«قصائد مائية» لغونتر غراس

ثماني سنوات على رحيل صاحب نوبل 1999

«قصائد مائية» لغونتر غراس
TT

«قصائد مائية» لغونتر غراس

«قصائد مائية» لغونتر غراس

تمر غداً الذكرى الثامنة لرحيل الروائي والشاعر الألماني الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1999 غونتر غراس، الذي ولد 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1927 في مدينة غدانسك الألمانية، التي تقع اليوم في بولندا. درس الابتدائية وتخرج من الإعدادية في هذه المدينة. تطوع بعمر 17 سنة للخدمة مع الجيش النازي مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. لم يعترف بماضيه النازي، عضواً في فرقة الصاعقة، إلا سنة 2006، قبل هذا الاعتراف كان عضواً في الحزب الاشتراكي الديمقراطي لفترة قصيرة، وداعماً لحملات هذا الحزب الانتخابية مع فيلي براندت وغيرهارد شرودر.
درس النحت والرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في دسلدورف (1948 - 1952) ثم حتى 1956 في جامعة الفنون التطبيقية ببرلين. أقام عدة معارض للرسم والنحت في برلين وشتوتغارت وغيرهما.
كتب خلال هذه الفترة العديد من القطع النثرية والقصص القصيرة التي قال عنها نفسه إنها تنتمي إلى أدب اللامعقول. انتمى إلى جماعة «47» الأدبية في تلك الفترة ونال جائزتها سنة 1958 بعد أن قرأ في ندوة لها مخطوطته الأولى «الطبل الصفيح».
تزوج غراس ثلاث مرات خلال حياته وأنجب 8 أولاد وبنات من زوجاته الثلاث. وخلال هذه الزيجات المتعددة كتب ثلاثية دانسك التي بدأها بـ«الطبل الصفيح»، ثم أردفها بـ«القط والفأر» (1961) و«سنوات الكلاب» (1963).
عرف غراس بمواقفه السياسية التقدمية، سواء انتقاده لسياسة حكومة هيلموت كول تجاه اللاجئين (عدها بربرية)، أو تظاهره مع «حركة السلام الألمانية»، أو انتقاده لسياسة تركيا ضد اليونان، أو دفاعه عن حق الفلسطينيين في دولة مستقلة. كان واضحاً أيضاً في موقفه الرافض للحرب على العراق 2003.
عاد إلى الرسم والنحت بقوة في سنوات حياته الأخيرة بعد أن اعتكف قليلاً عن الأضواء. فارق الحياة في 13 أبريل (نيسان) 2015.
حينما سئل غراس مرة، في مقابلة تلفزيونية، عن سر موهبته الإبداعية في مجالات الأدب والنحت والرسم قال إن كلمة «Graphie» اللاتينية تعني يكتب ويرسم في آن واحد. وهو في الأساس خريج أكاديمية الفنون الألمانية - قسم النحت. وكانت «الكتابة المشاكسة»، كما صرح مرة، تثير أعصابه، ويجد في الرسم والنحت والطبخ (طباخ ماهر) والرقص (ماهر في التانغو) راحته النفسية.
جمع غراس قصائده «المائية» القصيرة (القفشات) في كتاب ضخم يحمل عنوان «لقى لغير القراء» صدر عن «دار شتندل» سنة 1997، ويحتار المرء في تصنيف هذا الكتاب «ديواناً» أو «كاتالوغاً»، أو «روزنامة»، لأن غراس «أنتج» فيه قصائده في لوحات مائية رائعة الألوان. ويبدو كأن غراس نفسه كان حائراً أيضاً في وصف الكتاب لأنه لم يقل في قصيدته إنه رسم أو كتب هذه القصائد وإنما أنتجها.
يزن الكتاب، وهو من الورق الصقيل السميك من قياس 30 في40 سم، نحو كيلوغرامين ويحتوي على أكثر من 120 لوحة، وعدد أكبر من القصائد القصيرة. ويحتار المرء إذا كان يقرأ أو يطالع أو يتفرج وهو يقلب صفحات الكتاب. فالعين تقفز من الحرف إلى اللون وبالعكس، مبهورة بسحر القصائد وسحر اللوحات المائية الجميلة. ما الأجمل في هذا الكتاب؟ القصائد أم اللوحات؟ لأنه، فضلاً عن نص القصيدة المطبوع على الصفحة المقابلة لكل لوحة يخط غراس القصائد داخل اللوحات بكامل ألوان الطيف وتدرجاتها.
سيجد الأطفال أيضاً متعة في التفرج على اللوحات، لأن الشاعر لم يختر عنواناً جذاباً لهم «لقى لغير القراء» فحسب، وإنما رسم أشياء وحيوانات ونباتات من الحياة اليومية التي تغري فضول أي طفل، وبألوان وأشكال تذكر بقصص الأخوين غريم الملونة. قصائد مائية رسمتها يد لا تقل مهارة في النظم عن المهارة في الرسم، مغطية الفصول الأربعة فظهر الكتاب كأنه روزنامة مصورة بالألوان.
ويتضح للمطالع في الحال أن غراس لا يقل مشاكسة في الرسم عنه في الكتابة، خصوصاً مع النقاد. فهو يصور طاقم أسنانه على المنضدة قرب السرير ويتمنى لو يدفن حينما يموت مع كيس جوز وأسنان حقيقية قوية، وحينما يزور خصومه قبره سيسمعونه يكسر الجوز بأسنانه فيدركون أنه لا يزال لهم بالمرصاد، وإن غادر الحياة. يقف «النقاد» مثل تلاميذ في حضرته، لكنهم لا يصلحون حتى تلاميذ، لأنهم «لا يفقهون شيئاً» و«لا يعرفون الإبداع على الورق الأبيض».
لا أحد يلوم غراس على موقفه من النقاد. يوم أصدر روايته «حقل شاسع» في مطلع التسعينات، أي بعد الوحدة الألمانية بأشهر قليلة، واجهه النقاد بقسوة بسبب موقفه الحذر من العجالة في توحيد شطري ألمانيا. وقادت الحملة حينها مجلة «دير شبيغل» بمقالة كتبها شيخ النقاد الألمان مارسيل راينكي. خصصت «دير شبيغل»، لغلاف عددها الأسبوعي ذاك، لوحة تصور راينكي يمزق كتاب غراس. ويذكر ذلك الغلاف، برأي أنصار غراس، بحرق الكتب في الحقبة النازية.
لا يستثني غراس أحداً في مائياته، بعد أن تخطى السبعين سنة، ويتحدث بحب عن زوجته وأصدقائه وأحفاده، وبحقد دفين ضد خصومه ونقاده. يصور نرجسيته في هذا العمر بزهرة نرجس ذاوية، ويرمي حجراً في ماء بحيرة ساكنة مثل روحه. يدحرج صخرته مثل سيزيف، لكنها صخرة زائفة من إنتاج «شركة سيزيف» قابلة للطي والنفخ بأحجام مختلفة.
إنها سيرة ذاتية قابلة للزوال رسمها الشاعر بألوان مائية، يزيلها الماء كما يقول في قصيدته «أشعار مائية». هي اعترافات شيخ في السبعين قال فيها بالحرف واللون كل ما أراد لنا أن نفهمه عن نفسيته وجنونه ونرجسيته، وبقي الكثير مما لم يقله، أو ربما قاله، لكنه ضاع أمامنا في هذه الغابة من الكلمات والألوان.
لا يكف غراس، بالطبع، عن زرع الألغام في طريق أي مترجم لأعماله، بسبب ولعه باللعب بالكلمات. يكفي التوقف عند عنوان أهم قصائده لمعرفة هذه النزعة المتأصلة في أدب غراس وأقصد «أشعار مائية». لأنها وردت «Aquadicht»، وكلمة «أكوا» تعني الماء، أو «سائلاً» بمعظم اللغات الأوروبية السائدة، وكلمة «dicht» تعني «منيعاً أو مقاوماً أو كثيفاً»، حينما ترتبط بالماء (Wasser)، فتكون الترجمة مضاداً للماء أو منيعة على الماء في وصف قماش أو مادة لا تسرب الماء. وكلمة «dicht» تعني الشعر أو ينظم الشعر، ولهذا ركب منها الشاعر مع «أكوا» كلمة «أشعار مائية». هكذا يمكن أيضاً أن نفهم عنوان قصيدة «Wegzehrung» التي ترجمتها إلى «قوت» أو «متاع» الطريق، لأن «Weg» قد تعني طريقاً، أو زال أو انتهى، ومن الممكن ترجمتها إذن «التهام»، لكنه كان يقصد ما يقتات فيه في قبره عند رحيله عن هذا العالم. وهناك أمثلة كثيرة على هذا التلاعب بالكلمات في أدب غراس.
كانت سنة 1996 كما يبدو، مملة ومضجرة بالنسبة للكاتب، وهو ما دفعه للرسم والنحت بقوة قد تزيل بعض اكتئابه. يقول إنه قضى سنة كاملة في «إنتاج» هذه القصائد على الورق، وهذا استغرقه وقتاً أكثر مما استغرقته كتابة رواية «طبل الصفيح»، التي عدتها الأكاديمية السويدية من أعظم الأعمال الروائية في القرن العشرين. وواقع الحال أن هذه الرواية جعلت من النحات المغمور غراس واحداً من أشهر أدباء ألمانيا في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

وبمناسبة رحيله، اخترت بعض قصائد غراس المائية، وهي تترجم إلى العربية للمرة الأولى:

رواية
___________
في رواية لن أكتبها،
كنت سأبدأ هكذا:
حينما اتخذ ماليتسكا
طريقاً مختصرة عبر الغابة،
تعرف على نفسه في كمأة،
لأنها مقطوعة الجذور،
ساقها شاخصة نحو السماء.

- الصخرة
_____________
التي أدحرجها ليست لي.
تؤجرها شركة سيزيف
مؤقتاً مقابل تعريفة،
بأشكال وأوزان مختلفة،
بينها اليوم،
صخور قابلة للطي،
يمكن نفخها عند الحاجة،
وبسعر مناسب.

- طابعتي الأوليفيتي القديمة
___________
شاهد على مهارتي في الكذب،
وكيف أدنو،
جملة بعد جملة،
بخطأ طباعي،
من الصدق.

- خريف الكتب
_____________
ورقة بعد ورقة،
جوز،
وحمامات،
تتساقط.
سنة بعد سنة،
نقف في النهاية
منعمين بعرينا.

- إليك
___________
حذائي القديم الخاوي
مليء بخطط الرحلات،
ويعرف طرقات ملتوية،
تؤدي كلها إليك.

من اليسار إلى اليمين
تمر القطعان أمام ناظري.
لاحقاً، وأنا أشق طريقي عبر المرعى،
لا بد لي أن أتوقف،
وبين روث البقر الجاف،
والأخضر منه،
أقرأ مستقبلنا.

- نقّادي
___________
لا يعرفون هذا:
الإبداع على الورق الأبيض.
«معلم، هل لنا أن نقف على عتبة دارك؟»
لكنهم لا يصلحون تلاميذَ أيضاً.
ويبقون حزانى لا يفقهون.

- الشعر المائي
___________
قصائد أبدعها
بألوان يزيلها الماء،
من قناني توبورغ مترعة،
بفرشات مخضبة،
وعينين مفتوحتين.
آه، نعم،
على الورق طبعاً.

- إسفنجتي
___________
التي أبل بها الورق،
لا تعني لي شيئاً آخر،
غير مقارنتها بقدرتي الامتصاصية:
أُعتصر دائماً وأبداً.

- قوت الطريق
___________
أريد أن أدفن
مع كيس جوز
وأصلب أسنان!
وحينما تُسمع طقطقة حيث أرقد،
سيقول البعض:
ما يزال هنا،
مثل حاله أبداً.

غونتر غراس


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تحفة ميكيلانجيلو خلف السقالات... الفاتيكان يُنظِّف «الحساب الأخير»

لمسة ترميم تعيد الحياة إلى تحفة عصر النهضة (أ.ف.ب)
لمسة ترميم تعيد الحياة إلى تحفة عصر النهضة (أ.ف.ب)
TT

تحفة ميكيلانجيلو خلف السقالات... الفاتيكان يُنظِّف «الحساب الأخير»

لمسة ترميم تعيد الحياة إلى تحفة عصر النهضة (أ.ف.ب)
لمسة ترميم تعيد الحياة إلى تحفة عصر النهضة (أ.ف.ب)

تخضع لوحة «الحساب الأخير»؛ الجدارية الضخمة للفنان ميكيلانجيلو، لعملية تنظيف دقيقة لإزالة طبقة ملحيّة طباشيرية بيضاء تراكمت على هذه التحفة الفنّية التي تعود إلى عصر النهضة. ويمثّل هذا الإجراء أول عملية ترميم كبرى لهذا العمل الفني منذ 3 عقود.

وقد أتاح الفاتيكان لوسائل الإعلام إلقاء نظرة على أعمال الترميم الجارية؛ إذ كشف عن اللوحة الجدارية الضخمة وهي محجوبة بسقالات تمتد من الأرض حتى السقف داخل «كنيسة سيستين». ومن المتوقَّع أن تنتهي عملية التنظيف المعقَّدة هذه بحلول عيد الفصح، في الأسبوع الأول من شهر أبريل (نيسان) المقبل، وفق «الإندبندنت».

تفاصيل تعود للظهور في التحفة الخالدة (أ.ف.ب)

وبينما تستمرّ أعمال الترميم، فإنه لا يزال بإمكان الجمهور زيارة الكنيسة، غير أنهم سيشاهدون نسخة طبق الأصل من «الحساب الأخير» معروضة على شاشة تغطي السقالات. وأوضح مسؤولو متاحف الفاتيكان أنّ الطبقة الملحيّة هي نتيجة لمرور نحو 25 ألف شخص يومياً عبر متاحف الفاتيكان؛ مما استلزم إجراء هذه الصيانة الضرورية.

وفي هذا الصدد، قال المسؤول عن فريق البحث العلمي بمتاحف الفاتيكان والمُشرف على عملية التنظيف، فابيو موريسي: «يتكوَّن هذا الملح لأننا، فوق كلّ شيء، عندما نعرق نفرز حمض اللاكتيك، وللأسف يتفاعل هذا الحمض مع كربونات الكالسيوم الموجودة على الجدار».

وأضاف أنّ تغيُّر المناخ يلعب دوراً في ذلك أيضاً؛ إذ يتعرق الزوار الذين يأتون إلى المكان بشكل أكبر، ممّا يخلق رطوبة زائدة تتفاعل مع اللوحة الجدارية.

من جانبها، وصفت مديرة متاحف الفاتيكان، بربارة جاتا، هذه الطبقة بأنها تشبه «المياه البيضاء» التي تغشى العين، مشيرة إلى أنّ «إزالتها سهلة؛ إذ يغمس المرمّمون أوراق أرز يابانية في ماء مقطّر ويضعونها على اللوحة، ثم يمسحون الطبقة الملحيّة بعناية فائقة».

وعند معاينة اللوحة عن قرب من فوق السقالات، بدا التباين بين الأجزاء المرمَّمة وغير المرمَّمة مذهلاً؛ إذ تبدو الأجزاء التي لم تُنظَّف بعدُ كأنها مغطّاة بغبار طباشيري، بينما تفيض الأجزاء المنظَّفة بالألوان الحيوية والتفاصيل الأصلية الدقيقة. فعلى سبيل المثال، يمكن للزائر المحظوظ الآن أن يرى بوضوح كيف رسم ميكيلانجيلو خصلات شعر السيد المسيح وجراح الصلب في الشكل المركزي للجدارية.

جدارية «الحساب الأخير» تستعيد نقاءها بعد طبقة من الزمن والرطوبة (أ.ف.ب)

وتحمل «كنيسة سيستين» اسم البابا «سيكستوس الرابع»، وهو راعي الفنون الذي أشرف على بناء المُصلّى البابوي الرئيسي في القرن الخامس عشر. وإنما خَلَفه، البابا يوليوس الثاني، هو مَن كلَّف ميكيلانجيلو رسم السقف الشهير الذي يضم لوحة «خلق آدم» بيدها الممتدّة، وذلك بين عامَي 1508 و1512. وفي وقت لاحق، وتحديداً عام 1533، كلَّف البابا كليمنت السابع الفنان ذاته العودة لرسم جدارية «الحساب الأخير».

أما اللوحات الجدارية الأخرى في الكنيسة، التي شهدت انتخاب البابا ليو الرابع عشر، في مايو (أيار)، فتخضع لعمليات تنظيف سنوية يقوم بها المرمّمون ليلاً باستخدام روافع هيدروليكية تُزال كلّ صباح قبل وصول الجمهور.

بيد أنّ هذه الآلات لا يمكنها الوصول إلى جميع أجزاء جدارية «الحساب الأخير» نظراً إلى موقعها خلف المذبح الذي يرتفع بدوره فوق درجات رخامية؛ هذا العائق اللوجيستي استلزم نصب سقالات ثابتة للوصول إلى الجدارية بأكملها وتنظيفها.

وكانت «كنيسة سيستين» قد خضعت لعملية ترميم شاملة بين عامَي 1979 و1999، أزيلت خلالها تراكمات الدخان والأوساخ والشمع التي تجمَّعت عبر قرون. وقد ترك الفاتيكان أجزاء صغيرة من الجدارية من دون ترميم لبيان الفارق، وهي تبدو الآن من الطوابق العليا للسقالات مثل جدار مائل للسواد تماماً.

وبدلاً من اللجوء إلى حلّ جذري بتقليص أعداد الزوار المسموح لهم بدخول الكنيسة، يدرس الفاتيكان حالياً سُبل معالجة مستويات الرطوبة من خلال أنظمة ترشيح متطوّرة وتقنيات أخرى، لضمان عدم تشكل هذه الطبقة الملحيّة مرة أخرى.


الإجهاد الإيجابي: متى يكون التوتر دافعاً للنجاح؟

 الخروج من منطقة الراحة قد يبدو أمراً مُقلقاً في البداية (بيكسلز)
الخروج من منطقة الراحة قد يبدو أمراً مُقلقاً في البداية (بيكسلز)
TT

الإجهاد الإيجابي: متى يكون التوتر دافعاً للنجاح؟

 الخروج من منطقة الراحة قد يبدو أمراً مُقلقاً في البداية (بيكسلز)
الخروج من منطقة الراحة قد يبدو أمراً مُقلقاً في البداية (بيكسلز)

لا يخلو مسار حياتنا من لحظات توتر وضغط، سواء تمثّل ذلك في ضغوط يومية متراكمة، أو في مواقف عابرة تتطلب منا تركيزاً وجهداً إضافيين. فالإجهاد قد يتسلل إلى تفاصيل العمل، والعلاقات، والطموحات الشخصية، وحتى إلى الأنشطة التي نحبها. وغالباً ما ننظر إليه بوصفه أمراً سلبياً ينبغي تجنّبه قدر الإمكان.

غير أن الصورة ليست بهذه البساطة؛ فالإجهاد ليس شرّاً مطلقاً. إذ يرى بعض الخبراء أننا قد نختبر نوعاً آخر من التوتر يُعرف بـ«الإجهاد الإيجابي» أو «الإجهاد المُحفِّز»، وهو يختلف في طبيعته وتأثيره عن الإجهاد السلبي. هذا ما أشار إليه تقرير نشره موقع «هيلث لاين»، موضحاً أن بعض أشكال التوتر قد تكون دافعاً للنمو والإنجاز بدلاً من أن تكون عبئاً يثقل كاهلنا.

الإجهاد الإيجابي مقابل الإجهاد السلبي

إذا بدت لك فكرة «الإجهاد الإيجابي» غير مألوفة، فأنت لست وحدك؛ فمعظم الناس يربطون الإجهاد بالتجارب المزعجة أو المؤلمة. إلا أن الطبيب النفسي السريري الدكتور مايكل جينوفيز يشير إلى أننا نادراً ما ننظر إلى الإجهاد بوصفه قوة دافعة، رغم أنه قد يكون كذلك بالفعل. ويوضح أن «الأحداث المثيرة أو المجهِدة تُحدِث استجابة كيميائية في الجسم»، وهذه الاستجابة ليست سلبية بالضرورة.

عادةً ما ينشأ الإجهاد الإيجابي من توتر يرتبط بتحدٍّ ممتع أو هدف نسعى إلى تحقيقه. ويؤكد جينوفيز أن لهذا النوع من الإجهاد أهمية خاصة، إذ إن غيابه قد يؤثر سلباً في صحتنا النفسية. ويضيف: «يساعدنا الإجهاد الإيجابي على الحفاظ على حافزنا، والعمل نحو تحقيق أهدافنا، والشعور بالرضا عن حياتنا».

في المقابل، يرتبط الإجهاد السلبي بتجارب أو تصورات سلبية. فهو يحدث عندما نشعر بأن متطلبات الموقف تفوق قدراتنا أو مواردنا المتاحة. وعندما يتكرر هذا الشعور أو يستمر لفترة طويلة، فقد يؤدي إلى آثار نفسية وجسدية غير مرغوبة.

توضح كيسي لي، الحاصلة على درجة الماجستير في الاستشارات المهنية المرخصة، أن هذا النوع من الإجهاد قد يقود إلى القلق، والاكتئاب، وتراجع مستوى الأداء، خصوصاً إذا لم يُدار بطريقة صحية.

ما الذي يجعل الإجهاد الإيجابي «مفيداً»؟

قد يبدو الخروج من منطقة الراحة أمراً مُقلقاً في البداية، لكنه في كثير من الأحيان شرط أساسي للنمو. وهنا تتجلى قيمة الإجهاد الإيجابي بوصفه عنصراً مهماً في صحتنا العامة.

تشرح عالمة النفس الدكتورة كارا فاسون أن الإجهاد الإيجابي يتمثل في تحدي الذات دون استنزاف كامل مواردها - حيث إنه ذلك النوع من الضغط الذي يدفعك إلى التقدّم، من دون أن يُشعرك بالعجز أو الانهيار. وتبيّن أن تأثيره يظهر في ثلاثة مجالات رئيسية:

عاطفياً: قد يولّد الإجهاد الإيجابي مشاعر الرضا، والإلهام، والتحفيز، والشعور بالتدفق والانغماس في المهمة.

نفسياً: يساعد على بناء الثقة بالنفس، وتعزيز الاستقلالية، وتنمية المرونة في مواجهة الصعوبات.

جسدياً: يسهم في تقوية الجسد، كما يحدث عند إتمام تمرين رياضي شاق يتطلب جهداً إضافياً.

وتوضح كيسي لي أن الإجهاد الإيجابي يُنتج مشاعر الحماس والإنجاز والمعنى والرفاهية، وهو مفيد لأنه يجعلك تشعر بالكفاءة والثقة نتيجة التحدي الذي تواجهه وتنجح في تجاوزه.

أمثلة على الإجهاد الإيجابي في الحياة اليومية

يمكن رصد مظاهر الإجهاد الإيجابي في مختلف جوانب الحياة، من العمل إلى الهوايات، ومن السفر إلى اللياقة البدنية.

الإجهاد الإيجابي في العمل

قد يظهر عند تولّي مشروع جديد يتطلب منك تعلّم مهارات إضافية أو الخروج من دائرة المألوف. هذا النوع من التحديات قد يكون محفّزاً، شريطة أن يكون واقعياً وممكن التحقيق. أما إذا كانت المواعيد النهائية غير منطقية، أو كنت مطالباً بإدارة مهام متعددة في وقت واحد دون دعم كافٍ، أو تعمل في بيئة سامة، فإن الإجهاد يتحول غالباً إلى سلبي، مع ما يرافقه من آثار ضارة.

الإجهاد الإيجابي في الاهتمامات الشخصية

وضع أهداف طموحة في مجال تهتم به يُعد مثالاً واضحاً. فتعلم مهارة جديدة قد يكون صعباً في البداية، وغالباً ما يمرّ الشخص بمرحلة يشعر فيها بعدم الارتياح أو ضعف الكفاءة. لكن مع الاستمرار وتعلّم الدروس من الأخطاء، تبدأ النجاحات الصغيرة في الظهور، ويزداد الشعور بالثقة والتحفيز لمواصلة التطور.

الإجهاد الإيجابي والسفر

السفر إلى مكان جديد، خصوصاً إذا كان يختلف في لغته وثقافته وعاداته، قد يكون مرهقاً في بعض تفاصيله. ومع ذلك، فإن الانغماس في بيئة جديدة، وتذوق أطعمة مختلفة، واكتشاف أماكن غير مألوفة، يمنح الكثيرين شعوراً بالإلهام والتجدد، رغم ما يصاحب التجربة من توتر.

الإجهاد الإيجابي واللياقة البدنية

يتجلّى هذا النوع من الإجهاد عندما تتحدى جسدك لزيادة قوة العضلات، أو تحسين القدرة على التحمل، أو تعزيز المرونة. ففي صالة الرياضة أو أثناء المشي لمسافات طويلة، قد تنغمس في التمرين وتستمتع بالموسيقى أو بالإحساس بالحركة، لدرجة أنك لا تدرك حجم الجهد المبذول إلا بعد انتهائه. ورغم التعب الجسدي، يبقى الشعور العام إيجابياً ومُرضياً.

من الجدير ذكره أن الهدف من الحياة ليس القضاء على الإجهاد تماماً، بل تعلّم التمييز بين ما يُضعفنا وما يدفعنا إلى الأمام. فالإجهاد الإيجابي، حين يكون متوازناً ومحدوداً بقدرتنا على التكيّف، قد يكون قوة بنّاءة تُنمّي مهاراتنا، وتعزز ثقتنا بأنفسنا، وتمنح حياتنا مزيداً من المعنى.


شرفات الرياض تتلألأ بالأنوار وفوانيس تتجاوز 250 دولاراً

أحد الأحياء السكنية في مدينة الرياض (الشرق الأوسط)
أحد الأحياء السكنية في مدينة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

شرفات الرياض تتلألأ بالأنوار وفوانيس تتجاوز 250 دولاراً

أحد الأحياء السكنية في مدينة الرياض (الشرق الأوسط)
أحد الأحياء السكنية في مدينة الرياض (الشرق الأوسط)

قبل أن يرفع أذان المغرب في شهر رمضان، يتسابق الناس لتزيين الشرفات والمنازل والواجهات بالأنوار والفوانيس، وتتدلى من النوافذ خيوط الضوء، وتعلق عبارات «رمضان كريم» على الأبواب، لاستقبال الشهر. هذا المشهد يتكرر سنوياً ولا يفقد بريقه، إذ تتحول البيوت إلى مساحات احتفال صغيرة معلنة أن هذه الأيام مختلفة.

وتشهد محال الزينة والإضاءات في الأسابيع التي تسبق رمضان حركة غير مسبوقة، إضاءات تتكدس قرب المداخل، وفوانيس معروضة بألوان وأحجام متعددة، فيما لا تتوقف أسئلة الزبائن عن مدة الإضاءة وقوة التحمل وخيارات التثبيت، وترتفع مبيعاتها بنسبة كبيرة قبل دخول رمضان بشهر، وتبلغ ذروة ارتفاعها في الأسبوع الأخير من شهر شعبان.

جانب من الفوانيس المعروضة في محال الزينة بالرياض (الشرق الأوسط)

وتصدرت الستائر الضوئية المخصصة للشرفات قائمة الأكثر طلباً، تليها العبارات المضيئة الجاهزة للتعليق، ثم الفوانيس الكبيرة عند المداخل، وتتراوح أسعار زينة المنازل بين 5 ريالات للقطع الصغيرة وصولاً إلى أكثر من 950 ريالاً للتصاميم الكبيرة والمزدوجة بالإضاءة المتحركة أو المؤقتات الزمنية للتشغيل والإطفاء، وتشمل الخيارات الفوانيس الصغيرة والكبيرة، الهلال والنجوم، الأضواء المتدلية التي تُباع بالمتر.

وأشار أحد أصحاب المحال في مدينة الرياض إلى أن مئات القطع تباع يومياً في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، مضيفاً أن بعض التصاميم تنفد خلال أيام قليلة من عرضها، مؤكداً أن الإضاءات ذات اللون الأصفر الدافئ تبقى الأكثر رواجاً مقارنة بالألوان الباردة، لتضيف شعوراً بالحميمية والاحتفال في البيوت.

لقطة من داخل الأحياء السكنية في الرياض (الشرق الأوسط)

وتأتي الأحياء السكنية داخل العاصمة، ومن بينها أحياء المونيسية والسليمانية والقيروان متشكلةً باللون الذهبي احتفالاً وترحيباً بشهر رمضان المبارك، وأشاد أحد السكان بهذه التحضيرات، قائلاً إن الأنوار والفوانيس «تجلب البهجة وتعطي للشهر أجواء مختلفة»، مؤكداً أن تعليق الإضاءات تحول إلى تقليد سنوي ينتظره الكبير والصغير، فلا يحتاج الحي إلى إعلان رسمي لوصول شهر رمضان حيث تتلألأ الشرفات، وتختار المنازل استقباله بلغتها الخاصة.