي

وقال سفير مصر الأسبق لدى السودان، السفير حسام عيسى، إن تصريحات الرئيس السيسي في سيول بمثابة تأكيد على المبادئ المصرية بشأن تأمين البحر الأحمر والحفاظ على سيادة واستقرار الدول في منطقة القرن الأفريقي.

وأضاف: «ما تعانيه تلك المنطقة من نزاعات لا يتحمل مساعي إثيوبيا نحو تصدير أزماتها الخارجية لخلق صراع جديد لن يقود في النهاية لتحقيق نتائج إيجابية لأديس أبابا».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ادعاء دولة حبيسة بأن لها الحق في الوصول إلى البحر أمر مخالف للقانون الدولي الذي يمنع أي قوى غير ساحلية من اقتطاع أراضٍ أو فرض ممرات بالقوة أو النفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة وسلامة أراضي الدول المطلة عليه.

واتهم عيسى إثيوبيا بعدم الاكتراث بمبادئ القانون الدولي، وأن لديها نوايا توسعية، وأنها «تعمل على مصادرة حقوق جيرانها كما الحال في قضية النيل».

من جهته، قال الباحث في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد فؤاد رشوان، لـ«الشرق الأوسط» إن موقف مصر ثابت لم يتغير بشأن «المنفذ البحري» أو قضية «مياه النيل»، لافتاً إلى أنها تُصّر على مبادئ القانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية والبحار، وكذلك مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة، وهي أسس قام عليها الاتحاد الأفريقي.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء افتتاحه سد النهضة (الخارجية الإثيوبية)

وسبق أن نفى مصدر مصري مسؤول نفياً قاطعاً تقارير متداولة حول استعداد مصر منح إثيوبيا نفاذاً بحرياً إلى البحر الأحمر مقابل مرونة إثيوبية في موقفها بشأن «سد النهضة»، حسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء المصرية الرسمية في فبراير (شباط) الماضي.

شبح حرب إقليمية

وبالتزامن مع الحديث عن انتشار قوات إريترية حول مدينة أديغرات في شمال إقليم تيغراي - وهي منطقة قريبة من إريتريا - اتهم وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى صياغة رواية تقوم على «الدفاع عن النفس لتبرير حرب محتملة ضد إريتريا، بهدف الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر».

ويرى السفير عيسى أن وجود صراع في القرن الأفريقي «لن يؤثر على المنطقة فقط، ولكن ستظهر تأثيراته بوضوح على الملاحة الدولية في منطقة مهمة للاقتصاد العالمي»، مشيراً إلى أن جيران إثيوبيا (مصر والسودان وإريتريا والصومال) وجهوا إليها رسائل مهمة عبر «القمة التشاورية الأخيرة» بضرورة تغيير سياساتها الحالية.

ويعتقد عيسى أن «الحرب تمددت بالفعل إلى خارج الأراضي الإثيوبية مع التمسك بالوصول إلى موانئ وأراضي دول أخرى دون توافق معها»، وقال إن أديس أبابا تسعى إلى فرض شيء دون رضا الدول المجاورة.

أما رشوان، فتوقع أنه «في حال استمرار السياسة الإثيوبية القائمة على خلق عداءات خارجية وإلقاء اتهامات مختلفة لدول الجوار بدعم الصراعات الداخلية، فإن ذلك قد يقود إلى حرب إقليمية أوسع، خصوصاً أن إريتريا لديها مخاوف من أن تفقد مجدداً سيطرتها على ميناء عصب».


احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
TT

احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)

قد يستيقظ الجزائريون صباح اليوم الأول من عام 2027 على زيادة في أسعار الوقود، على غرار ما حدث في 1 يناير (كانون الثاني) الماضي. لكن الفارق هذه المرة هو أن الحكومة لم تعلن حينها مسبقاً عن أي تعديل في أسعار المحروقات، في حين أنها مهّدت هذه المرة لاحتمال الزيادة، مبررة ذلك بارتفاع تكاليف الإنتاج.

مخاوف من تغير أسعار مشتقات النفط مطلع 2027 (الشرق الأوسط)

تضمّن مشروع قانون المالية لعام 2027، الذي أرسلته الحكومة، الأربعاء، إلى المجلس الشعبي الوطني للاطلاع عليه؛ تمهيداً لمناقشته والمصادقة عليه، مادة قد لا تلقى ترحيباً لدى عامة الجزائريين، ولا سيما محدودي الدخل، في حال تفعيلها.

ويتعلق الأمر بالمادة 218، التي تمنح الحكومة إمكانية مراجعة أسعار الوقود خلال عام 2027، من دون تحديد حجم الزيادات المحتملة؛ ما يضفي على النص طابعاً «غير شعبي» بمفهوم التداول الإعلامي للقرارات الحكومية، التي ترهق كاهل الأسر.

وورد في النص، أنه «يمكن، عند الاقتضاء، مراجعة أسعار الوقود من طرف الجهات المعنية». وفي عرض الأسباب، ذكرت الحكومة أن الدولة «تتبنى واحدة من أكثر سياسات تسعير الوقود استقراراً وفاعلية على مستوى العالم؛ بهدف دعم نموذج الطاقة الوطني بشكل مستدام. ولتحقيق هذه الغاية، تتكفل الخزينة العمومية بتغطية جزء كبير من التكاليف الفعلية؛ ما يسهم في سد الفجوة بين تكاليف الإنتاج وسعر الوقود في محطات التعبئة، بما يحمي القدرة الشرائية للأسر، ويعزز القدرة التنافسية للجهات الاقتصادية الفاعلة».

* فاتورة مكلفة

يبرز النص، أنه «نظراً إلى الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج، قد يصبح تعديل أسعار الوقود ضرورة تقنية واقتصادية ملحة». موضحاً أن التعديل المحتمل للأسعار «يعدّ أساسياً لضمان الاستقرار المالي لقطاعي التكرير والتوزيع، وتجنب أي مخاطر لانقطاع الإمدادات، وضمان استمرار توفر المنتجات البترولية في جميع أنحاء البلاد، دون المس بالدعم الحكومي».

جانب من تفاعل الصحافة المحلية مع التدابير المعلنة في مجلس الوزراء بخصوص قانون المالية 2027

ووفق المادة نفسها، «يمكّن هذا الإجراء الجهات المعنية من تنفيذ تعديلات سعرية موجهة ومنظمة»، موضحة أنها «مرونة تنظيمية تحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية للشركات الصناعية والحفاظ على التماسك الاجتماعي».

وحالياً، تعرض محطات الوقود البنزين بسعر 47 ديناراً للتر ( 0.35 دولار). والمازوت (الديزل) بـ31 ديناراً للتر (0.23 دولار للتر). ومعروف أن الدولة تتحمل جزءاً من الفارق بين تكاليف الإنتاج الحقيقية، والأسعار المطبقة عند المضخة. ويسمح هذا الدعم بالحفاظ على أسعار الوقود عند مستويات أدنى من تكلفتها الاقتصادية، وتخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر والشركات.

لكن وفقاً للحكومة، فقد يتطلب ارتفاع تكاليف الإنتاج تعديلات في الأسعار من أجل الحفاظ على الاستمرارية المالية لشركات التكرير والتوزيع، وضمان استمرار تزويد السوق الوطنية.

واللافت، أن مراجعة الأسعار المحتملة للوقود، لا تزال تفتقر إلى التفاصيل، خصوصاً ما يتعلق بحجم الزيادة، وهو الجانب الذي يشغل الرأي العام في البلاد بالدرجة الأولى، لا سيما أن أي رفع لأسعار الوقود من شأنه أن ينعكس على أسعار معظم السلع والخدمات، وعلى وجه الخصوص تكاليف نقل المسافرين والبضائع.

ترقب إحالة مشروع قانون المالية 2027 على المناقشة العامة في البرلمان (البرلمان)

ويشكل دعم الوقود أحد العناصر المهمة لتدخل الدولة في الاقتصاد. ومع ذلك، فإن مشروع قانون المالية لا يحدد حجم الوفرة المالية، الذي قد ينتج من مراجعة الأسعار.

وفوجئ الجزائريون مع بداية عام 2026 بزيادة في أسعار الوقود دخلت حيز التنفيذ في فاتح يناير، في وقت شهد فيه قطاع النقل تحركاً احتجاجياً للناقلين شمل نقل المسافرين والبضائع، وأدى الإضراب إلى اضطرابات في حركة النقل والإمدادات، قبل أن تبدأ السلطات مفاوضات مع ممثلي القطاع لمعالجة مطالبهم.

* إصلاح ضريبة الثروة

يظهر من خلال مشروع قانون المالية 2027 توجه البلاد نحو تسجيل مستوى جديد من الاختلال في ماليتها العامة، مع توقع ارتفاع عجز الميزانية إلى 63.3 مليار دولار خلال عام 2027، مقابل نحو 40 مليار دولار متوقعة للسنة المالية 2026.

وتعكس الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية حجم الفارق بين موارد الدولة ونفقاتها؛ إذ تُقدّر النفقات بنحو 132 مليار دولار، مقابل إيرادات لا يتوقع أن تتجاوز 68.7 مليار دولار. ويُقدّر الفارق بين النفقات والإيرادات بنحو 63.3 مليار دولار؛ وهو ما يمثل حجم العجز المتوقع في الميزانية.

ويعكس هذا المستوى من العجز استمرار سياسة مالية توسعية، في وقت تواصل فيه الدولة تخصيص موارد كبيرة لتمويل البرامج الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، ومواصلة تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، إلى جانب مرافقة المشاريع التي تُصنّف ضمن القطاعات الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد.

كما تسعى الحكومة إلى إصلاح ضريبة الثروة، التي لم تتجاوز إيراداتها بين 2022 و2025 نحو 149 ألفاً إلى 186 ألف دولار سنوياً، مقارنة بإيرادات ميزانياتية متوقعة تبلغ 68.7 مليار دولار في 2027.

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة في يناير الماضي بسبب زيادة مفاجئة في أسعار الوقود (نقابات قطاع النقل)

ويقترح مشروع قانون المالية خفض عتبة الخضوع للضريبة من نحو 743 ألف دولار إلى 594 ألف دولار، مع اعتماد معدلات تصاعدية بين 0.2 و1 في المائة، وتشديد العقوبات على التأخر أو عدم التصريح. كما يُبقي بعض الإعفاءات، أبرزها السكن الرئيسي ضمن حدود معينة.

وتهدف هذه الإجراءات إلى توسيع قاعدة الخاضعين للضريبة، وتحسين التحصيل، من دون أن يقدم المشروع تقديراً للإيرادات الإضافية المتوقعة، أو تفسيراً واضحاً لضعف المردود الحالي.