الكاظمي لـ«الشرق الأوسط»: هناك من يحاول شيطنتي وتحميل حكومتي عيوب الـ20 سنة الماضية

أكد أن الفساد التهَم أكثر من 600 مليار دولار من أموال العراق... وتحدث عن 3 محاولات لاغتياله

الكاظمي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
الكاظمي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
TT

الكاظمي لـ«الشرق الأوسط»: هناك من يحاول شيطنتي وتحميل حكومتي عيوب الـ20 سنة الماضية

الكاظمي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
الكاظمي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

في نظام ما بعد صدام حسين يقيم رئيس الوزراء العراقي على خط الزلازل. صلاحياته واسعة والألغام هائلة. فهناك لا بد من أميركا التي نتج هذا النظام بفعل غزوها الذي اقتلع نظام البعث، ولا بد من إيران التي سارعت إلى ملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأميركي. وبهذا المعنى يقيم رئيس الوزراء العراقي بين واشنطن وطهران، ويتأثر بتعقيدات العلاقة الشائكة بينهما. وفي الداخل يقيم بين العرب والأكراد وهو مطالب بمعالجة الهواجس القديمة والجديدة بين بغداد وأربيل. ويقيم أيضاً بين الشيعة والسنة وهو مطالب بتوفير الضمانات والضمادات، مهمة تبدو للوهلة الأولى شبه مستحيلة. واجبه استعادة هيبة الدولة من بين أصابع دولة الفصائل، وواجبه أيضاً أن يجنّب الدولة معركة غير متكافئة وفي توقيت غير ملائم. الحزم وحده لا يكفي، ويمكن قول الشيء نفسه عن الصبر. وتقول التجربة إن الفصائل تسلّم أحياناً بوصول رجل لا يشبهها تماماً ومن خارج كارتل السلطة إلى رئاسة الوزراء، ثم تتصرف في الشارع والبرلمان كأنها تخشى نجاحه. كانت تجربة مصطفى الكاظمي في رئاسة الوزراء (بين مايو (أيار) 2020، وأكتوبر (تشرين الأول) 2022) لافتة وشائكة تعرّض خلالها لمحاولات اغتيال عدة بينها واحدة بمسيّرة. حاول ترميم حضور الدولة ومؤسساتها، وحاول جعل العراق أرض حوار إقليمي بدلاً من أن يكون ساحة تجاذب، معتبراً أن البوصلة هي العلاقة من دولة إلى دولة، ومصلحة العراق أولاً. سألت «الشرق الأوسط» رئيس الوزراء السابق عن تجربته ومحطات بارزة فيها، وهنا نص الحوار وهو أول حديث صحافي يدلي به منذ انتهاء مهامه على رأس الحكومة العراقية:
> أصدرت «هيئة النزاهة» أوامر قبض وتحرّ بحق عدد من مساعديك السابقين المقربين، ما ردّك؟
- منذ الأسابيع الأولى لتسلمي الحكومة بدأت عملية شيطنة هذه التجربة المدنية، وقد وقفت جماعات خارجة عن الدولة أمام أي عمل لخدمة الشعب لإفشال هذه التجربة، ولكن بقينا على عهدنا مع شعبنا ووفينا بالتزاماتنا في الملفات الرئيسية في منهاجنا، وتم تسليم الحكومة وفق مبدأ التداول السلمي للسلطة في حال أفضل بكثير من اليوم الذي استلمناها فيه.
استمرت عملية الشيطنة لهذه الحكومة حتى بعد انتهاء فترتها وسلب حقوق ضمنها القانون لرئيس الوزراء، حيث كان هناك ما يمكن اعتباره إجراءات انتقامية وكيدية نتمنى إبقاء مؤسسات الدولة بعيداً عنها. لقد أعلنا بصراحة أننا نقبل بتحقيق دولي شفاف في كل القضايا الملفقة والكيدية. تأتي هذه الإجراءات في سياق سياسي رداً على النهج الذي اعتمدناه، والذي كان يرمي إلى تمكين الدولة من استعادة حقوقها ودور مؤسساتها الشرعية، ورداً أيضاً على نهج الاعتدال الذي اعتمدناه في الخارج في ضوء قراءتنا لمصالح العراق. سعينا إلى تغليب منطق الدولة على منطق اللادولة، وتقليص مساحة السلاح المنفلت والفساد المستشري والذي يموّل حمايات لممارساته. وفي الخارج شددنا على لغة المصالح والتعاون والعلاقات من دولة إلى دولة بعيداً عن أسلوب الاستفزاز أو خيار التبعية. هذا النهج يثير حفيظة من اعتادوا حصد المغانم من غياب الدولة وكذلك من لديهم مشاريع لا علاقة لها بمصلحة العراق الفعلية.
> هل تجزم بأنك لم تدخل في أي قضية فساد ولم توفّر غطاءً لفاسدين؟

الهجوم بطائرات مسيّرة على منزل الكاظمي في المنطقة الخضراء ببغداد عام 2021 (إ.ب.أ)

- أكيد أجزم أنني لم أتورط في أي قضية فساد، ولم أوفر غطاءً لأحد، بل بالعكس عندما تورط أحد المعارف بقضايا فساد وحُكم عليه لم أتدخل إطلاقاً رغم كل الضغوطات التي تعرضت لها. وللمفارقة، تحوّل هذا الشخص المتورط بالفساد هو ومن يتوسط له إلى أعداء، وهم حالياً من يديرون جزءاً كبيراً من حملة الشيطنة وتلفيق الأكاذيب وفبركة الملفات ضدي. ولهذا قلت لك في حديثنا قبل المقابلة إن هناك قضيتين هما: الإصلاح والمصلحون. أنا كنت مصلحاً؛ ولهذا تعرضت لعمليات تشويش واتهامات... أنا أول مسؤول عراقي لم أعيّن شخصاً من عائلتي في الدولة. لم يكن هناك شخص من عائلتي في مكتب رئيس الوزراء أو في دائرتي، وذلك لكي أبعد ثقافة النفوذ والمحسوبية والزبائنية والعائلية ومبدأ استغلال السلطة على حساب الدولة، والتي تؤسس للفساد، وتبعد الاستحقاق على أسس الكفاءة والعدالة الاجتماعية، وإنما كنت أعتمد على العناصر الوطنية. نعم، كان واحد من إخوتي موظفاً في رئاسة الوزراء. نعم، ولكن كان قد تمّ تعيينه قبل أربع سنوات من وصولي إلى رئاسة الوزراء، وقد أُحيل إلى التقاعد وفق السياقات القانونية بعد تسلمي المنصب وبطلب مني شخصياً؛ لأتفادى مبدأ المحسوبية والعائلية. أنا أول رئيس وزراء يرفض أن يتضمن فريق عمله أو مكتبه أو المجموعة التي تتولى حمايتي شخصاً من عائلتي أو من أقربائي أو من أبناء عمومي أو أخوالي، على عكس الثقافة السائدة في عراق ما بعد صدام. وقد تعاملت بشفافية كاملة ومهنية خلال إدارتي للحكومة، ولم يتم استغلال المنصب من قبلي بأي شكل من الأشكال. وعندما غادرت المنصب قررت أن أصمت، ولا أتحدث للإعلام احتراماً للحكومة الحالية كي لا يحصل تشويش عليها أو سرقة الأضواء منها ودعماً لها، لكن التشويه المستمر والمتصاعد ضدي شخصياً وضد حكومتي وصل حدوداً لا يمكن السكوت عليها فقررت أن أكسر الصمت.
> ألم تحقق مكاسب مالية بفعل وجودك في موقعك؟
- أنا دخلت وخرجت وما زلت أسكن في البيت نفسه الذي أسكن به منذ عشرين عاماً. حتى عندما كنت رئيساً للوزراء، كان السياسيون يأتون إليَّ في الدار نفسها التي كنت أسكنها قبل أن أتولى منصبي. أنا كشفت فساداً كبيراً في العراق. كشفت قضية الشبكات التي كانت تأخذ عمولات عالية من المواطنين. وكذلك سرقات الدفع الإلكتروني، وكشفت قضايا الضرائب. هناك من يحاول أن يتلاعب بالحقائق من أجل الانتقام أو التشويه. أول كتاب أصدرته بعد وصولي إلى رئاسة الوزراء بشهرين، بتاريخ 19 أغسطس (آب) 2020، طلبت أن يحصل تحقيق في موضوع الضرائب. طلبت من وزارة المالية وهيئة النزاهة التحقيق في معلومات فيما يخص دفوعات الضرائب للشركات النفطية، التي تسمى «قضية القرن». ونحن من أعلن عنها لاحقاً. حكومتي كشفت قضايا فساد كبيرة، وقدمتها للقضاء وبينها سرقة الأمانات الضريبية التي كشفناها وأعلنا عنها، لكن الآن في ظل حملة التشويه والتجني الحالية يصبح من يكشف عن هذا الفساد ويتعقبه متهماً به والسارق بريئاً! كشفنا قضية فساد المبالغ المسروقة من هيئة التقاعد وفيها مبالغ أكبر من مبلغ «سرقة القرن». قضية فساد الدفع الإلكتروني تورطت فيها أطراف كثيرة وقوية. ولسوء الحظ استطاعت هذه الأطراف، بسبب قوتها ونفوذها، أن تعوق تحقيق العدالة كاملةً.
تسلمت المنصب ولم تكن لديّ موازنة. عام 2020 وعام 2022 لم تكن هناك موازنة. خلال سنتين لم تساعدني الكتل الأساسية في التصويت على موازنة، ولم تمتلك حكومتي سوى خمسة أشهر من الموازنة، ومع هذا نجحنا في الخروج من الأزمة الاقتصادية ومحاربة الفساد وتحقيق الاستقرار الأمني والاجتماعي في البلد.

> لماذا؟
- لأنهم لم يكونوا يريدون للحكومة أن تنجح، كانوا خائفين. يريدون أن يعبروا بهذه الحكومة مرحلة انعكاسات تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول)، وأن يقدموا الحكومة ورئيس الوزراء كبش فداء لأخطائهم. حاولوا منعنا من الوصول إلى الموازنة، تحت عنوان أن الحكومة قد تستفيد من الموازنة في الانتخابات، وتستغلها للفوز والبقاء. أنا جئت وكانت ظاهرة الفساد مترسخة في النظام السياسي. البعض يتكلم عن حكومتي الآن، ويحاول أن يشيطنها، ويحمّلها هدر وفوضى عشرين سنة. عن أي فساد تتكلمون وأنا لم أحصل على ميزانية لمدة سنتين؟ أي أموال تُهدر؟
> لم تكن هناك موازنة إلا لفترة 6 أشهر؟
- من مجموع 28 شهراً عمر حكومتي، حظيت فقط بموازنة بحدود 5 أشهر. أُقرت في منتصف يوليو (تموز) عام 2021، وانتهت في 31-12-2021، فهي 5 أشهر فقط. إذن عن أي فساد يتكلمون؟ الفساد مترسّخ في الدولة العراقية قبل مجيئي. والحكومات السابقة كلها متورطة، والأموال التي أهدرت تقدر بأكثر من 600 مليار دولار، تم إهدارها خلال هذه الفترة. في خلال عامين من رئاستي كشفنا قضايا فساد واغتيالات أكثر من كل الحكومات السابقة مجتمعةً وتابعناها مع القضاء. لكن الآن يحاولون أن يحمّلوا حكومتي مسؤولية تخريب وفساد أكثر من 18 عاماً، ومسؤولية كل الحكومات التي سبقت حكومتي، ويسكتوا عن خراب تلك الحكومات؛ لأنها حكوماتهم التي جاءت من أحزابهم وكتلهم البرلمانية. هذا تضليل كبير للرأي العام، وتشارك فيه أطراف حكومية وحزبية وميليشياوية. لكن مهما حاولوا تضليل الرأي العام، لم ولن ينجحوا لأن الناس يعرفون تماماً الحقيقة، والشعب العراقي لديه القدرة على التمييز بين الحقيقة، وتلفيق الأكاذيب، وفبركة الملفات. للأسف هناك من يريدون أن ينظفوا تاريخهم السيئ في الحكم؛ ولذلك يلومون حكومة الكاظمي الذي لا حزب له ولا ميليشيا ولا كتلة برلمانية.

> 600 مليار دولار، بين 2003 و2020؟
- نعم، بين 2003 ومنتصف عام 2020 الْتَهَمَ الفساد 600 مليار دولار من أموال العراق.
> أين ذهبت؟
- ذهبت إلى أطراف حزبية. الاستثمار في بناء الدولة العميقة، والاستثمار في مشاريع فاسدة، كانت تذهب إلى زعماء بعض الجماعات خارج إطار الدولة، وإلى بعض الأحزاب، على حساب المواطن. وذهبت أيضاً إلى حروب عبثية خارج العراق. لديّ حسابات الحكومات السابقة وما صرفته وما هي المبالغ التي اختفت. بعض الحقائق بهذا الصدد مرعبة وصادمة.
> كيف تختفي هذه المبالغ؟
- في مشاريع وهمية، في تمويل لأعمال عسكرية أسهم بها العراق مع الأسف الشديد. أموال كانت تذهب إلى أطراف، وهذه الأطراف استثمرتها في تأسيس وضع عسكري لجماعات مسلحة في العراق وخارج العراق. في عهد حكومتي لم توجد أي إمكانية لذهاب أي دولار لتمويل جماعات خارجة عن الدولة. وكان موقفي شديداً في هذا الموضوع، وهم يعرفونه ويصمتون عنه، ولهذا يكنّون العداء لي.

الكاظمي خلال الحوار

> يعني أنك أوقفت أي خروج للأموال لتمويل عمليات مسلحة أو ميليشيات؟
- نعم، لم يستطع أي طرف في عهد حكومتي أن يأخذ أي حصة أو إمكانية للاستحواذ على أموال الدولة للفساد، أو لتمويل جماعات خارج الدولة، وهذا أحد الأسباب التي دفعت نفس الأطراف لمحاربتي بعد أن قطعت عنهم التمويل.
> دولة الرئيس، متى طرح اسمك لرئاسة الوزراء، وفي أي ظروف، ومن قبل من؟
- طُرح اسمي للمرة الأولى في عام 2018 بعد استقالة حكومة السيد حيدر العبادي. فوتحت من قبل أطراف شيعية كون الشيعة يمثلون الإطار السياسي الأكبر في العراق، وأصبح العرف في العمل السياسي، للأسف الشديد، أن يكون رئيس الوزراء شيعياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس البرلمان سنياً. طرح اسمي لكنني اعتذرت.
> كنت يومها رئيساً لجهاز المخابرات الوطني، لماذا اعتذرت؟
- اعتذرت لسببين؛ ليست لديّ مقومات نجاح كرئيس للوزراء، ليس لديّ حزب، وليست لديّ كتلة برلمانية في نظام برلماني. وبالإضافة إلى ذلك، الأطراف التي طرحت الموضوع وضعت بعض الاشتراطات التي رأيتها صعبة القبول؛ لأنها تمس كرامة العراق. بكل تأكيد اعتذرت عن قبولها في ذلك الوقت، وكان هناك حديث بيني وبين رئيس الوزراء الذي تولى لاحقاً وهو السيد عادل عبد المهدي.
> حول ماذا دار النقاش؟
- كان اسمه مطروحاً واسمي كذلك. قلت له أنا اعتذرت، ونصيحتي لك أن تكون حذراً؛ لأنك ستعمل في ظروف صعبة، والكتل السياسية لن تسمح لك بالعمل بجدية. كان ذلك في عام 2018.
حصلت أحداث أكتوبر 2019 وهي التظاهرات المطالبة بإصلاح سياسي في البلد وبحماية كرامة الناس. تطورت الأحداث، وحصلت احتجاجات، وخسرنا في العراق كثيراً من الشهداء من الشباب المتظاهرين؛ لأن الحكومة لجأت إلى بعض الممارسات غير المنطقية في التعاطي مع المتظاهرين. خسرنا أكثر من 600 شهيد من المتظاهرين، تم قتلهم بدم بارد، وأكثر من 3500 إصابة تؤدي إلى الإعاقة، وأكثر من 24 ألف إصابة بسيطة. هذا الظرف أدى إلى استقالة حكومة الدكتور عادل عبد المهدي، وأول اسم تم طرحه بعد استقالتها كان اسمي واعتذرت عن القبول.
اعتذرت لأن الوضع كان معقداً، وغالبية المدن العراقية كانت ساخطة وساقطة بيد المتظاهرين، وكان الظرف السياسي لا يسمح. اعتذرت فتم طرح أسماء عدة لم ينجح أي منها بالحصول على قبول في تشكيل حكومة. وفي المرحلة الأخيرة تم طرحي كمرشح خامس لرئاسة الوزراء فقلت إنني لن أتولى المسؤولية إن لم يتوافر توافق كامل. قبلت المسؤولية لسبب واحد بسيط هو أنني كنت أرى المشهد العراقي متجهاً نحو الحرب الأهلية. قبلت المسؤولية في غياب كل شروط النجاح، وافقت لحقن دماء العراقيين. العراقيون لديهم تاريخ طويل من الوجع والألم والعنف والديكتاتورية.

قلت أحاول إيجاد مرحلة أو مساحة أو نقطة جديدة للطلاق بين الماضي الموجوع المرتبط بالعنف والقسوة، والحاضر والمستقبل الذي قد يوفر لنا فرصة لبناء دولة عصرية وبناء إنسان عراقي جديد، فكانت مهمتي في الحكومة هي إجراء انتخابات نزيهة عادلة حتى تعيد ثقة الشارع بالنظام السياسي، ونجحنا بذلك. الأطراف السياسية التي رفضتني في السابق، واتهمتني اتهامات باطلة بتهم كثيرة هي من وافق وطلب مني القبول برئاسة الوزراء، ربما كي تهرب من المسؤولية، وربما كانت تبحث عن كبش فداء يتحمل المسؤولية. كان المشهد صعباً. بلد متجه نحو صدامات في الشارع، مع انهيار اقتصادي، وانهيار أسعار النفط، مع انتشار وباء «كورونا»، مع استهتار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، بالإضافة إلى أزمة الثقة بين بغداد وأربيل، وأزمه الثقة من بعض الأطراف السنية بالنظام السياسي.
هذه الظروف كلها جعلتني أقبل المسؤولية. الهدف الأول منع الانزلاق إلى حرب أهلية، والثاني محاولة منع الانهيار الاقتصادي العراقي، والتأسيس لانتخابات نزيهة عادلة.

هشام الهاشمي (أ.ف.ب)  -  قاسم سليماني (أ.ب)  -  أبو بكر البغدادي (أ.ف.ب)

> يقال إن المرجعية ممثلة بآية الله علي السيستاني أبدت تعاطفاً مع حكومتك؟
- المرجعية تعبّر بطريقتها الخاصة. هذا هو نهجها في التعاطي، لا تذكر اسماً معيناً لرئاسة الوزراء أبداً، ولكنها أكدت على النقاط الرئيسية التي تضمنها منهاجنا الحكومي، وقد التزمنا بتطبيق هذا المنهاج؛ فقد صرّحت ممثلة الأمم المتحدة بعد أول لقاء لها بالمرجع الأعلى بعد تسلمي الحكومة، بأن المرجع يدعو إلى عدم التأخير في الانتخابات، وفرض هيبة الدولة، ومنع التدخلات الخارجية، وفتح ملفات الفساد الكبرى، والكشف عن المتورطين في عمليات الاغتيال والقتل في الاحتجاجات. الحكومة تفي بهذه الشروط، والكل يعرف أن هذه القضايا شكّلت حيزاً كبيراً وأساسياً في حكومتي، وقد حققنا نجاحات بارزة فيها رغم التحديات والمعرقلات الكثيرة. من يواكب من قرب مواقف المرجعية يدرك أبعاد رؤيتها، حيث مرجع ديني كبير جداً يدعو إلى المدنية، وإلى تعدد الثقافة السياسية والثقافة الاجتماعية في العراق، وقد وضعنا هذا الأنموذج قدوة لنا، وبالفعل حققنا نموذجاً مدنياً مختلفاً للحكم لأول مرة بعد عام 2003، وهذا إنجاز بالفعل.
الأحزاب السياسية تبدو متأخرة ومتخلفة كثيراً عن هذا الطرح الذي يطرحه السيد السيستاني. السيد السيستاني كان يفكّر بروح وطنية عراقية عالية. هو مرجع ديني شيعي عالمي، هذا صحيح، لكن كان لديه الهمّ الوطني العراقي، الهمّ الكردي، الهمّ السني، مهتم بذلك كثيراً، ومهتم كثيراً بعروبة العراق... مهتم بالإنسان والفرد العراقي، كما هو مهتم بالهوية الوطنية الشاملة وبقضايا المجتمع وتحدياته، وهو يفكّر بمنطق الدولة الحديثة المدنية والقادرة للقيام بخدمة شعبها.
> هذا كلام مهم جداً؟
- نعم. السيد السيستاني كان مؤيداً وداعماً لتوجه العراق إلى محيطه العربي، ولتعزيز الهوية الوطنية وللدولة المدنية. وهو يدعو إلى اندماج المجتمعات الشيعية ضمن دولهم، ويدعو إلى احترام القوانين الحاكمة في أي دولة.
> كيف تسلمت رئاسة الوزراء؟
- تسلّمت في 6 من الشهر الخامس في 2020. بدأت بحكومة تضم مجموعة وزراء. وزير الخارجية لم يكن البرلمان قد صوّت عليه؛ إذ كان هناك خلاف كردي – كردي، وكذلك وزارة العدل. كنا في وضع اقتصادي صعب جداً، وأحتاج شهرياً ما يقارب 6 مليارات دولار لدفع رواتب موظفي الدولة ورواتب المتقاعدين، وكان هناك متظاهرون في الشارع عندهم مطالب، وكانت هناك أزمة «كورونا»، وأزمة انهيار أسعار النفط، وكنا غير قادرين على دفع رواتب المتقاعدين. لهذا السبب أول زيارة قمت بها كانت إلى «دائرة التقاعد» لطمأنة المتقاعدين وكبار السن بأن رواتبهم سوف تصلهم، وبالفعل نجحنا في توفير رواتب المتقاعدين، والتزمنا بدفع رواتب موظفي الدولة العراقية، ولم نتأخر يوماً واحداً، وأول أمر فكرت فيه هو قضيتان: قضية إيجاد حل للوضع الاقتصادي المزري، وفكرنا بطريقة للإصلاح الاقتصادي، ووضعنا خطة إصلاح ساعدنا فيها البنك الدولي، وقدمنا رؤية أطلقنا عليها اسم «الورقة البيضاء»، ومن ضمن هذه الرؤية عالجنا الكثير من المشكلات، ونجحنا خلال فترة قصيرة في توفير أموال كبيرة للدولة العراقية من دون دفع ضرائب أو أي شيء، وورقة إصلاح تدخل في كل تفاصيل إدارة الدولة العراقية، وهي أول ورقة إصلاح اقتصادي منذ 70 سنة في تاريخ العراق. كانت مغامرة والبعض انتقدني عليها، كون الخطط الإصلاحية بعيدة عن الشعبوية والشعارات الكاذبة. كنت أبحث عن حفظ كرامة الناس وليس المتاجرة بعواطفهم. كنا في وضع اقتصادي صعب.
كان احتياط البنك المركزي في تراجع سريع، ووصل إلى 49 مليار دولار وبعدها بسنتين صعد الاحتياط إلى 90 مليار دولار. لقد سلّمت الحكومة وكان احتياط البنك المركزي بحدود 90 مليار دولار. وكان احتياط الذهب 95 طناً وفي تراجع، ولكن تركت الحكومة بعد سنتين واحتياطنا من الذهب 136 طناً، بالإضافة إلى فائض كبير في المالية يساعدنا في بناء مشاريع استثمارية كثيرة. كما ذكرت سابقاً، أنا جئت ولم تكن لديّ أموال لدفع الرواتب. الإقليم لم تكن لديه (أموال) كي أدفع له رواتب، ولا (أموال في) بغداد أستطيع أن أغطي بها رواتب كل الموظفين. الحمد لله والشكر، خلال سنتين لم نتأخر يوماً في دفع رواتب موظفي الدولة العراقية.

قوات أمن في مواجهة المحتجين على جسر الشهداء ببغداد في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)

> ماذا فعلتم لترميم حضور الدولة العراقية في الإقليم والعالم بعدما انحسر هذا الحضور؟
- الحقيقة أن العراق بدأ الانحسار منذ عام 2006، بدأ يبتعد عن محيطه العربي، ومحيطه الإقليمي، تحت عناوين فئوية. وأول أمر قمت به عندما جئت، هو إعادة التشديد على بناء هوية وطنية عراقية؛ فقد أوقفت الألقاب في وزارة الدفاع على أساس عشائري أو قومي أو مذهبي.
كنا نحتاج إلى بناء هوية وطنية عراقية. عملت على تأسيس أن يكون الجيش العراقي لكل العراقيين، وليس موزعاً على أساس طائفي أو مذهبي في المواقع العليا أو الدنيا. العراق كان بعيداً ومنحسراً في علاقاته الخارجية. أنا عملت على إعادة العراق إلى محيطه العربي. العراق بلد عربي بامتياز. نعم هناك قوميات... الكرد وآخرون، ومن حقهم الحفاظ على هوياتهم، ولكن العراق في النتيجة جزء من العالم العربي والعالم الإسلامي. عملت على إعادة بناء علاقاتنا مع العالم العربي، مع دول الخليج بالخصوص، ومع الأردن ومصر ولبنان وحتى الدول العربية البعيدة. كنا في أمسّ الحاجة إلى البناء، وإعادة هذا الانتماء إلى العراقيين، وبالفعل كان هناك تعاطف وارتياح في الشارع العراقي لهذه العودة إلى المحيط العربي. وهذا إنجاز مهم جداً. وبالفعل الدول العربية التي انفتحنا عليها كانت أكثر الدول مبادرة إلى المساهمة في العراق، والمساهمة في الاستثمار في العراق، لكن هناك من سمّى هذه الاستثمارات بأنها استعمار خليجي للعراق. هناك من لا يرغب بدخول هذه الاستثمارات إلى العراق تحت عنوان أن يبقى العراق بعيداً عن هذا المحيط.

> أين يقيم رئيس وزراء العراق، بين طهران وواشنطن؟
- العراق يقيم في العراق وفي مصالحه ومراعاة مصالح الآخرين وعلى قاعدة العلاقات من دولة إلى دولة وتوازن المصالح. مصلحة العراق أولاً قبل مصالح الآخرين بكل تأكيد. ندافع عن مصالحنا، ونحترم مصالح الآخرين والعلاقات من دولة إلى دولة ومن دون تبعية. هذه هي القاعدة السليمة في التعامل مع الدول القريبة والبعيدة.
> كيف كانت زيارتك الأولى إلى إيران بعد تعيينك؟ ومن التقيت؟
- كان الرئيس حسن روحاني في سدة المسؤولية. قلت في مؤتمر صحافي بكل وضوح وبحضور روحاني، نحتاج إلى علاقات دولة إلى دولة، ولا نحتاج إلى علاقات تدخل في الشؤون العراقية. نشكر الدول التي ساعدتنا في حربنا ضد «داعش»، ويجب ألا ننسى أن هذه المساعدات كان بعضها طوعياً والبعض الآخر بثمن. هذا الكلام قلته بكل وضوح في طهران، وأكدت أن علاقاتنا مع المحيط العربي هي من أجل مصلحة العراق ومصلحة المنطقة جميعاً.
> كيف كان اللقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي؟
- كان مبنياً على الصراحة؛ أن العراق دولة جارة، ودولة مسلمة، وفي الوقت نفسه دولة عربية، والعراق في أمسّ الحاجة إلى التوازن في علاقاته، نحن لسنا ضد إيران، ولكن نريد أن تتفهموا خصوصيتنا ووضعنا الخاص، وحتى علاقاتنا مع الأميركيين نحن في أمسّ الحاجة إلى أميركا التي ساعدتنا على التخلص من صدام حسين، وساعدتنا في الحرب ضد «داعش». وكان موقفه واضحاّ جداً: نحن نحترم السيادة العراقية والخصوصية العراقية، وكيف يرى مصلحة شعبه.
> المرشد قال: نحن نحترم الخصوصية؟
- نعم، قال: نحن نحترم العراق والسياسة التي يتبعها من أجل مصالحه. نحن، وفق ما عبّر عنه، «لا نثق بالسياسة الأميركية»، ولكن العراق لديه خصوصية، ومن حقه أن يبني علاقاته وفق مصالحه.
> التقيت روحاني وخامنئي وإسماعيل قاآني؟
- التقيت قاآني في ذلك الاجتماع في طهران، والتقيت رئيس البرلمان الإيراني أيضاً. وكنا واضحين، وحصل حديث عن العلاقة الاستراتيجية بين العراق وأميركا؛ إذ حاول الإيرانيون أن يفهموا ليطمئنوا، وطمأنتهم بأن هذه مصلحة عراقية، قواتنا بأمسّ الحاجة إلى العلاقة الاستراتيجية مع أميركا، والوجود الأميركي مطلوب لمساعدة وتطوير كفاءة وقدرات جيشنا والأجهزة الأمنية، وهذا لا يشكل تهديداً لكم، فوجود هذه القوات ضرورة عراقية، وأتمنى منكم تفهّم هذا الحضور الأميركي في العراق من أجل المصلحة العراقية.
> هل يستخدم الإيرانيون قناة رئاسة وزراء العراق لنقل رسائل إلى أميركا؟ هل لعبت دوراً في هذا الاتجاه؟
- نعم، كانت هناك رسائل كثيرة بين الإيرانيين والأميركيين في أكثر من مرحلة خصوصاً في المرحلة التي كانت فيها صواريخ تنطلق من بعض الفصائل العراقية، أو من الجماعات المسلحة في العراق، وكان دورنا هو التهدئة. كانت هناك جماعات تهدد بضرب السفارة الأميركية في بغداد زمن الرئيس دونالد ترمب، ونجحنا في إرساء التهدئة بين الأميركيين والإيرانيين.

> هل طلب الإيرانيون قطع علاقات العراق مع أميركا بعد قيامها بقتل قاسم سليماني؟
- كان هناك انتهاك للسيادة العراقية في حادثة مقتل الجنرال قاسم سليماني. حصلت على أرض عراقية. على طريق مطار بغداد. وكان موقف الحكومة واضحاً جداً، بالتنديد بهذه العملية. هذا القرار كان قراراً أميركياً بحتاً، ولم يوجد أي تأثير أو تدخل لدول المنطقة به، ولا لأطراف عراقية.
لم يطلب الإيرانيون مني (قطع العلاقات مع أميركا)، وفي حينها كنت رئيساً لجهاز المخابرات، لكن كان يطالب بذلك حلفاؤهم الموجودون في العملية السياسية. طالبوا بطرد الأميركيين من العراق، وقطع العلاقات، لكن الحكومة العراقية في حينها لم ترضخ لهذه الضغوطات، ونجحنا نحن لاحقاً بتخفيض التصعيد، وإرساء الاستقرار.
> وفي رئاسة الوزراء كنت تنقل رسائل بين الإيرانيين والأميركيين؟
- نعم، كنا ننقل رسائل بين أميركا وإيران باستمرار. وتدخلنا في مرحلة إطلاق السجناء، وكانت هناك مفاوضات.
> أي سجناء؟
- سجناء أميركيون في إيران. والتقيت بمجموعة منهم وبعضهم من أصول إيرانية، ولكن حدثت الانتخابات الأميركية وتأجل الموضوع فيها، وبعضهم تم إطلاق سراحه قبل أشهر.
> هل التقيتهم في إيران؟
- نعم، بعض السجناء التقيت بهم في إيران.
> هل كان اللقاء معلناً؟
- لا، كان سرياً.
> من هم؟
- أميركيون من أصول إيرانية، معتقلون في إيران. قمنا بوساطة لحل هذا الموضوع، ووصلت المفاوضات إلى مراحلها النهائية، لكن حصلت الانتخابات الأميركية فتم تأجيل التفاوض فيها، ثم ظهرت قنوات أخرى من دول أخرى، وتم إطلاق سراح بعضهم.
> عملت لجعل بغداد مكاناً للحوار بين الدول الإقليمية، كيف ولدت فكرة الحوار السعودي - الإيراني؟
- قبل الحوار كنت مهتماً بأن يكون العراق جزءاً من العالم المتحضر. أمضى العراق سبعة عقود تحت وطأة الدكتاتورية والحروب. أنا فتحت عيوني على حرب الـ75 مع الإخوان الأكراد، ثم كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبعدها غزو الكويت، وأخيراً أحداث ما بعد 2003 الصعبة من صراع ودم وفساد وطائفية وعنصرية وفوضى. هذه كلها مجتمعة أدت إلى دمار كبير في العراق والمجتمع العراقي وانهيار الطبقة الوسطى. كنت أحاول عن طريق سياسة الانفتاح ونظرية «تصفير المشاكل» أن أقوم بحلحلة التراكمات السلبية، وكنت أدعو دائماً بأن «الحوار ألف سنة أفضل من لحظة فيها إطلاق رصاص»، لهذا السبب فكّرت أن ننفتح على الآخر حتى لو كنا نختلف معه. الحوار هو الذي يؤدي إلى بناء عناصر الثقة وحسن الظن بالآخر وليس الخوف من الآخر. واليوم الحكومة الحالية تتبع سياسة الانفتاح هذه نفسها وتضيف عليها، وهذا شيء جيد. الإنجاز في الدولة العراقية ينبغي أن يكون تراكمياً. كل حكومة تضيف على جهد الحكومة السابقة، لا أن تحاول شيطنتها والظهور بمظهر البطل الذي هو على حق مطلق، وأنه هو الذي يقوم بتصحيح أخطاء ما قبله فقط... هذا أسلوب خاطئ: إلغاء منجزات الذين سبقوك وإنكارها بل تشويه سجلهم! يؤسس لعرف سياسي خاطئ.
مشكلتنا في العالم العربي أننا جرّبنا في السابق حكومات أشبعتنا شعارات ووعوداً تقدمية وأحلاماً قومية، لكنها لم تطعمنا خبزاً وكرامة، بل خطفت أوطاننا وأوصلتنا إلى ما وصلنا إليه. الحوار كان استراتيجيتي وجوهرها أن ننفتح على الجميع. أسّسنا لأول مؤتمر أسفر عن الحوار السعودي - الإيراني، وهو مؤتمر بغداد الذي دعونا إليه كل الدول المحيطة بالعراق والدول الصديقة، بينها فرنسا، وحضره زعماء من المنطقة. حضره الرئيس السيسي. للمرة الأولى منذ أكثر من 31 سنة رئيس مصر يزور العراق. وحضره الملك عبد الله الثاني، والشيخ محمد بن راشد، رئيس وزراء دولة الإمارات، وأمير قطر تميم بن حمد، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وحضر وزراء خارجية السعودية وتركيا وإيران، وذلك للمرة الأولى. وللمرة الأولى التقى الرئيس السيسي، أمير قطر، وكان ذلك في بغداد في 2021. من هنا انطلقت فكرة الحوار السعودي - الإيراني، وحصلت جلسات حوار بغداد لدعم هذا الحوار. هذه كلها إنجازات تُحسب للعراق.
كان الحوار السعودي - الإيراني على مستوى رؤساء الأجهزة. تناولت الحوارات قضايا متعددة وكانت ناجحة جداً، وحققنا تقدماً كبيراً ووصلنا إلى المرحلة النهائية، لكن التدخلات في المنطقة قد تكون تؤخر بعض الأشياء.
عقدت أيضاً لقاءات بين دول عربية ودول غير عربية أسست لعلاقات وانفتاح بين دول كانت في حالة قطيعة. ولن أدخل في التفاصيل.

> هل حقق الحوار الإيراني - السعودي تقدماً؟
- الحوار السعودي - الإيراني كان صريحاً ومثمراً، ولهذا أتوقع عودة قريبة للعلاقات بين البلدين ولما فيه مصلحتهما ومصلحة شعوب المنطقة. حصل تقدم في الحوار في العراق. وأول تقدم هو أنهم التقوا للمرة الأولى وجهاً لوجه وتكلموا بكل صراحة. الإيرانيون سمعوا وجهة النظر السعودية. وسمع السعوديون وجهة النظر الإيرانية. وكان الحوار مبنياً على الصراحة والوضوح. وحصل اعتراف بحدوث أخطاء بينها ما حصل للسفارة السعودية في طهران. وكان هناك اتفاق على بناء عناصر الثقة بينهما في المرحلة الأولى، ثم الانتقال إلى الحوار الدبلوماسي وعودة العلاقات.
> هل تطرقوا إلى الوضع في اليمن؟
- تطرقوا لكل شيء.
> هل تطرقوا إلى موضوع الحوثيين بالتحديد؟
- سبق وقلت تطرقوا لكل شيء.
> هل تطرقت جلسات الحوار الى الوضع في لبنان؟
- كان الحوار شاملاً.
> هل كانوا يجلسون وحدهم؟
- لا، أنا كنت أحضر وأدير الجلسات. جلسات الحوار كانت تستمر أحياناً خمس أو ست ساعات.
> أين كانت تعقد؟
- في مكان سري في بغداد.
> هل كان أمن المشاركين هاجساً؟
- طبعاً، كان أمنهم هاجساً جدياً لديّ، لئلا يتعرض أحد منهم لأي خطر.
> كيف ترى مستقبل الحوار الآن؟
- أعتقد أنه من المهم جداً أن يستمر. نجاح الحوار السعودي - الإيراني ساعد على التهدئة في المنطقة. السعودية دولة مهمة جداً في المنطقة، وإيران دولة مهمة في المنطقة، وهما جارتان مسلمتان، والمصالح المشتركة كثيرة بينهما.
> ما هو الملف الكبير الذي واجهك في رئاسة الحكومة؟
- الاقتصاد كان ملفاً كبيراً ونجحنا به نجاحاً جيداً وخلال فترة قصيرة ودون موازنة على عكس ما يروج البعض، والسلاح المنفلت كان تحدياً كبيراً لي. حاولت بكل جد التهيئة لإعادة هذا السلاح إلى الدولة، ولكن مع الأسف الشديد لم ننجح سوى في تقليص وجود السلاح في شوارع المدن.
> بماذا يشعر رئيس الوزراء العراقي عندما يُغتال أحد المواطنين؟
- يشعر بألم ووجع كبيرين، كما هو الحال مثلاً عندما اغتيلت الشابة الدكتورة ريهام شاكر يعقوب في البصرة، وهي ناشطة في المجال النسوي وناشطة في مجال إصلاح النظام السياسي. تشعر الدولة بالإهانة لأنها لم تستطع حماية مواطن.

> كم عدد محاولات الاغتيال التي استهدفتك؟
- ثلاث محاولات.
> ما هي؟
- كانت المنافذ الحكومية منفلتة وتسيطر عليها الميليشيات والجماعات المسلحة، وهناك تهريب وعمولات تُسرق من أموال الدولة. ذهبت بحملة إلى كل منافذ العراق من البصرة إلى الشلامجة إلى المندلي لوقف هذه الفوضى. وحققنا نجاحاً. خلال العودة، استقللت مروحية من محافظة العمارة، فتعرضت لإطلاق نار.
> هل عرفت هوية المنفذين؟
- جماعات مسلحة خارجة عن الدولة. فصائل كانت مسيطرة على منفذ العمارة.
> هل اعتقل أحد؟
- لا. المحاولة الثانية حصلت عندما تعرضت مجموعة من العوائل السنيّة في قرية الفرحاتية في محافظة صلاح الدين، لاغتيال بدم بارد على يد مجموعة من الشباب من جماعة مسلحة. حاولوا إلصاق التهمة بـ«داعش»، ولكن كان واضحاً أن المنفذين من سكان المنطقة، وهدفهم السيطرة على منطقة اقتصادية سنيّة. ذهبت أنا وكل الوزراء الأمنيين لقراءة الفاتحة وطمأنة العوائل، وتعرضت في الطريق لإطلاق صواريخ على سيارتي. اتصلنا بالأطراف التي أطلقت الصواريخ واعترفت، لكنها ادعت لاحقاً أنها أُطلقت في إطار تدريبات. إنها المجموعة نفسها التي كانت تهدد رئيس الوزراء باستمرار.
> من هي؟
- إحدى المجموعات البارزة مما يعرف بالجماعات الخارجة عن الدولة.
> وماذا عن الثالثة؟
- الثالثة عبر طائرتين مسيّرتين أسقطتا مقذوفات على مقر سكني الخاص في المنطقة الخضراء ببغداد. أعلنا عنها، اضطررنا لأنها أصبحت معروفة من الإعلام. أنا دائماً أحاول ألا تتسبب الانتهاكات الأمنية في فوضى سياسية في البلد. هذه كانت المحاولة الثالثة، وحصل دمار كبير في البيت، وأنا كنت في الطابق الأرضي في الدار، فيما المقذوفات أصابت الطابق العلوي.
> هل تعتقد أنهم فعلاً كانوا يريدون قتلك؟
- نعم، كانت المحاولة جدية.
> هل رأيت صدام حسين؟
- رأيت صدام حسين في أول جلسة لمحاكمته.
> لماذا ذهبت؟
- ذهبت لأرى اللحظة التاريخية، وكانت لحظة تاريخية صعبة جداً ومفصلية بتاريخ العراق، لكن مع الأسف من حضر من ضحايا صدام حسين لم يكونوا في مستوى المسؤولية. كانوا يتكلمون عما حصلوا عليه من مكاسب شخصية، بيت من هنا وسيارة من هناك في جلسة (محاكمة صدام حسين) وبذلك صغّروا جرائم صدام حسين.
> هل هذه المرة الوحيدة التي رأيت فيها صدام حسين؟
- المرة الثانية عندما رموا جثته بين بيتي وبيت السيد نوري المالكي في المنطقة الخضراء بعد إعدامه. رفضت هذا العمل، لكنني رأيت مجموعة من الحرس متجمعين وطلبت منهم الابتعاد عن الجثة احتراماً لحرمة الميت.

> أحضروا الجثة إلى قرب منزل المالكي؟
- نعم أحضروها، والمالكي أمر في الليل بتسليمها إلى أحد شيوخ عشيرة الندا، وهي عشيرة صدام حسين، فاستلموها من المنطقة الخضراء. دُفن في تكريت. وبعد 2012 عندما سيطر «داعش» (على المنطقة) تم نبش القبر، ونُقلت الجثة إلى مكان سري لا يعرفه أحد حتى الآن. وتم العبث بقبور أولاده.
> كيف بدأت علاقتك مع السعودية؟
- كنت رئيساً لجهاز المخابرات، ونقلت رسالة من الحكومة العراقية وفيها أن ليست لدينا مشكلة مع مذهب معين أو طائفة معينة، مشكلتنا مع التكفيريين أو الإرهابيين. وكان جواب الأمير محمد بن سلمان، حقيقة، جواباً ذكياً وقال نحن لا نتعاطى السياسة على أساس المذاهب، بل نتعاطى على أساس المصالح المشتركة وعلى أساس انتماءاتنا الثقافية. كان لقاءً صريحاً لمست خلاله اهتمامه بتعميق العلاقات الثنائية فنشأت بيننا صداقة مستمرة. وشاهدت رؤية الأمير محمد وهي مستقبلية للمملكة العربية السعودية وللمنطقة على صعيد الإصلاح الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. حقيقة رأيت فيه الشاب الطموح المهموم بنهضة وطنه والمنطقة ومؤمن ببناء دولة عصرية تكون جزءاً من العالم المتحضر ولها تأثيرها وبصمتها في بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كان يبحث عن مشتركات مع الجميع، وعنده لغة تصالحية وتكاملية مع الآخرين. يستحق الأمير محمد بن سلمان الثناء لمثابرته وإخلاصه.
> هل كان داعماً للحوار السعودي - الإيراني؟
- نعم، كان داعماً وكان يبحث عن مشتركات منذ فترة طويلة.
> كان اغتيال الباحث هشام الهاشمي رسالة قاسية وجهت إليك؟
- كانت عملية اغتيال بشعة، حصلت بعد أيام من تولي رئاسة الوزراء. هشام كان صديقاً وباحثاً متميزاً وشجاعاً، واغتياله كان رسالة تخويف واضحة لكل القريبين مني ولكل الأصدقاء. لم أنم ليلة اغتياله من الحزن والغضب. نجحنا في كشف الجريمة منذ اللحظات الأولى، ولكن وضعناها تحت المراقبة فترة طويلة جداً للوصول إلى بعض الخيوط، وصلنا إلى القاتل وتم اعتقاله واعترف. هذه كانت من اللحظات الصعبة في أول أيام تسلمي رئاسة الوزراء. ومن ثم، خلال سفري إلى أميركا ولقائي الرئيس دونالد ترمب تم اغتيال الناشطة ريهام شاكر يعقوب في البصرة، وكانت ناشطة متميزة ومسالمة، خسرها العراق وأهلها، خسارة كبيرة جداً وكانت رسالة مؤلمة. كانت رسالة تخويف للنشطاء من قبل جماعات مسلحة خارجة عن الدولة. كانت لحظة صعبة بالنسبة إلي.
> الذين اغتالوا هشام هم أنفسهم الذين اغتالوا ريهام؟
- فرق الموت. الجماعات نفسها.
> فرق الموت هذه كانت متسربة إلى الأجهزة العسكرية والأمنية؟
- كانت تستغل وجودها في جهاز معين وتقوم بهذه العمليات. تم اعتقالهم واعترفوا بالقيام بجرائم كثيرة؛ قتل نشطاء وصحافيين وآخرين. الذي قتل هشام كان ضابطاً في وزارة الداخلية، ويعمل مع إحدى الجماعات المسلحة.
> هل لا يزال معتقلاً؟
- نعم.
> هذا يعني أنهم اخترقوا أجهزة وصاروا ينفذون اغتيالات ببطاقات عسكرية؟
- المشكلة أن بعض الحكومات السابقة كانت تسهّل دخول هذه الجماعات إلى مؤسسات الدولة العراقية. ولهذا السبب الخلاف الموجود بيني وبين بعض الجماعات المسلحة هو أنني حرمتهم من هذه الفرصة. مع الأسف الشديد، الحكومات السابقة كلها ساهمت في إدخال هذه الجماعات في الدولة العراقية وبطريقة باطنية.
> كنت رئيساً للمخابرات، فما هي قصة صدام الجمل؟
- صدام الجمل أحد قادة «داعش» المهمين، وهو سوري، وأُعلن عن مقتله في وسائل الإعلام، والأجهزة الاستخبارية الدولية أعلنت عن مقتله في عام 2015، واختفى. صدام الجمل هو الذي كان ينفذ التصفيات وينفذ عمليات الهجوم. وصلنا خبر أن صدام الجمل حي يرزق وليس ميتاً. مع العلم أن «داعش» أعلن عن مقتله في إحدى المعارك، وصلنا الخبر، فوضعنا خطة لاستدراجه، وبنينا علاقة معه فكان يطلب تمويلاً من إحدى الدول.
> استدرجتموه بالتمويل؟
- اتفقنا معه أن نموله، وقدمنا نفسنا له بأننا جهاز تابع لجهة أخرى في المنطقة كان يريد أن يتعاطى معها، واستدرجناه ليأتي إلى موعد في منطقة معينة وبعثنا له أفلام فيديو وضمانات، وبالفعل جاء من سوريا إلى الدولة التي يريد أن يتعاطى معها. أخذناه ونقلناه. توهّم أننا ننقله إلى الجهة التي يريد ولكننا هبطنا به في بغداد من دون أن يعرف. نزل ووضعناه في دار ضيافة وتكلمنا معه، التقيته شخصياً، وطلب التمويل ففاجأناه بأنه معتقل عندنا في العراق.
> ألم يكن يعرف أنك عراقي؟
- لم يكن يعرف.
> في أي بلد ظنّ نفسه هبط؟
- ظن أنه هبط في إحدى دول المنطقة، بينما كنا أنزلناه عندنا كضيف وأظهرنا له ارتياحاً، وهو الآن في السجن محكوم مع مجموعة.
> هل قصة صدام الجمل أبرز قصة؟
- هناك قصص كثيرة، منها قصة الوصول إلى البغدادي. العراق لعب دوراً رئيسياً فيها. في 30 يونيو (حزيران) 2019، ألقينا القبض على شخص وكان محاطاً بحزام ناسف بطريقة غريبة ومتطورة جداً. وصلنا له، وتبين أنه مقرب من البغدادي، هذا الشخص أوصلنا إلى معلومة خطيرة، وهي التي أوصلتنا إلى زعيم «داعش». شاركناها مع الأميركيين، ومع أجهزة أخرى. عرفنا عن طريق هذا الشخص مكاناً في الصحراء يدفنون فيه علبة بلاستيك وداخلها ورقة مكتوب عليها رقم (الإحداثيات) لموقع (location) المكان الذي يلتقي فيه قادة «داعش». يوصلك إلى مكان اجتماعهم القادم. هذا الرقم أوصلنا إلى مكان البغدادي. ولهذا الرئيس الأميركي ترمب، بعد استهدافه للبغدادي، شكر المخابرات العراقية على التعاون.
> بدأ الخيط من المخابرات العراقية؟
- كان هناك دور كبير لجهاز المخابرات العراقية. كثير من العمليات في أوروبا، ألمانيا وغيرها، كان للمخابرات العراقية عمل استباقي فيها، وشاركنا أجهزة استخبارات أوروبية كثيرة بإيقاف كثير من العمليات للتنظيم.
> هل اخترقتم التنظيم؟
- نعم، اخترقناه. وحتى في المعارك الأخيرة في سوريا، في الحدود العراقية وغيرها، كنا نحصل من بعض عناصر التنظيم على معلومات تفصيلية عما يجري على الأرض أثناء المعارك، وبعضهم كان مصاباً إصابات خطيرة. التنظيم كان مخترقاً.
> بعضهم يتجسس على تنظيمهم لصالح المخابرات العراقية؟
- نعم. ليس فقط تجسس، بل يعطوننا الحركة لحظة بلحظة.
> مقابل ماذا؟ أموال؟
- أموال، وضمانات بالأمان. وبعضهم، أمانة للتاريخ، أصبح يكره التنظيم. شعروا أن التنظيم ورطهم ورطة كبيرة.
> والعمليات وراء الحدود؟
- قمنا بعملية داخل سوريا استهدفت وزير مالية تنظيم «داعش». وصلنا إلى منطقة الميادين داخل سوريا، وأنزلنا قوة من ضباط المخابرات لاعتقاله، وفوجئنا أن من يقاوم هي زوجته. قتلناه وطلبنا إسناداً جوياً من التحالف الدولي للإخلاء. وخلال العملية فوجئنا بأن زوجته لم تكن ميتة وقاومت مقاومة شديدة وأصابت الطائرة التي اضطرت إلى هبوط اضطراري بسبب إصابتها. كانت عملية نوعية قُتل خلالها «الداعشي»، لكن زوجته خاضت مقاومة شرسة جداً.
وكانت هناك أيضاً عملية نوعية أخرى استهدفت مسؤولاً مالياً للتنظيم في البوكمال. استدرجناه عن طريق فتاة كانت لها علاقة معه. واضطررنا لأن نستخدم قصفاً جوياً، وطلبنا من الفتاة الخروج لتنفيذ الغارة فلم تخرج. وقعت في حبه. أرسلنا إليه فتاة لاستدراجه إلى مكان معين، وحددنا لها وقتاً معيناً لتخرج من البيت، لكنها لم تخرج وكنا نتصل بها وترفض الخروج من البيت وتقول إنها وقعت في حبه وغرامه.
> وهل قُتلت معه؟
- لا.. تم إخلاؤها.
> كنتم تنسقون مع المخابرات اللبنانية؟
- نعم كان لدينا تنسيق وثيق مع الأمن العام اللبناني ومخابرات الجيش اللبناني. اشتغلنا شغلاً كبيراً مع لبنان، وكذلك مع الأميركيين والفرنسيين والإنجليز. أكبر خلية للتمويل كشفناها نحن بالتعاون مع الأميركيين والأوروبيين والخليجيين.
> أين؟
- في أفريقيا وفي بلجيكا. كانت الحوالات تأتي من السودان ومن نيجيريا ومن (دول أخرى في) أفريقيا.
> من كان يمول «داعش»؟
- تجارة تهريب النفط في سوريا، وتجارة الآثار، والسرقات. هذه بالدرجة الأولى، ولكن النفط كان الأهم.
> سرقة آثار في العراق؟
- في العراق وحتى في سوريا. سرقة الآثار، والنفط كان يدر عليهم مالاً وفيراً، فقد كانوا يبيعون برميل النفط بحدود 18 دولاراً.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

شكوى ضد جندي فرنسي-إسرائيلي بتهمة التعذيب والتواطؤ في حرب غزة

دورية راجلة للقوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة (أ.ب)
دورية راجلة للقوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة (أ.ب)
TT

شكوى ضد جندي فرنسي-إسرائيلي بتهمة التعذيب والتواطؤ في حرب غزة

دورية راجلة للقوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة (أ.ب)
دورية راجلة للقوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة (أ.ب)

قدّمت 3 جمعيات شكوى في فرنسا، الخميس، ضدّ مجهول بتهمة التعذيب والتواطؤ استناداً إلى مقطع فيديو يظهر فيه جندي فرنسي - إسرائيلي، وهو يهين رجالاً قُدّموا على أنهم معتقلون فلسطينيون، بحسب وثائق اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورُفعت هذه الشكوى في باريس أمام النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، المختصة بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بحسب الشكوى.

والجهات التي قدّمت الشكوى هي جمعية «حركة 30 مارس» البلجيكية، و«عدالة وحقوق بلا حدود» الفرنسية، و«جمعية فلسطينيي فرنسا، اتحاد الجمعيات الفلسطينية في فرنسا».

وأوردت الشكوى تهمة «التعذيب» و«التواطؤ في التعذيب باعتباره جريمة حرب» في «سياق نزاع مسلح دولي».

وقدّمت الشكوى بناء على مقطع فيديو تمّ بثّه على شبكات التواصل الاجتماعي «التقطه جندي فرنسي - إسرائيلي مفترض، وهو يصوّر معتقلين فلسطينيين في وضع مهين، ويتحدث عن أعمال تعذيب».

والتقط مقطع الفيديو في يناير (كانون الثاني) في قطاع غزة، الذي يشهد حرباً بين إسرائيل و«حماس»، وفقاً لعناصر الشكوى.

ونشر المقطع الناشط الفلسطيني يونس تيواري، في 19 مارس (آذار)، على موقع «إكس»، ويسمع فيه شخص يتكلم الفرنسية، ويقول: «هل رأيت هؤلاء اللعينين يا صديقي؟ (...) لقد تبوّل على نفسه. سأريك ظهره، وستضحك، لقد عذّبوه ليتكلّم».

ويضيف الشخص نفسه: «كنتم مسرورين في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) أيها الحقراء»، في إشارة إلى هجوم «حماس» غير المسبوق على جنوب إسرائيل، الذي أدى إلى مقتل 1170 شخصاً، معظمهم من المدنيين، بحسب حصيلة لـ«فرانس برس» استناداً إلى أرقام رسمية إسرائيلية.

وردّاً على الهجوم، شنّت إسرائيل عملية عسكرية لا تزال مستمرة في غزة، ما أسفر عن مقتل 33970 شخصاً، معظمهم من المدنيين، وفقاً لحصيلة نشرتها الخميس وزارة الصحة التابعة لـ«حماس».

وأعلن جيل دوفير، أحد محامي الجمعيات، لـ«فرانس برس»، أنّ «هذه الحادثة المعزولة تندرج في إطار أوسع من ممارسة التعذيب على يد الجنود الإسرائيليين».

ولدى تسلّمها الشكوى، ستدرس النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب ما إذا كانت يمكن قبولها ومدى اختصاص المحاكم الفرنسية للنظر فيها، قبل أن تقرر فتح تحقيق فيها من عدمه.


كيف هندست إدارة بايدن ضغوطها لحجب العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة» عن فلسطين؟

شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
TT

كيف هندست إدارة بايدن ضغوطها لحجب العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة» عن فلسطين؟

شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)
شاشة تظهر الممثل الخاص الفلسطيني زياد أبو عمرو يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن الخميس (أ.ب)

سعت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بشكل محموم، الخميس، إلى عرقلة مشروع قرار قدّمته الجزائر بدعم عربي في مجلس الأمن للاعتراف بالعضوية الكاملة لفلسطين في «الأمم المتحدة»، من خلال الضغط حيث يمكنها، على بقية الدول الـ15، إما للتصويت ضده أو الامتناع عن التصويت، لئلا تجهضه باستخدام حق النقض «الفيتو». بينما حذّر الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش من ارتكاب «أي غلطة» يمكن أن تعود بعواقب مدمرة على الشرق الأوسط والعالم.

وفي ضوء التعطيل المحتمل للجهد العربي الذي اكتسب كثيراً من الزخم خلال الآونة الأخيرة، خصوصاً في ظل استمرار حرب غزة، التي بدأت قبل 6 أشهر ونصف الشهر بعد هجمات «حماس» ضد المستوطنات والكيبوتسات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عملت الدبلوماسية الفلسطينية والعربية على خط موازٍ من أجل انتزاع مزيد من الاعترافات بدولة فلسطين، التي بلغت حتى الآن 138 من الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة للمنظمة الدولية. ويحتمل أن تتوجه المجموعة العربية إلى الجمعية العامة تأكيداً لهذا التوجه.

وتكثفت الاعتراضات الأميركية والإسرائيلية على إصدار توصية من مجلس الأمن بخصوص الطلب الفلسطيني المتجدد، الذي ورد في رسالة بعثها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، في 2 أبريل (نيسان) الماضي، لتجديد النظر في الطلب المقدم في 23 سبتمبر (أيلول) 2011 إلى الأمين العام السابق بان كي - مون للحصول على العضوية الكاملة في «الأمم المتحدة».

وأحيل الطلب إلى رئيسة مجلس الأمن للشهر الحالي، المندوبة المالطية الدائمة، فانيسا فرازير، التي أحالته بدورها إلى لجنة قبول الأعضاء الجدد في المجلس. ولم تتمكن هذه اللجنة من الوصول إلى الإجماع الضروري من أجل دفع هذه العملية إلى الأمام.

سفير إسرائيل لدى «الأمم المتحدة» جلعاد إردان يصافح الممثل المناوب للولايات المتحدة روبرت وود في جلسة مجلس الأمن الخميس (رويترز)

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة ضغطت منذ الأربعاء، لإرجاء موعد التصويت على مشروع القرار الجزائري الذي وضع بالحبر الأزرق، ما يعني أنه صار جاهزاً للتصويت عليه. وشارك في هذه الجهود الأميركية وزير الخارجية أنتوني بلينكن خلال محادثات أجراها مطلع الأسبوع مع نظيره المالطي إيان بورغ، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وكذلك في اتصالات أخرى أجراها نائب مستشار الأمن القومي الأميركي جون فاينر، بما في ذلك مع رئيس غويانا، عرفان علي، الذي تحتل بلاده مقعداً في مجلس الأمن.

وشملت الضغوط أيضاً كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا، التي لم تفصح ما إذا كانت ستؤيد مشروع القرار الذي ينص على الآتي: «إن مجلس الأمن، بعد درس طلب دولة فلسطين للقبول في (الأمم المتحدة)، يوصي الجمعية العامة بقبول عضوية دولة فلسطين في (الأمم المتحدة)».

جلسة الصباح

وكان غوتيريش يتحدث في مستهل جلسة على مستوى وزاري عقدها مجلس الأمن، الخميس، في شأن «الحالة في الشرق الأوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية»، فركّز على «الأخطار التي تشتد»، قائلاً إنه «يتعين ممارسة أقصى درجات ضبط النفس». وإذ كرر التنديد بـ«التصعيد الخطير» المتمثل في الهجوم الواسع من إيران ضد إسرائيل، وقبله الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق. ورأى أن «إنهاء الأعمال العدائية في غزة سيقلص بشكل كبير التوترات بأنحاء المنطقة»، جدّد مطالبته بالوقف الإنساني الفوري لإطلاق النار والإفراج الفوري عن جميع الرهائن المحتجزين في غزة. وأكد أن «تجنب تفشي المجاعة في غزة، ومنع حدوث وفيات يمكن تجنبها بسبب الأمراض، يتطلبان قفزة نوعية في المساعدات الإنسانية».

فلسطينيون يتجمهرون لتلقي مساعدات من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في غزة مارس الماضي (رويترز)

وإذ وصف الوضع بأنه «جحيم» في غزة، كرر أن عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (الأونروا) هو «العمود الفقري للعمليات الإنسانية» في القطاع. وشدّد أيضاً على أن المستوطنات في الضفة الغربية «غير قانونية»، مندداً بأعمال العنف ضد المدنيين هناك، داعياً إسرائيل إلى «القيام بخطوات فورية لإنهاء المستويات غير المسبوقة لعنف المستوطنين ومحاسبة الجناة».

وضع «الأونروا»

ووسط ترقب كبير لتقرير اللجنة المستقلة حول «الأونروا»، خلال الساعات القليلة المقبلة، عقد مجلس الأمن جلسة أخرى، مساء الأربعاء، للتركيز على عمل الوكالة، تحدث خلالها مفوضها العام فيليب لازاريني، الذي أشار إلى «مجاعة وشيكة من صنع البشر»، موضحاً أنه في شمال غزة «بدأ الرضع والأطفال الصغار يموتون بسبب سوء التغذية والجفاف».

وتطرق إلى ما تواجهه الوكالة من حملة لإبعادها عن الأرض الفلسطينية المحتلة، موضحاً أنه «في غزة، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إنهاء نشاطات الوكالة». وأكد أن «موظفينا ممنوعون من المشاركة في اجتماعات التنسيق بين إسرائيل والجهات الإنسانية. والأسوأ من ذلك، استهدفت منشآت الأونروا وموظفيها منذ بدء الحرب»، ما أدى إلى مقتل 178 موظفاً لدى «الأونروا» في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وذكر أن الموظفين الأمميين الذي احتجزتهم اسرائيل «تحدثوا عن شهادات مروعة لسوء المعاملة والتعذيب في الاحتجاز».

مساعدات غذائية إلى غزة من «الأونروا» (رويترز)

ووجّه لازاريني نداء لأعضاء مجلس الأمن بأن «يعملوا أولاً بما يتوافق مع قرار الجمعية العامة رقم 302، الذي يُنشئ الأونروا»، وحضّ ثانياً على «التزام عملية سياسية حقيقية تكتمل بالتوصل إلى حل يحقق السلام للفلسطينيين والإسرائيليين»، وأكد ثالثاً «الإقرار بأن العملية السياسية وحدها لن تضمن السلام المستدام» لأن «الجروح العميقة في المنطقة لا يمكن أن تُداوى إلا بغرس التعاطف ورفض نزع الإنسانية».

تشييع جثمان شاب فلسطيني قُتل في هجوم المستوطنين على قرية المغير بالضفة الغربية 13 أبريل الحالي (رويترز)

وقال وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، إن «الأونروا» تتعرض «لهجوم سافر واستهداف مشين من الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني»، عادّاً أن هذا الاستهداف «جزء لا يتجزأ من المخطط الإسرائيلي الرامي لتصفية القضية الفلسطينية، وإفراغ المشروع الوطني الفلسطيني من محتواه، وهدم أركان ومقومات الدولة الفلسطينية».

وقال المندوب البديل للبعثة الأميركية الدائمة لدى «الأمم المتحدة»، روبرت وود، إن الكونغرس الأميركي أوقف تقديم مساهمات إضافية للوكالة في أعقاب «الادعاءات الخطيرة» بشأن المشاركة المزعومة لعدد من موظفيها في هجمات «حماس» ضد إسرائيل، وحضّ «الأونروا ومنظومة (الأمم المتحدة) الأوسع على اتخاذ الخطوات اللازمة كافة لتعزيز حياد المنظمة وتحسين استدامة الأونروا». إلا أنه أكد أن الولايات المتحدة تعترف بـ«الدور الذي لا غنى عنه» للوكالة في غزة.

وأشار إلى أن واشنطن تتطلع إلى التوصيات النهائية لمجموعة المراجعة المستقلة بشأن «الأونروا»، وستواصل العمل مع الوكالة وغيرها «لتنفيذ إصلاحات لـ(الأونروا) لتبقى عاملة طالما كانت هناك حاجة إليها».

الموقف الفلسطيني

وقال الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني، زياد أبو عمر، إن الأونروا «ليست مجرد مشروع إنساني، إنما هي شاهد تاريخي على التزام المجتمع الدولي، بل واجبه تجاه اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم بسبب نكبة عام 1948».

طفلة فلسطينية نازحة تتناول الطعام من علبة في مخيم للنازحين برفح جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وذكر بأن الحملات الإسرائيلية على «الأونروا ليست جديدة»، داعياً إلى الضغط على إسرائيل لكي «تتوقف فوراً عن عرقلة عمليات (الأونروا) وانتهاك ولايتها».

أما المندوب الإسرائيلي جلعاد إردان فعدّ أن «الأمم المتحدة» «مسؤولة بشكل مباشر عن إدامة» الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، عادّاً أن «أحد الأسلحة التي صنعتها لإطالة أمد هذا الصراع هي (الأونروا)».

وخاطب وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أعضاء المجلس بأن «(الأونروا) تستحق دعمكم، لأنها الوحيدة القادرة على تقديم المساعدة الحقيقية للفلسطينيين الجائعين في غزة، وتوفير الخدمات الحيوية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس» في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا.

وأكد دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» أن الطلب الفلسطيني سيحصل للمرة الأولى على الأصوات التسعة المطلوبة لإحالة الطلب على الجمعية العامة. غير أن الفيتو الأميركي سيعطل هذه المحاولة على الأرجح.


أطفال غزة يتوقون إلى أيام الدراسة التي حرمهم منها الصراع

طفلان فلسطينيان يتفقدان الأضرار التي لحقت مدرسة تابعة للأونروا في أعقاب غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)
طفلان فلسطينيان يتفقدان الأضرار التي لحقت مدرسة تابعة للأونروا في أعقاب غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)
TT

أطفال غزة يتوقون إلى أيام الدراسة التي حرمهم منها الصراع

طفلان فلسطينيان يتفقدان الأضرار التي لحقت مدرسة تابعة للأونروا في أعقاب غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)
طفلان فلسطينيان يتفقدان الأضرار التي لحقت مدرسة تابعة للأونروا في أعقاب غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)

ينظر تلاميذ في العاشرة من العمر إلى مدارسهم المدمَّرة في غزة ويتألمون بينما يتذكرون ما فقدوه من التعليم والوقت الذي قضوه مع الأصدقاء في أفنيتها بعد اندلاع الحرب قبل أكثر من ستة أشهر، والتي أصابتهم بصدمة.

يشعر طلاب في العاشرة من العمر بصدمة وهم يحدقون إلى مدارسهم التي لحقها الدمار في قطاع غزة، وسط ذكريات مؤلمة عن الدراسة والوقت الذي كانوا يمضونه مع أصدقائهم في الملعب قبل اندلاع الحرب الدائرة منذ أكثر من ستة أشهر.

وقال عابد القرا، التلميذ بالصف الخامس، بينما كان يتفقد الأضرار مع صديقه محمد الفجم في بني سهيلا بشرق مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة: «كنا ندرس في هادول المدارس، كنا نلعب في الساحة وينزلولنا اللعب والكور، وكنا نطلع على الصفوف نلفلف ويجي علينا المدير يلفلف على الصفوف ويوزع علينا الكتب. كنا ننزل هناك ونشوف البني آدمين اللي رايحين ونقف على بوابة المدرسة. كنا عايشين يعني».

أحدثَ الرصاص ثقوباً في المباني، وتناثرت الأوراق في الفصول الدراسية المدمَّرة، وتمزقت الملصقات على الجدران، وتلفت الكتب.

وكل هذا تذكير قاسٍ بما فقده أولئك الذين يمثلون مستقبل غزة من تعليم وأحلام، منذ اندلاع الصراع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في القطاع المكتظ بالسكان الذي يعاني نقصاً حاداً في المياه والغذاء والدواء والرعاية الصحية.

مئات الفلسطينيين يحتمون في مدرسة جنوب قطاع غزة (رويترز)

وشنّ مسلّحون من حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» هجوماً على إسرائيل، تشير الإحصائيات الإسرائيلية إلى أنه أسفر عن مقتل 1200 شخص، واحتجاز 253 رهينة، في عملية مباغتة أشارت إلى إخفاقات كبيرة في الاستخبارات الإسرائيلية.

وردّت إسرائيل بهجوم جوي وبري تقول السلطات الصحية في غزة إنه أسفر عن مقتل ما يربو على 33 ألف فلسطيني، وسوَّى جزءاً كبيراً من مباني غزة بالأرض، بما في ذلك المدارس التي لها مكانة كبيرة في مجتمع يشكل فيه الأطفال نحو نصف السكان البالغ عددهم 2.3 مليون في غزة.

وصار تلاميذ صغار متعطشون للتعلم يتساءلون عما إذا كانوا سيستطيعون حَزْم كتبهم والعودة إلى المدرسة مجدداً. وسكان غزة، كباراً وصغاراً، بحاجة ماسّة لرؤية أي مؤشر على أن القتال سينتهي، لكن لا يوجد شيء.

لم يفلح وسطاء في تضييق فجوة الخلافات بين الطرفين بما يكفي للتوصل إلى وقف إطلاق النار، وسط تمرير للمقترحات ذهاباً وإياباً.

وجلس المدرس محمد الخضري على الأنقاض، وكتب على قطعة من الورق ما عبّر فيه عن الخراب الهائل الذي أصاب منظومة التعليم بجميع مراحلها؛ من رياض الأطفال إلى الجامعات.

وقال: «نحن نهيب بالجميع الاهتمام بالعملية التعليمية (في غزة)، وإعادة التعليم إلى ما قبل الحرب».

ومع ذلك فإن البعض لم يفقد الأمل، مثل محمد الفجم، التلميذ بالصف الخامس.

وقال: «أنا من الأوائل... أجيب 98 أجيب 100... كنت من الأوائل».

وأضاف: «بدنا نعمل خيام وندرس فيها، وبدنا ندرس فيها الخيام إيش ما كان التمن هندرس فيها. شوف صفنا يا الله كيف انحرق، شوف غرفة المدير اللي كان يجي منها الكتب وهالحلويات كان يوزع علينا كل حاجة وكان يوزع علينا ألعاب».


واشنطن: أي عمليات عسكرية كبرى في رفح ستكون خطأ فادحاً وخطيراً

فلسطينيون ينصبون خياماً بالقرب من الحدود المصرية بعد فرارهم من المعارك العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» (د.ب.أ)
فلسطينيون ينصبون خياماً بالقرب من الحدود المصرية بعد فرارهم من المعارك العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» (د.ب.أ)
TT

واشنطن: أي عمليات عسكرية كبرى في رفح ستكون خطأ فادحاً وخطيراً

فلسطينيون ينصبون خياماً بالقرب من الحدود المصرية بعد فرارهم من المعارك العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» (د.ب.أ)
فلسطينيون ينصبون خياماً بالقرب من الحدود المصرية بعد فرارهم من المعارك العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» (د.ب.أ)

أكدت المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية إليزابيث ستكني اليوم الخميس أن شن عمليات عسكرية «كبرى» في رفح بجنوب قطاع غزة سيشكل «خطأ فادحاً وخطيراً للغاية»، وذلك رداً على تقارير تحدثت عن سماح أميركا لإسرائيل باجتياح رفح مقابل تقليص الرد الإسرائيلي على هجوم إيران.

ورداً على سؤال بشأن الموقف الأميركي، قالت ستكني: «لا نزال على اقتناعنا بأن عمليات عسكرية كبرى في رفح ستشكل خطأ فادحاً وخطيراً للغاية على حياة المدنيين الذين قد يتعرضون للأذى... كانت الولايات المتحدة واضحة في أننا لا ندعم أي عملية برية في رفح دون خطة موثوقة وقابلة للتنفيذ لحماية المدنيين».

كانت «هيئة البث الإسرائيلية» قد نقلت اليوم عن مصادر أمنية قولها إن الجيش ينتظر الضوء الأخضر لبدء عملياته في رفح بجنوب قطاع غزة، مشيرة إلى أن خطة اجتياح رفح تحظى بموافقة أميركية.

لكن المتحدثة الإقليمية باسم الخارجية الأميركية قالت إن هناك طرقاً أخرى للتعامل مع الوضع الراهن في قطاع غزة، وأضافت: «بينما نشاطر إسرائيل الالتزام بالتعامل مع المشكلة التي تفرضها (حماس)، نعتقد أن هناك طرقاً أكثر فعالية للقيام بذلك».

وشددت ستكني على أن بلادها ستستمر بمناقشة هذا الموضوع مع الجانب الإسرائيلي، وقالت: «سنواصل متابعة النقاشات مع إسرائيل على مختلف المستويات حول هذه المسألة».

وفي وقت سابق من اليوم، طالب المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة واشنطن، في حديثه مع «وكالة أنباء العالم العربي»، بإيضاح موقفها من التقارير التي أفادت بسماحها لإسرائيل باجتياح رفح مقابل عدم دخولها في حرب مع إيران، واصفاً هذا الأمر بأنه «كلام خطير».

ونزح غالبية أهالي قطاع غزة فراراً من القصف الإسرائيلي، ويتكدس ما يقرب من 1.5 مليون فلسطيني حالياً في رفح الواقعة على الحدود مع مصر.

وتسببت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في مقتل ما يقرب من 34 ألف فلسطيني وإصابة نحو 80 ألفاً، بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، ويُعتقد أن آلاف الجثث ما زالت تحت أنقاض المنازل المدمرة والركام في قطاع غزة الذي سوَّت إسرائيل غالبية مناطقه بالأرض.


القلق اللبناني من توسيع إسرائيل للحرب يتصدر لقاء ماكرون وميقاتي

من لقاء سابق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (رئاسة الحكومة اللبنانية)
من لقاء سابق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

القلق اللبناني من توسيع إسرائيل للحرب يتصدر لقاء ماكرون وميقاتي

من لقاء سابق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (رئاسة الحكومة اللبنانية)
من لقاء سابق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (رئاسة الحكومة اللبنانية)

يتصدر القلق اللبناني حيال قيام إسرائيل في ردّها على الهجوم الإيراني الذي استهدفها، بتوسعته ليشمل جنوب لبنان، جدول أعمال اللقاء المقرر اليوم في باريس بين رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في ضوء ارتفاع منسوب المخاوف لدى عدد من الدول الأوروبية، التي حذّرت بلسان سفرائها في لبنان من اتساع رقعة المواجهة التي تصاعدت بين «حزب الله» وإسرائيل في الساعات الأخيرة، بشكل غير مسبوق، يمكن أن يصعب السيطرة عليه في حال شمول الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.

وكشفت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، أنه يجب أن يوضع في الحسبان احتمال توسيع إسرائيل ردّها على إيران ليشمل جنوب لبنان، وقالت إن هذا الاحتمال لم يأتِ من فراغ، وإن مصدره أكثر من سفير أوروبي في لبنان يواكبون المواجهة المشتعلة بين إسرائيل و«حزب الله»، التي أخذت تتجاوز حدود إسناده لحركة «حماس» في غزة إلى فتح الباب أمام التهديد بالخروج عن قواعد الاشتباك، ويمكن أن تكون عيّنة مما ستؤول إليه المواجهة امتداداً لرد تل أبيب على الهجوم الإيراني.

ميقاتي يسعى إلى شبكة أمان أميركية - أوروبية

ولفتت المصادر إلى أن المخاوف من اتساع الحرب جنوباً ستكون حاضرة بامتياز في لقاء ميقاتي بماكرون، في محاولة لاستقدام الضغوط الأوروبية لمنع تفلت الوضع العسكري بشكل تصعب السيطرة عليه. وقالت إن لبنان يراهن حالياً على التدخل الأميركي لدى تل أبيب لمنعها من الرد على طهران بلا ضوابط، بخلاف الهجوم الإيراني الذي بقي محدوداً ومكّن إسرائيل من استيعابه بمساعدة واشنطن وعدد من الدول الأوروبية التي أسقطت معظم المسيرات والصواريخ وهي في طريقها إلى هدفها.

وأكدت المصادر أن ما يتطلع إليه ميقاتي في اجتماعه بماكرون يكمن في تأمين شبكة أمان أوروبية - أميركية للبنان، تضمن له عدم تطاير شظايا الهجوم الإسرائيلي على إيران لتطال جنوب لبنان، وقالت إن لا مصلحة لـ«حزب الله» بأن يُستدرج إلى توسيع الحرب، وأن هناك ضرورة إلى التجاوب مع النصائح الغربية التي أُسديت له مباشرة أو من خلال الحكومة، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي جو بايدن هو من يشرف شخصياً على «هندسة» الرد الإسرائيلي ليأتي محدوداً، أسوة بالهجوم الإيراني الذي أُعلم به بواسطة سفير سويسرا لدى طهران؛ كون بلاده تتولى إدارة الشؤون والمصالح الأميركية في غياب التمثيل الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.

ورأت أن لا مصلحة لبايدن في لجوء إسرائيل إلى شنّ هجوم على طهران يمكن أن يؤدي إلى توسعة المواجهة العسكرية في المنطقة، وأن هناك ضرورة إلى ضبطه ليبقى محدوداً وتحت السيطرة، وأن انقطاع التواصل بين الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية لا يعني، مهما كانت الاعتبارات، أنهما على أهبة الدخول في مواجهة عسكرية، طالما أن السفارة السويسرية هي من تتولى التواصل بينهما إلى جانب الدور الذي تتولاه سلطنة عمان.

طهران تحرص على استمرار التواصل مع واشنطن

وقالت المصادر نفسها إن إيران، لا تسقِط من حسابها أن يتمكن بايدن من الضغط على إسرائيل للتعامل معها بالمثل في ردّها على الهجوم الذي استهدفها، أي أن يبقى محدوداً تحت سقف التعادل في تبادلهما للهجوم. وأكدت أن إيران ليست في وارد الانقطاع عن التواصل بالواسطة مع الإدارة الأميركية الحالية، وهي تتعاطى في ملف العلاقات الشائكة بينهما من زاوية قراءتها للمسار العام للتحضيرات للانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

ولم تستبعد مصادر سياسية محسوبة على محور الممانعة وجود رغبة لدى بايدن في الدخول في مهادنة مع إيران، وهذا ما يفسّر، كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، جنوحه نحو تدوير الزوايا ودعوته إسرائيل إلى ضرورة الاكتفاء برد محدود يمكنه توظيفه في استرداد تأييده من قبل الجاليات العربية والإسلامية في معركته الرئاسية ضد ترمب.

وبكلام آخر، فإن إيران، كما تقول المصادر السياسية، تواكب تصاعد المنافسة بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والحالي بايدن، ولن تجد حرجاً مع تصاعد المواجهة بينهما في تفضيلها التجديد للأخير لولاية رئاسية ثانية، انطلاقاً من تقويمها بأن علاقتها معه تبقى أقل سوءاً مما هي مع ترمب.

سعي أميركي لتفادي مواجهة شاملة

وفي هذا السياق، تصنّف المصادر نفسها تشدُّد بايدن في الضغط على إسرائيل لمنعها من التفلُّت بلا قيود في ردّها على إيران، في خانة استمالتها لانتزاع تأييدها له ضد منافسه ترمب، لكنها لا تسقِط من حسابها إمكانية قيام إسرائيل باستهداف مواقع لإيران و«حزب الله» في سورية لاختبار رد فعلها؛ استباقاً للرد الذي تعد له في عقر دارها، على ألا تترتب عليه تداعيات تدفع باتجاه تصعيد المواجهة لتشمل المنطقة، وهذا يبقى الشغل الشاغل لدى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في ضغطها على إسرائيل لضبط إيقاع ردها بما يضمن استيعابه.

وعليه، تبقى الأنظار شاخصة إلى لقاء ميقاتي - ماكرون لعله يؤدي إلى تحييد جنوب لبنان عن الرد الإسرائيلي على إيران، رغم أن تصاعد المواجهة في الساعات الأخيرة يأتي في إطار تبادل الرسائل النارية بين «حزب الله» وإسرائيل، المحكومة حتى إشعار آخر بتوازن الرعب، على ألا تخرج عن السيطرة، وهذا ما يُقلق اللبنانيين الذين يواكبون الضغط الأميركي لمنع توسعة الحرب، وهذا ما تنقله المصادر السياسية عن السفيرة الأميركية لدى لبنان ليزا جونسون، التي غادرت بيروت أمس لقضاء إجازة قصيرة، على أمل تجاوب الحزب مع ضبط النفس وعدم استدراجه لتوسعة الحرب، وهي تراهن على الدور الذي يضطلع به رئيس المجلس النيابي نبيه بري لدى الحزب الذي كان أوكل إليه التفاوض لتطبيق القرار 1701.


إجراءات متلاحقة لضبط الانفلاش النقدي في لبنان

هل ينجح مصرف لبنان في الحد من اقتصاد الكاش لمكافحة تبييض الأموال؟ (رويترز)
هل ينجح مصرف لبنان في الحد من اقتصاد الكاش لمكافحة تبييض الأموال؟ (رويترز)
TT

إجراءات متلاحقة لضبط الانفلاش النقدي في لبنان

هل ينجح مصرف لبنان في الحد من اقتصاد الكاش لمكافحة تبييض الأموال؟ (رويترز)
هل ينجح مصرف لبنان في الحد من اقتصاد الكاش لمكافحة تبييض الأموال؟ (رويترز)

عزّز البنك المركزي اللبناني إشعاراته الموجهة إلى الهيئات الرقابية الإقليمية والعالمية ووزارة الخزانة الأميركية، بالتزامه مواصلة اتخاذ التدابير الآيلة إلى معالجة أوجه القصور وتطوير آليات مكافحة الجرائم المالية، طبقاً للمعايير الدولية، والتعامل بجدية مع الملاحظات الواردة التي تحدد الثغرات القانونية والإجرائية.

وأكد مصرف لبنان أن الإجراءات المتخذة بدأت تنتج مفاعيل حسيّة باستهدافها تخفيف التعامل النقدي في الأسواق بشكل جيد وتدريجي، وهو يعمل منذ فترة من أجل إعادة تشجيع استعمال وسائل الدفع الإلكترونية، وتخفيف استعمال الدفع النقدي في السوق اللبنانية، وذلك بالتوافق مع المعايير الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب.

إجراءات لتشجيع استعمال بطاقات الدفع

وفي هذا المجال، بادر البنك المركزي، حسب بيان رسمي تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إلى إعادة تشجيع استعمال بطاقات الدفع، وذلك بالتنسيق مع المعنيين، ولا سيما شركتي «ماستركرد» (MasterCard) و«فيزا» (VISA) والمصارف والمؤسسات المالية المعنية بإدارة وإصدار البطاقات. ومن بين هذه الإجراءات العمل على تخفيض تكلفة استعمال بطاقات الدفع محلياً، خاصة البطاقات الصادرة خارج لبنان، والمستعملة في السوق اللبنانية. ويتوقع أن يبدأ ظهور نتائج هذه المبادرات قريباً.

ودعا مصرف لبنان المصارف والمؤسسات المالية لاعتماد التسهيلات كافة لتأمين خدمات الدفع الإلكتروني، ولا سيما تلك المتعلقة ببطاقات الدفع، بأقل تكلفة ممكنة، كما يأمل من التجار كافة عدم وضع أي رسوم أو أعباء إضافية على المستهلك عند استعماله بطاقات الدفع، كون ذلك مخالفاً للقانون ويلحق ضرراً بالاقتصاد الوطني.

إضافة إلى ذلك، يعمل البنك المركزي، بالتعاون والتنسيق مع وزارة المالية، على مشروع اعتماد بطاقات الدفع كوسيلة لتسديد الضرائب والرسوم لدى جميع صناديق وزارة المالية الأساسية المنتشرة على الأراضي اللبنانية كافة، وذلك بعد تركيب أجهزة إلكترونية لنقاط البيع لدى هذه المراكز.

تجدر الإشارة إلى أن مصرف لبنان أصدر منذ عدة أشهر التعميم 165 المتعلق بمقاصة وتسوية الشيكات والتحويلات النقدية بالدولار «الفريش» والليرة اللبنانية. وقد بدأ استعمال التحويلات والشيكات «الفريش» بالارتفاع، وأصبحت الشيكات «الفريش» وسيلة دفع أساسية وآمنة وبديلة عن الدفع النقدي (الكاش).

وفي العام الماضي، عدّل مصرف لبنان التعميم رقم 69 المتعلق بالمدفوعات الإلكترونية، وأعطى تراخيص لعدد من المحافظ الإلكترونية (Mobile Wallets) المستوفية للشروط. وتسمح هذه المحافظ الإلكترونية لمستخدميها بتحويل الأموال في ما بينهم، تجاراً وأفراداً، بشكل فوري وآمن، وفقاً للقوانين والأنظمة ذات الصلة.

التعاون مع القضاء لكشف العمليات المشبوهة

أما في البعد القضائي المتصل بعمليات مالية ومحاسبية مشبوهة، فقد سبق لحاكمية مصرف لبنان أن أرسلت، مباشرة وبواسطة هيئة التحقيق الخاصة، المعلومات والمستندات والحسابات التي من شأنها أن تنير التحقيق الجاري والناتج عن تقرير التدقيق الجنائي لشركة «ألفاريز ومرسال»، وذلك فور طلبها، وتشكل العمليات التي تمت مع الشركة المعنية جزءاً منها، وبدأ القضاء في العمل عليها منذ مدة.

أيضاً، وفي ما يتعلق بالمعلومات عن عمليات قام بها «المركزي» مع إحدى الشركات المالية خلال الفترة ما بين 2015 و2018، أوضح مصرف لبنان أنه عملاً بسياسته المتبعة منذ الأول من أغسطس (آب) من العام الماضي (تاريخ تسلم وسيم منصوري لمهام الحاكمية)، يجري التعاون بشكل وثيق مع الجهات القضائية، وصولاً لإظهار الحقائق كاملة.

كذلك، برز تشديد «المركزي» على ضرورة البدء بتطبيق القانون الصادر منتصف عام 2021، الرامي إلى «إخضاع كل المستفيدين من دعم الحكومة للدولار الأميركي، أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية، للتدقيق الجنائي الخارجي».


تصعيد متزايد في الجنوب... والتجمعات العسكرية محور هجمات «حزب الله»

غارة إسرائيلية تضيء السماء فوق بلدة الخيام في جنوب لبنان ليل الأربعاء  (أ.ف.ب)
غارة إسرائيلية تضيء السماء فوق بلدة الخيام في جنوب لبنان ليل الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

تصعيد متزايد في الجنوب... والتجمعات العسكرية محور هجمات «حزب الله»

غارة إسرائيلية تضيء السماء فوق بلدة الخيام في جنوب لبنان ليل الأربعاء  (أ.ف.ب)
غارة إسرائيلية تضيء السماء فوق بلدة الخيام في جنوب لبنان ليل الأربعاء (أ.ف.ب)

يستمر التصعيد على جبهة الجنوب بين «حزب الله» وإسرائيل مع إعلان الطرفين عن تنفيذ عمليات قتالية، وتركيز الحزب على استهداف تجمعات للجنود الإسرائيليين «بعد رصد دقيق وترقب»، وفق ما أعلن في بياناته.

ويأتي ذلك غداة الهجوم الذي شنّه «حزب الله» على مقر قيادة عسكرية في منطقة عرب العرامشة المتاخمة للحدود اللبنانية يوم الأربعاء، ما أدى إلى إصابة 14 جندياً إسرائيلياً.

وإثر ليلة وصفت بالـ«قاسية» عاشها أبناء قضاء مرجعيون، أعلن «حزب الله» مقتل اثنين من عناصره، هما محمد جميل الشامي من بلدة كفركلا، وعلي أحمد حمادة من بلدة الدوير، بعدما كانت «الوكالة الوطنية للإعلام» أعلنت مقتل شخصين في القصف الذي استهدف بلدة كفركلا، وذلك بعد ثلاثة أيام من تنفيذ «حزب الله» هجمات أقرّ الجانب الإسرائيلي بأنها أوقعت جرحى في صفوفه.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان ليل الأربعاء إن «طائرات حربية لسلاح الجو قامت مساء بمهاجمة بنية تحتية إرهابية كانت تستخدمها القوة الجوية لـ(حزب الله) شمال بعلبك».

والخميس، أعلن «حزب الله» عن تنفيذه عمليات عدة استهدفت بشكل أساسي تجمعات عسكرية للجيش الإسرائيلي، مؤكداً أنه أوقع في بعضهم قتلى وجرحى، وهو ما لم يفصح عنه الجانب الإسرائيلي. وأعلنت «المقاومة الإسلامية» في بيان لها أنها استهدفت قوة لجنود في الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتها سحب الآلية العسكرية التي تم استهدافها الأربعاء في موقع المطلة، كما استهدفوا تجمعين لجنود في موقع المالكية، وفي حرش حانيتا. وقال في بيان آخر إنه «وبعد رصد دقيق وترقب لحركة العدو في موقع المرج، ولدى وصول جنود العدو وآلياته إلى الموقع ظهر الخميس، استهدفهم المجاهدون بالأسلحة الصاروخية، وأصابوهم إصابة مباشرة، وأوقعوهم بين قتيل وجريح».

وسجلت ضربات «حزب الله» في الأيام الأخيرة استخداماً متزايداً للطائرات المسيّرة التي تحمل متفجرات، فيما زادت وتيرة القصف الإسرائيلي في لبنان.

وشن الطيران الإسرائيلي غارة على بلدة بليدا الحدودية، حيث استهدف منزلا، وتوجهت فرق الإسعاف إلى المكان، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» مشيرة إلى أن أبناء بلدات قضاء مرجعيون عموماً، وبلدتا الخيام وكفركلا خصوصاً، عاشوا ليلة قاسية جداً، بعد أن استهدفهما الطيران الإسرائيلي بالغارات، والقذائف المدفعية الثقيلة، والفوسفورية. وأشارت إلى أنه تم استهداف بلدة الخيام بـ6 غارات من الطيران الحربي، وبأكثر من 100 قذيفة مدفعية، وفوسفورية من الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة الرابعة فجراً.

كما استهدف القصف ساحة بلدة كفركلا بصاروخين من الطيران المسير، وقذائف مدفعية، وفوسفورية، وتمشيط كثيف بالأسلحة الرشاشة الثقيلة باتجاه البلدة من مستعمرة المطلة، فيما لم تفارق المسيّرات الإسرائيلية أجواء القطاع الشرقي.

وذكرت «الوطنية» أن الطيران الإسرائيلي كثف من تحليقه ليلاً وحتى ساعات الصباح الأولى فوق قرى قضاء صور، والساحل البحري، وفوق قرى القطاع الغربي، وأطلق قنابل مضيئة فوق القرى الحدودية المتاخمة للخط الأزرق.

وشهدت فجراً أطراف قرى الضهيرة والبستان وعيتا الشعب إطلاق نار من موقع إسرائيلي في بركة ريشة، ومن المواقع المتاخمة للخط الأزرق في القطاعين الغربي والأوسط.

ويأتي التصعيد على جبهة الجنوب بعد توتر شهدته المنطقة في نهاية الأسبوع، مع إطلاق إيران مئات المسيّرات والصواريخ على إسرائيل، في أول هجوم مباشر تشنّه الجمهوريّة الإسلامية ضد الدولة العبرية، رداً على قصف إسرائيلي لمبنى القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من أبريل (نيسان).


لبنان يتحضّر لدفع ثمن الرد الإسرائيلي على إيران

سيارة مدمرة أمام أحد المراكز في بلدة عرب العرامشة بعد قصفها بالصواريخ والمسيرات من «حزب الله» (رويترز)
سيارة مدمرة أمام أحد المراكز في بلدة عرب العرامشة بعد قصفها بالصواريخ والمسيرات من «حزب الله» (رويترز)
TT

لبنان يتحضّر لدفع ثمن الرد الإسرائيلي على إيران

سيارة مدمرة أمام أحد المراكز في بلدة عرب العرامشة بعد قصفها بالصواريخ والمسيرات من «حزب الله» (رويترز)
سيارة مدمرة أمام أحد المراكز في بلدة عرب العرامشة بعد قصفها بالصواريخ والمسيرات من «حزب الله» (رويترز)

يترقّب اللبنانيون بقلق توقيت الضربة الإسرائيلية لإيران، وانعكاساتها عليهم، ويتقاطع هذا القلق مع تحذير خبراء بأن لبنان «سيدفع ثمناً كبيراً للمواجهة الإيرانية - الإسرائيلية، خصوصاً أن طهران تستخدم (حزب الله) خطَّ دفاع أول عنها».

واستباقاً للرد الإسرائيلي المتوقّع على الهجوم الإيراني الأخير، تشهد جبهة لبنان الجنوبية تصعيداً كبيراً؛ إذ يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خليل الحلو، أن «الساحة اللبنانية ستكون جزءاً من الردّ الإسرائيلي على طهران».

ويشير الحلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ردّ إسرائيل سيشمل أهدافاً عدّة في إيران وخارجها، ويُرَجّح أن تقوم بعمل استباقي ضدّ (حزب الله) في لبنان، وتقصف الكثير من مواقعه العسكرية»، لافتاً إلى أن «الولايات المتحدة ما زالت تكبح اندفاعة تل أبيب لتوجيه ضربة موجعة لإيران وحلفائها، لكنّ ذلك لن يستمرّ طويلاً ما دام (رئيس حكومة إسرائيل بنيامين) نتنياهو يريد الحرب بأي ثمن».

وتتقاطع قراءات الخبراء عند حتمية الرد على الضربة الإيرانية، وإن لم تحقق أهدافها، والأخذ في الحسبان تدحرج الأمور إلى مواجهة شاملة سيكون لبنان إحدى ساحاتها.

قهوجي: كلما اشتدت المواجهة دفع لبنان الثمن

ويرى الباحث في الشؤون العسكرية والخبير في شؤون الأمن والتسلّح الدكتور رياض قهوجي، أن «كل تصعيد في المنطقة ينعكس حتماً على لبنان، خصوصاً عندما تكون المواجهة بين إيران وإسرائيل». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن إيران «كانت وما زالت تعتمد على (حزب الله) (بوصفه) خطّ دفاع أوّل عنها، وكلما اشتد غبار المعركة والمواجهة المباشرة بينها وبين إسرائيل دفع لبنان ثمنها».

ويقول قهوجي: «علينا أن ننتظر طبيعة الرّد الإسرائيلي، فالخيارات الإسرائيلية متعددة، لكنّ تل أبيب تأخذ بعين الاعتبار الضغوط الأميركية وتجنّب الانزلاق إلى حرب»، منبهاً إلى أن «الأمور تتطوّر بشكل متسارع، ولا شكّ أن (حزب الله) له دور مهمّ في هذه المعركة، ودوره أكثر أهمية من الدور الإيراني لجهة قدرته على إلحاق الأذى بإسرائيل».

واستباقاً للرد الإسرائيلي غير المعروف زمانه مكانه، تتحضّر الساحة اللبنانية لتكون جزءاً من المواجهة؛ إذ شهدت الساعات الماضية ارتفاعاً في وتيرة العمليات العسكرية التي ينفذها «حزب الله» ضد إسرائيل.

الحلو: على لبنان أن يقلق مما هو آت

الهجوم الإيراني على إسرائيل، رغم ضخامته، خلص إلى نتائج مخيبة؛ إذ لم يحقق أهدافه ولم يلحق ضرراً بالجانب الإسرائيلي، ما قد يفرض مقاربة إيرانية مختلفة. ويشدد الخبير العسكري العميد خليل الحلو، على أن طهران «أظهرت قدراتها القصوى في الضربة التي وجهتها إلى إسرائيل، وأمام غياب التأثير قد تضطر إلى الانصراف إلى تفعيل الصناعة النووية، وتعمد إلى تعزيز قدرات حلفائها الذين يتكفّلون بالردّ نيابة عنها، وأولهم (حزب الله)».

ويضيف الحلو: «لا شك أن الحزب اكتسب خبرة عملانية لتجنّب إسقاط مسيراته وصواريخه، واستطاع في العملية الأخيرة أن يتجنّب المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وأن يصيب القاعدة العسكرية الإسرائيلية في بلدة عرب العرامشة»، مؤكداً أنه «أمام هذه التطورات، على لبنان أن يقلق مما هو آتٍ، وربما يعجّل ذلك في ضربة إسرائيلية قوية في العمق اللبناني قد تسبق الردّ على طهران».

ويتفق الخبراء على أن تأثير التهديدات الإيرانية لإسرائيل يبقى محدوداً مهما بلغت قوته العسكرية والتسليحية. ويلاحظ الدكتور رياض قهوجي أن «إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، لكن فاعليتها محدودة بسبب المسافة التي تقارب الـ2000 كلم وتفصل بينها وبين إسرائيل. ومهما كان نوع السلاح الذي تطلقه إيران، فإن إسرائيل قادرة على مواجهته وإسقاطه بشكل ناجح كما فعلت مع حلفائها في الضربة الأخيرة»، مشيراً إلى أن «طهران استخدمت أحدث ما لديها من أسلحة، بخلاف كلّ ما يقال، ولا ننسى أن الحزب لديه جزء من الأسلحة التي يمتلكها الحرس الثوري، خصوصاً الصواريخ الباليستية والمسيرات، ولم يستخدمها باستثناء صاروخ (بركان) الذي يظهر فاعليته من مسافة قصيرة نسبياً».

دور أساسي للحزب في الرد الإيراني

ويرى الدكتور قهوجي أنه «إذا قرر الحزب القيام بهجوم شبيه بهجوم إيران لجهة السرعة والكثافة النارية، فسيلحق الأذى بإسرائيل أكثر بكثير من الضربات الإيرانية، من هنا فإن لـ(حزب الله) دوراً أساسياً، وإسرائيل مدركة لهذا الأمر».

ولا تتوقف تل أبيب عن إرسال إشارات تمهّد لتنفيذ عملية كبيرة في لبنان، لم يتضح حتى الآن حجمها وتوقيتها. ويشدد قهوجي على أن «هناك سيناريوهات عديدة تبقى رهن تطور الأمور». ويتابع: «نحن الآن في فترة تصعيد سيتبعها تصعيد أقوى، قبل أن تبدأ المساعي الدبلوماسية لاحتواء الوضع». وتوقّف عند تسريب خبر عن قيام إسرائيل بمناورة، لصدّ هجوم يتحضّر له «حزب الله»، شبيه بعملية «طوفان الأقصى»، وكيف سيرّد عليها، ويرى أنها «رسالة بالغة الدلالة على أن بقاء (حزب الله) على الحدود الشمالية لن يكون مقبولاً من الجانب الإسرائيلي الذي يسعى إلى إنهائه بأي ثمن».


لاهور الطالباني يحذر من «تفكيك» إقليم كردستان في حال عدم إجراء الانتخابات

لاهور الشيخ جنكي الطالباني (من مكتبه ىالإعلامي)
لاهور الشيخ جنكي الطالباني (من مكتبه ىالإعلامي)
TT

لاهور الطالباني يحذر من «تفكيك» إقليم كردستان في حال عدم إجراء الانتخابات

لاهور الشيخ جنكي الطالباني (من مكتبه ىالإعلامي)
لاهور الشيخ جنكي الطالباني (من مكتبه ىالإعلامي)

حذرّ لاهور الشيخ جنكي الطالباني، الذي كان يقود حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني مناصفة مع ابن عمه، بافل الطالباني، قبل أن يخرجه الانقسام داخل الحزب ويؤسس حزب «جبهة الشعب»، من إمكانية «تفكيك» إقليم كردستان في حال عدم إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر في يونيو (حزيران) المقبل.

وقال لاهور الطالباني في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «ثمة مخاطر كبيرة محدقة بالإقليم قد تؤدي إلى تقويضه»، مع بقاء حالة الفراغ التشريعي قائمة.

ورأى أن «إقليم كردستان يمر بفترة عصيبة بسبب تعطيل المؤسسات التشريعية».

ويعاني الإقليم فراغاً تشريعياً منذ مايو (أيار) 2023، بعد أن قضت المحكمة الاتحادية بعدم جواز تمديد عمل البرلمان هناك الذي جرى انتخابه للمرة الأخيرة عام 2018.

الزعيم الكردي مسعود بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

وأشار لاهور، وهو ابن شقيق الرئيس الراحل جلال الطالباني، إلى «وجود مساعٍ من قِبَل بعض الأطراف السياسية لتأجيل الانتخابات التشريعية في كردستان، وذلك سينعكس على شكل نتائج وخيمة على التجربة الديمقراطية المتواضعة التي يتمتع بها الإقليم».

ويعتقد أن «(الاتحاد الوطني الكردستاني) لن يجرؤَ على المضي قدماً بإجراء الانتخابات التشريعية دون مشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، لكن إجراء الانتخابات في موعدها المحدَّد أمر لا مفر منه».

وفيما يتعلق بالخيارات التي ستواجه إقليم كردستان في حال عدم إجراء الانتخابات، يرى لاهور أن «الإقليم بحاجة ماسة إلى إجرائها لتجديد الشرعية، مع مرور سنتين على موعدها القانوني والبرلمان معطل. وقد فقد شرعيته، هناك مخاطر تتهدد الكيان الدستوري للإقليم، وليس هناك أي مؤسسة تشريعية تدافع عنه في الظرف الراهن، لكنني لديّ شك كبير في إجراء الانتخابات بموعدها المحدد، بسبب تلويح الحزب الديمقراطي بمقاطعتها، إذا لم تجرِ الانتخابات في ذلك الموعد، فإن ذلك يفتح الأبواب أمام تدخلات في شؤونه الداخلية، وقد يواجه الإقليم خيارات صعبة بينها تفكيك حكومة إقليم كردستان».

أعلام كردية خلال احتفال عسكري بأربيل عاصمة إقليم كردستان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكان «الديمقراطي الكردستاني» أعلن تعليق مشاركته في الانتخابات، منتصف مارس (آذار) الماضي، احتجاجاً على قرارات المحكمة الاتحادية التي ألغت «كوتا» الأقليات هناك، وحكمت بتقسيم الإقليم إلى أربع دوائر انتخابية، بعد أن كان دائرة واحدة، وكذلك أسندت مهمة إدارة الانتخابات إلى مفوضية الانتخابات الاتحادية، وليس إلى مفوضية انتخابات كردستان.

وباستثناء «الحزب الديمقراطي» المعارض لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد قبل إجراء التعديلات اللازمة على قرارات المحكمة الاتحادية، تتمسك معظم الأحزاب الكردية، وضمنها حزب «الاتحاد الوطني»، الغريم التقليدي لـ«الديمقراطي»، على إجرائها في موعدها المحدد.

كان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، قال، خلال لقائه سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق، توماس سيلر، الأربعاء، إن «(الحزب الديمقراطي) كان منذ ما بعد الانتفاضة عام 1991 هو المبادر للديمقراطية وإجراء الانتخابات والتحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية والدستورية، وهو مستعد دائماً لإجراء الانتخابات في كردستان».

وأكد أن الملاحظات التي يبديها «الديمقراطي» جاءت «نتيجة حرمان المكونات (الكوتا) من الانتخابات وكثرة المشكلات الفنية والتلاعب غير الدستوري بقانون الانتخابات والسعي لصياغة مسبقة لنتائج الانتخابات».

وأشار بارزاني إلى قيام حزبه بتعليق مشاركته في الانتخابات «من أجل الحفاظ على القيم الديمقراطية وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة، ويطالب بالإسراع في تجاوز الملاحظات والمواضيع الفنية التي تعيق إجراء انتخابات صحية وإيجاد صيغة مناسبة لمشاركة المكوِّنات وعدم سحق حقوقها».

وفي حين لم يقدم الحزب الديمقراطي أسماء مرشحيه للانتخابات إلى مفوضية الانتخابات حتى الآن، تقول مصادر كردية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الديمقراطي) يجري استعداداته وبطريقة سرية لخوض غمار الانتخابات».

وتشير المصادر إلى «إمكان تحديد موعد جديد للانتخابات لإفساح المجال أمام (الديمقراطي) لتقديم مرشحيه وقوائمه الانتخابية».


الغزّيون عُرضة لاستغلال «أباطرة المال» في ظل نقص السيولة النقدية و«عملة تالفة»

متداولة على مواقع التواصل
متداولة على مواقع التواصل
TT

الغزّيون عُرضة لاستغلال «أباطرة المال» في ظل نقص السيولة النقدية و«عملة تالفة»

متداولة على مواقع التواصل
متداولة على مواقع التواصل

يتعرض الغزيون لاستغلال واضح من «الصيارفة»، أو من يطلق عليهم البعض «أباطرة المال»، الذين يصرون على الحصول على عمولة مالية عالية مقابل عمليات تحويل الأموال التي أصبح كل غزي تقريباً مضطراً إليها في ظل نقص السيولة.

ويعاني وسط وجنوب القطاع توقفاً شبه كامل للبنوك منذ نحو أسبوعين بسبب انعدام السيولة النقدية، في حين أن البنوك توقفت نهائياً في مناطق شمال القطاع منذ منتصف الشهر الثاني للحرب المدمِّرة، مما جعل السكان عُرضة للاستغلال مع مرور الوقت.

وتعمدت قوات الاحتلال استهداف البنوك العاملة في القطاع، حتى تلك التابعة لسلطة النقد الفلسطينية في رام الله، إلى جانب استهداف واضح للصرافات الآلية وتفجيرها، في إطار حرب استهدفت الاقتصاد الفلسطيني.

وقال رمضان الملاحي (41 عاماً)، وهو موظف مدني يعمل مع السلطة الفلسطينية ويقطن مدينة غزة، إنه اضطر في الأشهر القليلة الماضية وحتى قبيل عيد الفطر بأيام، إلى تسلم راتبه عبر الصرافين الذين يملكون السيولة المالية، مقابل عمولة وصلت إلى 20 في المائة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «استغلال واضح وبشع. لكن ما باليد حيلة».

فلسطينيون يجرّون عربتهم وسط الدمار في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقالت آلاء أبو موسى (27 عاماً) من سكان جباليا شمال القطاع، إنها اضطرت أيضاً إلى دفع عمولة 20 في المائة للصرافين بعدما تلقت حوالة مالية من شقيقها في تركيا، الذي دفع أيضاً عمولة وصلت 5 في المائة في إسطنبول. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «يريدون أن يقاسمونا لقمة عيشنا... أباطرة مال يسرقوننا في وضح النهار ولا نستطيع فعل شيء».

وتساءلت أبو موسى عن دور الجهات الرقابية: «أين سلطة النقد؟ أين الحكومة؟ أين السلطة؟ أين الشرطة؟ أين الفصائل؟».

مديرو البنوك في غزة رفضوا التعليق على إمكانية إعادة تشغيل البنوك أو على الأقل الصرافات الآلية، كما رفض الصرافون التعليق، فيما تتجاهل الأمر الجهاتُ الرقابية في حكومة «حماس» بغزة والتي تنشط بالحد الأدنى من المهام.

وقال الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية السيولة في أنها تعد عصب العملية التجارية ودونها لا يمكن التجارة والتسوق.

فلسطينيون عند معبر رفح بعد إجلائهم من قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وأرجع أبو قمر الأزمة إلى خروج كميات كبيرة من الأموال للسفر وشراء السلع عبر المعابر دون دخول أي أموال لقطاع غزة.

ورأى أن سلوك سلطة النقد وبعض البنوك، قد يحوّلهم إلى مشاركين في أزمة السيولة، مشيراً إلى أن سلطة النقد لم تتخذ أياً من التدابير التي تحدّ من الأزمة، كتوفير سيولة من البنوك وفتح فروع أكبر لصرف الأموال وضمان عدم تكدس المواطنين وعملاء البنوك أمام الصرافات. كما لم تنجح بإدخال أي مبالغ لأسواق قطاع غزة رغم أن بروتوكول باريس الاقتصادي الموقّع عام 1994 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل يضمن ذلك.

كما أن سلطة النقد لم تتخذ أي خطوات تدابير لتجميد حسابات أشخاص يعملون في السوق السوداء ويتحكمون في السيولة.

ورأى أبو قمر أن الحكومة في غزة تتحمل كذلك مسؤولية كبيرة. وقال إن على الحكومة أن يكون لها دور فاعل في تخفيف أزمة السيولة. مشدداً على أنه «يمكنها ذلك من خلال تقليل الأموال التي تخرج من قطاع غزة عبر تقييد الاستيراد للسلع التي يمكن للمواطنين الاستغناء عنها، وتتبع الأشخاص الذين يحتكرون السيولة ويرفعون نسبة العمولة حتى وصلت إلى 20 في المائة، ومعاقبتهم».

وطالب أبو قمر بسرعة التدخل، لأن السكان بدأوا يعانون مشكلة أخرى مرتبطة بنقص السيولة، وهي «العملة التالفة» التي تملأ الأسواق، وقال: «على سلطة النقد وبالتعاون مع البنوك سرعة جمع هذه العملة واستبدال عملة جديدة بها، لأنها تفاقم الأزمة وتخلق متاعب للبائعين والمتسوقين على حد سواء».

وبدأت الأزمة في وقت مبكر في شمال القطاع، وامتدت في الأسبوعين الأخيرين على الأقل، إلى مناطق وسط وجنوب القطاع، خصوصاً رفح التي يتكدس فيها مليون ونصف المليون نازح.

وقال أيمن حمدونة، في رفح، إنه توجه إلى البنك عدة مرات لسحب مبلغ مالي من حسابه، إلا أنه لم يتمكن من ذلك.

وأضاف: «البنك أبلغنا جميعاً أنه لم تعد تتوفر لديه أي سيولة مالية، وهذا خلق وضعاً صعباً».

واضطر حمدونة، مثل الآلاف من سكان رفح والنازحين فيها، إلى تسلم أموالهم عبر صرافين يستخدمون نظام تطبيق بنكي لتحويل الأموال من حسابات الناس إلى حساباتهم، ثم يسلمونهم قيمة المبالغ التي يتم سحبها مقابل عمولة مالية تراوحت ما بين 15 و20 في المائة.

ولم يتمكن الآلاف من الموظفين التابعين للسلطة الفلسطينية من سحب رواتبهم، في الشهرين الأخيرين على الأقل. ويتهم الشاب حمدونة الكثير من التجار ورجال الأعمال بالتعاون مع أشخاص يعملون داخل البنوك وغيرها لتسهيل سحبهم مبالغ كبيرة، لاستخدامها في استغلال الناس، وهو أمر لم يتسنى التأكد من صحته بشكل مستقل.

لوغو سلطة النقد الفلسطينية

كانت سلطة النقد الفلسطينية في رام الله، قد أكدت، الشهر الماضي، أن عدداً من فروع المصارف ومقراتها تعرضت للتدمير، وتعذر فتح ما تبقى من فروع للقيام بعمليات السحب والإيداع في القطاع كافة، بسبب القصف والظروف الميدانية القاهرة وانقطاع التيار الكهربائي والواقع الأمني.

وبيَّنت سلطة النقد، أن ذلك تسبب في أزمة غير مسبوقة في وفرة السيولة النقدية بين أيدي الغزيين وفي الأسواق، وتفاقمت الأزمة مع خروج معظم أجهزة الصراف الآلي عن الخدمة.

ولفتت إلى أنها تتابع شكاوى السكان عن عمليات ابتزاز يمارسها أشخاص وتجار وبعض أصحاب محلات الصرافة غير المرخصة باستخدام أجهزة الخصم المباشر في نقاط البيع، أو التحويلات المالية على التطبيقات البنكية.