روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

ثورة اجتماعية ومعرفية توازي ما حدث في عدة قرون

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟
TT

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

من أعظم الاختراعات التي أطلّت علينا مؤخراً بشكل مثير وخطير؛ روبوتات المحادثة القائمة على ثورة الذكاء الصناعي التخليقي (Generative artificial intelligence)، وحسب وصف بيل غيتس مؤسس «مايكروسوفت»، فإن تلك البرامج لها نفس أهمية اختراع الإنترنت، ويقصد برنامجاً جديداً شارك في إصداره مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وهو «شات جي بي تي» (ChatGPT)، فبرنامج المحادثة الجديد يستطيع الإجابة عن أي سؤال، وكتابة وابتكار نصوص عادية وبحثية وقصائد ومقالات علمية وأدبية وإعلانات ورسائل بريد إلكتروني وترجمتها؛ بل وإعداد مذكرات أحكام قضائية، ويمكن أن يقوم بحلّ أعوص المسائل الرياضية، ويمكنه محاكاة طريقة وأسلوب أي مفكر وأديب عند الصياغة، باختصار يمكنه أن يفعل أي شيء بالحوار المباشر مع المستخدم.
هذا الاختراع المدهش الذي أنتجته شركة (OpenAI) استخدمت في إنتاجه كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر العامة، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، بحيث يستطيع أن ينتج نصوصاً أشبه بالنصوص البشرية من خلال تعلم خوارزميات تحلل عدداً هائلاً من البيانات، ويعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. هذا المنتج العجيب جذب إليه 100 مليون مستخدم بعد شهرين فقط من إطلاقه، ما يجعله التطبيق الأسرع نمواً في التاريخ، وإذا قارناه بأشهر مواقع التواصل الاجتماعي العالمية؛ فإن تطبيق «تيك توك» (TikTok) استغرق نحو 9 أشهر بعد إطلاقه العالمي ليصل إلى 100 مليون مستخدم، في حين احتاج «إنستغرام» (Instagram) إلى فترةٍ بين عامٍ وعامين للوصول إلى هذا العدد. (انظر: رويترز 1/2/2023).
لا أشك أبداً أن هذا النوع من روبوتات المحادثة سيصنع فارقاً كبيراً في خدمة قطاعات واسعة تعليمية وإدارية وتجارية وغيرها، وسيختصر كثيراً من الوقت في إعداد الردود والإجابات المتعلقة بقطاع الخدمات وخدمات العملاء، كما أنه سيطور الأدوات الكتابية كافةً على نحو مذهل، أما التخوفات المتوقعة من هذه البرامج التي يتنافس عدد من الشركات العالمية على توفيرها؛ فهو استحواذها على وظائف نحو مليار شخص على مستوى العالم خلال السنوات العشر المقبلة، وقد يؤدي إلى انتفاء الحاجة إلى نحو 375 مليون وظيفة، أما إيلون ماسك، الخبير والمستثمر في شركة برنامج «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، فقد وصف هذا البرنامج في تغريدةٍ له بأنه «جيد بشكل مخيف. لسنا بعيدين عن ذكاء صناعي قوي بشكل خطير». (BBC بواسطة سمية نصر 4/2/2023).
أمام هذا الحدث المذهل من الابتكار العلمي، وتطور خوارزميات الذكاء الصناعي بشكل متسارع يحاكي الدماغ البشري؛ فإنني أضع بين يدي القارئ هذه التأملات الموجزة في موضوع محدد؛ والمتعلق بمستقبل المعرفة، أوردها على النحو الآتي:
أولاً: يحرص الكاتب في هذه الموضوعات - كما لاحظت في عدد من المقالات التي تحدثت عن ثورة روبوتات المحادثة - على الثغرات المهددّة للقوانين أو انتهاكات الحياة العامة، كما أن طبيعة مراكز التفكير في العالم حول أي قضية تركز على المخاطر المتوقعة؛ لبذل مزيد من الحماية والرقابة على معاش الناس وأمنهم، ومن ثمّ قد يشعر القارئ بأن توجه المقال نحو المهددات أكثر من المحفزات والإيجابيات الكبيرة لهذه التقنيات الجديدة، والسبب من وراء ذلك؛ محاولة تسليط الضوء على الثغرات وتكثيف أدوات الاستشعار المتوقعة من أي انحراف قد تنتجه تلك التقنيات الذكية، وإذا تابعنا تاريخ تطور البرامج الحاسوبية في الاتصالات والتواصل الاجتماعي، فإن ثورة اجتماعية ومعرفية حدثت بسببها خلال السنوات العشر الماضية، توازي ما حدث في عدة قرون خلال مسيرة التاريخ الإنساني، سواءً على مستوى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحولت إلى افتراضية متداخلة وبلا حدود؛ يتم التعبير عنها بكلمات أو صورة أو رمز أو مقطع فيديو دون تعايش حقيقي أو تلاقٍ بدني، أو على مستوى معرفي أدى إلى خلط واسع بين الغث والسمين، والمقبول من المعاني والممارسات والمرفوض منها، وسيولة شديدة في الأفكار سمحت بتبادل كل تلك المنتجات الأخلاقية والمعرفية التي يصنعها الملايين من البشر يومياً في هذه المواقع، ليتمّ استهلاكها بشكل مكثّف وتلقائي ومتكرر؛ يساعد في تذويب كل القضايا الصلبة والمسلمات المعرفية؛ ويجعلها عرضة للتفكيك والتلاشي، ولا نزال في الموجات الأولى من تلك المتغيرات على مستوى الأفراد والمجتمعات.
ثانياً: المتأمل في سلوكيات جيل الأجهزة الكفية وبرامج التواصل الاجتماعي (سناب شات وتويتر وفيسبوك وإنستغرام والتيك توك وغيرها)، يلحظ أن القيمة العظمى للشيء في نظر هذا الجيل؛ تكمن في سرعته، وإيجازه، وانطباعه المثير في الذهن (صور أو فيديو)، وكثرة المعجبين به، وعلامات التقييم له، ومن ثمّ يمنح الفرد - على أساس تلك المعايير - القبول لهذا الشيء أو ردّه، وهذا في الغالب يدور في فلك المشتريات الاستهلاكية، واختيارات المطاعم والمقاهي، أو متابعة فنان أو لاعب أو مشهور، وقد تمتد تلك المعايير في تبني موقف قيمي أو معرفي من حدث أو ظاهرة أو جديد ثقافي، وهذه القرارات اليومية تختلف من شخص لآخر، لأن استعمال تلك الأجهزة والتطبيقات قائم على الحرية الفردية بشكل مطلق في الآراء والاختيارات، ولكن بنظرة أفقية واسعة لهؤلاء الجمع من ملايين المستخدمين لتلك البرامج، نجدهم أشبه بقطع متراصة من البازل، تتناغم كسرب من الطير أو قطيع من الغنم، الكل يعلم مكانه، والكل يجهل من رتّب موقعه في تلك الصورة الجامعة بينهم في مشهدها الأخّاذ من بعيد.
أما مع برامج الذكاء الصناعي لروبوتات المحادثة، فالشأن من وجهة نظري أكثر شغفاً وخطورة، خصوصاً إذا كان الاستخدام للمحادثة في البحث عن معلومات إزاء موقف معين، أو الإجابة لمشكلة معرفية، أو طلب بحث أو مقالة أو تقرير صحافي عن أي ظاهرة أو مشكلة حياتية أو عالمية، والداعي للتوجس هنا، أن البرنامج لا يزال في بدايته، بمعنى أننا أمام استخدام جوال (نوكيا القديم) بينما هناك الجوال الأكثر إثارة (الآيفون الحديث) في انتظارنا، فالنقلة المعرفية في تحليل الإجابات وحلّ المسائل ستقفز بنا بشكل كبير خلال فترة قصيرة؛ مثل أجهزة الاتصال عندما تم إطلاقها وكيف أصبحت بعد مدة وجيزة؟ الأمر الآخر أن مهام روبوتات المحادثة ليست فقط في الترفيه واللذات العابرة؛ بل في بناء العقل المفكِّر، وكيف يتبنى موقفاً صحيحاً لأمر ما، ونوع البراهين التي سيُقنع بها الروبوت مستخدميه، كل ذلك يأتي مع جيل متفرّد، لا ينفكّ جهازه الذكي عن يده، ويدير حياته عبر تلك التطبيقات، إضافةً إلى ذلك؛ هو يكره الانتظار أو الشرح أو التأجيل، وبذلك سوف نجد أنفسنا مع جيل مختلف في تفكيره ومطبوع بآرائه التي أسهم الذكاء الصناعي وعفاريت الإنس من المبرمجين في تطوير إجاباته بما يلبي تطلعات هذا الجيل وطبيعة تفكيره وقولبته في أوعية افتراضية لا يغادرها عقله.
ثالثاً: هل ستقوم روبوتات المحادثة بتقديم وجبات العلم والمعرفة السريعة، على طريقة الترفيه والدردشات الخفيفة؟ وهذا يبدو أنه مقبل وشبه يقيني، ولكن السؤال الأهم: ماذا ستحمل لنا خوارزميات الذكاء الصناعي بقدراتها الهائلة للجمع وتحليل المعلومات؛ من طرق ساحرة تستحوذ على أدمغتنا المفكرة؟ وهل تملك تلك الروبوتات القدرة على فهم طبيعتنا وقيمنا ومعتقداتنا ومجتمعاتنا لتؤثّر علينا باختيارات نوع الإجابة وطريقة الحل ووسيلة الإقناع؟! وسأجيب عن ذلك؛ بأن التقدم الحالي - رغم أنه في البدايات - يُوحي أن روبوتات المحادثة ستنجح في تنظيم اهتماماتنا وتحديد أولوياتنا وتغذيتنا بالأفكار الموجّهة.
وهذا الجواب قد يحمل هاجس المؤامرة التي يعيشها العرب والمسلمون من كل منتج غربي، ولكن الواقع يشير إلى أن منتجي تلك البرامج هم أيضاً أكثر المتوجسين تخوفاً من تلك التقنية والخوارزميات الذكية في حال تمردت عن الاستجابة أو انحرفت حيالها مقاصد المبرمجين، ففي العام الماضي، وجّهت فرنسيس هوغن، وهي موظفة سابقة في شركة «ميتا»، اتهاماً للشركة بتقديم الأرباح على السلامة عبر شبكة الإنترنت، كما تواجه «ميتا» انتقادات بأنها لا تفعل ما فيه الكفاية للحيلولة دون انتشار معلومات مضلِّلة وحديث الكراهية عبر منصاتها: فيسبوك وواتساب وإنستغرام، والشركة لديها برامج لتطوير روبوتات محادثة فائقة الذكاء والخطورة. (BBC. جيمس كلايتون 22/8/2022). وفي سياق آخر؛ أوقفت شركة «غوغل» مهندساً يعمل في البرمجة بعد تصريح له بشأن قدرات روبوت على المحادثة كطفل صغير، أدى هذا التصريح إلى مزيد من التدقيق في قدرات عالم الذكاء الصناعي وزيادة السرية المحيطة به، وفق ما كشفته صحيفة «الغارديان» (سكاي نيوز 22/6/2022).
الأهم في الموضوع؛ هل يمكن أن يصبح العلم ضحية لتلك البرمجيات، في ظل موجة عارمة من تهافت الشباب على تلك المنتجات السهلة والسريعة والمختصرة في تعلّمهم ودراساتهم وأبحاثهم؟
وهذا غير مستبعد من الوقوع، فقد تحمل تلك البرامج رغبات كامنة لإعادة السيطرة الناعمة على مجتمعات العالم من خلال المعرفة والعلوم، وسيزول استغرابنا من ذلك عندما نستدعي حوادث وممارسات أظهرت الشغف الأميركي - بشكل خاص - على حب الاستحواذ والسيطرة، ومن الشواهد على ذلك، بدايات المراكز البحثية لدراسة الشرق والإسلام، التي ظهرت في جامعات ستانفورد وميجيل وهارفارد وكانت مدعومة من عوائل تجارية مثل عائلة فورد وروكفيلر لضمان توجه معين وسياقات محددة تحقّق نتائج مقصودة لتلك المراكز. (انظر: العلمانية وصناعة الدين، لدرسلر ومانداير، طبعة الشبكة العربية، ص 230-238)، ثم محاولة الهيمنة من خلال العملات والبنوك الدولية ومنظمة التجارة العالمية على مفاصل الاقتصاد العالمي، ثم محاولات هيمنة شركات التقنية الكبرى (IBM، وغوغل، ومايكروسوفت، وميتا وغيرها) على سوق التقنية والاتصالات وحربها الضروس مع الشركات الصينية في هذا المجال إلى درجة تدخل الرئيس الأميركي ترمب في حظر التطبيقات الصينية وأجهزة الهواوي في أميركا (BBC في 5/12/2019).
هذه الشواهد وغيرها، بالإضافة إلى ما سبق ذكره في المقال؛ كل ذلك يُشعرنا بالخوف على مستقبل العلم؛ ومدى موثوقيته كمنهج محايد للوصول إلى الحقيقة، فالإخلال بطهورية المعرفة، والإيقاع بها ضحية للتلاعب والمنافسة والاستحواذ من شركات البرمجة والذكاء الصناعي؛ كل ذلك لا يقللّ من شأن العلم فحسب؛ بل يشعرنا باقتراب كوارث الفوضى، وانعدام الثقة في كل شيء.

* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.