الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

«مهاكاة ذي الرمة»... البحث عن إطار تأصيلي لـ«الهايكو» العربي

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة
TT

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

في كتاب «مهاكاة ذي الرُّمة... أطروحة الهايكو العربي» الصادر حديثاً عن دار أدب (2022)، يأخذنا الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة يروم من خلالها إعادة صياغة وشائجنا بفن الهايكو، وضبط ممارسته التي تمتاز بتفاوت شديد، على حد وصفه. فيقترح إطاراً تأصيلياً للهايكو العربي معززاً بالأمثلة التطبيقية، يستمد ألقَهُ من بيئتِه العربية، ولكنه في ذاتِ الوقت، يتعالقُ مع جذوره المشرقية الأولى. وتتبلور أصالة هذا العمل - على وجه التحديد - في تطويع البحور الخليلية لاستيعاب شعر الهايكو. يأتي هذا التطويع كمكافئ للخاصية الإيقاعية، والصيغة التنفسية التي يتحلى بها شعر الهايكو الياباني في الفترة التي حددها المؤلف كنموذج معياري للبناء. كما تتبلور أيضاً في إعادة تدوير تأويلي لشعر ذي الرمة، من خلال عدسة هذا الشكل الشعري، وانتشاله من الهامش، وفي محاولة ربط هذه الأطروحة بسياقات النقد البيئي «Ecocriticism» أو الدراسات الخضراء «Green Studies»؛ للتأكيد على محورية علاقة الإنسان بعالم الطبيعة، وتمثيلاتها في العمل الأدبي، وإن بدت هذه المحاولة خجولة نوعاً ما، لأنها لم تذهب بهذا المسار إلى العمق. وتتجسد هذه الأصالة كذلك في إيراد مسرد مفتوح للقرائن الموسمية والأنواء العربية، كي ينهل منها ممارسو هذا الفن، وكي تساعدهم أيضاً في «تزهيد النص»، وتوظيف الإيحاء. بالرغم من هذا الجهد الذي يستأهل الإشادة دون أدنى شك، فإن العمل يثير جملة من التساؤلات والإشكاليات.
وفيما يلي سألقي الضوء على جانب منها، أملاً في أن تزيد تأملنا في ثنايا هذه المغامرة.
أولاً، تتموضع هذه الأطروحة ضمن السياق النظري التوجيهي/ الإرشادي. أي أنها دراسة تنتمي إلى ما يُعرف بالـ«prescriptive studies»، أكثر من كونها دراسة وصفية «descriptive study». تولي هذه الدراسة اهتماماً بارزاً بما يجب أن يكون عليه الشعر، أكثر من مقاربة النصوص المتداولة وصفياً، ومن ثم التنظير، بناء على السمات التي تم تعقبها وإماطة اللثام عنها أو الكشف عن أنماط الكتابة في النصوص المعنية. تقعد هذه الأطروحة أطراً مثالية، وتنطلق من فرضيات مسبقة، وتبدي أحكاماً قيمية. وبناء عليه، أرى من الصعوبة بمكان أن نتعامل مع النصوص الإبداعية على العموم، فضلاً عن الشعر ضمن هذا التموضع النظري؛ لأن إرساء معايير مثالية أو إبداء أحكام قيمية كهذه تخضع - في المقام الأول - لذائقة المؤلف / المنظر وفهمه للشعر، ولطيف من الاعتبارات الذاتية أو المؤسساتية المتنوعة، ضمن المنهج الواحد، أو المؤسسة الواحدة. كما فيها نوع من ممارسة الوصاية على الإنتاج الشعري، وتأطير المخيلة. وسيفضي تَبنّي مثل هذا الإطار النظري إلى فهم الشعر وقراءته ضمن حدود مفهوم الأداتية «Instrumentalism»، الذي سيفضي بدوره، كما بيّن أستاذ الأدب والنقد البروفيسور ديرك أترج (2004)، إلى بوتقة التكرار، وإعادة الإنتاج، وثبات المعنى واستقراره. كما يمكن لنا - من جانب آخر- أن نرى اليوم ما تمخض عن تجربة مشروع «مجلة شعر»، جراء محاولتها وضع معايير محددة لقصيدة النثر.
ثانياً، كمرحلة أولية لتبيئة شعر الهايكو، حدد الكتاب الحقبة الزمنية ما بين القرن السابع عشر من الشاعر باشو، إلى النصف الأول من القرن العشرين، تحديداً إلى مرحلة الشاعر سانتوكا (1940): «ربما علينا، حين ندرس الهايكو الياباني بغرض محاكاته، أن نتوقف عند سانتوكا، حتى لا ننجرف به خارج إطاره الطبيعي» (ص56). لكن الكتاب لم يستفض في المبررات التي من شأنها أن تقنعنا أن نهمل تراكمات هذا الفن وتطوره. لمَ علينا أن نقيّد أنفسنا بالمقاطع الصوتية «syllables» السبعة عشر تقريباً، في حين أن الكتاب ذاته قد أشار إلى أن بعض الشعراء اليابانيين قد انتفضوا على هذه الصيغة الإيقاعية مثل الشاعر سانتوكا نفسه الذي كتب الهايكو الحر؟ وإذا ما تأملنا هذا الشكل الشعري في سياقه العالمي، الذي حاول المؤلف التأكيد عليه، فسنجد أن الشعراء الأمريكيين قد تجاوزوا هذه الصيغة الإيقاعية التقليدية «المقاطع الصوتية السبعة عشر»، التي جاءت نتيجة فهم قاصر للنظام الصوتي الياباني آنذاك، تحديداً «الموراmora» فأنتجوا لوحات شعرية، تصل إلى 7 مقاطع صوتية، حيث يبلغ الإيجاز فيها إلى منتهاه. كما أنتج آخرون نصوصاً مهجنة بين «الهايكو» و«السِنْرِيو -Senryū».
ويتحلى هذا الأخير بنبرة ساخرة، كما يصبّ جل اهتمامه على الجانب الإنساني بدلاً من تمحوره حول الطبيعة. ثم لي أن أتساءل هنا؛ لمَ علينا أن نلتزم حرفياً بوصف المشاهد الطبيعية، في حين أننا نعيش حياة مدينة، بعكس الشاعر باشو الذي قضى عمره في الحقول؟ لمَ لا نستلهم مثلاً تفاصيل حياتنا المدنية، ونوظفها في شكل الهايكو؟ أليس وصف الحياة المدنية، والمظاهر العمرانية، هي ربما مصداق لعبارة «كان يعيش الشعر الذي يكتبه، ويكتب الشعر الذي يعيشه» (ص 42)؟ ولمَ علينا أيضاً ألا نحاول الولوج إلى مناطق إنسانية مختلفة، أو نلجأ إلى التجريب؟
ثالثاً، أطلق المؤلف أحكاماً قيمية على عينة من نصوص الهكاة (الشعراء الذين يكتبون الهايكو) العرب، خالصاً إلى أن لديهم قصوراً في استيعاب شعر الهايكو «قراءة وكتابة»، نظراً - على سبيل المثال - لركونهم إلى ثيمات الحب والدمار والموت والمعاناة على حساب الاحتفاء بالطبيعة. أرى في ذلك يقيناً راسخاً، ويحتاج للتدقيق؛ كي نتوصل إلى نوع كهذا من الاطمئنان المعرفي. ثم إن فهم شعر الهايكو في مرحلة معينة لا يستدعي بالضرورة تطبيق مفاهيمه بصرامة. فلربما أخذ الشاعر هذا الفن ليطرق به مناطق بكراً، أو يطوف به في حقل التجريب، أو أراد أن يجسد لنا - بشكل عام - رؤيته الذاتية عن صنعة الهايكو. وفي ذات السياق، أجد أن نص الشاعر عاشور الطويبي (ص 71) هو ربما محاولة في إحدى دلالاتها لينقل لنا معنى المفارقة الساخرة، وذلك من حيث توظيفه لشكل لطالما عُرف باحتفائه بالطبيعة؛ ليصور مآسي الحروب وآثارها على الطبيعة.
رابعاً، تضمن الكتاب عبارة «الشعر بلا موسيقى شعر أعزل» (ص 129)، بغرض إبراز أهمية الموسيقى والإيقاع في الشعر، وتعضيد مبدأ استثمار البحور الخليلية. بغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع جوهر هذه العبارة، أرى أنها لا تتناسب واقتراح المؤلف نوع «الهايكو المرسل»، الذي لا يلتزم فيه الشاعر الهاكي (تحديداً الهاوي) أو المترجم بالتقطيع العروضي المشذب، ولكنه عوضاً عن ذلك، يتحتم عليه أن يتقيد فيه بالمقاطع الصوتية السبعة عشر تقريباً. وهنا أتساءل؛ هل يمكن لنا - استناداً لهذه العبارة - أن نطلق على هذا الشكل من الهايكو أنه هايكو «أعزل»، لأنه ببساطة لا يركن إلى الصيغة الخليلية المشذبة؟! أما معيار المقاطع الصوتية، فهي ميزة لا تختص بالشعر فحسب، وإنما هي سمة لغوية، تتمظهر في النص. فالنسق الصوتي هو أحد تمثيلات اللغة كنظام سيميائي. كما أن ذلك الاقتراح سيفضي إلى إمكانية النظر لقصائد الهايكو المرسل على أنها هامشية وأدنى درجة، مقارنة بنظيرتها التي تستغل البحور الخليلية المحورة. كما يمكن لذات النظرة الدونية أن تجري على الهايكو المترجم.
خامساً، تقول إحدى وصايا الكتاب أنه «ينبغي» على الشاعر أن يكون موضوعياً، حينما يتناول المشاهد الطبيعية، وألا يقحم رأيه فيها. لكن من المسلم به أن الأعمال الإبداعية، ولا سيما الشعر، تمتاز بتمحورها حول الخبرة الذاتية. وهذه الذاتية تبدأ من اختيار اللقطة للوصف، أو من اجتراح صورة متخيلة عن الواقع، التي قد يحاول الشاعر من خلالها أن يدعونا للنظر للمألوف ضمن إطار خارج المألوف، وهو بذلك يعيد علاقتنا بالأشياء المدركة.
بالرغم من وجود هذا الجانب من الإشكاليات والرؤى الجدلية، فإنه يظل عملاً متميزاً. وربما يأتي هذا الكتاب ليحرك المياه النقدية الراكدة فيما يرتبط بمسألة التنظير للهايكو العربي.

- كاتب سعودي متخصص في الترجمة والسرديات الأدبية، عضو هيئة التدريس
بجامعة الملك فيصل


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هل ينبغي أن يتقاضى الأجداد أجراً مقابل رعاية الأطفال؟

المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
TT

هل ينبغي أن يتقاضى الأجداد أجراً مقابل رعاية الأطفال؟

المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)
المبادرة تعكس تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية (بيكسلز)

في ظل التحديات الديموغرافية المتزايدة التي تواجهها دول كثيرة، وعلى رأسها انخفاض معدلات المواليد وارتفاع تكاليف المعيشة، بدأت الحكومات في البحث عن حلول مبتكرة لدعم الأسر الشابة وتخفيف أعباء رعاية الأطفال.

ومن بين هذه الحلول غير التقليدية فكرة تقديم دعم مالي للأجداد مقابل مساهمتهم في رعاية أحفادهم، وهو دور لطالما أدَّته الأسرة الممتدة بشكل طبيعي في كثير من المجتمعات.

وفي هذا السياق، بدأت بعض الحكومات المحلية في كوريا الجنوبية اختبار هذه الفكرة عملياً، في محاولة لتعزيز دعم الأسرة وتشجيع الإنجاب.

فقد بدأت جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية صرف إعانة شهرية للأجداد تبلغ نحو مائتي دولار أميركي مقابل الوقت الذي يقضونه في رعاية أحفادهم، وذلك في إطار تجربة تسعى من خلالها الحكومات المحلية إلى ابتكار أساليب جديدة لدعم رعاية الأطفال ومواجهة الانخفاض السريع في معدل المواليد في البلاد، وفقاً لما ذكرته صحيفة «إندبندنت».

وحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون الكورية (KBS)، سيبدأ تطبيق البرنامج في شهر مارس (آذار)؛ حيث سيُقدَّم الدعم المالي للأجداد الذين يتولون رعاية الأطفال الصغار بدلاً من الاعتماد على خدمات رعاية الأطفال الرسمية. وقد وافق مجلس مقاطعة جيجو على هذه المبادرة، بعد نجاح تجربة مماثلة في العاصمة سيول.

وأظهر استطلاع أجرته حكومة سيول في فبراير (شباط) أن 99.2 في المائة من الأجداد الذين يقدمون رعاية للأطفال أعربوا عن رضاهم عن البرنامج، في حين قال 99.5 في المائة منهم إنهم سيرشحونه للآخرين.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة كورية جنوبية، فقد استفاد 5466 شخصاً من برنامج إعانة رعاية الأحفاد في سيول بحلول نهاية عام 2025.

وكانت سيول قد أطلقت برنامج «إعانة رعاية الأحفاد» عام 2023؛ حيث تقدم للأسر مبلغ 300 ألف وون كوري (نحو 204 دولارات أميركية) شهرياً عندما يقوم الأجداد أو أقارب آخرون بتقديم ما لا يقل عن 40 ساعة من رعاية الأطفال شهرياً.

وللاستفادة من هذه السياسة، يجب أن يكون لدى الأسر أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وثلاث سنوات، وألا يتجاوز دخل الأسرة 150 في المائة من متوسط الدخل الوطني. كما يُشترط أن تنتمي الأسر إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على خدمات رعاية الأطفال، مثل الأسر ذات الدخل المزدوج، أو الأسر التي يعيلها والد واحد، أو الأسر التي لديها أكثر من طفل.

تعكس هذه المبادرة تحولاً في طريقة تنظيم رعاية الأطفال في كوريا الجنوبية؛ إذ إن ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أنماط العمل جعلا الأجداد مصدراً متزايد الأهمية للدعم بالنسبة للأسر الشابة.

وقال أحد الآباء، ويدعى جيونغ، لصحيفة «كوريا هيرالد»: «أرغب في منح والدَيَّ المال مقابل رعايتهما لأطفالي، ولكنني سعيد لأن المدينة تقدم هذا الدعم لهما نيابة عني».

ومع ازدياد شيوع الأسر ذات الدخل المزدوج وارتفاع تكاليف رعاية الأطفال، أصبح الأجداد يسدُّون بشكل متزايد الفجوة الناتجة عن محدودية مراكز رعاية الأطفال المتاحة.

وذكر الآباء أيضاً أسباباً عدة تدفعهم إلى الاعتماد على الأجداد في رعاية الأطفال؛ إذ قال 53.3 في المائة منهم إنهم لا يثقون تماماً بمقدمي خدمات رعاية الأطفال المحترفين، بينما أشار 46.4 في المائة إلى نقص خيارات رعاية الأطفال الطارئة، في حين ذكر 45.6 في المائة أن تدبير رعاية الأطفال بمفردهم يمثل مهمة صعبة.

وفي هذا السياق، أوضحت ما تشاي سوك، نائبة رئيس بلدية سيول لشؤون المرأة والأسرة، أن «مخصصات رعاية الأحفاد لا تقتصر على تخفيف الأعباء المالية عن الأسر فحسب؛ بل تسهم أيضاً في دعم النمو الصحي للأطفال وتطورهم، من خلال توفير الاستقرار النفسي الذي تمنحه الرعاية داخل الأسرة».

وتُعد هذه الإعانة جزءاً من برنامج أوسع لدعم رعاية الأطفال أطلقه عمدة سيول، أوه سي هون، عام 2023، ويتضمن مجموعة من السياسات الداعمة، مثل مدفوعات إجازة الوالدين، وخدمات رعاية الأطفال الطارئة، وإنشاء ملاعب داخلية تديرها المدينة تُعرف باسم «مقاهي الأطفال».

وقد أصبحت السياسات الرامية إلى تسهيل رعاية الأطفال أولوية متزايدة للحكومات في مختلف أنحاء شرق آسيا التي تواجه أزمة ديموغرافية حادة نتيجة الانخفاض المستمر في معدلات المواليد. وبعد ما يقرب من عقد من التراجع المطرد، سجلت كوريا الجنوبية ارتفاعاً في عدد المواليد خلال عام 2025.

ففي العام الماضي وُلد 254 ألفاً و500 طفل، بزيادة قدرها 6.8 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة سنوية تُسجل منذ عام 2007.

ورغم أن المسؤولين يؤكدون صعوبة الجزم بالأسباب الدقيقة لهذا الارتفاع، فإنهم يرجحون أن الحوافز الحكومية وبرامج دعم الأسرة قد تكون قد أسهمت في هذا التحسن.


الكشف عن «كنوز نادرة» من أسطوانات الموسيقى العسكرية المصرية

دار الكتب والوثائق القومية تعرض أسطوانات نادرة للموسيقى العسكرية (فيسبوك)
دار الكتب والوثائق القومية تعرض أسطوانات نادرة للموسيقى العسكرية (فيسبوك)
TT

الكشف عن «كنوز نادرة» من أسطوانات الموسيقى العسكرية المصرية

دار الكتب والوثائق القومية تعرض أسطوانات نادرة للموسيقى العسكرية (فيسبوك)
دار الكتب والوثائق القومية تعرض أسطوانات نادرة للموسيقى العسكرية (فيسبوك)

كشفت دار الكتب والوثائق المصرية عن «كنوز نادرة» من الأسطوانات الموسيقية الخاصة بالمارشات، أو الموسيقى العسكرية، يعود تاريخها إلى أكثر من مائة عام، وتضم أعمالاً من مصر وسوريا وغيرها من الدول العربية. وتشمل المجموعة 18 أسطوانة نادرة لفرق الجيش والمشاة، من أرشيف النصر العسكري.

وعرضت دار الكتب هذه المجموعة النادرة من التسجيلات الصوتية التاريخية بشكل بارز، بمناسبة احتفالات مصر بذكرى انتصارات العاشر من رمضان المجيدة، وتزامناً مع يوم الشهيد. وتضم المجموعة أسطوانات أصلية توثق تطور الموسيقى العسكرية المصرية منذ بدايات القرن العشرين، ضمن مقتنيات قاعة الموسيقى بدار الكتب، لتكون تحية موسيقية لأرواح الشهداء وشاهداً على عراقة العسكرية المصرية، وفق بيان لدار الكتب المصرية صدر الثلاثاء.

وتضمنت المجموعة المعروضة في قاعة الموسيقى بدار الكتب باقة من الأسطوانات النادرة (بسرعات 78 و33 لفة)، سجلتها كبريات الشركات العالمية مثل «أوديون»، و«بيضافون»، و«غراموفون». ومن بينها المارشات السيادية والملكية، مثل «مارش جلالة الملك فؤاد الأول» (Marche de Sa Majesté)، من أداء فرقة الجيش المصري.

كما تضم مارش «السلطان الفاتح» (Hymne Sultan El Fetah)، أحد أقدم المارشات العسكرية المسجلة، إضافة إلى «المارش الوطني السوري» (Marche Syrienne) من إصدار شركة «بيضافون».

وتشمل المجموعة كذلك مقتنيات تتعلق بـ«موسيقى المشاة» والفرق الأميرية، من بينها أسطوانة «الفؤاد حبك» من أداء فرقة موسيقى المشاة المصرية، إضافة إلى دورَي «يُمنى» و«جمالك يا فريد عصرك» بأداء «الفرقة الموسيقية الأميرية المصرية» (أسطوانة فينيل بسرعة 33 لفة).

وأشار المتخصص في التاريخ المصري الحديث، الدكتور محمد محروس غزيل، إلى أن إعلان دار الكتب والوثائق عن عرض مجموعة من المقتنيات الصوتية التاريخية النادرة من شأنه توثيق تطور الموسيقى العسكرية المصرية منذ بدايات القرن العشرين، مؤكداً أنها من أكثر الأسطوانات ندرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم أن تستعيد الأجيال الجديدة هذه الأعمال والتاريخ المشرف للعسكرية المصرية؛ فهي مصدر مهم للباحثين في تاريخ الموسيقى عموماً، والموسيقى العسكرية خصوصاً، كما توضح مظاهر الامتزاج بين الموسيقى العسكرية المصرية وبعض القوالب الموسيقية الأوروبية».

وأضاف غزيل أن هذه الأسطوانات تبرز الطابع الأصيل للذاكرة الوطنية، وتؤكد الدور الذي تقوم به دار الكتب في حفظ التراث الإنساني والمصري، مشيراً إلى أن إتاحة هذه المجموعة النادرة للباحثين والدارسين والجمهور خطوة مهمة للتأكيد على أصالة الهوية المصرية.

وتضمنت المعروضات أيضاً أسطوانة «سماعي السلطان عبد العزيز» من أداء «موسيقى الجيش المصري»، التي تعكس المزج بين القوالب الشرقية والروح العسكرية.

كما تضمنت الأسطوانات مقاطع من موسيقى التراث العسكري بآلات النفخ و«القربة»، إضافة إلى ألحان عالمية وشرقية بأداء عسكري. وشملت المجموعة مارشات مميزة مثل: «مارش فرنسي»، و«هوا عجمي»، و«هوا برجي شرقي»، و«هوا إسنا»، و«على قده الأسمر»، إلى جانب مارشات كلاسيكية مثل «كوك مارش» ومقطوعة «الكردغ».

أحد العروض الحديثة لفرقة الموسيقى العسكرية (يوتيوب)

وعن الموسيقى العسكرية، يقول الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن «الموسيقى العسكرية استُخدمت في المعارك منذ قرون عدة؛ أحياناً لترهيب العدو، وأحياناً لتشجيع المقاتلين، أو للمساعدة في تنظيم العمليات العسكرية وتوقيتها». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الموسيقى تعتمد على الآلات الإيقاعية والنفخية مثل الطبلة، والناي، والنفير، والبوق، والقربة، والمثلث، والصنج، بالإضافة إلى الفرق العسكرية الكبيرة أو الأوركسترا الكاملة».

ولفت ريحان إلى أن فكرة موسيقى المارش استُلهمت من الإمبراطورية العثمانية في القرن الـ16 الميلادي، حين ظهرت الفرق العسكرية المعروفة باسم «المهترخانة» أو فرق «الانكشارية»، التي تميزت بموسيقى ذات صوت حاد أحياناً يجمع بين الطبول الكبيرة والأبواق والأجراس والمثلث والصنج، إلى جانب عدد من الآلات التقليدية الأخرى.

أما الموسيقى العسكرية المصرية الحديثة فتأسست في عهد محمد علي باشا عام 1838، حين أُنشئت «مدرسة الطبول والنفخيات» لتطوير فرق الجيش. وتميزت هذه الموسيقى عبر تاريخها، إذ حصلت على وسام الجمهورية العسكرية عام 1965، كما فازت بكأس العالم للموسيقى العسكرية 6 مرات متتالية بين عامي 1960 و1966، وشاركت في محافل دولية بارزة بوصفها رمزاً للانضباط والاحتفال العسكري، وفق تصريحات عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة.


ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
TT

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)

اكتشف علماء نوعاً غامضاً من الديناصورات عاش قبل نحو 120 مليون سنة، وعُثر في أحفورته على مئات الحصى في حلقه، في اكتشاف قد يسلط مزيداً من الضوء على تطوّر الطيور. وأُطلق على هذا النوع الجديد اسم «كرومورنيس فانكي»، تيمّناً بفرقة الموسيقى التكنو - فانك «كروميو». وربما يُشكل النوع المُكتشف حديثاً مفتاحاً لفهم كيفية نجاة مجموعة صغيرة من الديناصورات من الانقراض، وفق الباحثين.

وكشف تحليل أحفورة الديناصور الموجودة بـ«متحف شاندونغ تيانيو للطبيعة» في الصين أنه اختنق حتى الموت بسبب الصخور، وذلك وفق دراسة نُشرت في دورية «باليونتولوجيكا إلكترونيكا» ونقلتها «الإندبندنت». ولا يزال السبب المحدّد وراء هذا الاختناق غير واضح.

في هذا السياق، قالت الدكتورة جينغماي أوكونور، من المُشاركين في الدراسة: «يضمّ (متحف شاندونغ تيانيو) الآلاف من حفريات الطيور، لكن خلال زيارتي الأخيرة لمجموعاتهم، لفتت هذه الحفرية انتباهي بشدّة».

ويبلغ حجم الديناصور نحو حجم عصفور الدوري الحديث، بينما يشبه في خصائصه طائراً أحفورياً أكبر حجماً يُدعى «لونجيبتريكس».

وأضافت أوكونور: «كانت لديه أسنان كبيرة جداً في نهاية منقاره، تماماً مثل (لونجيبتريكس)، لكنه صغير الحجم. وبناءً على ذلك، عرفت أنه اكتشاف جديد».

المثير أنه عندما فحصت عالمة الحفريات الحفرية تحت المجهر، لفت انتباهها أمرٌ محيّر. وعلّقت على ذلك بقولها: «لاحظت وجود كتلة غريبة من الحصى في مريئه، ملاصقة لعظام الرقبة. وهذا أمرٌ غريبٌ حقاً، لأنه في جميع الأحافير التي أعرفها، لم يسبق لأحد أن عثر على كتلة من الحجارة داخل حلق حيوان».

وكشف تحليلٌ إضافي أنّ الحيوان ابتلع الحجارة خلال حياته، وليس مجرّد أن جرفتها الأمواج إلى قاع البحيرة حيث تشكلت أحفورته. ويشبه هذا سلوكاً يُلاحظ لدى الطيور، بما فيها الدجاج، التي تبتلع حجارة صغيرة تُخزن في معدة عضلية تُسمى القانصة، وتُستخدم للمساعدة في طحن طعامها.

إلا أنه لم يسبق اكتشاف حجارة مثل هذه في قانصة طيور أحفورية من عصر الديناصورات.

وكشف فحصٌ بالأشعة المقطعية عن وجود أكثر من 800 حجر صغير في حلق الطائر الأحفوري. وهذا، وفق الباحثين، «أكثر بكثير مما كنا نتوقّعه في طيور أخرى ذات قانصة».

وشرحت أوكونور: «بعض هذه الحجارة لم تكن حجارة بالمعنى الحرفي، وإنما بدت أشبه بكرات طينية صغيرة»، مضيفةً أنه «بناءً على هذه البيانات، يمكننا أن نؤكد بوضوح أنّ هذه الحجارة لم تُبتلع لمساعدة الطائر على طحن طعامه».

والآن، بما أنّ هذه الحصى لا تبدو مثل حصى قانصة، فلا بد أنها كانت تخدم غرضاً آخر. هنا يشتبه العلماء في أن الطائر الأحفوري ربما كان مريضاً ويتصرّف بطريقة غريبة. وعبّرت أوكونور عن اعتقادها بأنه «ابتلع كثيراً منها، وحاول تقيؤها دفعة واحدة، لكن كتلة الحجارة كانت كبيرة جداً واستقرّت في المريء».

وأضافت: «من النادر معرفة سبب نفوق فرد معين في السجل الأحفوري»، مشيرةً إلى أن «تقيؤ تلك الكتلة» على الأرجح سبَّب اختناقه وموته.

إضافةً إلى ذلك، يقدّم هذا الطائر الأحفوري رؤى ثاقبة حول انقراض الديناصورات، علماً بأنّ طائر «كرومورنيس فانكي» ينتمي إلى مجموعة من الطيور تُسمّى الإينانتيورنيثينات، التي كانت الأكثر انتشاراً خلال العصر الطباشيري قبل أكثر من 66 مليون سنة.

وعندما اصطدم الكويكب الذي قضى على الديناصورات بالأرض، انقرضت طيور الإينانتيورنيثينات. وهنا قالت أوكونور: «في أثناء تلك الكارثة البيئية، تحولت الإينانتيورنيثينات من كونها أنجح مجموعة من الطيور إلى مجموعة مُبادة».

وأضافت: «فهم أسباب نجاحها، وكذلك أسباب ضعفها، يمكن أن يساعدنا في التنبؤ بمسار الانقراض الجماعي الذي نشهده الآن».