البرلمان المصري على خط مواجهة زيادة «هجرة الأطباء»

شكاوى نقابية من ضعف الأجور... والحكومة تدرس الظاهرة

مقر نقابة الأطباء في مصر (أرشيفية)
مقر نقابة الأطباء في مصر (أرشيفية)
TT

البرلمان المصري على خط مواجهة زيادة «هجرة الأطباء»

مقر نقابة الأطباء في مصر (أرشيفية)
مقر نقابة الأطباء في مصر (أرشيفية)

أثار ارتفاع الإحصاءات المعلنة حول هجرة الأطباء المصريين بحثاً عن فرص أفضل خارج بلادهم، حفيظة الدولة، ليعلن وزير الصحة، الدكتور خالد عبد الغفار، تشكيل لجنة برئاسته لدراسة تحسين أحوال الأطباء، فيما طالب البرلمان بإجراء جلسة عامة لمناقشة الأزمة وسبل حلها.
كانت نقابة الأطباء المصرية، قد أعلنت في إفادة رسمية، يناير (كانون الثاني) الماضي، أن «العام 2022 شهد أعلى معدل للاستقالات بين الأطباء إلى حد تم تقديره بنحو 4261 طبيباً بمعدل يومي 12 طبيباً وطبيبة»، وأوضح البيان أن «هذه الأرقام تعد الأعلى خلال السبع سنوات الأخيرة، بمعدل تضاعف 4 مرات».
ومن جانبه أوضح المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، الدكتور حسام عبد الغفار، أن «اللجنة المختصة بتحسين أوضاع الأطباء مكلفة برفع توصياتها لرئيس مجلس الوزراء خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر». وقال، في تصريحات تلفزيونية، إن «اللجنة تستهدف الحد من هجرة الكوادر الطبية من خلال تحسين أوضاعهم المادية، فضلاً عن توفير فرص التدريب، وكذلك تفعيل الحماية القانونية المنظمة للمسؤولية الطبية». وعن كيان اللجنة، كشف المتحدث باسم وزارة الصحة أنها «ستضم الرئيس التنفيذي للقاح المصري، ورئيس لجنة الصحة في البرلمان، ووزراء سابقين».
يقول الدكتور محمد فريد حمدي، أمين عام نقابة الأطباء، إن «الأطباء يعانون أشكالاً عدة من سوء الأوضاع سواء المادية، أو المهنية عززت اتجاه الهجرة». ويضيف، في تصريحات لـ «الشرق الأوسط»، إن «متوسط راتب الطبيب المصري حديث التخرج، يُقدر بنحو أربعة آلاف جنيه مصري (130 دولاراً أميركياً)، وهو ما يعكس الوضع المادي المتدني، الذي قد يكون دافعاً للهجرة، فضلاً عن تعرض الأطباء للترويع والتنمر في بعض الحالات».
لم يختصر أمين عام نقابة الأطباء أزمة أطباء مصر في الأوضاع المادية فحسب، بينما وضع «توفير الحماية الأمنية شرطاً لتحسين أوضاع الأطباء»، ويرى أنه «يجب إقرار قانون المسؤولية الطبية على نحو عاجل، فهذا القانون ظل حبيس الأدراج لأكثر من ست سنوات، بعدما شهد الكثير من المناقشات ومشاركات من قامات طبية وقانونية لها باع في المهنة، وبسبب هذا التباطؤ تعرض أطباء كُثر لمساءلات قانونية دون مظلة حماية وفق قانون عادل وشامل». وذكر أن «هذا القانون لا يحمي الطبيب، بينما يعد مظلة من شأنها حماية المريض والمنظومة الصحية ككل».
ويوضع فريد أن «ثمة معايير تضمن للطبيب ممارسة عمله دون ضغوط، تشمل التأهيل والترخيص، والشفافية في العلاج أمام المريض، والتي تتحقق بموجب موافقة مسبقة من قبل المريض أو ذويه، بينما النتائج لا يمكن محاسبة الطبيب عليها ما دام قد قام بخطوات العلاج المتفق عليها، وهو أمر معمول به في دول العالم».
وعن اللجنة التي تم تشكيلها من قبل وزارة الصحة، يقول فريد إنها «ليست المرة الأولى التي يتم فيها تشكيل لجنة لغرض تحسين أوضاع الأطباء في مصر، غير أن هذه المرة ثمة أسماء رنانة تشارك في هذا العمل مثل الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة الأسبق، ورئيس لجنة الصحة في مجلس النواب، فضلاً عن مشاركة شباب الأطباء ممثلين لأوضاع جيلهم».
ودخل مجلس النواب المصري (البرلمان) على خط الأزمة، وتقدمت النائبة صفاء جابر عيادة، بطلب مناقشة عامة لخطة الحكومة للحد من هجرة الأطباء، وأشارت النائبة في الطلب المقدم إلى المستشار الدكتور حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب، إلى أن إحصاءات الهجرة تشير إلى أن «ما يقرب من 110 آلاف طبيب هاجروا بالفعل قاصدين دولاً مثل ألمانيا، إنجلترا، كندا، أستراليا، وسنغافورة، وهذا الرقم يمثل نصف عدد الأطباء ككل والمقدر بنحو 215 ألف طبيب». وأضافت أن «هذه المعدلات تهدد مستقبل الرعاية الطبية في مصر».
ومن جانبها، تشير النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة في مجلس النواب (البرلمان)، إلى أن «المستشفيات الحكومية باتت بيئة طاردة للطبيب»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الطبيب في مصر يتحمل نقص الإمكانات اللازمة لتقديم خدمة علاجية تناسب المواطن، وفي النهاية يتعرض للمساءلة، وهذا من شأنه أن يدفع به خارج المنظومة بحثاً عن بيئة عمل تسمح له بالإبداع».
وتدحض النائبة الاتهامات الموجهة للأطباء بتحقيق مكاسب مالية على حساب صحة المواطنين، وتقول إن «عدد الأطباء الذين يحصلون على مكاسب مالية ضخمة محدود للغاية، ولا يمكن تعميم أوضاعهم، بينما غالبية الأطقم الطبية تتحمل ضغوط بيئة العمل المتواضعة مقابل رواتب هزيلة، كذلك، يمكن إحكام المنظومة الصحية من خلال حفظ حق المواطن والطبيب على حد سواء، ومن خلال تفعيل منظومة التأمين الصحي الشامل بالتوازي مع تحسين الأوضاع المادية للطبيب وتوفير الإمكانات اللازمة لتطوير الأداء المهني».
كانت الحكومة المصرية قد أقرت حزمة حماية اجتماعية للحد من آثار الغلاء بقيمة 195 مليار جنيه، حسب إفادة رسمية من وزارة المالية، وشملت زيادة بدل المهن الطبية بمقدار 475 جنيهاً للأطباء وأطقم التمريض، فضلاً عن مضاعفة حافز الطوارئ والمبيت لأعضاء المهن الطبية.
في مطلع الشهر الجاري، كانت نقابة الأطباء قد اصطدمت بمصلحة الضرائب بعدما أعلنت الأخيرة إلزام الأطباء بالتعامل من خلال فواتير وإيصالات داخل العيادات الطبية، غير أن أعضاء النقابة واجهوا القرار بالرفض بدعوى ارتفاع كلفة الخدمات الطبية لا سيما بعد ارتفاع سعر الصرف (الدولار يقابله 30.9 جنيه). فيما دعت النقابة لعقد جمعية عمومية غير عادية يوم 17 مارس (آذار) الجاري، لمناقشة طرق وآليات تعامل مصلحة الضرائب مع الأطباء، والتي وصفوها بـ«غير العادلة»، حسب بيان نشر في صحف محلية.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.


«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
TT

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

دخلت واشنطن مجدداً على خط سياسة الإنفاق المعمول بها في ليبيا، في ظل وجود حكومتين متنازعتين على السلطة، وتتبادلان الاتهامات بـ«الفساد»؛ في وقت قالت فيه «مجموعة الأزمات الدولية» إن «تهريب الوقود أصبح عنصراً أساسياً في ليبيا».

وأوضح تقرير دولي أن عمليات تهريب الوقود في ليبيا تدر ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، وقال إن «هذه الأموال غير الرسمية تُستخدم لتمويل الإدارات، ودفع الرواتب، وشراء الولاءات، وتعزيز نفوذ النخب في شرق البلاد وغربها».

ولم تعلّق السلطات في غرب ليبيا وشرقها على تقرير «مجموعة الأزمات الدولية»، الذي صدر مساء الأربعاء، لكن النائب العام، المستشار الصديق الصور، سبق أن كشف عن شبكات لتهريب الوقود خارج البلاد، فضلاً عن تقرير صادر عن «لجنة خبراء الأمم المتحدة»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تحدث عن تأسيس شركة لإدارة النفط خارج سياق الدولة تدعى «أركينو»، على صلة بصدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتعمل على «تهريب الوقود».

وأوضحت «مجموعة الأزمات الدولية»، في تقرير «مراقبة الأزمات 2026»، أن «تهريب الوقود في ليبيا يسهم في الحفاظ على السلام بين النخب المتنافسة في البلاد مؤقتاً، لكنه يفرغ خزينة الدولة»، مبرزاً أن «السلام الذي ساد ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، لكنه قائم، ويعتمد استمراره بشكل كبير على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط، والتغاضي عن مصادر الدخل غير الرسمية الأخرى التي يستغلها كلاهما».

ورأت «مجموعة الأزمات الدولية» أن «هذه المصادر تشمل تهريب الوقود المستورد، الذي تشتريه السلطات الليبية بالأسعار الدولية، وتبيعه بأسعار مدعومة بشكل كبير محلياً، ثم يُعاد بيعه في السوق السوداء بالخارج».

وتعتقد «مجموعة الأزمات الدولية» أنه «بينما تُعزز هذه الممارسات السلام في ليبيا، فإنها تُكبّد خزائن الدولة خسائر فادحة، وتُعيق النمو الاقتصادي، وتُرسّخ وجود النخبتين المتنافستين، وذلك بإزالة أي حافز لإعادة التوحيد»، مشيرةً إلى أن «عمليات تهريب الوقود تقوّض، إلى جانب مخططات الاختلاس الأخرى، بشكل غير مباشر، مبادرات الوساطة الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام طويل الأمد في البلاد».

كما أشار تقرير «مجموعة الأزمات الدولية» إلى أن بعض المحللين الليبيين والأجانب يرون أنه حقَّق ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، بين عامي 2022 و2024، بينما قدَّم النائب العام تقديراً أكثر تحفظاً بواقع 1.5 مليار دولار سنوياً. ورأت المجموعة أن هذه المبالغ الضخمة التي تُقدر بمليارات الدولارات «تشير إلى أن تهريب الوقود أصبح عنصراً أساسياً في الاتفاقيات بين السلطات الشرقية والغربية»، وزعمت أن «قادة ليبيا يتغاضون، بل يشجعون في بعض الأحيان هذه المخططات المالية غير المشروعة؛ لأنها وسيلة لتنمية شبكات المحسوبية، وتمويل النفقات غير المدرجة في الميزانية، لا سيما في الشرق»، وهو الأمر الذي لم تنفه سلطات بنغازي.

ودافعت مجموعة الأزمات عن دور الاتحاد الأوروبي، الذي قالت إنه لم يكن «متقاعساً»، وذكرت أنه، في مارس (آذار) 2025، وسّع نطاق مهمة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة البحرية (إيريني)، لتشمل مكافحة الاتجار غير المشروع بالمواد الأخرى غير الأسلحة، بما في ذلك المراقبة والرصد، وجمع المعلومات المتعلقة بصادرات النفط ومشتقات الوقود المكرر غير القانونية من ليبيا.

في غضون ذلك، قال ديوان المحاسبة الليبي إن رئيسه، خالد شكشك، بحث مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا، جيريمي برنت، بمقر الديوان بالعاصمة طرابلس، مساء الأربعاء، أهمية «توحيد سياسات الإنفاق العام وترشيدها، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ورفع كفاءة إدارة المال العام».

وتشهد ليبيا حالة من التجاذب الدائم بين حكومتي غرب البلاد وشرقها حيال اتهامات بـ«الإنفاق الموازي»، في ظل انقسام سياسي ودعوات للمسارعة إلى توحيد المؤسسات المنقسمة إنقاذاً للاقتصاد الليبي «من الانهيار».

وسبق أن أعلن «المصرف المركزي الليبي» أن حجم الإنفاق العام المزدوج خلال 2024 بلغ 224 مليار دينار، علماً بأن الدولار يساوي 6.38 دينار في السوق الرسمية، بينما يقارب 10 دنانير في السوق الموازية.

وتطرق شكشك في محادثاته مع القائم بالأعمال الأميركي إلى بحث آفاق تطوير التعاون الدولي في مجالات مكافحة الفساد وغسل الأموال، بما يعزز من فاعلية الجهود الرقابية ويواكب المعايير الدولية.

وأوضح ديوان المحاسبة أن الاجتماع انتهى إلى التشديد على «ضرورة تعزيز مستويات الشفافية في إدارة العقود، لا سيما المرتبطة بقطاع النفط وعمليات توريد المحروقات، مع التشديد على تكثيف الإجراءات الرامية إلى مكافحة تهريب الوقود والحد من آثاره السلبية على الاقتصاد الوطني».

وفي عدد من الفعاليات السياسية والاجتماعية حمّل الدبيبة حكومة أسامة حمّاد، التي وصفها بـ«الموازية»، مسؤولية «الإنفاق من دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة؛ ما أدى إلى تداعيات على الاقتصاد الوطني، تمثلت في استنزاف الاحتياطي النقدي»، لكن الأخير اتهم حكومة طرابلس بـ«اتباع أسلوب التدليس في إعطاء المعلومات المغلوطة».

وفي فبراير (شباط) الماضي، بحث محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، مع الدبيبة، عدداً من الملفات التي وُصفت بأنها «ذات طابع سيادي»، من بينها «عطاءات بعض العقود في قطاع الطاقة»، والإجراءات التنظيمية المصاحبة لها، إضافة إلى «الخطوات الحكومية المتعلقة بإدارة الإنفاق العام وضبط السياسة المالية، ومتابعة ملف الإيرادات وتعزيز الشفافية في العقود العامة».

وأكد الجانبان حينها أهمية الالتزام بما تم الاتفاق عليه ضمن «البرنامج التنموي الموحد»، بشأن وقف أي مسارات لـ«الإنفاق الموازي»، أو الصرف خارج الأطر القانونية المعتمدة، وحصر الإنفاق عبر القنوات الرسمية، لما لذلك من أثر مباشر على استقرار المالية العامة.

وسبق أن وقَّع مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» اتفاقاً بشأن «البرنامج التنموي الموحد»، في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وعدّه المنفي «خطوة مهمة نحو تعزيز مسار التوافق والاستقرار المالي، وترسيخ مبدأ الشراكة المؤسسية في إدارة شؤون الدولة»، لكن منذ ذلك الحين لم يتم تفعيله.


موريتانيا: «المأموريات الرئاسية» تفجر جدلاً في الحوار الوطني المرتقب

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: «المأموريات الرئاسية» تفجر جدلاً في الحوار الوطني المرتقب

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

احتدم الجدل في موريتانيا بعد أن كشفت صحيفة محلية عن دعوة أحزاب الأغلبية الرئاسية إلى إدراج نقاش قضية المأموريات الرئاسية ضمن جدول أعمال الحوار الوطني المرتقب، وهو ما عدّه معارضون نوعاً من التمهيد لترشح الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما يمنعه الدستور الحالي للبلاد.

وقالت صحيفة «مراسلون» في برقية، الأربعاء، إن الأغلبية الرئاسية أدرجت في مقترحاتها المتعلقة بالحوار مقترحاً يتعلق بضرورة «التفكير المعمق في موضوع المأموريات الرئاسية»، مضيفة أن الأغلبية دعت في مقترحاتها إلى «تفكير معمق في الإصلاحات المؤسسية، والانتخابات والمأموريات والاختصاصات».

وأثار الخبر جدلاً واسعاً في موريتانيا، خصوصاً مع قرب انعقاد اجتماع تحضيري يوم الاثنين المقبل لتحديد موعد انطلاق الحوار الوطني المرتقب، الذي تُجرى التحضيرات له منذ أكثر من عام.

إلا أن نواباً معارضين في البرلمان دعوا في بيان مشترك إلى تجميد المشاركة في الحوار، احتجاجاً على مقترح الأغلبية إدراج موضوع المأموريات الرئاسية ضمن جدول الأعمال. وعدّوا أن «إدراج هذا البند يُشكل محظوراً أساسياً لدى قوى المعارضة، التي سبق أن أعلنت استعدادها للمشاركة في الحوار».

وحذّر النواب المعارضون من أن «أي نقاش لقضية المأموريات الرئاسية قد تمس بالمكاسب الدستورية، خصوصاً تلك المتعلقة بآليات التناوب السلمي على السلطة»، وذلك في إشارة إلى أن الدستور الموريتاني يمنع منذ 2006 رئيس الجمهورية بمواد محصنة (لا يمكن تعديلها) من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

ودعا النواب أطياف المعارضة إلى تعليق مشاركتها في الحوار حتى يصدر موقف رسمي من السلطة التنفيذية يستبعد نقاش المأموريات، مؤكدين أن هذا الموقف سيكون «دليلاً على حُسن النية»، وضماناً لعدم توظيف الحوار في المساس بالمكتسبات الديمقراطية، وفق نص البيان.

وحذّر النواب من خطورة المساس بالمواد المحصنة من الدستور، التي تمنع الرئيس من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، وقالوا إنهم يحملون أحزاب الأغلبية والحكومة «المسؤولية التاريخية» عن أي تداعيات قد تمس أمن واستقرار البلاد نتيجة هذا المقترح.

ووقع على البيان 4 نواب يصنفون من النواب الشباب المحسوبين على المعارضة الراديكالية، وهم محمد الأمين سيدي مولود، وخالي جالو، ويحيى اللود، ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل.

ولم يصدر أي تعليق من المعارضة أو من منسق الحوار الوطني، ولا حتى من الحكومة، فيما يستمر التحضير للحوار؛ حيث تشير التوقعات إلى أنه من المرجح أن ينطلق خلال شهر أبريل (نيسان) المقبل، أو في مايو (أيار) على أقصى تقدير.

ووفق مصادر إعلامية، اقترح تحالف المعارضة الديمقراطية انطلاق جلسات الحوار في الفترة من 13 أبريل إلى 12 مايو، في حين اقترحت مؤسسة المعارضة الديمقراطية أن تُعقد هذه الجلسات من 1 مايو وحتى 30 مايو.

أما أحزاب الأغلبية الرئاسية فلم تقترح مدة محددة، مكتفية بالإشارة إلى ضرورة المرونة ومنح الوقت الكافي للتحضير بشكل جيد للحوار، حتى يكون توافقياً وشاملاً، ولا يقصي أحداً، ولا يتجاوز أي موضوع.