المشهد الثقافي المصري في 2022: أنشطة متنوعة وحوار غائب

مكتبة لإدوار الخراط... و«وسام غوته» لمحمد عبلة... ووداع لبهاء طاهر وصلاح فضل

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة
TT

المشهد الثقافي المصري في 2022: أنشطة متنوعة وحوار غائب

الفنان محمد عبلة
الفنان محمد عبلة

شهدت الحياة الثقافية في مصر خلال عام 2022 حزمة من الأنشطة المتنوعة كان للفن التشكيلي النصيب الأوفر فيها، وتواكب ذلك مع تغيرات هيكيلية طالت المؤسسة الثقافية الرسمية، كان أبرزها تغيير حقيبة وزارة الثقافة لتؤول إلى الدكتورة نيفين الكيلاني، بعدما ظلت في حوزة عازفة الفلوت الدكتورة إيناس عبد الدايم نحو سبع سنوات، لتكون الكيلاني بذلك ثاني امرأة تتولى الوزارة منذ تأسيسها في عام 1958. ساعد على بروز الفن التشكيلي حركة نشطة مهمومة بالابتكار والمغامرة والبحث عن أشكال ولغة بصرية مغايرة، تساندها وزارة الثقافة بما تمتلكه من قاعات متنوعة للعرض في العاصمة القاهرة ومعظم الأقاليم. كما ترعى الوزارة سمبوزيوم الأقصر للتصوير، وسمبوزيوم أسوان للنحت، اللذين يشارك فيهما فنانون من مصر ومخلف دول العالم، يضاف إلى ذلك اتساع قاعات العرض الخاصة، التي أصبح الكثير منها يشكل حافزاً للفنانين لعرض أعمالهم بشكل لائق، وكان لافتاً أيضاً في هذا المشهد عودة ملتقى البرلس الدولي للرسم على الحوائط والمراكب، الذي تقيمه مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للثقافة والفن بمحافظة كفر الشيخ، وانطلقت دورته التاسعة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بمشاركة 25 فناناً من مصر والهند وصربيا وبولندا وإيطاليا والنرويج وتونس والأردن؛ الملتقى ساحة حرة للتفاعل المباشر بين الفنانين والبيئة المحيطة، من خلال الرسم على جدران البيوت في مدينة البرلس الساحلية، ثم الرسم على نماذج خشبية مصغرة من المراكب والسمك. كما عقد بينالي شرم الشيخ دورته الرابعة بمدينة شرم الشيخ الساحلية ذات الطابع السياحي بجنوب سيناء، بمشاركة فنانين من إيطاليا ومصر، ويذكر لهذا البينالي الذي قام بتأسيسه الفنان جمال مليكة أنه كسر طوق الحظر الذي فرضته أغلب الدول الأوروبية على مصر، وحذرت مواطنيها من زيارتها، جراء تزايد نشاط الجماعات الإرهابية بسيناء قبل سنوات، وأقام البينالي دورته الأولى التي شارك فيها نحو 40 فناناً، معظمهم من أوروبا، مخترقاً هذا الحصار.

د. صلاح فضل

ومن أبرز قاعات العرض الخاصة النشطة «جاليري ضي»، سواء في مقره الجديد الرحب الأنيق بحي الزمالك الراقي بالقاهرة، أو مقره بحي المهندسين بالجيزة. فعلى مدار هذا العام أقام «ضي» عدداً من المعارض الكبرى الحاشدة استهلها بمعرض «مراحل» للفنان محمد عبلة احتفاء بتجربته وحصوله هذا العام على وسام جوتة من ألمانيا. ضم المعرض لوحات تمثل محطات مهمة في تجربة عبلة التشكيلية، تنوعت ما بين التصوير والنحت والجرافيك. ويعد عبلة أول فنان عربي يحصل على هذا الوسام، وهو أرفع وسام رسمي تُقدمه ألمانيا سنوياً، ويُمنح لأصحاب التجارب العالمية المميزة التي أثرت الثقافة الإنسانية بتجارب مهمة، ولها علاقة بالتبادل الفكري والأدبي والفني مع الثقافة الألمانية المنفتحة على العالم. وجاء في حيثيات استحقاق عبلة لهذا الوسام: «إن تجربته الفنية تُعد جسراً بين الشرق والغرب، وتجسد تعبيراً مميزاً عن ثقافته المصرية والعربية، وإيمانه كذلك بأن الفنان يحمل مسؤولية اجتماعية لا يمكن فصلها عن ممارسته الإبداعية».

د. يحيى الرخاوي

يولي «ضي» اهتماماً خاصاً بتاريخ الحركة التشكيلية وإنجازها الفارق في مصر والعالم العربي، ويسعي لأن يكون جسراً يربط التجارب الجديدة بعطاء رواد هذه الحركة. برز هذا الهم بشكل لافت في معرض «مبدعون خالدون»، الذي ضم ألف عمل لمائة فنان تشكيلي من مصر وبعض الدول العربية تركوا بصماتهم على مسيرة الفن.
انطلق المعرض وسط حضور لافت في 3 أغسطس (آب) الماضي وتوزع على فرعي الجاليري في المهندسين والزمالك، واستمر حتى آخر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، واختير الفنان التشكيلي الراحل ممدوح عمار ضيف شرف له، تقديراً لعطائه التشكيلي الكبير وتجربته الثرية في مسار الحركة التشكيلية في مصر، التي ألهمت الكثير من أجيال المبدعين الذين تتلمذوا على يديه.
وفي 3 ديسمبر (كانون الأول) من الشهر الحالي، وتحت شعار «بلا قيود» انطلق مهرجان «ضي» الرابع للشباب العربي، بمشاركة أكثر من 200 فنان تشكيلي من مختلف الدول العربية يتنافسون على جوائز المهرجان في مختلف فروع الفن التشكيلي.
وعلى بعد خطوة من الفن التشكيلي، شهد هذا العام الدورة 29 من مهرجان المسرح التجريبي بمشاركة 14 عرضاً مسرحياً من مصر ودول عربية وأجنبية. ابتعد معظمها عن فكرة التجريب، وتقديم أشكال جديدة تثري خشبة المسرح. وربما هذا ما دفع إدارة المهرجان إلى التصريح بأن الدورة القادمة ستركز على التجريب من خلال اللعب على الكلاسيكيات الأدبية الشهيرة.
بالتوازي مع هذه الأنشطة استعادت دور النشر الحكومية والخاصة عافيتها بعد تعثر طالها طيلة العامين الماضيين بسبب جائحة «كورونا». ومن الإصدارات المهمة في الرواية: «أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي عن دار العين، و«تماثيل الجان» لسمر نور عن دار المحروسة، «ملكة الأزرار» لمحمد عطية، عن دار الثقافة الجديدة، و«أقفاص فارغة» لفاطمة قنديل الفائزة بجائزة نجيب محفوظ لهذا العام. وفي الشعر: «نساء التفاح» لبهية طلب عن الهيئة المصرية للكتاب، و«بوينج سي17... ليست شجرة» لعبد الرحمن مقلد، عن دار المثقف، و«مدمن الغناء» لعبد الحفيظ طايل، عن دار ميريت.

الروائي إدوارد الخراط

في غبار هذا المشهد، ما أجمل لمسة الوفاء في هذا العالم المضطرب، خصوصاً حين تكون من الأبناء للآباء. تحت مظلة هذه اللمسة، دشن بالقاهرة مثقفون وكتاب وشعراء افتتاح مكتبة باسم الروائي والناقد والمترجم الراحل إدوارد الخراط، أحد صناع الحداثة ومنظريها في الحياة الثقافية المصرية والعربية. تحدث في حفل التدشين الناقد الدكتور صبري حافظ، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والروائي منتصر القفاش، وكاتب هذه السطور.
من جهته، استعرض الدكتور إيهاب الخراط، النجل الأكبر لإدوار الخراط، ما تتضمنه المكتبة من ذخائر ومقتنيات ومؤلفات، وكتب مترجمة، فضلاً عن مخطوطاته من الروايات والقصص ومسوداتها، والكتب والأعمال التي ترجمها، ورسائل الدكتوراه والماجستير التي كُتبت عن إبداعاته، وقال إنه تقرر إتاحتها جميعاً للدراسة والتعرف عليها ودراستها.
وأعلن إيهاب - بناء على مقترحات من الحضور - إطلاق جائزة للخراط، تهتم بالكتابات الطليعية الشابة المجددة، وأنه سوف يتم الإعلان عن الفائزين بها في احتفال يقام سنوياً بالمكتبة، في يوم ميلاد إدوار الخراط.

الروائي  بهاء طاهر

ولم يشأ هذا العام أن يمضي، دون أن تودع الحياة الثقافية المصرية رموزاً مبدعة، أخلصوا للأدب، ودافعوا عن قيم الجمال والاستنارة والحرية، وتركوا زاداً ثقافياً يبقى مثيراً لحيوية الرؤى والأفكار. في 27 أكتوبر الماضي رحل بهاء طاهر عن عمر ناهز 87 عاماً، الروائي والقاص العذب، صاحب روايات «واحة الغروب»، «الحب في المنفي»، «خالتي صفية والدير»، وغيرها من الأعمال التي جسدت المأزق الإنساني جسداً وروحاً وستبقى علامات مضيئة في مسيرة الرواية العربية.
ومن مصادفات هذا الوداع المؤلم أن تفقد الحياة الأدبية وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) اثنين من أعمدة الدرس النقدي الرصين. ففي 31 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، رحل الدكتور جابر عصفور، الناقد الأدبي، ووزير الثقافة المصري الأسبق صاحب «زمن الرواية»، وفي 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي رحل الدكتور صلاح فضل الناقد الأدبي، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بعد مسيرة أدبية خصبة امتدت على مدار 84 عاماً، قدم خلالها للمكتبة العربية الكثير من المؤلفات المهمة والرائدة، خصوصاً في مجال الأدب المقارن ومناهج النقد الحديث. ولحق بهما الدكتور يحيى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي، عن عمر ناهز 90 عاماً، صاحب: «حكمة المجانين» و«عندما يتعرى الإنسان»، و«علم النفس تحت المجهر».

ملصق معرض (مبدعون خالدون)

لكن يبقى السؤال قائماً: هل ما في جعبة الثقافة المصرية لهذا العام يصلح أن تبني عليه عطاءً جديداً في العام المقبل... سؤال يبدو نمطياً ومراوغاً، بخاصة حين يفتقد المشهد برغم كثرة الأنشطة والفعاليات الثقافية، القدرة على التواصل وإثارة الحوار الخلاق الخصب ما بين أطراف الفعل الثقافي، من مثقفين وكتاب وشعراء وفنانين، ناهيك عن الدور الحقيقي المنوط بالمؤسسات الثقافية والأهلية، في دفع هذا المشهد وانتشاله من حالة الركود لينفتح برحابة نقدية وفكرية أوسع على نفسه وعلى القارئ معاً.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).