ماذا وراء منع اليهود عن الأقصى؟

زوار يهود تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية في مجمع المسجد الأقصى الأحد الماضي (أ.ف.ب)
زوار يهود تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية في مجمع المسجد الأقصى الأحد الماضي (أ.ف.ب)
TT

ماذا وراء منع اليهود عن الأقصى؟

زوار يهود تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية في مجمع المسجد الأقصى الأحد الماضي (أ.ف.ب)
زوار يهود تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية في مجمع المسجد الأقصى الأحد الماضي (أ.ف.ب)

(تحليل إخباري)
قال كبار مسؤولي الشرطة الإسرائيلية إن تقييد اليهود من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، منع مزيداً من الاشتباكات في الموقع المقدس، والتي كانت من الممكن أن تؤدي إلى تصعيد أوسع ومواجهات محتملة في المدن المختلطة في إسرائيل، فيما صرح قيادي في «حماس» بأن المقاومة الفلسطينية هي التي أجبرت إسرائيل على اتخاذ القرار.
وأكدت مصادر في الشرطة الإسرائيلية، بحسب القناة الـ12 الإسرائيلية، أن المعلومات الاستخباراتية أشارت إلى أن الاضطرابات في الأقصى كانت ستؤدي على الأرجح إلى أعمال عنف فيما يسمى بالمدن المختلطة التي تضم عدداً كبيراً من السكان اليهود والعرب.
وكانت هذه البلدات شهدت اشتباكات غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل بين العرب واليهود، اعتبرها المسؤولون الإسرائيليون آنذاك بمثابة «حرب أهلية»، وسط موجة القتال التي اندلعت عام 2021 بين إسرائيل وحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال شهر رمضان، وكانت شرارتها توترات في الأقصى والقدس آنذاك.
وفي حين تعتبر الشرطة أن ذلك هو السبب الرئيسي الذي دفع لمنع وصول اليهود إلى الأقصى، إلى جانب أسباب أخرى، قال القيادي في «حماس» صالح العاروري إن المقاومة الفلسطينية هي التي أجبرت إسرائيل على قرار منع اليهود اقتحام الأقصى.
وقال العاروري الذي تتهمه إسرائيل بالوقوف خلف خلايا «حماس» في لبنان، إن إطلاق الصواريخ الأسبوع الماضي من لبنان وغزة «أثبت أن للمسجد الأقصى رباً يحميه وشعباً يفديه».
وأضاف خلال لقاء «درع القدس/الضفة نحو عهد جديد» في بيروت، أن «المقاومة أوقفت اجتياح المستوطنين للأقصى في العشر الأواخر من رمضان، وأصبحت تشكل هاجساً كبيراً للعدو الصهيوني، ونحن نملك المقاومة التي ستوقف العدوان وستحرر المسجد الأقصى».
واعتبر العاروري أنه «لو مرت المشاهد الأخيرة من الاعتداءات بالأقصى دون رد، لسيطر الاحتلال على جزء منه». ورأى أن إسرائيل في خضم «أزمة غير مسبوقة»، نتيجة الخلافات حول خطط الحكومة لإصلاح النظام القضائي. وقال إنهم يعيشون «حالة من التنازع والانقسام لم يسبق لها مثيل، ويسيرون نحو التفكك الداخلي والزوال، بينما الظروف تتهيأ وتسير بشكل حثيث لصالح محور المقاومة»، على حد تعبيره.
وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، قد أعلن الثلاثاء، أنه سيتم منع اليهود من دخول الحرم القدسي اعتباراً من يوم الأربعاء وحتى نهاية رمضان في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، بعد سلسلة من المشاورات الأمنية حول هذه القضية.
ويتماشى القرار مع سياسة تتبعها إسرائيل منذ فترة طويلة تهدف إلى الحد من الاحتكاك خلال فترة الأعياد.
وجاء في البيان الصادر عن مكتب نتنياهو أن قرار إغلاق الحرم القدسي أمام اليهود تمت التوصية به بالإجماع من قبل وزير الدفاع يوآف غالانت، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي، ورئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» رونين بار، والمفوض العام للشرطة كوبي شبتاي.
توصيات قادة الأمن تستند إلى معلومات حول تصعيد أمني محتمل على جبهات متعددة إذا ما ظلت التوترات قائمة في الأقصى. وقال موقع «والا» الإخباري إن المخابرات العسكرية أخبرت القادة السياسيين مؤخراً، أن «اندلاع الحرب مرجح أكثر من استعادة الهدوء في الوقت الحالي».
وبحسب التقييمات الاستخباراتية، فإنه من المتوقع أن تستمر التوترات مع انتهاء شهر رمضان في وقت لاحق من هذا الشهر، وأنه يجب على إسرائيل الامتناع في الوقت الحالي عن الرد على أي هجمات صادرة عن حركة «حماس» أو «حزب الله» اللبناني، ووكلاء إيران في سوريا.
وقال التقرير أيضاً إن المخابرات العسكرية حذرت من أن الاحتكاكات المحيطة بالحرم القدسي توحد جبهات مختلفة، وتزيد من وقع التحريض ضد إسرائيل.
وأقر التقرير بأن الأقصى يلعب دوراً كبيراً في إذكاء نار التوترات على الصعيد الأمني، خصوصاً أن الفلسطينيين يتهمون إسرائيل بالعمل على تغيير الوضع القائم، وتقسيم المسجد زمانياً ومكانياً، وهو أمر يصر المستوى السياسي على أنه غير صحيح، وأنه لا نية لإسرائيل بالعبث به؛ لأن ذلك سيهدد علاقاتها المتنامية مع الدول العربية. وكان الأقصى قد عرف توترات غير مسبوقة مع بداية رمضان، مع اقتحام الشرطة للمسجد، قبل أن تغزو وسائل التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات توثق اعتداء أفراد الشرطة الإسرائيلية بالضرب المبرح على مصلين داخل المسجد، فيرد مسلحون بصواريخ من غزة ولبنان، ولاحقاً من سوريا، وهو تطور كاد يجر إلى حرب متعددة الجبهات.
لكن الاستخبارات الإسرائيلية أوصت بضرورة تأجيل أي رد غير معتاد آنذاك، لتهدئة التوتر الديني المتفجر الذي نشأ حول الأقصى وتجنب مثل هذه الحرب في هذا الوقت الحساس.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
TT

توقيف «عميل إسرائيلي» خطير سرّب معلومات أفضت لاغتيال قادة في «حزب الله»

مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)
مشيّعون يتجمعون خلال جنازة للقائد العسكري بـ«حزب الله» فؤاد شكر الذي قُتل في غارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت في شهر أغسطس 2024 (رويترز)

فتحت السلطات الأمنية والقضائية في لبنان ملفاً جديداً من ملفات التجسس لصالح إسرائيل، إثر توقيف شخص لبناني يُشتبه في ارتباطه بجهاز «الموساد» الإسرائيلي، وبنقله معلومات أمنية دقيقة عن قيادات وأهداف تابعة لـ«حزب الله».

ووضع القضاء العسكري يده على القضية، بعد أن استكملت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي تحقيقاتها الأولية. وقال مصدر قضائي لبناني مطلع على المعلومات، إن الموقوف «يُعد من أخطر العملاء بالنظر إلى قربه من مسؤولين في الحزب وقدرته، وفق التحقيقات الأولية، على الوصول إلى معلومات حساسة استخدمت في عمليات استهداف طالت قيادات بارزة».

جانب من مراسم تشييع جثمان القيادي بـ«حزب الله» إبراهيم عقيل الذي قتل في القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت في 22 سبتمبر 2024 (رويترز)

وكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الأجهزة الأمنية «ألقت القبض على الموقوف وهو من آل خليفة الأسبوع الماضي في مطار رفيق الحريري الدولي، بعد رصده مسبقاً ومراقبة أرقام هواتف تتبادل الاتصالات مع أرقام مشبوهة في الخارج، وتوفر معلومات دقيقة عن تعامله مع إسرائيل»، واصفاً إياه بأنه «عميل إسرائيلي من الطراز الرفيع ومن أصحاب الخطورة العالية».

وكان الموقوف يستعد لمغادرة لبنان متوجهاً إلى العراق عند توقيفه. وقال المصدر إن المشتبه به «يتنقل بين بيروت والعراق، إذ إنه متزوج من امرأة عراقية. وبحسب المعطيات الأولية للتحقيق، كان ينتقل من العراق إلى تركيا للقاء أشخاص مرتبطين بالموساد الإسرائيلي، حيث كان يسلّمهم معلومات جمعها في بيروت عن أهداف محددة».

وأضاف المصدر القضائي أن المعلومات التي نقلها الموقوف إلى الجانب الإسرائيلي «ساهمت في تحديد أهداف أدت إلى اغتيال مسؤولين في (حزب الله) خلال عام 2024 بينهم أربعة قادة أمنيين من الصف الأول»، يعتقد أن بينهم القياديين فؤاد شكر الذي اغتيل في شهر أغسطس (آب) عام 2024 وإبراهيم عقيل الذي اغتيل في سبتمبر 2024.

ويأتي توقيف هذا الشخص في سياق سلسلة توقيفات طالت العشرات من الأشخاص الذين شكلوا شبكات التجسس لمصلحة إسرائيل، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة التي شهدت عمليات أمنية واستخباراتية معقدة استهدفت قيادات ومنشآت تابعة لـ«حزب الله». وأشار المصدر إلى أن «خطورة الموقوف لا ترتبط فقط بطبيعة الاتهامات الموجهة إليه، بل أيضاً بموقعه وعلاقاته، إذ كان، بحسب التحقيقات، قريباً من عدد من قيادات الحزب، ما أتاح له الاطلاع على معلومات حساسة وتحركات داخلية»، مؤكداً أن الموقوف «خضع للتحقيقات الأولية، وأُحيل إلى المحكمة العسكرية للشروع في محاكمته، في ملف يُتوقع أن يخضع لمزيد من التدقيق؛ نظراً إلى حجم المعلومات التي يُعتقد أنه تمكن من جمعها والجهات التي يُشتبه في تواصله معها».

دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)

وتولي الأجهزة الأمنية اللبنانية أهمية خاصة لهذا النوع من الملفات، في ظل المخاوف من استغلال الاختراقات البشرية لجمع معلومات ميدانية تُستخدم في عمليات أمنية وعسكرية، خصوصاً أن التطور التقني في عمليات الرصد لا يلغي الدور الذي تلعبه المصادر البشرية في العمل الاستخباراتي.

وتوقع المصدر القضائي أن «تفضي التحقيقات القضائية التي سيخضع لها الموقوف إلى مزيد من التفاصيل حول طبيعة المهام التي كُلّف بها، ومدى ارتباطه بشبكات أخرى داخل لبنان أو خارجه».


الاتحاد الأوروبي يواصل المماطلة في حظر التبادل التجاري مع المستوطنات

مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يواصل المماطلة في حظر التبادل التجاري مع المستوطنات

مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)
مسيرة احتجاجية مؤيدة للفلسطينيين وللتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية سفن «أسطول الصمود العالمي» التي كانت تهدف إلى الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري الإسرائيلي في برشلونة أكتوبر 2025 (رويترز)

واصل الاتحاد الأوروبي مسلسل التسويف والمماطلة لعدم اتخاذ موقف حازم بشأن المبادلات التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، رغم المطالب المستمرة من السواد الأعظم من المواطنين الأوروبيين وغالبية الدول الأعضاء منذ أشهر.

أحدث حلقة في هذا المسلسل الذي يراه المناوئون الأوروبيون لإسرائيل مملاً، كان الاجتماع الصاخب الذي عقده مجلس وزراء خارجية الاتحاد يوم الاثنين، واستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، خرجت في نهايته مسؤولة السياسية الخارجية كايا كالاس لتقول إن «الخيار» الذي لقي الدعم الأوسع بين الدول الأعضاء كان الحظر الكامل للتبادل التجاري بين الاتحاد ومستعمرات الضفة الغربية، وإن الملف «ليس ناضجاً» بعد لاتخاذ قرار تنفيذي مستوٍ بشأنه.

فلسطينيون بينهم ملاك أراضٍ يفرُّون من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات إسرائيلية بينما كانوا يحتجون على مصادرة أملاكهم لصالح مستوطنة قرب بلدة دورا في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

كانت كالاس تدرك جيداً أنها بتصريحاتها تلك تواصل اللعب على حبال الكلام الدبلوماسي الذي أتقنه الأوروبيون في معالجة هذا الملف، ولكنها لم تتمكن في مؤتمرها الصحافي من إخفاء الاستياء الذي أبدته خلال مناقشات المجلس المغلقة، عندما انضمت إلى الدول الأعضاء التي أعربت عن امتعاضها الشديد من «مناورة» المفوضية، ورئيستها أورسولا فون دير لاين، التي تأخرت في إرسال الوثيقة التي تتضمن الخيارات الثلاثة المطروحة على المجلس حتى نهاية الأسبوع الماضي، وأرفقتها بإشارة إلى أن هذه الخيارات التي هي تجارية بطبيعتها، يمكن إدراجها أيضاً في خانة العقوبات السياسية، الأمر الذي يقتضي موافقة بالإجماع، وليس بأغلبية 55 في المائة من الدول الأعضاء التي تمثِّل 65 في المائة من سكان الاتحاد.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس مارس 2025 (أ.ف.ب)

ورغم أن الموقف الأوروبي الموحَّد هو أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليست شرعية، استناداً إلى أحكام القانون الدولي، وإلى قرار محكمة العدل الدولية، وأنها تشكِّل التهديد الأكبر حالياً لتفعيل حل الدولتين، فما زال وزراء خارجية الاتحاد عاجزين عن اتخاذ قرار بحظر التبادل التجاري مع هذه المستوطنات، وذلك بسبب الضغوط التي تمارسها دول وازنة مثل ألمانيا وإيطاليا.

غير أن الأغرب من ذلك هو أن «الخيار» الذي قالت كالاس إنه لقي التجاوب الأوسع بين البلدان الأعضاء، لم يُطرح حتى على التصويت الذي يشكِّل الخطوة الممهدة لرفعه إلى مرتبة الاقتراح، علماً بأنه يحظى بتأييد الأغلبية الكافية من أجل إقراره كتدبير تجاري.

وقد خرج المجلس بقرار يكلف السفراء المندوبين الدائمين «مواصلة العمل»، علماً بأن مجلس وزراء الخارجية لن يعود إلى الاجتماع قبل أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أي في خضمِّ حملة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وقد أعادت هذه المناورة طرح شروط إقرار التدابير التجارية للنقاش، بينما كانت أصابع الاتهام تشير إلى وقوف فون دير لاين وراءها.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (رويترز)

وسبق لعدد من كبار المسؤولين في المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء الضالعين في الشأن القانوني، أن أيدوا فكرة عدم الحاجة لقاعدة الإجماع للموافقة على التدابير التجارية؛ خصوصاً عندما تكون مطبَّقة أصلاً بشكل أحادي من بعض الدول الأعضاء.

وكان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق إنريكو ليتَّا قد شدد على أن القرار الصريح الصادر عن محكمة العدل الدولية حول عدم شرعية المستوطنات واستمرار الحكومة الإسرائيلية في توسعتها، يستدعيان موقفاً أوروبياً موحداً بشأنها، والتعامل معها بما يتَّسق مع المبادئ المؤسِّسة للاتحاد.

وفي تصريحات له قبيل بداية مناقشات المجلس، أعرب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس عن استيائه من «الفخ» الذي نصبته المفوضية، عندما طرحت فكرة الإجماع للموافقة على هذه التدابير، وقال: «يؤسفني ويقلقني أننا أمام مناورة تسويفية، نناقش ونناقش موضوعاً من المفترض أنه ليس بحاجة للنقاش».

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة أبريل الماضي (رويترز)

أما وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، فقد رأى أن المفوضية ما زالت «تماطل وتناور لمنع التصويت بالأغلبية على هذه التدابير التي منذ أشهر تطالب دول أعضاء عدة بطرحها كمقترح تنفيذي يوجه رسالة قوية إلى حكومة نتنياهو، حتى ولو كانت رمزية».

ولا شك في أن مثل القرار، في حال اتخاذه، لا يعدو كونه رمزياً بسبب تأثيره الذي لا يُذكَر على الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ تقدِّر المفوضية أن حجم المبادلات التجارية بين المستوطنات وبلدان الاتحاد لا يتجاوز 75 مليون دولار سنوياً، من أصل مجموع الصادرات الإسرائيلية إلى الدول الأعضاء، والتي بلغت 15.3 مليار يورو في العام الماضي.

وفي نهاية مناقشات المجلس، رأست مفوضة شؤون المتوسط في الاتحاد دوبرافكا سويكا، إلى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، الاجتماع الثاني لمجموعة المانحين من أجل فلسطين التي تتولى تنسيق الجهود الدولية لإعادة إعمار غزة؛ حيث بلغ حجم التبرعات لمشاريع النهوض المبكر في القطاع 900 مليون يورو.


جرمانا هادئة بعد ليلة عصيبة

حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
TT

جرمانا هادئة بعد ليلة عصيبة

حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)
حواجز للأمن السوري عند مداخل مدينة جرمانا بريف دمشق لمحاولة ضبط الاستقرار بعد فعالية لإحياء ذكرى أحداث السويداء (متداولة)

عبّر مشايخ وأهالي مدينة جرمانا شرق العاصمة السورية، التي تشكل طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» أحد مكوناتها السكانية، يوم الثلاثاء، عن رفضهم هتافات مسيئة للحكومة رددها شباب خلال تجمهرهم، الاثنين، في أحد الشوارع، بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لأحداث محافظة السويداء عام 2025، بينما ذكرت مصادر محلية أن المدينة تشهد حالياً حياة طبيعية، نافية ما تردد بشأن نية السلطات السورية تنفيذ حملة أمنية في المدينة.

وأصدر مشايخ وأهالي جرمانا بياناً، فجر الثلاثاء، بشأن اجتماع عقده أهالي المدينة في «صالة الوقف»، الاثنين، بمناسبة مرور عام على الأحداث المؤسفة التي حدثت في محافظة السويداء جنوب سوريا عام 2025.

وأوضح البيان، الذي نشرته مواقع ومنصات إخبارية، أن اجتماع الاثنين كان بهدف تقديم واجب العزاء لأهالي الضحايا وجبر خواطرهم، بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة وبعد الحصول على التراخيص اللازمة.

مظاهرات مدينة جرمانا قرب دمشق في ذكرى أحداث محافظة السويداء 2025 (متداولة)

و«خلال تلك اللحظات الانفعالية والعاطفية خرج شباب إلى شوارع المدينة»، ليقوم بعضهم بإطلاق «هتافات مرفوضة لا تعبر عن موقف أهالي مدينة جرمانا ولا قيمهم»، وفق البيان الذى شدد على سعي المشايخ والعقلاء «للحد من هذه الممارسات بكل ما استطاعوا».

وقال شهود عيان، حضروا اجتماع مساء الاثنين في «صالة الوقف»، إن شيخ طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» في جرمانا، هيثم كاتبة، قال في كلمة له إن «من حق سوريا كل تقدير ومحبة؛ لأنها أعطتنا كل شيء، وستبقى وطننا للأبد، والآن دورنا لكي نقدم لها».

وترافق الاجتماع مع تجمهر عشرات الشباب الدروز في أحد شوارع جرمانا رافعين راية الطائفة، تضامنا مع أهالي السويداء.

انسياب حركة السيارات في جرمانا مساء الاثنين (متداولة)

وأفادت مواقع تواصل مختلفة بأن مشاركين في التجمع «رددوا هتافات مسيئة للحكومة السورية وعناصر الجيش والقوات الأمنية»، فيما ذكرت مصادر أخرى أن التجمع شهد إطلاق شعارات دعت إلى التقسيم، وإشادات بالرئيس الروحي للطائفة الدرزية الشيخ حكمت الهجري الذي يطالب بانفصال السويداء.

في الأثناء، شهدت ضاحية أشرفية صحنايا بريف دمشق الجنوبي الغربي، التي تعدّ طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» أحد مكوناتها السكانية، تجمهراً مماثلاً بأعداد أقل.

أحد النشطاء الدروز في مجال السلم الأهلي في جرمانا أكد أن «الهدوء يسود المدينة منذ صباح اليوم (الثلاثاء) والحياة طبيعية فيها، وكذلك أشرفية صحنايا».

وبشأن ما تُدوول من أن السلطات الأمنية ستنفذ «حملة أمنية في المدينة»، قال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، الذي فضل عدم ذكر اسمه: «حتى الآن لا مؤشرات أو بوادر على ذلك، ولكن إذا كان هناك أشخاص يُخلّون بالقانون، فسيجري التعامل معهم وفق القانون».

وأضاف: «يجري حالياً حل الأمر بين السلطات المحلية والوجهاء بصورة مناسبة، ولكن هذا لا يعني ألا ينال الخارجون عن القانون، أياً كانوا، عقابهم وفق القوانين الناظمة».

المصدر أكد «رفض أهالي جرمانا القاطع» التصريحات التي أطلقها الهجري، الأحد، لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء، وأكد فيها المضي بمشروع «الاستقلال»، وأن السويداء «قد تكون مستقبلاً تحت رعاية دولة أخرى أو تنضم إلى دولة أخرى».

وأضاف: «نحن انتماؤنا عربي سوري، ونريد سوريا دولة واحدة موحدة ذات سيادة كاملة على أراضيها كافة، وأي انفصال أو اجتزاء لا نقبل به».

استنفار أمني في جرمانا على حواجز مداخل المدينة مساء الاثنين دون تسجيل أي انتشار أمني استثنائي داخل الأحياء (متداولة)

يذكر أن جرمانا تتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن وسط دمشق نحو 5 كيلومترات، وقد شهدت نهضة عمرانية في أواخر العقد الأخير من القرن العشرين وجذبت كثيراً من السكان، خصوصاً فئة الشباب للسكنى فيها.

قبل اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) عام 2011، كان عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة؛ معظمهم من الدروز والمسيحيين، وفق تقديرات مصادر محلية.

وازداد عدد سكانها كثيراً خلال سنوات الحرب حتى وصل إلى نحو مليوني نسمة، وفق تقديرات أهلية، وذلك بعد أن شكلت ملاذاً لآلاف النازحين من جميع المحافظات السورية التي شهدت معارك خلال سنوات الحرب.

بعد موجات النزوح الكبيرة إلى جرمانا بات سكانها خليطاً من جميع المحافظات، والقوميات، والأديان، والطوائف. ومع إطلاق فصائل المعارضة المسلحة عملية «ردع العدوان» شمال غربي البلاد، أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، واقترابها من دمشق، أسقط أهالي جرمانا تمثال الرئيس الأسبق حافظ الأسد، قبل أن يسقط نظام الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

شهدت جرمانا أعمال عنف في 28 أبريل (نيسان) عام 2025، أدت إلى مقتل عدد من الأشخاص، وامتدت أعمال العنف إلى منطقتي صحنايا وأشرفية صحنايا بريف دمشق؛ وذلك على أثر تداول تسجيل صوتي مزعوم يتضمن إساءة إلى الإسلام.

وتمكنت السلطات السورية حينها من بسط سيطرتها وإعادة الأمن والاستقرار إلى تلك المناطق، بموجب اتفاقات مع الجهات الفاعلة ووجهاء المدينة والمنطقتين.

بيان المشايخ والأهالي أكد أن «سوريا واحدة موحدة بكل أطيافها، ومدينة جرمانا جزء أصيل من غوطة دمشق، وجهتها دمشق، وأبناؤها شركاء في بناء الوطن السوري الواحد الموحد»، مضيفين: «نذكر أن رسالتنا هي رسالة المحبة والسلام، ونبذ كافة الخطابات التي تسعى للفتنة وتدمير النسيج السوري، وأن مستقبل سوريا لا يبنى إلا بوحدة أبنائها واحترام مؤسساتها وسيادة القانون».