محطة جديدة في معركة «لي الذراع» بين الحكومة الفرنسية والنقابات

دعوات لتصعيد التعبئة وإضرابات مفتوحة... وقطاعا النقل والتعليم الأكثر تضرراً

سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
TT

محطة جديدة في معركة «لي الذراع» بين الحكومة الفرنسية والنقابات

سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)
سائقو حافلات حكومية في باريس في تحرك لحشد الدعم لمظاهرات اليوم (أ.ف.ب)

ما زالت معركة «لي الذراع» قائمة بين الحكومة الفرنسية والنقابات بشأن مشروع إصلاح قانون التقاعد الذي يناقش حالياً في مجلس الشيوخ قبل أن يعود مجدداً إلى مجلس النواب.
وتسعى النقابات إلى التوصل لأعلى درجة من التعبئة في سادس يوم تعرفه البلاد من الحراك الاجتماعي، الذي يتم على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، مع استفحال الغلاء وانهيار القدرة الشرائية للشرائح الأكثر هشاشة، وبلوغ التضخم مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وتدل كل المؤشرات المتوافرة على أن الفرنسيين سيعرفون «يوم ثلاثاء أسود» بسبب اتساع الدعوات للإضراب الذي سيطال قطاعات أساسية، على رأسها النقل متعدد الأشكال.
الجديد اليوم أن الدعوات تتكاثر لإضرابات مفتوحة وسط مخاوف من الأجهزة الأمنية من أن تبلغ التعبئة مستويات مرتفعة تتداخل مع مظاهرات وتجمعات مرتقبة تعد بالعشرات.
وفق ما جاء في مذكرة صادرة عن المخابرات الداخلية، فإن ما بين 1.1 و1.4 مليون متظاهر سينزلون اليوم إلى الشوارع، وأن المظاهرة الرئيسية ستشهدها العاصمة باريس، حيث يتوقع أن تصل أعداد المتظاهرين إلى مائة ألف شخص. بيد أنه تتعين الإشارة إلى ميل الهيئات الرسمية إلى التقليل من أعداد المتظاهرين أو المضربين، وأحياناً تتغير الأرقام من واحد إلى عشرة.
حتى اليوم، ما زالت النقابات الثماني الرئيسية على تماسكها لجهة سعيها لدفع الحكومة إلى سحب مشروع القانون الذي تمت مناقشته لأسبوعين في المجلس النيابي. وطيلة 14 يوماً، شهد المجلس المذكور حفلات هرج ومرج بسبب المعارضة الجذرية التي أبدتها أحزاب المعارضة اليسارية (الاشتراكيون والشيوعيون ونواب حزب فرنسا المتمردة)، إضافة إلى «الخضر» إلى درجة أنه لم يتم التصويت على مشروع القانون فيما يسمى «القراءة الأولى» قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ، حيث تهيمن الأحزاب اليمينية التي نجحت في الحصول على بعض التعديلات الطفيفة، وأحياناً ضد إرادة الحكومة.
بيد أن نقطة الخلاف الرئيسية ما زالت مكانها، وتتمثل في رغبة الرئيس إيمانويل ماكرون، والحكومة، رفع سن التقاعد المعمول به حالياً، من 62 عاماً إلى 64، ووضع حد لما يدعى «أنظمة التقاعد الخاصة». وتشمل هذه الأنظمة الوظيفة العمومية والجيش والقوى الأمنية وقطاع النقل وموظفي المصرف المركزي وعمال المناجم وأصحاب المهن الصعبة وقطاع الطاقة والنواب... وهؤلاء يتمتعون بميزات لا يتمتع به الخاضعون لنظام التقاعد العام.
من هنا، يمكن فهم الأسباب التي تدفع موظفي قطاع النقل إلى التمسك بالمواقف الأكثر تشدداً، بما فيها التهديد بمواصلة الإضراب في قطاعهم، ما يعني تدافعاً في محطات القطارات وأرصفة المترو واختناقاً مرورياً. اللافت أن النقابات التي تحظى بدعم أحزاب اليسار والخضر وبعض اليمين لا تخفي رغبتها في «تعطيل» النشاط الاقتصادي والحياتي في البلاد، معتبرة أن الحكومة لا تحاور وتصم أذنيها عن الاستماع لشكواهم ومطالبهم. وتلاحظ الوسائل الإعلامية على اختلاف مشاربها، أن الرئيس ماكرون أخلى الساحة لرئيسة الحكومة إليزابيت بورن، وأنه لا يشارك في النقاش الجاري على المستوى الوطني، رغم أن مشروع القانون ترجمة لبند رئيسي في برنامجه الانتخابي الذي طرحه أثناء المعركة الرئاسية في الربيع الماضي. وكان منتظراً أن تتحدث بورن ليلاً على إحدى القنوات التلفزيونية للدفاع عن المشروع الإصلاحي الذي يلقى معارضة أكثرية من الفرنسيين وفق ما تظهره استطلاعات الرأي.
تقول النقابات إن اجتماعاً تنسيقياً سيلتئم بين قادتها مساء اليوم لتقرير الخطوات اللاحقة بناء على مستوى التعبئة الذي سيبرز بالطبع في العاصمة، لكن أيضاً في المدن الرئيسية والأرياف. وحسب مذكرة من أحد الأجهزة الأمنية، والمرجح أن يكون المخابرات الداخلية، فإن 325 مظاهرة وتجمعاً ستحصل طيلة اليوم مع التخوف من حصول مناوشات مع مجموعات متطرفة من أقصى اليسار وأقصى اليمين بالتوازي مع تخوف من عودة «السترات الصفراء» إلى الشارع.
ودعا لوران بيرجيه، الأمين العام للفيدرالية الديمقراطية للعمال، المواطنين، إلى «النزول بكثافة إلى الشوارع للتظاهر»، داعياً الرئيس ماكرون إلى الاستماع لمطالبهم، ومضيفاً أنه «لا يستطيع أن يواصل صم أذنيه» عما يطالبون به. وبالمقابل، فإن رئيسة الحكومة وعدة وزراء عادوا لمطالبة النقابيين بـ«التحلي بالمسؤولية». بيد أن تصريحاً لوزير العمل أوليفيه دوسو، الذي وصف مشروع القانون بأنه «يساري الهوى» أثار ردوداً عنيفة عليه انطلاقاً من مبدأ أن اليمين هو الذي يدعم ماكرون ويدعوه، كما فعل برونو روتايو، رئيس مجموعة اليمين في مجلس الشيوخ، إلى «عدم التراجع» عن خطته.
حقيقة الأمر أن ماكرون وبورن نجحا في اجتذاب اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي يقوده راهناً النائب أريك سيوتي، مقابل تعديلات هامشية إلى قبول التصويت لجانب مشروع القانون عندما يعود مجدداً إلى مجلس النواب، حيث لا يحظى حزب ماكرون «النهضة» وحلفاؤه بالأكثرية اللازمة.
من هنا، يرى المراقبون أن مشروع القانون سوف يتم تبنيه في الأسابيع المقبلة، إلا إذا كانت التعبئة في الشارع قوية إلى درجة تدفع السلطة التنفيذية للتراجع. ولن تكون المرة الأولى التي ينجح الشارع في لي ذراع السلطة. من هنا، أهمية متابعة وتقييم ما سيحصل اليوم وما سيقرره قادة النقابات مساء.
وحتى كتابة هذه السطور، كان بيناً أن قطاع النقل سيكون الأكثر تضرراً. ومنذ السابعة من مساء أمس، نبهت إدارة الشركة الوطنية للسكك الحديد من انطلاق الإضراب الذي دعت إليه النقابات كافة على اختلاف مشاربها، الذي تريده متواصلاً. أما بالنسبة إلى حركة الملاحة الجوية، فإن المديرية العامة للطيران المدني طلبت من شركات الطيران إلغاء ما بين 20 في المائة و30 في المائة من رحلاتها الثلاثاء والأربعاء، تحسباً لإضراب المراقبين الجويين.
ونبه وزير النقل كليمان بون، من أن البلاد «أصعب الأيام التي يمكن أن تعرفها». ومنذ مساء الأحد، بدأ سائقو الشاحنات تحركاً لإغلاق مناطق صناعية بكاملها، فيما شهد قطاع الطاقة (معامل التكرير والتخزين والنقل) إضراباً جزئياً، والأمر نفسه يصح على المحطات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية، حيث خفض العاملون في هذه المحطات من إنتاج الكهرباء، ما ألزم شركة كهرباء فرنسا شراء الطاقة من بلدان الجوار لضمان الاستهلاك المحلي.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.