«ثروات» حكام عرب أطاحت بهم الانتفاضات ما زالت تثير الجدل

سلطات جديدة تكابد تعقيدات الاسترداد... وأسر قادة سابقين تدافع

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
TT

«ثروات» حكام عرب أطاحت بهم الانتفاضات ما زالت تثير الجدل

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير عام 2011 (أرشيفية - رويترز)

عندما اندلعت انتفاضات ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي»، احتشد فضاء ميادين الاحتجاج والفضاءات الإعلامية بأرقام ضخمة لأموالٍ قيل إنها «نُهبت» من جانب قادة ونافذي الأنظمة السابقة، وأودعت في مصارف دولية، وإن استرداد تلك الأموال «سيعيد الثروة المفقودة إلى الشعوب المنتفضة».
مرت السنون، وتوالت الدعاوى القضائية، ورحلت أنظمة وجاءت أخرى، لكن «الأموال المنهوبة» لم تعد، بل حصل عدد من ورثة الحكام، الذين أطاحت بهم انتفاضات «الربيع العربي»، على أحكام بأحقيتهم في التصرف في تلك الثروات.
وبعد مضي 13 عاماً على الانتفاضات التي شهدتها دول تونس ومصر وليبيا واليمن، والتي أطاحت بقادتها السابقين، لم تتمكن تلك الدول، بحسب خبراء قانونيين مختصين في قضايا استرداد الأموال المهربة، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، من «تحقيق تقدم ملموس»، موضحين أن القرارات التي أصدرتها عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها سويسرا، بإلغاء تجميد حسابات منسوبة لهؤلاء المسؤولين «لا يعد اعترافاً بشرعية تلك الأموال، لكنه يعكس عدم قدرة الحكومات المطالبة باسترداد تلك الثروات على إثبات أحقيتها، واتباع الإجراءات القانونية المرعية في هذا الشأن».
وبحسب «مبادرة استرداد الأموال المسروقة» (ستار)، وهي شراكة بين «البنك الدولي» و«مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، فإن «التقديرات المتحفظة تذهب إلى أن نحو 20 إلى 40 مليار دولار تُسرَق من البلدان النامية كل عام».
وخلال الأعوام الأخيرة توالى إلغاء إجراءات تجميد أرصدة حكام سابقين بدول «الربيع العربي»، وفي مقدمتهم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذين احتفى ابناه علاء وجمال بقرار محكمة العدل الأوروبية في أبريل (نيسان) من العام الماضي، بإلغاء تجميد أموال وأصول أسرة الرئيس الراحل.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن حكم تجميد الأموال الأصلي «لم يلتزم بالتحقق من أن السلطات المصرية تصرفت بما يتفق مع حقوق الدفاع، والحق في الحماية القضائية لأسرة مبارك، قبل اعتماد القرارات التقييدية ضدهم».
وفي بيان أصدرته شركة المحاماة البريطانية «كارتر روك»، التي تمثل أسرة مبارك، علّق جمال مبارك على القرار قائلاً: «لقد بات مؤكداً دون شك أن الإجراءات التي اتخذت ضد عائلتي خلال السنوات العشر الماضية كانت غير قانونية».
ولم تكشف المحكمة عن حجم الأموال التي تم رفع التجميد عنها، رغم أن تقديرات ثروة مبارك كانت مثار سجال شهير بين علاء مبارك وجريدة «الغارديان» البريطانية، التي نشرت تقريراً عام 2011. ذكرت فيه أن ثروة مبارك تُقدر بـ70 مليار دولار، قبل أن تتراجع لاحقاً وتقدم اعتذاراً عن نشر التقرير.
أما بالنسبة لتونس فإن تقديرات سويسرية رسمية تشير إلى أن أموال الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، الذي كان أول من أطاحت بهم انتفاضات «الربيع العربي»، قُدرت بـ56 مليون فرنك سويسري، ولم تفلح السلطات التونسية في استعادتها طوال 10 سنوات، هي الحد الأقصى لتجميد الأموال المهربة وفق القانون السويسري. لكن في 20 مارس (آذار) من العام الماضي، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد مرسوماً رئاسياً يتعلق باسترجاع الأموال المنهوبة، ممن أسماهم «المدانين بنهب أموال الشعب التونسي».
وفي 28 يوليو (تموز) الماضي، صرح سعيد بأن «قيمة الأموال المنهوبة من البلاد تقدر بـ13.5 مليار دينار تونسي (الدولار الأميركي يساوي 3.09 دينار)، وأوضح آنذاك أن «عدد الذين نهبوا أموال البلاد 460 شخصاً، وفق تقرير صدر عن اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد»، دون تسميتهم.
ولا تزال ثروة الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي تثير جدلاً متزايداً، وبسبب الانقسام الحاد في المؤسسات، وتشتت ورثته وغياب المستندات، فإن الثروة الشخصية للقذافي كانت ولا تزال تثير التكهنات، ما بين تقديرات تصل بها إلى نحو 200 مليار دولار، فضلاً عن ثروات من الذهب والألماس، وتقديرات أخرى تشير إلى نحو 150 مليار دولار، وهو ما دفع شركة أميركية إلى إبرام ما تقول إنه عقد مع «المجلس الوطني الليبي» في عام 2015، بهدف القيام نيابة عن الدولة الليبية بمهمة البحث عن أموال القذافي، مقابل 10 في المائة من قيمتها حال العثور عليها، ونقلت صحيفة «دايلي بست» عن مؤسس الشركة زعمه قبل 7 سنوات تقريباً أنه «عثر على 12.5 مليار دولار من أموال القذافي في مخازن تابعة لمرأب طائرات في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا».
ويرى الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام في مصر، أن عدم قدرة الدول العربية، التي شهدت ثورات خلال العقد الماضي، على استرداد ثروات المسؤولين السابقين بها في الخارج، «يرجع إلى قصور واضح في قدرة الأجهزة المعنية باسترداد تلك الثروات»، لافتاً إلى أن «هناك قواعد واضحة ومحددة يجب السير وفقاً لها لتحقيق الهدف المنشود».
ويضيف سلامة لـ«الشرق الأوسط» أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، الصادرة عام 2003. حددت إجراءات واجبة للدول التي تريد استرداد ثروات مشتبه في اكتسابها من طرق غير مشروعة وتهريبها للخارج، إلا أن اللجان والهيئات، التي تم تشكيلها في دول عدة، «لم تتبع تلك الإجراءات بشكل دقيق، وهو ما أضاع الكثير من الفرص لاسترداد تلك الثروات».
وتابع أستاذ القانون الدولي أن دولاً مثل نيجيريا وبيرو، وبعض دول آسيا الوسطى، نجحت في استرداد ثروات مسؤولين سابقين، بفضل اتباعها الأسس القانونية بشكل سليم، لكن الدول العربية لم تستطع التعامل وفق الضوابط القانونية المحددة في الدول التي توجد بها تلك الثروات، فاضطرت معظم تلك الدول إلى إلغاء إجراءات التجميد، وهذا «لا يعني اعترافاً بشرعية تلك الأموال كما تصور البعض، لكنه اعتراف بعدم جدية الدولة المطالبة باسترداد تلك الثروات».
من جانبه، يعدّد الدكتور محمد الألفي، الباحث القانوني المصري، عدة أسباب لعدم قدرة دول الربيع العربي حتى الآن على استرداد «الأموال المشكوك في نزاهة مصدرها» من جانب مسؤولين سابقين، ويشير إلى أن الضوابط التي تحددها معظم الدول، التي تودع بها تلك الأموال، «تحتاج إلى أحكام قضائية باتة، وليس أحكاماً سياسية»، لافتاً إلى أن امتداد إجراءات التقاضي لسنوات، وصدور أحكام بالبراءة بحق العديد من المسؤولين السابقين، يدفعان الدول المتلقية لطلبات الاسترداد إلى التشكيك في جدية الاتهامات الموجهة.
ويضيف الألفي موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن إثبات اكتساب ثروات المسؤولين السابقين من مصادر غير مشروعة يتطلب كذلك تقديم وثائق دامغة، وربطاً واضحاً بين أولئك المسؤولين وجرائم فساد أو استغلال للسلطة، وهو أمر «يبدو في غاية الصعوبة في مجتمعاتنا العربية»، الأمر الذي يدفع الدول المتلقية لطلبات الاسترداد إلى اعتبار تلك المطالب ذات طبيعة سياسية، وليست قانونية.
ويتابع الباحث القانوني أن أحد أهم الأسباب التي تصعب من عملية الاسترداد هو أن الكثير من الثروات المنسوبة لمسؤولين سابقين بالخارج يتم وضعها في صورة أسهم في شركات ما يعرف بـ«الأوف شور»، وهذه الشركات غالباً ما تكون في دول «الملاذات الضريبية الآمنة»، التي يصعب تعقب بيانات الشركات بها، خاصة إذا كانت مسجلة بأسماء وكلاء، وليس بأسماء المسؤولين أنفسهم.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


تصاعد الخلافات القضائية والسياسية بين الجزائر وفرنسا رغم القنوات المفتوحة

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
TT

تصاعد الخلافات القضائية والسياسية بين الجزائر وفرنسا رغم القنوات المفتوحة

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

على الرغم من عودة التنسيق الأمني والتعاون في ملف الهجرة غير النظامية، وهو ما شدّد عليه مراراً وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، فإن الأزمة بين الجزائر وفرنسا لا تزال بعيدة عن الانفراج.

فبعد تنديدها باستمرار توقيف الموظف القنصلي الجزائري منذ أبريل (نيسان) 2025، طرحت الجزائر عبر إعلامها الرسمي مشكلتين جديدتين تجاه باريس، منتقدة تصريحات صادرة عن مسؤول في النيابة الفرنسية، ومثيرة تساؤلات حول «دوافع» زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون المرتقبة إلى الفاتيكان.

وفيما يخص ما بات يُسمى «إرهاب الدولة»، ردّت الجزائر على تصريحات «النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب»، بعد أن أعلن المدّعي العام أوليفييه كريستين، الجمعة 3 أبريل في مقابلة مع «فرانس إنفو»، فتح تحقيقات في قضايا «إرهاب دولة» تمسّ إيران وروسيا والجزائر.

وأوضح المسؤول القضائي الفرنسي أن النيابة المختصة في مكافحة الإرهاب تتولى حالياً 8 قضايا مرتبطة بما يُوصف بـ«إرهاب الدولة»، تتركز بشكل أساسي حول 3 دول. وجاءت تصريحاته في سياق ردّه على ملفات حساسة مطروحة بقوة داخل فرنسا، بالتزامن مع توجيه الاتهام إلى 4 أشخاص يُشتبه في تخطيطهم لهجوم كان يستهدف المقر الباريسي لـ«بنك أوف أميركا».

مسؤول القطب القضائي المتخصص في الإرهاب بفرنسا (إعلام فرنسي)

وبيّن أن ثلاثاً من هذه القضايا تتعلق بإيران، في حين ترتبط القضايا الخمس الأخرى أساساً بكل من روسيا والجزائر. وأشار إلى أن مجمل هذه التحقيقات تندرج ضمن منطق واحد، يتمثل في أن هذه الدول «لا تستهدف غالباً المواطنين الفرنسيين بشكل مباشر، بل تركّز على معارضيها المقيمين في فرنسا». واستثنى من ذلك الحالة الإيرانية، التي قال إنها تُعد الأوضح في استهداف فئات داخل المجتمع الفرنسي، خاصة من الجالية التي تعتبرها معادية لها، أي الجالية اليهودية.

وفهم من كلامه، بشأن الجزائر، أن القضية تتعلق بتوجيه تهمة «الإرهاب» لدبلوماسي جزائري، ورد اسمه (لم تكشف عن هويته) في تحقيقات للأمن الداخلي الفرنسي حول خطف واحتجاز «اليوتيوبر» المعارض أمير بوخرص، اللاجئ بفرنسا، وذلك سنة 2024، قبل أسابيع قليلة من اندلاع التوترات بين البلدين، إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

وهاجمت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، الأحد، في مقال، ممثل النيابة الفرنسية، مؤكدة وفق «مصدر مأذون من وزارة الخارجية الجزائرية» بأن اتهاماته «اعتداء عبثي على الجزائر». وأفادت بأن المدّعي الفرنسي «أشار إلى الجزائر بشكل غير مبالٍ ومتهوّر وغير مسؤول»، في إجراءات تتعلق بإرهاب الدولة.

وأضافت أن «هذا الاتهام غير المبرّر يثير الاستياء والازدراء»، عادةً، حسب «المصدر المأذون»، أن الجزائر تُستخدم «كبش فداء لتصريف الأزمات والتحديات التي تواجه فرنسا وتعجز عن معالجتها».

البابا ليو الرابع عشر يزور الجزائر منتصف أبريل 2026 (الفاتيكان)

وفي عددها الصادر الاثنين، تناولت صحيفة «المجاهد»، كبرى الصحف الحكومية، زيارة الرئيس الفرنسي المقررة إلى الفاتيكان يومي 9 و10 أبريل (نيسان) الحالي، أي قبل ثلاثة أيام فقط من زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر في 13 من الشهر نفسه. وتساءلت الصحيفة: «هل هي مجرد صدفة؟»، معتبرة أن «تزامن الأحداث يبدو مثالياً أكثر من اللازم ليكون عفوياً».

وفي سياق قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم بالسجن 7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب»، رأت «المجاهد» أن توقيت الزيارة «يثير العديد من التساؤلات». وتساءلت: «ماذا يمكن أن يطلب الرئيس الفرنسي من البابا؟»، مشيرة إلى أن بعض المصادر ترجّح طلب الوساطة مع الرئيس تبون للإفراج عن غليز.

وذكّرت الصحيفة بأن الصحافي الرياضي «دخل الأراضي الجزائرية (في 2024) بتأشيرة سياحية، مُخفياً طبيعة مهمته الحقيقية»، وأنه «متابع بسبب عمله مع شخصيات مرتبطة بحركة «ماك» المصنفة إرهابية»، وكان مشروعه «إعداد وثائقي حول ما يُسمى فريقاً وطنياً قبائلياً». وتساءلت: «ماذا كانت ستفعل فرنسا لو أن صحافياً أجنبياً دخل أراضيها بغطاء سياحي وأعد تقريراً عن فريق وطني افتراضي لمنطقتي بريتاني أو الألزاس، على صلة بحركات إرهابية؟».

ويشار إلى أن «ماك» هو اختصار لتنظيم «حركة تقرير مصير القبائل» المصنف جزائرياً «جماعة إرهابية». رئيسه فرحات مهني وأبرز عناصره يقيمون في فرنسا التي تتهمها الجزائر بـ«احتضان إرهابيين يخططون لتقويض أمنها القومي».

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)

وبحسب الصحيفة، فإن هذه «الاستراتيجية»، إن تأكدت، تمثل «دبلوماسية التفاف تُشرك السلطة المعنوية للفاتيكان للتأثير على قرار سيادي، وهو ما يطرح إشكاليات من حيث المضمون والأسلوب»، مؤكدة أن «إقحام طرف روحي ثالث في ملف قضائي يخص دولة مستقلة ليس أمراً عادياً ولا بريئاً».

ووصفت «المجاهد» الأمر بأنه «الحلقة الأخيرة من مسرح ماكرون»، وقالت إن الرئيس الفرنسي «ضعيف داخلياً» ويسعى إلى «إبراز صورة الحماية والتأثير دولياً»، لكنها حذّرت من أنه «كلما حاول إثبات قدرته على الفعل، عرّض حدوده للانكشاف».

إلى جانب ملف النيابة ومخاوف زيارة الفاتيكان وقضية غليز، تنتقد الجزائر فرنسا بشدة لضعف تعاونها في استرداد الأموال المحوّلة من قبل رجال أعمال سابقين. فقد صرّح الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، بشكره لإسبانيا وسويسرا على تعاونهما، بينما كشف أن «61 إنابة قضائية أُرسلت إلى فرنسا في هذا الإطار بقيت دون رد».


الدبيبة يشدد على التنسيق الاستخباراتي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود

مشاركون في المؤتمر العسكري لدول «الساحل والمتوسط 2026»  (حكومة الوحدة)
مشاركون في المؤتمر العسكري لدول «الساحل والمتوسط 2026» (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة يشدد على التنسيق الاستخباراتي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود

مشاركون في المؤتمر العسكري لدول «الساحل والمتوسط 2026»  (حكومة الوحدة)
مشاركون في المؤتمر العسكري لدول «الساحل والمتوسط 2026» (حكومة الوحدة)

استغل رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، افتتاح مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول «الساحل والمتوسط 2026» الاثنين في العاصمة طرابلس، وقال إن ليبيا «تمضي بثبات نحو بناء مؤسساتها، وتعزيز استقرارها والانخراط الإيجابي في محيطها».

مشاركة الدبيبة في المؤتمر العسكري لدول «الساحل والمتوسط 2026» (حكومة الوحدة)

وأضاف الدبيبة في كلمته: «الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية لا يمكن تحقيقها بشكل منفرد»، مشيراً إلى أن «نجاح مواجهة التهديدات العابرة للحدود مرهون بتعزيز التنسيق الاستخباراتي، وتبادل المعلومات في الوقت المناسب، وبناء الثقة بين الأجهزة الأمنية للدول».

وبعدما عدّ أن «الساحل والمتوسط» أكثر المناطق تأثراً بالتغيرات العالمية الجارية، إذ تتحرك عبرها شبكات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وتمر بها خطوط الهجرة، رأى الدبيبة، أن «الإرهاب في الساحل تهديد متنام، ويستفيد من الفراغات الأمنية، ويتغذى على النزاعات، ويعتمد على شبكات تمويل معقدة».

ولفت إلى «أن الجريمة العابرة للحدود تتمثل في شبكات متطورة تكنولوجياً لتهريب المخدرات والسلاح والبشر».

جانب من الحضور في المؤتمر (حكومة الوحدة)

وأوضح الدبيبة أن تمويل الإرهاب يتطلب تنسيقاً عالي المستوى، وتعزيز آليات الرصد والمتابعة لتجفيف منابع دعم هذه الجماعات، مؤكداً أن الأمن مسؤولية جماعية، وأن تبادل المعلومات في الوقت المناسب حجر أساس لأي نجاح استخباري.

بدوره، حذر محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» ومدير الاستخبارات العسكرية التابع لحكومة «الوحدة»، من المشهد الأمني في منطقة الساحل والمحيط المتوسطي، مؤكداً أن الاستقرار الحالي قد يكون «خداعاً» يسبق عواصف أمنية جديدة.

ورفض حمزة خلال كلمته في المؤتمر تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، أو جر البلاد إلى صراعات «لا ناقة لليبيا فيها ولا جمل»، ورسم صورة قاتمة للتهديدات الراهنة، واصفاً الخطر بأنه بات «طارئاً وعابراً للحدود»، ويتغذى بشكل أساسي على هشاشة الدول والفراغات الأمنية.

كما حذّر من الركون إلى حالة الهدوء الميداني في المنطقة، قائلاً: «من عاش التجربة لا يخدعه الهدوء الحالي، فهو مؤقت يسبق العاصفة»، لافتاً إلى أن الجماعات الإرهابية التي سفكت الدماء في المنطقة لا تموت، بل تعيد تموضعها وتتكيف مع المتغيرات، مما يحتم رفع مستوى الاستعداد الاستخباري لمواجهة نشاطها المتصاعد في دول الساحل.

بعض من المشاركين في المؤتمر(حكومة الوحدة)

ووصف حمزة حدود ليبيا الجنوبية بأنها أصبحت «ممراً مفتوحاً» لتهديدات مركبة تشمل الإرهاب وتهريب السلاح، ودعا إلى ضرورة الانتقال من مرحلة «التنسيق التقليدي» إلى مرحلة الاندماج الاستخباري الحقيقي لمواجهة الجماعات التي تسعى إلى تفكيك الدول وبث الفوضى.

وكان رئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة» صلاح النمروش، بحث الاثنين في طرابلس، مع اللواء إرتونش إرتوفانلي، رئيس الاستخبارات العسكرية برئاسة الأركان العامة التركية، تطوير آليات العمل المشترك في الجوانب الاستخباراتية والأمنية، بما يعزز فاعلية التنسيق بين المؤسستين العسكريتين في مواجهة التحديات الراهنة، كما بحثا أهمية بناء شراكات عملية في مجالات التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات، بما يسهم في رفع مستوى الأداء والجاهزية.

وأدرج النمروش الاجتماع في سياق تعزيز العلاقات الثنائية، والدفع بها نحو آفاق أوسع من التعاون بما يخدم الاستقرار الإقليمي والمصالح المشتركة.


تكالة يعرض مقترحاً أميركياً لدمج حكومتي ليبيا

صورة أرشيفية لاجتماع تكالة والمنفي (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع تكالة والمنفي (المجلس الرئاسي)
TT

تكالة يعرض مقترحاً أميركياً لدمج حكومتي ليبيا

صورة أرشيفية لاجتماع تكالة والمنفي (المجلس الرئاسي)
صورة أرشيفية لاجتماع تكالة والمنفي (المجلس الرئاسي)

كشفت تسريبات من داخل «المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا كواليس جلسة عاصفة عُقدت الاثنين في العاصمة طرابلس، عرض خلالها رئيسه محمد تكالة تفاصيل مبادرة متداولة ومنسوبة لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، تهدف إلى إنهاء الانقسام عبر دمج حكومتي شرق البلاد وغربها.

وتقضي المبادرة المسربة بإعادة هندسة السلطة التنفيذية، بحيث يتولى الفريق صدام، نجل المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني»، المتمركز في شرق البلاد، رئاسة «المجلس الرئاسي» الجديد بدلاً من رئيسه الحالي محمد المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة» المؤقتة، وسط أنباء عن مباركة المبعوثة الأممية هانا تيتيه لهذا المقترح في حال اتفاق جميع الأطراف.

وبينما أعلن تكالة أن أي عضو يؤيد هذه المبادرة «لا يمثل إلا نفسه»، تعالت أصوات داخل المجلس تطالب «بفصل المؤيدين لها واتخاذ موقف حازم تجاه ما وُصف بالانحراف الأممي عن المسار السياسي المعتمد».

وفي غياب أي بيان رسمي من تكالة، نقلت وسائل إعلام محلية عن أعضاء بـ«مجلس الدولة» شاركوا في الجلسة، أن تكالة «عرض خلال إحاطته في الجلسة مبادرة بولس، نقلاً عن الدبيبة».

ولم يصدر على الفور أي تعقيب رسمي من «المجلس الرئاسي» وحكومة «الوحدة» والبعثة الأممية حول حقيقة هذه المبادرة المثيرة للجدل. وفي ليبيا حكومتان: الأولى هي «الوحدة» في طرابلس، والثانية في بنغازي برئاسة أسامة حماد ومدعومة من مجلس النواب والمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني».

في شأن آخر، قال عضو مجلس النواب فتح الله السعيطي إنه بحث، مساء الأحد، مع رئيس المجلس عقيلة صالح، مستجدات الأوضاع السياسية في البلاد، وأكدا «ضرورة الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام وتجاوز حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد».

كما ناقشا المبادرات الدولية المطروحة على الأطراف السياسية، «وإمكانية الاستفادة منها لدعم مسار الحل ودفعه نحو نتائج عملية». وشددا على أن «المخرَج الحقيقي للأزمة الليبية يكمن في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب الآجال، باعتبارها السبيل لإنهاء المراحل الانتقالية وتحقيق الاستقرار».

صورة نشرها عضو مجلس النواب السعيطي للقائه مع صالح

بدوره، أدرج رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي اجتماعه مساء الأحد بشكل منفصل مع نائب رئيس «جهاز الحرس الرئاسي للدعم والإسناد» وآمر الكتيبتين (107 و32) المكلفتين بتأمين مطاري طرابلس ومعيتيقة الدوليين عميد مهندس رمزي القمودي، وعضو لجنة الترتيبات الأمنية والعسكرية وآمر الكتيبة (461) حرس حدود النقيب محمد الحصان، في إطار متابعته لتطورات المشهدين الأمني والعسكري، باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي، مشيراً إلى بحث مستجدات الأوضاع الأمنية، وسبل رفع مستوى الجاهزية وتعزيز تنسيق العمل المشترك بين جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وتزامن الاجتماع مع إشادة موسى الكوني، نائب المنفي، بما وصفه بـ«الدور البطولي» الذي سطّرته قوة مكافحة الإرهاب في «ملحمة البنيان المرصوص، وبما قدمه منتسبوها من تضحيات جسيمة في مواجهة الإرهاب، ودورهم الحاسم في حفظ الأمن وفرض هيبة الدولة».

كما أكد خلال زيارته إلى مقر «جهاز مكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة» على «الدور المحوري للجهاز والقوة في فض النزاعات وإيقاف نزف الدم داخل العاصمة طرابلس، بما يعكس مستوى عالياً من الانضباط والمسؤولية الوطنية».