نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

ترجمة إنجليزية لكتاباته غير القصصية عبر 5 سنوات

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

الراصد لمسيرة نجيب محفوظ (1911 - 2006) في عالم الكتابة، يجد أنه في المرحلة الأخيرة من حياته الأدبية قد عزف عن كتابة الرواية الطويلة، وغدا أكثر ميلاً إلى التعبير المكثف والجملة القصيرة والومضة السريعة الخاطفة. تمثَّل هذا في «أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»، وفي مئات الأعمدة الصحافية التي كان يكتبها أسبوعياً في جريدة «الأهرام»، وهي أعمدة قصيرة لا تتجاوز عادة ثلاثمائة كلمة يتناول فيها قضايا الساعة على الأصعدة المحلية والعربية والإقليمية والدولية، في ميادين الثقافة والسياسة والاقتصاد. وقد جمع شملها في عدة أجزاء صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية للنشر» في عام 2015.
واليوم يتاح لقارئ اللغة الإنجليزية، في أي مكان، أن يقرأ هذه الأعمدة الصحافية مترجمة في كتاب عنوانه «بعد جائزة نوبل 1989 - 1994: كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، صادر عن دار نشر «جينكو Ginko» في لندن عام 2020، في 436 صفحة. نقل المقالات إلى الإنجليزية ر. نيل هويسون R. Neil Hewison أحد مديري التحرير في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقدم لها الدكتور رشيد العناني، أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إكستر البريطانية. هكذا اجتمع للكتاب أهم روائي عرفته اللغة العربية، ومترجم قدير تمتاز ترجمته بالدقة والأمانة (عكف هويسون على إنجاز الترجمة في أربعة أشهر قضاها في نيوزيلندا هرباً من حر القاهرة)، وناقد أدبي وأكاديمي متميز عكف سنوات طويلة على دراسة مختلف أعمال محفوظ دراسة معمقة.
يمكن تقسيم هذه الأعمدة الصحافية إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى مقالات تتناول موضوعات عامة مثل الحرب والسلام، والشهرة، وهموم الشباب، والديمقراطية، والثقافة، والانتخابات، وصراع الخير والشر في حياة الأفراد والجماعات، وظاهرة العنف، وموقفنا من الحضارة الغربية، والإصلاح الاقتصادي، والسياحة والدين والسياسة، ومواجهة الإرهاب، والأدب العربي والعالمية، والعلاقة بين الكاتب والقارئ، والتجربة الحزبية، والنظام العالمي الجديد، والتغير المناخي.
والفئة الثانية أعمدة من وحي مناسبات بعينها؛ مثل ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 في مصر، وحرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وذكرى وفاة زعيميْ حزب الوفد سعد زغلول ومصطفى النحاس (تصادف أن تُوفيا في يوم واحد هو 23 أغسطس «آب»)، زغلول في 1927، والنحاس في 1965.
والفئة الثالثة مقالات عن شخصيات من عالم الأدب والفن والسياسة؛ مثل جورج بوش، ومحمد عبد الوهاب، وغوربا تشيف (من الشائق أن تقارن ما يقوله محفوظ عن هذا الأخير بما قاله أستاذ الفلسفة الراحل الدكتور فؤاد زكريا في كتابه المسمى «مقامرة التاريخ الكبرى: على ماذا يراهن جوربا تشيف؟»).
يضم الكتاب مقالات محفوظ عبر خمس سنوات؛ من يناير (كانون الثاني) 1989 إلى أكتوبر 1994؛ وهو الشهر الذي تعرّض فيه محفوظ لمحاولة اغتيال آثمة نجا منها بحياته بما يشبه المعجزة. وتنطق هذه المقالات - كما يقول هويسون - بخصال محفوظ الإنسانية واتساع رقعة اهتماماته وتعاطفه مع معاناة البشر وتواضعه وتفاؤله (رغم حسه المأسوي في رواياته)، وقدرته على توجيه الأنظار إلى ما كان خافياً عن الأعين. إن محفوظ يصدر عن ضمير اجتماعي حي ونظرة فلسفية عميقة، ويملك تلك الصفة النادرة بين كُتاب عصرنا: صفة الحكمة، كما وصفته روائية جنوب أفريقيا نادين غورديمر الحاصلة على جائزة «نوبل» للأدب في 1991 بعد ثلاث سنوات من حصول محفوظ على الجائزة في 1988.
وفي بعض الأحيان يبدو محفوظ - كما يقول رشيد العناني - أشبه بصوت صارخ في البرية، أو صاحب رؤيا يحذّر من الأخطار المحدقة بالأمة العربية.
وفضيلة الإيجاز من أكبر الفضائل التي تمتاز بها كتابة محفوظ هنا، فهو يضع الكلمة في موضعها، ويبرأ من الإطناب الإنشائي الفارغ، ومن ذلك الإسهال اللفظي الذي يعيب الكتابات السياسية والاجتماعية لأقرانه من مشاهير الكتاب: يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وعبد الرحمن الشرقاوي، ويوسف إدريس، وغيرهم.
ومن الطبيعي في مقالات يكتبها أديب مثل محفوظ، أن تزخر كتاباته بإشارات إلى أعمال أدبية وفكرية سابقة، وأن تحمل أصداء من قراءاته. نجد هذا حتى في عناوين مقالاته؛ فمقالته المُعَنونة بـ«اعرف نفسك» تشير - في المأثورات الإغريقية القديمة - إلى العبارة التي وجدها الفيلسوف سقراط منقوشة في معبد دلفي، وكانت تمثل نصيحة أرباب الإغريق لبني البشر. ومقالتا «الحرب والسلام» تحملان عنوان رواية تولستوي الملحمية الكبرى «الحرب والسلام» (1863 - 1869). ومقالة «وصف مصر» تُذكرنا بالكتاب الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية ممن صحبوا نابليون بونابرت في غزوته لمصر عام 1798. ومقالة «بحثاً عن الزمن المفقود» تحمل عنوان رواية الروائي الفرنسي مارسيل بروست، الصادرة في 1913 - 1927. ومقالة «سعد زغلول وعودة الروح» تردّنا إلى رواية توفيق الحكيم «عودة الروح» (1933). ومقالة «الخوف من الحرية» ترجّع صدى عنوان كتاب لعالم النفس الألماني المولد، الأميركي الجنسية إريك فروم، صدر عام 1941. ومقالة «رئيس لكل العصور» صدى لعنوان مسرحية الكاتب المسرحي الإنجليزي روبرت بولت «رجل لكل العصور»، وموضوعها المفكر الهيوماني الإنجليزي السير توماس مور؛ من القرن السادس عشر الذي مات شهيداً.
وأتوقف هنا وقفة قصيرة عند ثلاثة من هذه الأعمدة الصحافية يرثي فيها محفوظ أدباء راحلين. إنه يكتب في 1/9/1990 رثاء للناقد الأدبي الدكتور لويس عوض، تحت عنوان «رحيل الأستاذ»، فيصفه بأنه كرّس حياته كلها للعلم والثقافة، وأنه كان جاداً لا يعرف المزاح، وكان يلم أحياناً باجتماعات ما عُرف باسم شلة الحرافيش التي كانت تضم - إلى جانب محفوظ - الكاتب الساخر محمد عفيفي، والممثل السينمائي أحمد مظهر، والشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، والمخرج السينمائي توفيق صالح، وغيرهم. ولكن عوض قلّما كان يشارك أعضاء الشلة فكاهتهم ومرحهم، وظل طابع الأستاذ الجامعي والمحاضر الجاد غالباً عليه، وظل ثابتاً على مبادئه الجامعة بين الاشتراكية والليبرالية، ومتميزاً بالتزامه الأخلاقي الصارم في وجه ما عاناه من سجن وفصل من الجامعة وهجمات من أقصى اليمين.
وتحت عنوان «وداعاً يوسف إدريس» يكتب محفوظ في 8/8/1991 يرثي الرجل الذي دُعي «أمير القصة العربية القصيرة»، فيصفه بأنه كان ثورة في الفن وفي المجتمع، كان جسوراً يثير عواصف من الجدل والنقاش أينما حلّ، ويمضي في طريقه مندفعاً لا يأبه لأحد، وكان فناناً أصيلاً دمغ بميسمه المتميز كل الأجناس الأدبية التي عالجها، ما بين أقاصيص وروايات ومسرحيات ومقالات صحافية أثّرت في كُتاب جيله وفي الجيل الذي تلاه.
ولا أَدلّ من هذه الكلمات على سماحة محفوظ وخُلقه النبيل ورحابة صدره، فقد غفر لإدريس موقفه الصبياني حين فاز محفوظ بجائزة نوبل، فثار إدريس يقيم الدنيا ويُقعدها، وجأر بالشكوى قائلاً إنه كان أحقَّ بالجائزة من محفوظ، لكن محفوظ تعالى على هذا كله، وأبى أن يرد على إدريس، وإنما عامله كما يعامل الأب الحكيم ابناً موهوباً ولكنه طائش. وقد فاء إدريس فعلاً إلى رشده، وأقرّ فيما بعد بأن الجائزة قد ذهبت إلى من يستحقها.
ورثى محفوظ، الرائد القصصي الذي تُوفي في 9 ديسمبر 1992: يحيى حقي صاحب «قنديل أم هاشم»، وسجل محفوظ إعجابه بتلك الرواية القصيرة، وقال إنه حرص، منذ ذلك الحين، على قراءة كل ما يجري به قلم حقي، واصفاً إياه بأنه كان مدرسة قائمة برأسها في فن القصة القصيرة، ثم أتيح لنجيب محفوظ، وللكاتب المسرحي علي أحمد باكثير أن يعملا تحت رئاسة حقي حين كان هذا الأخير مديراً لمصلحة الفنون، ومن ثم أتيح له أن يتعرف على حقي الإنسان، كما تعرّف على حقي الفنان. لم تكن آراء الرجلين متفقة في بعض القضايا، ولكن محفوظ يشهد بأن حقي كان دائماً موضوعياً وعادلاً في أحكامه.
ومن هؤلاء الأدباء المصريين ينتقل محفوظ إلى أديب إسباني فاز بجائزة «نوبل» للأدب في 1989 هو الروائي كاميلو خوسيه سيلا. ويذكر محفوظ أن سيلا، المولود عام 1916 لأب إسباني، وأم إنجليزية، عاش حياة غنية بالتجارب خاض فيها غمار الجندية ومصارعة الثيران والتمثيل السينمائي. لقد درس الطب والفلسفة والقانون، ثم انقطع عن مواصلة الدراسة حين شبّت الحرب الأهلية الإسبانية، واتجه إلى كتابة الرواية والشعر والمسرح، ولمع نجمه بروايته المسماة «عائلة باسكال ديوراثي» التي تُرجمت إلى عشرين لغة (منها اللغة العربية بترجمة الدكتور حامد أبو أحمد في سلسلة «روايات الهلال»)، ويدعو محفوظ نقادنا وباحثينا إلى الكتابة عن هذا الأديب وتعريف الجمهور القارئ به ونقل أعماله إلى العربية.
وفي الختام أقول إن نقل هذه الأعمدة الصحافية إلى اللغة الإنجليزية على هذا النحو الدقيق المشرّف، إنجاز مهم؛ ذلك أنها - كما كتبت صحيفة «فينانشيال تايمز» البريطانية - تمكّننا من تتبع رحلة محفوظ الفكرية، وتطور اهتماماته، والوقوف على آرائه في الشأن العام، لكن هذا لا يمنعني - إحقاقاً للحق - من أن أقول إن محفوظ لم يكن كاتب مقالات مطبوعاً، ولم يكن نثره خارج نطاق الرواية والأقصوصة بمستوى نثره في ذلك النطاق. إن نثره غير القصصي يلوح أحياناً متخشباً مفتقراً إلى المرونة، ولا يخلو من جفاف، على النقيض من نثره القصصي البارع الذي يتلوّن بما يلائم رسم الشخصية والموقف والمقام. لقد كان محفوظ قاصاً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وكل ما جرى به قلمه خارج نطاق القص إنما يأتي في المرتبة الثانية من الأهمية. هذه كتابات جديرة قطعاً بالترجمة والقراءة والدراسة، ولكنها ليست ما يكفل لمحفوظ الخلود.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
TT

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت، الخميس، مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، جنوب وسط السودان، وأسفرت عن مقتل 7 وجرح عدد من الأشخاص، في حين نفت «قوات الدعم السريع» المتهمة بتنفيذ الغارة، أي صلة لها بالهجوم.

وقالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أدّى إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين، من بينهم طبيب وطبيبة، ووصفت الحادث بأنه «تصعيد خطير» في وتيرة الاعتداءات التي تهدد النظام الصحي في البلاد. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيّرة نفّذت غارتين بفارق زمني قصير، استهدفت الأولى مبنى المستشفى بشكل مباشر، بينما وقعت الثانية خلال محاولة السكان إسعاف الضحايا وإجلائهم، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى. وبحسب الشهود، فقد قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص من أسرة واحدة، إلى جانب العمدة إبراهيم حامد، أحد زعماء القبائل في إقليم شمال كردفان.

«الخارجية» تدين

وأدانت وزارة الخارجية السودانية، بأشد العبارات، ما وصفته بـ«الهجوم الإرهابي الغادر» الذي قالت إن «قوات الدعم السريع» نفّذته بطائرة مسيّرة، مستهدفة المستشفى الوحيد في مدينة الجبلين، الذي يقدم خدماته لسكان المنطقة. وقالت الوزارة، في بيان صحافي، صدر في وقت متأخر من مساء الخميس، إن الهجوم يمثل «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية»، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم أطفال وكوادر طبية، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من المستشفى ومعداته. وأضافت أن القصف تزامن مع انطلاق حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على تعمد منفذي الهجوم إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر بين المدنيين. ودعت الخارجية السودانية المجتمع الدولي إلى إدانة ما جرى، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مجددة مطالبتها بتصنيف «قوات الدعم السريع» منظمة إرهابية.

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أي مسؤولية لها عن قصف مستشفى الجبلين، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها «مزاعم باطلة» يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه بهدف تشويه صورتها. وأضافت أنها ترفض «بشكل قاطع» محاولات الزجّ بها فيما وصفته بـ«حملات تضليل ممنهجة»، متهمة الجيش السوداني بالسعي إلى صرف الأنظار عن الانتهاكات التي يرتكبها بحق المدنيين والمنشآت العامة.

ويأتي هذا الهجوم بعد نحو أسبوع من اتهامات وُجهت إلى الجيش السوداني بشنّ غارة بطائرات مسيّرة استهدفت مستشفى مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وأسفرت عن مقتل 64 شخصاً وإصابة عشرات المدنيين.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

تصاعد هجمات المسيرات

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الطائرات المسيّرة التابعة لـ«قوات الدعم السريع» هجماتها على مواقع عسكرية في عدد من مدن ولاية النيل الأبيض، غير أن بعض تلك الهجمات أدّى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. واعتبرت قوى سياسية ومدنية أن استهداف مستشفى الجبلين، وما نتج عنه من سقوط قتلى وجرحى بين المرضى والكوادر الطبية، يمثل «جريمة نكراء» تضاف إلى سجل الانتهاكات، التي ترتكبها أطراف الحرب بحقّ المدنيين والمنشآت الخدمية. وفي السياق نفسه، أعرب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المناهض للحرب، عن إدانته الشديدة للهجوم، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤوليته.

وشدّد التحالف، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان نشره عبر موقع «فيسبوك»، على ضرورة وقف استهداف المنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، أو بأي وسائل عسكرية أخرى، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين. ودعا التحالف طرفي النزاع، ممثلين في القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، إلى الاستجابة العاجلة لمقترحات الهدنة الإنسانية، والشروع في اتخاذ خطوات جادة نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليمي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.