لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

وزير المالية أكد أن «أولويتنا استعادة دور الدولة»

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)
لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)

تخطى «حزب الله» دعوة رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية» بـ«الوحدة الوطنية»، ليفتتح صداماً مع السلطة اللبنانية، وتحديداً الرئيس اللبناني جوزيف عون، على خلفية التصعيد الإسرائيلي العنيف في جنوب لبنان، مما يعزز هواجس أهل الجنوب من «عزلة»، بعد التصادم مع عون الذي يمثل من موقعه رمزية الدولة.

وشن «حزب الله» عبر جمهوره حملة شعواء على الرئيس اللبناني، إثر الضربات الإسرائيلية. وقالت مصادر مواكبة لملفات الحزب، إن حملة من هذا النوع «لا يمكن أن تكون فردية، بالنظر إلى أن الحزب لم يصدر أي مواقف أو بيانات تندد بها»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «صراع الأجنحة داخل الحزب، لا يبرر هذه الهجمة على عون الذي يُنظر إليه على أنه يقوم بدوره بالكامل ضمن الخيارات المتاحة لوقف الاعتداءات، وحماية البلاد من تداعيات أي تصعيد».

تصعيد على خلفية السلاح

وبدأ التصعيد ضد عون، على خلفية تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، وأعاد التأكيد على موقفه الحازم لناحية حصرية السلاح بيد الدولة التزاماً بخطاب القسم والبيان الوزاري. كما دعا «للتوقف نهائياً عن أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وقالت مصادر وزارية مواكبة لمواقف رئيس الجمهورية إن عون لم يفوّت فرصة للدفاع عن لبنان ووقف الاعتداءات، وتبنى في مواقفه، أولويات وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الإعمار وعودة السكان وإعادة الأسرى، واستخدم كل القنوات المتاحة، وكل السبل المتوافرة للضغط وتحقيق هذه الأهداف، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن موقف الرئيس من حصرية السلاح «هو نفسه لم يتغير من خطاب القسم»، موضحة أن عون «حاول تقديم بدائل وحلول للأزمة عبر اتصالاته الدولية، في ضوء التحولات التي حدثت أخيراً».

فتى أمام مبنى دمرته غارة إسرائيلية على بلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي وقت لا ينكر بعض الدائرين في فلك «حزب الله» بأن السلاح لم يحقق الردع في وجه إسرائيل، ولم يعد الخيار الأنجع لتجنب حرب واسعة، يأخذ الحزب على عون وعلى رئيس الحكومة نواف سلام حديثهما عن أن الخيارات المتاحة الآن، هي خيار الدبلوماسية. وتقول مصادر مطلعة على موقفَي عون وسلام، إنه «مَن يمتلك خياراً آخر غير الدبلوماسية بعد الحرب الأخيرة، فليظهرها».

وكان عون قد دعا بعد التصعيد ليل الأربعاء، المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات الراعية للاتفاق، «إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والسياسية، واتخاذ إجراءات واضحة وفاعلة لوقف هذه الانتهاكات ووضع حدّ لسياسة الإفلات من المحاسبة، بما يضمن حماية المدنيين وصون الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة».

وتتضارب الحملة على عون، مع المسار السياسي الذي يتبعه رئيس البرلمان نبيه بري، الداعي إلى تعزيز الوحدة الوطنية، في ظل هواجس لدى أبناء الجنوب من أن افتعال الحزب للتصادم مع القوى العاملة على خفض التصعيد، يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الشرخ في الداخل بين أبناء المنطقة، والدولة اللبنانية.

وقالت مصادر قريبة من «حركة أمل»، التي يترأسها بري، لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان اليوم هو على حكمة الرئيس بري»، وضرورة «التعامل بعقلانية مع التطورات في ظل التصعيد الإسرائيلي والدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب، والتغيرات التي تجري في المنطقة والعالم».

وتعليقاً على التصعيد الإسرائيلي، أكتفى بري بالقول ليل الأربعاء في بيان: «لم يعد يجدي لبنان واللبنانيين بيانات الشجب والإدانة، ما ينقذ لبنان ويحرر أرضه ويحصنه في مواجهة العدوانية الإسرائيلية الوحدة الوطنية ثم الوحدة الوطنية».

جابر من دافوس

وفي هذا السياق، قال وزير المال، ياسين جابر، إن «أولويتنا هي استعادة دور الدولة في جميع الجوانب، وبشكل خاص في إعادة بناء المؤسسات».

ونفى جابر في تصريح لـ«عرب نيوز»، على هامش اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أي خطط لتحويل منطقة الجنوب المتضررة في لبنان إلى منطقة اقتصادية، قائلاً إن هذا الاقتراح «مات في المهد». وأوضح أن المبعوثة الأميركية إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، اقترحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تحويل المنطقة، التي تتعرض لغارات جوية يومية من إسرائيل، وقد رُفضت على الفور.

جاءت تصريحات جابر لـ«عرب نيوز» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رداً على تقارير ظهرت في الإعلام اللبناني في ديسمبر الماضي، أشار إلى أن أجزاء من جنوب لبنان ستتحول إلى منطقة اقتصادية، يديرها خطة قدمها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ترمب. وكذلك نفى جابر علامات ظهرت في دافوس خلال اليومين الماضيين عن اجتماع ثنائي بين وزراء لبنانيين والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وكوشنر، وقال: «إن الاجتماع الذي عقد الثلاثاء كان جمعاً لجميع وزراء المالية والخارجية العرب، حيث جاءوا لفترة قصيرة، شرحوا للجمهور الفكرة حول تشكيل مجلس السلام لغزة». وعن جذب الاستثمار وتعزيز الاقتصاد، قال جابر: «الواقع الآن هو أننا بحاجة إلى الوصول إلى وضع يسمح بتحقيق الاستقرار، مما يسمح للجيش اللبناني، لذلك يجب أن يتوقف العدوان (الإسرائيلي)».

خصوم و«حزب الله»

في المقابل، يتخوف خصوم «حزب الله» من الشيعة، أن يؤدي هذا التصعيد ضد عون إلى «عزلة الجنوب، وخسارة حاضنة الدولة لقضيتهم». وقال الباحث السياسي المعارض للحزب، علي الأمين: «إن الحملة ليست شيعية، هي حملة الحزب، ويمضي بخطابه إلى مواجهة الدولة ومنطق الدولة، ويُخرِج كل أدواته ليطال الدولة برمزيتها، أي رئيس الجمهورية».

لبنانيون يبحثون وسط أنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية ببلدة قناريت جنوب لبنان الأربعاء (إ.ب.أ)

ويضيف الأمين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المعلوم أن عون لا يخطو خطوات إذا لم تحز على موافقة بري، والقرارات التي اتخذت في 5 و7 أغسطس (آب) (قرارات حصرية السلاح) لم يعترض عليها رئيس المجلس النيابي ولا الحكومة، ما يعني أن القرارات ليست فردية، بل خرجت من المؤسسات»، متسائلاً: «ما الخيارات عند الحزب؟ الدولة تقترح طريقة لوقف العدوان، وتأمل أن تنجح، هل يمتلك الحزب طريقة أخرى؟ هل يمتلك تصوراً للحل؟ علماً أن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم لم يقدم أي تصور للحل، ولا حتى أمل ولا وهم. لقد أخذ الناس على كارثة، ليس نتيجة خطأ بل رغبة بأن يأخد الناس إليها لأن الحزب يرى في الكارثة حياة».

وقال الأمين: «أرى أن المقدس بالنسبة للحزب هو السلاح وليس الناس»، مضيفاً: «الهروب إلى مواجهة الرئيس لا تعفيه من الإجابة على سؤال عن خياراته». ويتابع: «إذا كان قادراً على الرد على إسرائيل، فليقم بذلك انطلاقاً من كلام أمينه العام السابق (حسن نصر الله) بأن الدفاع والمقاومة لا يحتاجان إلى قرار سياسي». وشدد على أن المزاج العام في الشارع الشيعي «لا يوافق الحملات القائمة التي يشنها الحزب، والناس لا تتوقع من (حزب الله) تغييراً للمعادلة أو يمكن أن يوفر الأمان لهم أو السلام والاستقرار».


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

بدأ القضاء اللبناني، الخميس، ملاحقة المتورطين في الإساءة إلى الرئيس جوزيف عون، وهم من أنصار «حزب الله» الذين شنوا حملة على رئيس الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس (رويترز)

ماكرون يبحث مع سلام الجمعة المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح «حزب الله»

يبحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال استقباله له يوم الجمعة، اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)

تصعيد إسرائيلي يعزز مخاوف اللبنانيين من شبح الحرب

يعود شبح التصعيد العسكري الإسرائيلي ليخيّم على لبنان، في ظل تراكم عوامل داخلية وإقليمية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)

لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم

باتت الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا الخاصة بتسليم المحكومين في حكم الناجزة، وقاب قوسين أو أدنى من توقيعها بين البلدين بعد سدّ الثغرات التقنية والقانونية.

يوسف دياب (بيروت)
رياضة عربية ميودراغ رادولوفيتش (رويترز)

منتخب لبنان ينفصل عن مدربه رادولوفيتش

انفصل الاتحاد اللبناني لكرة القدم ​عن ميودراغ رادولوفيتش مدرب المنتخب الوطني بعد مراجعة لنتائج الفريق في الفترة الأخيرة وتحضيراته للاستحقاقات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
TT

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)

أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، اليوم (الخميس)، ترحيب بلاده بالعملية الأميركية لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وقال إن دمشق على استعداد لتقديم الدعم اللوجيستي والأمني لنجاحها.

وقال الدبلوماسي السوري، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن الوضع في سوريا، إن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي محاولات هروب لعناصر «داعش» من السجون، مؤكداً أن وزارة الداخلية نجحت في القبض على معظم العناصر الفارين، وتواصل ملاحقة الباقين.

وأدان علبي ما وصفه بمحاولة «قسد» توظيف ملف عناصر «داعش» في السجون كورقة ضغط وابتزاز سياسي، مؤكداً أن الحكومة السورية تفاوضت معها لمدة نحو عام كامل، و«قوبل ذلك بالتلكؤ وغياب المسؤولية».

وقال المندوب السوري إن القوات، التي يهيمن عليها الأكراد، نقضت تعهداتها فيما يتعلق بالاتفاق الذي وقعته مع الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي، وأشار إلى أن «اعتداءات (قسد)» تحدث كلما اقترب موعد دمج عناصرها مع القوات السورية.

وأكد علبي أن نهج الدولة هو «صون التعددية وبناء المواطنة المتساوية»، مشدداً على أن الأكراد جزء من مؤسسات الدولة السورية.

وفي وقت سابق من الجلسة، أكدت ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن تامي بروس، أن واشنطن تدعم الحكومة السورية الجديدة، مضيفة أنها تعمل على تحقيق الاستقرار في البلاد.

وقال الجيش الأميركي إنه بدأ بنقل معتقلي تنظيم «داعش» الذين كانوا محتجزين في شمال شرقي سوريا، إلى العراق.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن عملية النقل بدأت أمس (الأربعاء)، حيث تم نقل 150 عضواً من التنظيم حتى الآن من محافظة الحسكة إلى «مواقع آمنة» في العراق.

ويُتوقع نقل ما يصل إلى 7 آلاف من معتقلي التنظيم الإرهابي من سوريا إلى مرافق تسيطر عليها السلطات العراقية.


رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
TT

رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

تتسع دائرة الجدل الكردي حول ما جرى أخيراً مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، بين توصيفه تراجعاً سياسياً فرضته موازين القوى الإقليمية والدولية، وبين اعتباره إعادة تموضع اضطرارية بانتظار اتضاح ملامح تسوية جديدة. وفي الحالتين، يتقاطع النقاش مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الكرد في سوريا.

واستعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا من «قسد» التي يقودها الكرد، معززة بذلك حكم الرئيس السوري أحمد الشرع بعد نحو 14 شهراً من الإطاحة ببشار الأسد.

وأعاد هذا التحول السريع في مجريات الأحداث كل سوريا تقريباً إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، وسلّط الضوء أيضاً على تحول السياسة الأميركية.

جندي سوري يرفع علم بلاده في ميدان النعيم بالرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ب)

خسارة سياسية

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد»، لـ«الشرق الأوسط»، أن قواتها «لم تخض معارك ميدانية واسعة، ولا تزال تحتفظ بقوامها العسكري الذي يقدر بنحو 40 ألف مقاتل»، مشدداً على أن ما جرى «خسارة سياسية أكثر منه انهياراً عسكرياً».

وتشير المصادر إلى أن التباين الأساسي لم يكن داخل «قسد» بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا، وما انتهى إليه عملياً المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك.

وأعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها؛ فبحسب قراءات، فضلت واشنطن دعم السلطة السورية الجديدة وإدماجها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، إلى جانب العمل على تحسين علاقتها بإسرائيل وتفادي الصدام مع تركيا.

وقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا أن بلاده تفضّل التعاون مع «الدولة السورية» في محاربة الإرهاب، بدلاً من كيان غير دولتي مثل «قسد».

وبحسب المصادر، فإن الكرد، رغم توترات شهدتها مناطق الجزيرة وتمرد بعض العشائر العربية، «لا يزالون يحتفظون بعلاقات احترام مع عدد من القبائل»، في محاولة لتفادي انزلاق الوضع إلى صراع واسع.

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

مظلة «قسد»

يقول الباحث الكردي جبار قادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تبايناً خفياً في وجهات النظر داخل (قسد)»، موضحاً أن التنظيم يقوم على مظلة كردية أساسية تضم في إطارها تشكيلات عسكرية ذات خلفيات إثنية ودينية متعددة.

ولا يستبعد قادر تأثير التدخلات المستمرة من قيادات «حزب العمال الكردستاني»، مشيراً إلى أن رسائل زعيمه المسجون كان لها «تأثير ملموس في عملية اتخاذ القرار داخل (قسد)».

ومن هذا الواقع، برزت داخل «قسد» أجنحة براغماتية، بحسب قادر، مالت إلى تجنب الصدام المباشر مع النظام السوري، قبل الحرب وبعدها، والسعي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف الصراع. إلا أن انخراط «قسد» في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واعتماد واشنطن عليها في محاربة «داعش»، أفرز جناحاً آخر عوّل على الدعم الغربي، ما أدخل الحركة الكردية في وضع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتشار قواتها في مناطق واسعة ذات غالبية عربية.

ومع نشوء النظام السوري الجديد، برز داخل «قسد» تباين آخر بين تيار دعا إلى الانخراط المبكر مع دمشق لضمان المكاسب، وآخر فضل الانتظار خشية إعادة إنتاج دولة مركزية متحالفة مع تركيا، التي تتبنى سياسة مناهضة للحقوق الكردية.

وأضعف الانقسام وحدة القرار، وقلص قدرة «قسد» على فرض شروط تفاوضية واضحة. ويخلص قادر إلى أن القيادات الكردية «لم تكن موفقة في قراءة التحولات السياسية وتغير موازين القوى إقليمياً ودولياً».

ويشاع على نطاق واسع أن تياراً متشدداً داخل «قسد» تمثله قيادات مثل سيبان حمو وباهوز أردال، أسهم إلى حد بعيد في ضرب وحدة القرار السياسي والميداني، وقيل إنه تسبب في التصعيد الأخير في مدينة حلب.

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

انقسام لكنه طبيعي

ويرى الكاتب والباحث الكردي هوشنك وزيري أن تعدد الآراء داخل «قسد» كان طبيعياً، ولا يرقى إلى انقسام حقيقي، معتبراً أن جوهر الأزمة يرتبط بالسياسات الإقليمية، ولا سيما موقف تركيا من القضية الكردية في سوريا. ويقول إن أنقرة لا تعترف بوجود قضية كردية، وهو ما أسهم في تعقيد علاقة «قسد» بدمشق وتسريع المواجهات، مستفيداً من مناخات احتقان تاريخية ضد الكرد.

ويرفض وزيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، توصيف ما جرى على أنه استسلام، مؤكداً أن «قسد» لم تنهَر، بل تحاول الدفاع عن مناطقها ذات الغالبية الكردية. ويربط مستقبل الكرد برؤية السلطة السورية الجديدة، محذراً من تكرار أخطاء الأنظمة السابقة، ومشدداً على أن بناء «جمهورية للجميع» يظل السؤال الحاسم في سوريا المقبلة.

دور أربيل في التهدئة

على خط موازٍ، يبرز دور «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في العراق. ويقول كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب مسعود بارزاني، إن الحزب دعم مساعي السلام بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، واستقبل وفود الحوار، بالتوازي مع دعم المباحثات بين «قسد» والحكومة السورية الجديدة منذ أيامها الأولى.

ويرى محمود أن للحزب دوراً مهماً في وقف إطلاق النار الأخير والعودة إلى الحوار، ما أفضى إلى الإعلان الذي رحب به رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.

ويضيف محمود أن العمل جارٍ لترسيخ التهدئة وتطبيق الاتفاق «بما يحافظ على السلم والأمن المجتمعي، ويحقق ما يصبو إليه الكرد بوصفهم مكوناً أساسياً من مكونات الشعب السوري»، معتبراً أن تواصل بارزاني مع الرئيس السوري أحمد الشرع يؤكد «مكانة الحزب ودوره في إرساء أسس السلام».

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

سيناريوهات

أما على صعيد السيناريوهات المقبلة، فيرى قادر أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تسوية مع دمشق، حتى وإن تطلبت تنازلات مؤلمة، مثل تقليص الصلاحيات العسكرية والإدارية، ودمج «قسد» في الجيش السوري، مع ما يحمله ذلك من تحديات تنظيمية.

في المقابل، ينظر إلى التوسع التركي المحتمل بوصفه السيناريو الأخطر، لما قد يحمله من تغيير واسع في مناطق أساسية، فضلاً عن خطر عودة تنظيم «داعش»، مستبعداً في الوقت نفسه أن «يسمح الوجود الأميركي في سوريا بانزلاق الأطراف في صراع دموي طويل الأمد أو محاولة مسح الهویة الكردیة كلیاً»، على حد تعبيره.

في المحصلة، يتفق معظم المراقبين الكرد على أن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا بات رهناً بتسوية مع دمشق، مهما كانت كلفتها، باعتبارها أقل الخيارات خسارة في ظل توازنات القوى الراهنة.


تعهدات «مجلس السلام»... هل تنهي خروقات «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام»... هل تنهي خروقات «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

بات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة على أعتاب مرحلة جديدة بعد تدشين «مجلس السلام» من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دافوس، الخميس، وسط خروقات إسرائيلية متصاعدة في القطاع.

ولم تخلُ أجواء التدشين في دافوس من تعهدات بفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الأسبوع المقبل، والاستمرار في وقف إطلاق النار في القطاع، وهو ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه سينعكس إيجابياً على اتفاق غزة ووقف خروقات إسرائيل بضغوط أميركية أكبر، حرصاً من واشنطن على ألا يفشل «مجلس السلام» الذي يواجه انتقادات غربية.

وتعهد ترمب خلال مراسم توقيع ميثاق إنشاء «مجلس السلام» في دافوس بـ«الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، وأن يصبح القطاع أقوى وأفضل مما كان عليه».

وبعد توقيع «ميثاق مجلس السلام»، قال رئيس «لجنة إدارة قطاع غزة»، علي شعث، خلال كلمة متلفزة بُثت على هامش المراسم: «يسرني أن أعلن أن معبر رفح سيفتح الأسبوع القادم... معبر رفح شريان حياة، وفتحه إشارة إلى أن غزة لم تعد مغلقة أمام المستقبل والعالم». لكن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، أعلن أن المجلس الوزاري الأمني المصغّر (الكابينت) سيناقش بداية الأسبوع المقبل مسألة فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر، وفق «هيئة البث الإسرائيلية» التي لفتت إلى أن هناك جهوداً حثيثة للعثور على جثة ران غويلي آخر أسير في غزة، في تراجع عن تصريحات سابقة تشير إلى أن «المعبر لن يُفتح قبل عودة رفات غويلي».

ورغم التعهدات لا يزال الخرق الإسرائيلي لاتفاق غزة مستمراً، ولقي خمسة مواطنين فلسطينيين حتفهم، الخميس، بنيران القوات الإسرائيلية، وسط استمرار القصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف في قطاع غزة، وفق ما نقله المركز الفلسطيني للإعلام.

وقتلت الغارات الإسرائيلية، الأربعاء، 11 فلسطينياً من بينهم 3 مصورين صحافيين يعملون كطاقم إعلامي لصالح «اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة»، وفق ما أوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، وذلك في سلسلة خروقات إسرائيلية لا تكاد تتوقف منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

فلسطيني يحمل طفلة تُوفيت بسبب البرد بمدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، إن الاختبار الحقيقي لـ«مجلس السلام» هو وقف خروقات إسرائيل في غزة، لافتاً إلى أنه إذا تم وقف الخروقات وفتح معبر رفح وانسحبت إسرائيل، فهذا سيكون نجاحاً للمجلس.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التعهدات تحمل تحركات إيجابية، ورغم عدم التجاوب الإسرائيلي بشكل مستمر مع ضغوط واشنطن، فإنه «في هذه المرة ترمب سيكون حريصاً على إنجاح المجلس، وتجربته وعدم السماح بأي تخريب لها».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية رغم تعهدات تدشين «مجلس السلام»، قد تستمر، وخاصة أن الملف الأمني لإسرائيل له أولوية، ولا يعني التدشين تنفيذاً لكل البنود، حسب قوله.

وشهد «مجلس السلام» تجاوباً عربياً لافتاً، بإعلان مشاركة السعودية ومصر والبحرين والمغرب والكويت والأردن وقطر والإمارات في أعماله.

ووسط ذلك التجاوب العربي وأهدافه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان الأربعاء، قبول الأخير دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام».

ويعتقد الشوبكي أن التجاوب العربي بالوجود في «مجلس السلام» يهدف في المقام الأول إلى تنفيذ وقف إطلاق النار، وعدم ترك مساحة لاستغلال إسرائيل لها في إثارة خلافات أميركية - عربية، متوقعاً أن يسفر «مجلس السلام» عن ضغوط جديدة على إسرائيل جراء مطالب عربية للرئيس الأميركي لإنجاح خطته.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية المختص بالشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن «أسباب الانضمام العربي تأتي بهدف التركيز على الملف الفلسطيني، ولا يجب أن تغيب الدول العربية عن الحضور، أو ترك المجلس لأطراف أخرى، خاصة مع دخول إسرائيل للمجلس، فضلاً عن أن المشاركة العربية ستحفز الرئيس الأميركي لتبني موقف إيجابي لا يحققه الغياب».

ويرى طارق فهمي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أهداف الدول العربية المشاركة تتمثل في التأكيد على أهمية ملف غزة وأولويته»، مشيراً إلى أن التفاصيل المنتظرة من ترمب بشأن عمل المجلس هي ما ستحدد مستقبله، وبالتالي لا يجب استباقها بتقدير النجاح أو الفشل له.

ويرى عبد المهدي مطاوع أن هناك تفاصيل تنفيذية مرتبطة باتفاق غزة، لا تحتاج فقط لتصريحات، ولكن لتطبيق على أرض الواقع.