وما أدراك ما الإدراك؟!

الخوارزميات ستستحيل روبوتات وآلات فائقة الذكاء من حيث القدرة على التحليل والمتابعة وتقديم البدائل (إ.ب.أ)
الخوارزميات ستستحيل روبوتات وآلات فائقة الذكاء من حيث القدرة على التحليل والمتابعة وتقديم البدائل (إ.ب.أ)
TT

وما أدراك ما الإدراك؟!

الخوارزميات ستستحيل روبوتات وآلات فائقة الذكاء من حيث القدرة على التحليل والمتابعة وتقديم البدائل (إ.ب.أ)
الخوارزميات ستستحيل روبوتات وآلات فائقة الذكاء من حيث القدرة على التحليل والمتابعة وتقديم البدائل (إ.ب.أ)

ما الإدراك؟! ما كُنهُهُ...؟! ما حقيقته؟ ما أماراته؟ ما أثره؟! هل تعريفه مسألة حاكمة في حياة الإنسان على الأرض... أم أنها تهويمات فلسفية لا بأس بها أن تقبع في رؤوس أصحابها أو في دوائر الجدل المرسل وتظل هناك بلا أمل يرجى أو بأس يتقى؟!
ما مدى محورية تعريفه في توجيه حياتنا أخلاقياً واجتماعياً ودينياً واقتصادياً وقانونياً وسياسياً؟! هل يستطيع أو استطاع أحد أن يقطع بتعريف كنه الإدراك؟ هل هو الملاحظة؟ هل هو المشاهدة... والقدرة على الرصد؟
هل هو القدرة على التمييز اللوني أو البيولوجي؟ هل هو الشعور والقدرة على التقييم؟ هل هو المعاناة؟
البحث في كنه الإدراك ليس قضية علمية أو فلسفية وكفى... ولا ينبغي لها أن تكون... لأنها قبل ذلك قضية ذات أثر عميق مباشر على توجهاتنا واختياراتنا وقراراتنا القانونية والسياسية وقبلهما الأخلاقية.
فمن قطع أو أراد أن يقطع بأن الإدراك هو الملاحظة أو القدرة على الرصد... فإن كاميرا التصوير الفوتوغرافي والسينمائي قادرة على الملاحظة والرصد...!
ومن أراد الإدراك هو القدرة على التمييز... فإن عدسات المراقبة الإلكترونية المزودة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة وبدقة فائقة على تمييز الأوجه البشرية وتفاوت الألوان والملامح، ومدى تطابق أو اختلاف صور الكائنات والمخلوقات من جماد وحيوان وإنسان.
ومن ظن أن الإدراك هو الشعور والحساسية والقدرة على التقييم... فإن ترموستات الحرارة قادر بلا خطأ أن يشعر بدرجة الحرارة ويقيمها ويسجلها... ومرة أخرى بربطه بخوازميات لتحليل البيانات يستطيع أن يقدم رأياً داعماً في صنع القرار عن التغير المناخي وتداعياته على المستوى البيئي... وفي سياق الاختراق الصناعي والميكنة في حياة البشر - من أبسط الآلات المنزلية اليومية، إلى وسائل انتقالهم، إلى المدن الهائمة في الفضاء من المحطات المدارية ومركبات الفضاء - يستطيع أن يصدر أحكاماً قاطعة عن حال تلك الآلة وقدرتها على الأداء.
إن علم القياس والتحكم قائم على الرقائق الإلكترونية ذات القدرة على القياس والتعيير... ولكن الرقائق بحساسيتها الفائقة تبقى قطعاً صماء أصلها من رمل.
أما الآن وفي الفتح الإنساني الجديد في علم الذكاء الاصطناعي... ونحن ننتقل وبسرعة مذهلة بين عالمين في ذاك المجال... من تكنولوجيا الجيل الخامس إلى تكنولوجيا الجيل السادس في أقل من خمس سنوات من الآن... والفارق لو تعلمون عظيم...!!
فإن كانت تكنولوجيا الجيل الخامس هي ما أفاض علينا فتوحات علمية معروفة بإنترنت الأشياء وذروة سنامها السيارات ذاتية القيادة... وخوارزميات تحديد توجهات الرأي والاختيار لدى البشر بناء على سلوكهم الرقمي على هواتفهم وحواسيبهم وغيرها، إلى درجة التنصت على ما ينبس به الإنسان من بنت شفة حول أمر بعينه، فيتحول إلى كلمة مفتاحية لتلك الخوارزمية، التي ما تلبث أن تمطر هاتفه وحاسبه بمئات الإعلانات والمعلومات عن ذاك الموضوع الذي قاربه في حوار أسَرّ به لبعض أصحابه، أو حدث به نفسه ولكن بصوت عالٍ... إلى تكنولوجيا الجيل السادس وفتح الآلات ذاتية التعلم، التي ستجعل القسمة في المستقبل القريب ليست بين بشر أذكى وبشر أقل ذكاء... ولكن بين آلات مهيمنة بذكائها وبشر ينافح محاولاً أن يبقى على قدرته على منافستها في بعض مجالات عمل يزاح منها بالكلية... ولتتحول مأساة البشر من المعاناة من الاستغلال... استغلال البشر للبشر... إلى فقدان الدور والهامشية في الحياة.
وعليه... فإن قضية الإدراك وكنهه ستكون هي القضية الحاكمة أخلاقياً وقانونياً وسياسياً...!
فهل السيارة ذاتية القيادة... وهي القادرة على الرصد والتوقع ورد الفعل والمناورة في كل ما يواجهها في مسارها... كائن مدرك واعٍ... أم كائن أصم؟ على أي قاعدة فلسفية وأخلاقية نسن قانوناً يجرم أو لا يجرم ما ينتج عن حادث تسببت فيه تلك المركبة ذاتية القيادة فحطمت أو أصابت أو قتلت...؟! من نعاقب وعلام وعلى من يحتسب المجتمع لكي يقر العدل...؟
تلك الخوارزميات التي ستستحيل روبوتات وآلات فائقة الذكاء من حيث القدرة على التحليل والمتابعة وتقديم البدائل في ضوء كلمة مفتاحية أو كلمات تنم عن موضوع ما... على من نحتسب إن هي أضلت وساقت طفلاً أو مراهقاً أو حتى رجلاً أو امرأة كاملي النضج، فأودت بهم أو بمقدراتهم أو بثرواتهم أو بحياتهم... ممن يقتص المجتمع... وعلى أي قاعدة عدل يحيا...؟
في وسط هذا التيه، أتت المقاربات الفلسفية نحو تعريف كنه الوعى والإدراك على وجه من ثلاثة أوجه...
أولها... يقرر أن معرفة كنه الوعى والإدراك أمر مستحيل، ولن يستطيع العقل البشرى سبر غوره على أي نحو كان. ثانيها... يقدم قائمة من التصورات القاصرة - أسلفناها - على كون الوعي والإدراك هما المشاهدة المجردة أو الملاحظة غير المنحازة وغير المؤهلة لإصدار أحكام، أو البعد الشعوري والتقويمي للملاحظة... وقد أثبتنا قصورها بل تهافتها بما سقناه من أمثلة.
ثالثها... وأكثرها منطقية... هو ما يؤكد أن «الإدراك هو صنو المعاناة»... فالمعاناة النفسية أو الجسدية هي عنوان الإدراك ودلالته ومنطلقه وأثره... ولكن يبقى لهذا الوجه تحديان واجبا النقاش.
فمن ساقوا هذا الوجه لتعريف الوعي والإدراك... وقد لا يجانبهم الصواب في بعض أطروحتهم... حين يدللون على استقامة طرحهم بأن ما يفرق بين البشر والآلة القادرة على الرصد والمشاهدة أو تلك القادرة على قياس الحرارة... هو مردود ذلك على البشر وعلى إنسانيته... ما يفرحه وما يحزنه... ما يسوؤه وما يؤلمه... وما يشد عضده... ما يوجعه... ما يخيفه... ما يطمئنه... ذاك ما يجعل من الإنسان فاعلاً سياسياً وأخلاقياً... وإلى هنا قد لا نختلف في كثير.
ولكن ما يذهب إليه بعض من هؤلاء بُغيَة تغريب الوحي أو تضحيل دوره في تسيير حياة البشر وترقيها... بأنه، وإن جزمنا بأن الوعي هو صنو المعاناة... وأن المعاناة ليست بالضرورة هي الوجع، ولكنها رغبة الإنسان في تغيير واقع ما إلى واقع أفضل... قد يكون من واقع ألم ووجع إلى واقع مهادنة وسكون... أو من واقع رحب جيد إلى واقع أكثر رحابة وجودة... أو إلى إحراز متعة حسية ونفسية على نحو ما... فإن مصدر تعريف الأفضل والأجود وما يورث السكينة وما يورث النعيم والمتعة، هو ما فيه الاختلاف...!
فإن أتى تعريف الاستقامة والاعوجاج، في قديم من وحي السماء (أو هكذا كان يظن القدماء في زعم هؤلاء المحدثين)... فما لبث أن حلت سلطة الدولة محل السلطة الإلهية... وأخيراً فقد صار ما يقرر طبيعة المعاناة ونوع النجاة منها لا وحي السماء ولا سلطة الدولة ولكن سلطة الضمير الفرد.
والضمير الفرد هو ما يقرر إلى أي مدى يكون الفعل آثماً أو صالحاً بمدى المعاناة التي يوقعها بغيره... ويذهب هؤلاء إلى صك ما يسمونه «جرائم اللاضحايا»...!
ففي عرف هؤلاء، المثلية والشذوذ الأخلاقي مثلاً... هما فعل اختيار وتراض لا يخرج أثره (في عرفهم) معاناة على أي نحو إلى المجتمع... فهو فعل بين أطرافه... وبمثلها أي جريمة يعدها الوحي (الدين) أو العرف أو سلطة الدولة جرائم، في حين أن ضمير فرد يستطيع تصنيفها في إطار جريمة اللاضحية (أي جريمة لا ضحايا لها)... فهو فعل طبيعي مستقيم... بل مستحسن...!!
وينطلق هؤلاء إلى «تعريف الوعي والإدراك على كونه القدرة على المعاناة»... ويكون إنفاذ أثره سياسياً وأخلاقياً وقانونياً على نحو ما ينتهى إليه الضمير الفرد... وقد تسرب هذا الفهم ولم يزل إلى كثير من القضايا الكبرى التي تزلزل المجتمع الإنساني برمته وتنذر بسوء عاقبة.
قد لا نختلف مع من يذهبون إلى أن الوعي والإدراك ظاهره هو صنو المعاناة... ولكن ما نجزم به أن جوهره ما زال وسيظل مستغلقاً... ففهمنا لمنشأ المعاناة ومدرج نضجها وتعاظمها وما تمليه على النفس من أثر سيظل تعريفه من ضروب المستحيل.
لأن كل ما يقارب حقيقة لماذا تنشأ المعاناة... ولما تتعاظم في نفس وتهون في أخرى... وكيف تكون أطوارها في نفس واحدة لشخص واحد تأرجحاً بين التسامي والانحطاط بين النفس الأمارة بالسوء... إلى النفس اللوامة... إلى النفس الزاهدة المطمئنة... هو من أمر الروح...!
وهو ما قدره أن يبقى مستغلقاً علماً وفلسفة إلى أن يكون أمر ربي بإزالة الحجب.
ألم نقل إن العلم والوحي والفلسفة هي قوائم استقرار الفكر الإنساني... في تكاملها تمام نضجه وترقيه... وفي إقحام تنافر بينها إقحام لعنت إنساني ثقيل، وهدر لأعمارها سدى.
فَكرُوا تَصحُوا...
* كاتب ومفكر مصري


مقالات ذات صلة

لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

تحقيقات وقضايا لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

لماذا علينا أن نسامح الآخرين؟

بعد ظهر أحد أيام ربيع عام 1985 في مدينة غاري بولاية إنديانا، الولايات المتحدة الأميركية، قتلت فتاة تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً امرأة مسنّة بعد أن اقتحمت منزلها. مدينة غاري لها تاريخ طويل من التوترات العرقية بين السكان البيض والسود، وحيث إن الفتاة، واسمها بولا كوبر، كانت سوداء البشرة والضحية، روث بيلك (77 سنة)، من العرق الأبيض، سارعت الصحافة المحلية لتغطية الحادثة لصب الزيت على النار وفسرت الجريمة على أنها ذات بعد عرقي. لكن الشرطة قالت حينها، إن الجريمة حدثت بدافع السرقة، وإن ثلاث فتيات أخريات شاركن في ارتكاب الجريمة، إلا أن الفتيات الأخريات قلن إن بولا كانت زعيمة العصابة.

تحقيقات وقضايا الصوم... قاسم مشترك للضمير الإنساني

الصوم... قاسم مشترك للضمير الإنساني

يكاد يكون الصوم الشعيرة التعبدية الوحيدة في مختلف الأديان والمعتقدات ذات الالتصاق الوثيق بالضمير الإنساني؛ إذ لاحظ باحثون في تاريخ الحضارات القديمة أن ظاهرة الصوم كانت حاضرة بقوة لدى مختلف الشعوب. وتُجمِع معظم الأديان والثقافات على اعتبار الصوم فرصة للتجدّد الروحي والبدني. فقد كان الصوم عبادة يتبارك بها البشر قبل الذهاب إلى الحروب، ولدى بعض الحضارات ممارسة جماعية لاتقاء الكوارث والمجاعات. شعوب أخرى حوّلته طقساً للإعلان عن بلوغ أفرادها اليافعين سن الرشد.

أحمد الفاضل
تحقيقات وقضايا هل يجوز أن تتحوّل الحقيقة إلى موضوع حواريّ؟

هل يجوز أن تتحوّل الحقيقة إلى موضوع حواريّ؟

لا ريب في أنّ أشدّ ما يهزّ الوجدان الإنسانيّ، في بُعدَيه الفرديّ والجماعيّ، أن يجري تناولُ الحقيقة الذاتيّة على لسان الآخرين، وإخضاعُها لمقتضيات البحث والنقد والاعتراض والتقويم. ما من أحدٍ يرغب في أن يرى حقيقته تتحوّل إلى مادّةٍ حرّةٍ من موادّ المباحثة المفتوحة. ذلك أنّ الإنسان يحبّ ذاتَه في حقيقته، أي في مجموع التصوّرات والرؤى والأفكار والاقتناعات التي تستوطن قاعَ وعيه الجوّانيّ.

باسيل عون (مشير)
تحقيقات وقضايا مجموعة احتجاجية تطلق على نفسها «بقيادة الحمير» تصب طلاء أصفر على طريق في لندن 23 فبراير الماضي (رويترز)

هل يجب أن نقبل ما يقوله الآخرون في امتداح هويّتهم؟

غالباً ما نسمع الناس يمتدحون ما هم عليه، سواءٌ على مستوى هويّتهم الفرديّة أو على مستوى هويّتهم الجماعيّة. لذلك نادراً ما وقعتُ على إنسانٍ يعيد النظر في هويّته الذاتيّة الفرديّة والجماعيّة. ذلك أنّ منطق الأمور يقتضي أن يَنعم الإنسانُ بما فُطر ونشأ عليه، وبما انخرط فيه والتزمه، وبما اكتسبه من عناصر الانتماء الذاتيّ. فضلاً عن ذلك، تذهب بعض العلوم الإنسانيّة، لا سيّما علوم النفس، مذهباً قصيّاً فتوصي بامتداح الأنا حتّى يستقيم إقبالُ الإنسان على ذاته، إذ من الضروريّ أن نتصالح وذواتنا حتّى نستمرّ في الحياة.

باسيل عون (مشير)
تحقيقات وقضايا أناس يشاهدون انطلاق مركبة «سبيس إكس» إلى الفضاء في 27 فبراير الماضي (رويترز)

عن «الإنتروبيا» والجدل والتسبيح

من نقطة «مُفرَدة» أولى، لا «أين» فيها ولا «متى»، فيها كل الزمان وكل المكان وكل الطاقة، مدمجين بنظام لا عبث فيه ولا خلل. كانت البداية، ومنها كانت كل البدايات، ينبعث من عِقالِ المفردة الأولى وتراتبيتها الصارمة فوضى كبيرة في انفجار كبير. ومن تلك الفوضى ينبت الزمكان وتنبعث الطاقة وتتخلق المادة، منها كان الكون بأجرامه ومخلوقاته، بل وكانت الأكوان وأجرامها ومجراتها ومخلوقاتها. فكأن قصة الكون وقصتنا معه، «هي أن تراتبية ونظاماً مكثفاً مدمجاً.


تجميد واشنطن شحنة سلاح لإسرائيل... نقطة في بحر المساعدات

لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
TT

تجميد واشنطن شحنة سلاح لإسرائيل... نقطة في بحر المساعدات

لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)
لافتة كُتب عليها «1500 طفل قُتلوا بقذائف أميركية» رُفعت خلال مظاهرة لإحياء يوم النكبة في ولاية تكساس الأميركية (إ.ب.أ)

استُقبل قرار إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تجميد شحنة قنابل ثقيلة لإسرائيل مطلع الشهر الحالي بموجة ترحيب وتهليل من الداعين إلى تغيير سياسة الدعم الأميركية لإسرائيل. لكن هذه الشحنة ليست إلا قطرة في بحر المساعدات الأميركية لتل أبيب التي تتصدر لائحة البلدان المتلقية هذه المساعدات، كما أنها لا تشمل إلا جزءاً بسيطاً من أسلحة هجومية تخشى الإدارة أن تستعملها إسرائيل في عملية رفح، مقابل الإبقاء التام على الأسلحة الدفاعية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل ولا يشملها قرار التجميد. وهذا تحديداً ما تحدث عنه بايدن قائلاً: «لقد أوضحت أنهم إذا دخلوا رفح، فلن أزوّدهم بالأسلحة التي استخدمت تاريخياً للتعامل مع رفح». لكنّه سرعان ما استدرك موضحاً في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» بأن بلاده ستستمر في تقديم أسلحة دفاعية لإسرائيل، وأن التجميد يتعلق بجزئية رفح فقال: «سنواصل التأكد من أن إسرائيل آمنة في ما يتعلق بالقبة الحديدية، وقدرتها على الرد على الهجمات التي انطلقت من الشرق الأوسط».

والولايات المتحدة هي أكبر مصدّر للأسلحة في العالم. نفوذ تعتمد عليه للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى توفّر سلاحاً قيّماً من خلال صفقات أسلحة دورية وباهظة الثمن من جهة، وتقديم مساعدات عسكرية لبلدان تحتاج إلى دعمها من جهة أخرى.

لكن هذه القوة مثيرة للجدل. فلطالما ارتبط النفوذ الأميركي بترويج الولايات المتحدة للديمقراطية، لتفرض الإدارات المتعاقبة على بعض البلدان شروطاً كثيرة مقابل تقديم هذه المساعدات والأسلحة والتساهل في تطبيقها مع بلدان أخرى؛ ما طرح تساؤلات حول ازدواجية المعايير الأميركية فيما يتعلق بإسرائيل.

وجاءت حرب غزة، التي تزامنت مع سباق انتخابي محتدم بين الرئيس الحالي جو بايدن وسلفه دونالد ترمب، لتدفع بقاطن البيت الأبيض إلى اتخاذ خطوة نادرة زعزعت العلاقة مع حليف الولايات المتحدة التاريخي: تجميد شحنة قنابل لتل أبيب تخوفاً من اجتياح رفح، في قرار واجه ردود فعل متفاوتة في الأوساط السياسية، من مرحّب بتطبيق الشروط الأميركية للضغط على إسرائيل للحد من سقوط الضحايا المدنيين، إلى مندّد بالتسبب بإيذاء العلاقات التاريخية بين البلدين.

 

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون متحدثاً في مؤتمر صحافي لحث مجلس الشيوخ على الموافقة على قانون دعم المساعدة الأمنية لإسرائيل (إ.ب.أ)

سياسة «الشيك على بياض»

معلوم أن إسرائيل تتمتع بمكانة بارزة في سلم المساعدات الأميركية؛ إذ تتصدر لائحة المساعدات الخارجية منذ الحرب العالمية الثانية. فبحسب أرقام لمجلس العلاقات الخارجية، حصلت تل أبيب على أكثر من 300 مليار دولار من الولايات المتحدة منذ العام 1946، منها أكثر من 220 مليار دولار من المساعدات العسكرية.

ولا يقتصر الدعم الأميركي الواسع النطاق لإسرائيل على حزب دون الآخر، بل يتساوى فيه الديمقراطيون والجمهوريون. وكان الكونغرس خصص مبلغاً يتراوح بين 3 مليارات و4 مليارات سنوياً لإسرائيل منذ العام 1970 ضمن المخصصات المالية العسكرية التي يقرّها المجلس التشريعي، ليصل المبلغ إلى ذروته الشهر الماضي مع إقرار مبلغ 15 مليار في إطار الدعم الأميركي لإسرائيل في حرب غزة، وهو مبلغ، بحسب مجلس العلاقات الخارجية، يتخطى أي تمويل فردي لتل أبيب منذ 50 عاماً.

لكن الطريق لم تكن سهلة أمام إقرار المبلغ المطلوب من قِبل الإدارة، فقد اصطدم بحائط التجاذبات الحزبية في موسم انتخابي حامٍ، فسعى عدد صغير من الجمهوريين والديمقراطيين إلى عرقلته لأسباب مختلفة. من جهة، طالبت الأقلية الجمهورية بالتركيز على الأزمات الداخلية الأميركية، كالهجرة على سبيل المثال، بينما عارض بعض الديمقراطيين التقدميين المبلغ بسبب انتهاكات إسرائيل حقوق الإنسان من جهة أخرى.

وسرعان ما هبّ صقور الجمهوريين للتصدي لهذه المساعي المعرقلة لإقرار التمويل، فأحبطوها وتم إقرار القانون بأغلبية أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في أبريل (نيسان) 2024، ليوقّع عليها بايدن وتصبح قانوناً ساري المفعول.

سوابق تاريخية

صحيح أنه بمجرد أن أعلنت إدارة بايدن عن تجميد شحنة الأسلحة، انهال الجمهوريون بوابل الانتقادات متهمين الإدارة الديمقراطية بالانحياز ضد تل أبيب، وإلى أن مسيرة الديمقراطيين أدت إلى تأزم العلاقات مع حليف الولايات المتحدة التاريخي في المنطقة، لكن الأدلة تقول غير ذلك. فإدارة الرئيس السابق باراك أوباما الديمقراطية هي التي وقّعت مذكرة التفاهم التاريخية مع إسرائيل في العام 2016 التي تعهدت بتخصيص 38 مليار دولار لتل أبيب على مدى 10 أعوام بدءاً من العام 2018.

كما أن الإدارات الجمهورية، وليست الديمقراطية هي التي سبق وأن فرضت قيوداً على إسرائيل بسبب انتهاكها الأعراف الدولية، بدءاً من إدارة رونالد ريغان في العام 1981 والتي جمّدت تسليم مقاتلات «F-16» أميركية لإسرائيل لمدة شهرين بعد أن قصفت مفاعلاً نووياً في العراق. وبعد ذلك بعام، في يوليو (تموز) 1982 جمّد ريغان شحنة من القذائف العنقودية لتل أبيب بعد أن استعملتها إسرائيل خلال اجتياح لبنان.

ولم يكن ريغان الرئيس الجمهوري الوحيد الذي اتخذ خطوات من هذا النوع، ففي مارس (آذار) 1992 أجّل جورج بوش الأب تسليم ديون بقيمة 10 مليارات دولار لإسرائيل بسبب مخاوف من مضي إسرائيل قدماً في خطط بناء مستوطنات في الضفة الغربية.

وحول ذلك، يقول كبير المستشارين العسكريين السابق في وزارة الخارجية الأميركية العقيد المتقاعد عباس دهوك: «قانون المساعدات الخارجية وقانون تصدير السلاح يوفران شروطاً واضحة، لكن التطبيق يعتمد على سياسات الإدارة داخلياً وخارجياً. واستعمال المساعدات العسكرية أداةً سياسية هي تقليد قديم في السياسة الخارجية الأميركية تتخطى التعامل مع إسرائيل».

لكن هذه المرة، جاء قرار التجميد كمفاجأة للداعمين والرافضين له على حد سواء.

فلم تمر أيام قليلة على التوقيع حتى أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، رداً على تسريبات صحافية، بأنها قررت تجميد إرسال شحنة من الأسلحة لإسرائيل. ويتحدث جون ألترمان، المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن هذا القرار، فيقول في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «تجميد شحنة الأسلحة المؤلفة من قنابل قوية هي امتداد منطقي للجهود الأميركية التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) لتغيير طريقة تفكير إسرائيل بهذه الحرب». ويضيف ألترمان: «منذ البداية حاول المسؤولون الأميركيون التشديد لإسرائيل بأنه ليس هناك حل عسكري بحت للصراع مع (حماس)، وعليها أن تفكر في حماية المدنيين الفلسطينيين لأنهم سيكونون أساس حكومة ما بعد الحرب. إن القلق بشأن تسليم القنابل هو أنها ستتسبب على الأرجح بضرر واسع النطاق لجهود إسرائيل في ضرب قادة (حماس)؛ وهو ما تعتقد الولايات المتحدة أنه سيضر بمصلحة كل من إسرائيل وأميركا». واعتبر ألترمان أن خطوة بايدن «هي بداية التغيير في السياسة الأميركية وقد تؤدي إلى بداية تغيير في السياسة الإسرائيلية».

في المقابل، لفت دهوك إلى أن القرار «نابع من دوافع سياسية بحتة»، وقال دهوك لـ«الشرق الأوسط»: «إدارة بايدن تتعرض لضغوط شديدة من الجمهوريين والديمقراطيين والناخبين الأميركيين وطلاب الجامعات لتمارس نفوذها على حكومة نتنياهو. وهذه الخطوة تعكس تقليداً قديماً في السياسة الخارجية الأميركية، حيث يتم استعمال المساعدات العسكرية كأداة سياسية».

وبالفعل، هذا ما تعول عليه الإدارة التي أكدت أنها ملتزمة بالقوانين الأميركية، وأن الأسلحة المجمدة لا تشمل أي أسلحة دفاعية، التزاماً بما يعرف بـ«قانون لايهي» الذي أقرّه الكونغرس في العام 1997، وتحسباً لتقرير مرتقب للكونغرس بناء على مذكرة تفاهم رئاسية أقرها بايدن في فبراير (شباط) 2024 عُرفت باسم «NSM-20».

موظفون في الكابيتول يرفعون لافتة للمطالبة بـ«إنقاذ رفح» قُبيل التصويت على قانون تجميد صفقة السلاح لإسرائيل (أ.ف.ب)

مذكرة الأمن القومي رقم 20

لم يأتِ قرار الإدارة بالتجميد، رغم ندرته، من فراغ، بل تزامن مع موعد تسليم الإدارة لتقريرها الملزم قانونياً إلى الكونغرس، بحكم المذكرة الرئاسية التي أقرّها بايدن في 8 فبراير 2024، وتعطي هذه المذكرة الرئاسية، التي تتمتع بصلاحيات قانونية، وزير الخارجية الأميركي فترة 45 يوماً لتوفير «ضمانات مكتوبة موثوقة وذات مصداقية» من حكومات الدول الأجنبية التي تحصل على مساعدات عسكرية أميركية والتي تواجه صراعات حالية كإسرائيل وأوكرانيا. وعلى هذه الضمانات أن تشمل تعهدات بأنها تستعمل المساعدات العسكرية بالتوافق مع القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان.

وفي حال فشلت هذه الحكومات في تقديم التعهدات المذكورة في الوقت المطلوب، يتم تجميد هذه المساعدات العسكرية باستثناء أنظمة الدفاع الجوي وأسلحة دفاعية أخرى، وهو ما فعلته إدارة بايدن جزئياً مع إسرائيل، بعد أن خلصت في تقريرها إلى أن الأدلة غير كافية بشأن انتهاك إسرائيل لقواعد استعمال الأسلحة الأميركي.

ويوافق كبير الموظفين السابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب جايسون ستاينبوم على مقاربة بايدن في هذه الإطار، فيقول لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل لديها «حق الدفاع عن نفسها لتدمير (حماس)، لكن لديها أيضاً واجب الحد من وقوع الضحايا المدنيين على قدر المستطاع والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، وهي لم تقم بهذا بالشكل الكافي، والرئيس بايدن محق في وضع شروط على المساعدات العسكرية الهجومية لإسرائيل على ضوء تصرفاتها في رفح ومع المدنيين في غزة».

يرى بعض المنتقدين أن هذه المذكرة التي أقرّها بايدن لم تكن سوى أداة سياسية وظفها الرئيس الأميركي لاسترضاء الشق التقديم من حزبه والذي يعارض سياسته في حرب غزة، ويشير هؤلاء إلى وجود قوانين أميركية كقانون المساعدات الخارجية وقانون لايهي الذي يحتوي فعلياً على الشروط نفسها.

قانون لايهي

في العام 2017 كتب السيناتور الديمقراطي حينها باتريك لايهي مشروع قانون يحُول دون تقديم مساعدات عسكرية للوحدات الأمنية في دول أجنبية تنتهك حقوق الإنسان، ليقرّه الكونغرس في إطار قانون المساعدات الخارجية. فبالنسبة للسيناتور عن ولاية فيرمونت، الذي خدم في الكونغرس منذ العام 1975 وتقاعد في 2023 عن عمر يناهز 81 عاماً، يحرص قانونه على «وقف المساعدات الأميركية عندما تكون هناك أدلة واضحة وموثوق بها عن انتهاكات لحقوق الانسان»، لكن القانون يعطي الصلاحية للإدارة الأميركية بتخطيه «للسماح بتقديم أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة في هذه البلدان».ويقول ستاينبوم إن القانون لا ينطبق على مبيعات الأسلحة، ويشرح قائلاً: «إن تطبيق قانون لايهي معقد؛ فالقانون يشمل الأسلحة ضمن المساعدات الأميركية، لكن الأسلحة الاخرى التي باعتها أميركا لإسرائيل لا تقع ضمن القانون المذكور. إذن، سيتطلب نظر الحكومة الأميركية في الانتهاكات المتعلقة بالقانون وقتاً طويلاً». مضيفاً: «إن فرض شروط على تسليم الأسلحة هي إشارة تدل على خلاف جدي بين البلدين اللذين عادة ما يسعيان جاهدين إلى عدم إظهار خلافاتهما إلى العلن».

وساهم السيناتور لايهي المخضرم في رسم صورة جديدة للمساعدات الأميركية وتاريخها الطويل الذي مرّ بمراحل كثيرة منذ سعيها إلى تغيير مسار الأنظمة الشيوعية خلال الحرب الباردة، مروراً بالتصدي للاتجار بالمخدرات في التسعينات ووصولاً إلى مواجهة الأفكار المعادية للغرب في الأعوام اللاحقة. فالولايات المتحدة هي من البلدان الأبرز التي تقدم مساعدات عسكرية خارجية وتوفر تدريبات عسكرية للجيوش وقوى الأمن الاجنبية، ففي العام 2012 على سبيل المثال، وصلت النفقات الأميركية على برامج من هذا النوع إلى أكثر من 25 مليار دولار قدمتها لنحو 100 بلد حول العالم.

ويقول ألترمان رداً على الاتهامات لأميركا بازدواجية المعايير في تطبيق الشروط على تسليم الأسلحة: «هناك قيود قانونية على المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة وبعض الاستثناءات التي تسمح للرئيس بالتصرف في بعض القضايا لتقديم مصلحة الأمن القومي، حتى إن لم يتم احترام الشروط المذكورة. بشكل عام، إن حافز الولايات المتحدة هو تقديم المصالح القومية».

 

هل تتأثر عملية رفح؟

أطفال فلسطينيون يتفقدون مكان قذيفة إسرائيلية في رفح (أ.ف.ب)

وفي خضم الجدل الدائر حول السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وتجميد شحنة القنابل في مساعي للضغط على تل أبيب للتراجع عن اجتياح رفح، يقول ألترمان: «لعقود تصرفت الولايات المتحدة على افتراض أن إسرائيل تعيش في بيئة تهديد خطيرة، وأن لديها فهماً جيداً للتهديدات التي تواجهها وقدرة مستقلة قوية للتصدي لهذه التهديدات. كما كان هناك تصور بأنه إذا شعرت إسرائيل بالأمان فستكون قادرة على تقديم تنازلات للسلام، لكن عندما تشعر بالتهديد فمن المستبعد ان تقوم بذلك».

واعتبر ألترمان أنه فيما يتعلق برفح، فإن الطرفين الأميركي والإسرائيلي لا يتوقعان أن خطوة الادارة هذه سوف تؤدي إلى تغيير فوري في خطط إسرائيل.ويوافق دهوك مع هذا التقييم مشيراً إلى أنه ورغم أن قرار بايدن بتجميد شحنة الذخيرة خلق انتقادات سياسية بسبب الضغوط الداخلية فان التأثير المباشر على العمليات في رفح هو بسيط جداً، مضيفاً: «الجيش الإسرائيلي يملك طرقاً بديلة لشن مهامه العسكرية ويستفيد من توجيهات الجيش الأميركي للحد من الخسائر في الارواح والممتلكات من الطرفين».

أما ستاينبوم فيعتبر أن «إسرائيل بلد مستقل وستقوم بما تعتقد أنه ضروري لحماية أمنها القومي»، مشيراً إلى أنها تجاوبت مع بعض المطالب الأميركية عبر السماح بدخول بعض المساعدات الانسانية لغزة «لكن لا يبدو أن هذه القيود المحدودة على الأسلحة الأميركية أدت بشكل جدي إلى تغيير مقاربة إسرائيل فيما يتعلق برفح»، على حد تعبيره.