ماكرون يعاني من «أزمة حكم»... والمعارضة تتساءل عن مستقبل الحراك

رهان الحكومة على وهن الاحتجاج والنقابات على استمرار التعبئة

جانب من المواجهات التي شهدتها مظاهرات باريس أمس (أ.ب)
جانب من المواجهات التي شهدتها مظاهرات باريس أمس (أ.ب)
TT

ماكرون يعاني من «أزمة حكم»... والمعارضة تتساءل عن مستقبل الحراك

جانب من المواجهات التي شهدتها مظاهرات باريس أمس (أ.ب)
جانب من المواجهات التي شهدتها مظاهرات باريس أمس (أ.ب)

مرة أخرى، نزل الفرنسيون إلى الشوارع في يوم التعبئة الشعبية التاسع الذي دعت إليه النقابات جماعيا؛ رفضا لقانون إصلاح النظام التقاعدي، وسط مخاوف من انفلات أمني والترقب لما ستقرره النقابات لتحركها اللاحق. وأهمية يوم أمس تكمن في أمرين: الأول، أن قانون التقاعد قد أقر رسميا عن طريق فشل محاولة سحب الثقة من الحكومة التي لجأت إلى استخدام المادة 49 - 3 من الدستور. وتتيح هذه المادة تجاوز تصويت النواب مقابل طرح الثقة بها. والثاني، أنه يحل عقب التصريحات التلفزيونية التي أدلى بها الرئيس إيمانويل ماكرون ظهر الخميس، التي أبدى فيها تشددا وعزما بالسير بالقانون الجديد حتى النهاية أيا كانت حالة الاحتجاج، وموقف النقابات، والدعم الضعيف لحكومة إليزابيث بورن. ولم يتبق من عوائق أمام القانون الجديد سوى حكم المجلس الدستوري الذي طلبت منه رئيسة الحكومة، وكذلك أطراف نيابية معارضة، النظر في مدى ملاءمة بنوده مع النص الدستوري. وينتظر أن يصدر المجلس قراره خلال مهلة لن تتجاوز ثلاثة أسابيع. أما سعي المعارضة للحصول على «استفتاء بمبادرة شعبية»، فدونه عراقيل قانونية ليس أقلها أنها المرة الأولى التي يُطلَب فيها شيء كهذا منذ إقراره بصيغته النهائية في عام 2015، وسيعود أيضا للمجلس الدستوري أن يقرر إمكانية إجراء هذا الاستفتاء بشأن قانون يفترض أن يصبح نافذا قريبا جدا، بعد أن يصدره رئيس الجمهورية بمرسوم ويُنشر في الجريدة الرسمية. وفي أي حال، قال ماكرون، أول من أمس، إنه يريد أن يدخل القانون الجديد حيز التنفيذ قبل نهاية العام الحالي.
رغم تشدّد السلطات وإغلاق الباب رسميا أمام أي تنازلات لاحقة من جانب ماكرون والحكومة، فإن النقابات التي نجحت حتى اليوم في المحافظة على وحدتها رغم تنوع آيديولوجياتها، تبدو أمام مفترق طرق. والتحدي الأكبر الذي تواجهه يتمثل في قدرتها على توفير العناصر التي تمكنها من المحافظة على وحدتها من جهة، ومن جهة ثانية الإبقاء على جذوة الاحتجاج مشتعلة لمواصلة التعبئة النقابية والشعبية. وكما شكّل اللجوء الحكومي إلى المادة 49 - 3 عاملاً وفّر للمعارضة السياسية والنقابات دينامية جديدة لمواصلة الاحتجاجات، لا بل تكثيفها، فإن تصريحات ماكرون التي وصفتها النقابات والمعارضة على حد سواء بأنها جاءت «فوقية» و«استفزازية» و«منقطعة عن الواقع المعاش» يمكن أن تلعب الدور نفسه. وأفاد استطلاع للرأي أجري لحساب القناة الإخبارية «بي إف إم» بأن ستة فرنسيين من عشرة وجدوا كلام ماكرون «استفزازيا». ولعل ما ضاعف النقمة على رئيس الجمهورية، المقارنة التي عقدها بين ما عرفه البرلمان من مشادات وعنف لفظي أو التجاوزات المحدودة التي حصلت في نهاية المظاهرات خصوصا في باريس، وبين ما شهده الكونغرس، أو مجلس الكونغرس البرازيلي: الأول، بمناسبة التصديق على انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) 2021، والثاني في الشهر نفسه من العام الجاري برفض انتخاب لولا دا سيلفا رئيسا للبرازيل، وبعد أسبوع واحد من تسلمه مهماته.
ليس سرا، كما تفيد مصادر نقابية وسياسية، أن السلطات تلعب على عاملين متصلين. يتعلق الأول بتهافت التعبئة وتعب المتظاهرين بعد شهرين من المظاهرات والإضرابات غير المثمرة، والتساؤل المطروح حول فائدة الاستمرار في التعبئة ما دام أن القانون قد أقر وأن العمل به سيبدأ في الأشهر القادمة. أما العامل الثاني، فيتمثل باتساع أعمال العنف بأشكاله المختلفة من مناوشات مع رجال الأمن، وإشعال الحرائق والإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة، ما يذكّر جزئياً بما شهدته فرنسا زمن حراك «السترات الصفراء».
وإذا كانت النقابات مجتمعة قد نجحت، حتى الخميس الماضي، في المحافظة على سلمية المظاهرات، إلا أنها بدأت تخرج عن نطاق السيطرة بعد الذي جرى في البرلمان نهاية الأسبوع الماضي وما قد تجره تصريحات ماكرون. وثمة قناعة مترسخة قوامها أن تزايد أعمال العنف سيدفع المواطنين، خصوصا المتقاعدين وكبار السن والعائلات، إلى الامتناع عن المشاركة في المظاهرات اللاحقة، وفك تضامنهم مع المتظاهرين. من هنا، فإن ما حصل يوم الخميس يوفر مؤشرا مهما لما ستؤول إليه الحركة الاحتجاجية في الأيام والأسابيع القادمة.
وكانت لافتة أمس تصريحات أمين عام الحزب الشيوعي، فابيان روسيل، لدى انطلاق المظاهرة الباريسية، حيث دعا «كافة الفرنسيين ومناضلي الحزب الشيوعي، حيث يوجدون، إلى الانخراط في الإضرابات المفتوحة، وشل آلة العمل وشل البلاد، بما في ذلك سد طرق ووسائل التنقل». واتهم روسيل رئيس الجمهورية بأنه «يراهن حتى اليوم على العنف أو الفوضى»، محذرا الحكومة من أن أمامها حلين لا ثالث لهما: «إما سحب قانون التقاعد وإما الاستقالة». والحال أن ماكرون رفض سلفا هاتين الفرضيتين.

مأزق الحكومة
مقابل مأزق النقابات وأحزاب المعارضة، هناك مأزق ماكرون ومعه الحكومة. فالرئيس الفرنسي استهلك عشرة أشهر من ولايته الثانية «خمس سنوات»، ما يعني أنه سيمضي السنوات الأربع اللاحقة في قصر الإليزيه، وثمة أسئلة ملحة تطرح عليه وتتطلب إجابات واضحة بعد ما حصل في البرلمان مساء الخميس الماضي، حيث كادت الحكومة أن تسقط ولم تنقذها إلا بضعة أصوات وفرها حزب الجمهوريين اليميني المعتدل الذي يعاني من انقسامات داخلية.
في تصريحاته الأخيرة، تناول ماكرون هذه المسألة التي طرحت بداية عهده الثاني بعد أن حرمته الانتخابات النيابية من الحصول على أكثرية تمكنه من الحكم، وتسهل مهمة إقرار القوانين. من هنا، تأتي حاجته لتوسيع قاعدته السياسية أي التوصل إلى تكوين أكثرية.
وأول من أمس، عهد بهذه المهمة لرئيسة الحكومة التي أمهلها «أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع» من أجل «مواصلة توسيع قاعدة الأكثرية بقدر ما تستطيع»، مضيفا أن ذلك يمكن أن يتم باتجاه اليمين أو اليسار أو البيئويين. وخلال الأشهر العشرة التي انقضت، عملت الحكومة، وفق مشاريع القوانين المطروحة، على توفير أكثرية «ظرفية» ما مكنها من تمرير عدة قوانين جاء بعضها عن طريق اللجوء إلى المادة 49 - 3 من الدستور، إلا أنها أخفقت في استمالة مجموعة ثابتة أو في التوصل إلى «برنامج حكم» موحد مع جهة سياسية معينة. من هنا، حاجة بورن وماكرون لاستكشاف إمكانية التوافق مع جهة ما، على غرار ما هو قائم في ألمانيا مثلا، حيث التحالف الحكومي يضم ثلاثة أحزاب تنفذ برنامجا حكوميا وسياسات محددة سلفا.
منذ ما قبل تشكيل حكومة بورن، في مايو (أيار) الماضي، سمعت دعوات لتكوين تحالف مع حزب الجمهوريين اليميني باعتبار أنه الأقرب في توجهاته الاقتصادية والسياسية إلى ما يدعو إليه ماكرون. ففي الحكومة الراهنة كما في حكومات العهد الأولى، احتل وزراء يمينيون مراكز وزارية رئيسية. فوزير الاقتصاد، برونو لومير، الذي يشغل هذا المنصب منذ ما يقرب الأعوام الستة، جاء من صفوف اليمين وكذلك وزير الداخلية جيرالد دارمانان وكثيرون غيرهما. وسياسة ماكرون الاقتصادية والاجتماعية ليبرالية، لا بل إن ما نص عليه قانون التقاعد الجديد طالب به مرشحو الرئاسة من اليمين منذ سنوات وكانوا أكثر تشددا إذ دعوا لرفع سن التقاعد إلى 65 عاما «وليس 64 كما هو وارد في القانون الجديد».
بيد أن الدعوات للتحالف أو للاتفاق على برنامج حكومي فشلت لسببين: الأول، خوف الجمهوريين من أن يُستغلوا كـ«عكاز» لماكرون بحيث يفقدون هويتهم السياسية. والثاني، الانقسامات الداخلية التي يعانون منها بين من هو متحمس للالتحاق بالركب الرئاسي، وبين من يحذر من تبعاته السلبية. وكانت لافتة رد أوليفييه مارليكس، رئيس مجموعة نواب الحزب البالغ عددهم 61 نائبا، في الجمعية الوطنية، فقد حذر الأخير من التجربة «القاتلة» التي تعني الالتحاق بماكرون، مؤكدا أن هناك «الكثير من الأمور التي تفصلنا» عن رئيس الجمهورية، داعيا إياه إلى التوقف عن «تفتيت» المجموعات السياسية، ومشددا على ضرورة أن يشكل حزبه «البديل» عن ماكرون. وكان الأخير قد استقطب مجموعة من النواب والوزراء. لذا، فإن مارليكس نبّهه إلى أنه لم يعد ثمة من يستقطبه من جديد.
من جهته، انتقد إريك سيوتي، رئيس الحزب الذي أنقذ حكومة بورن من السقوط، ماكرون لـ«فشله» في إقناع الفرنسيين بأهمية وضرورة قانون التقاعد. أما من جهة اليسار، فإن أي إمكانية لالتحاق بعض نوابه بماكرون تبدو مستبعدة وكذلك الحال بالنسبة للبيئويين. ولا حاجة لتأكيد أن أيا من نواب الحزب الشيوعي أو «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي يقوده جان لوك ميلونشون يمكن أن ينخرط في تحالف مع ماكرون أو أن يدعم حكومته.
هكذا تبدو الأبواب مقفلة بوجه إليزابيث بورن، وقد يكون المخرج من ذلك أن يعهد ماكرون برئاسة إلى شخصية يمينية، كما فعل في عهده الأول مع رئيسي حكوماته السابقة إدوار فيليب وجان كاستيكس. والمرشحون كثر وعلى رأسهم اثنان: دارمانان ولومير، وإلا فإنه سيكون متجها للحل الأخير المتاح وهو حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.