شراكات عملاقة سعودية ـ صينية في الطاقة والكيميائيات والإنشاءات

«أرامكو» تبرم مذكرة تفاهم لتوريد النفط الخام... و«أكوا باور» توقّع مع 9 جهات في الطاقة المتجددة... واتفاقيات لتطوير سكني وعقاري

ممثلو «أكوا باور» والشركات الصينية خلال توقيع الاتفاقية بحضور وزير الاستثمار السعودي أمس (الشرق الأوسط)
ممثلو «أكوا باور» والشركات الصينية خلال توقيع الاتفاقية بحضور وزير الاستثمار السعودي أمس (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عملاقة سعودية ـ صينية في الطاقة والكيميائيات والإنشاءات

ممثلو «أكوا باور» والشركات الصينية خلال توقيع الاتفاقية بحضور وزير الاستثمار السعودي أمس (الشرق الأوسط)
ممثلو «أكوا باور» والشركات الصينية خلال توقيع الاتفاقية بحضور وزير الاستثمار السعودي أمس (الشرق الأوسط)

تزامناً مع اختتام الرئيس الصيني شي جينبينغ زيارته الرسمية إلى السعودية وحضوره القمتين (الخليجية - الصينية والعربية - الصينية) للتعاون والتنمية، أعلنت كبرى الشركات السعودية في مجال الطاقة والكيميائيات والإنشاءات عن عقدها شراكات عملاقة مع صينية للتعاون وبدء العمل في مشروعات مشتركة.

- التكرير والبتروكيماويات
وكشفت عملاق الطاقة السعودية (أرامكو) إحدى كبرى الشركات العالمية المتكاملة في مجال الطاقة والكيميائيات، ومجموعة «شاندونغ» للطاقة، عن استكشاف فرص للتعاون في مجال التكرير والبتروكيميائيات المتكاملة في الصين. ووقّعت الشركتان مذكرة تفاهم تتضمن اتفاقية محتملة لتوريد النفط الخام، واتفاقية شراء منتجات كيميائية، لدعم دور «أرامكو السعودية» في بناء قطاع مزدهر للتكرير والبتروكيميائيات في مقاطعة شاندونغ الصينية.
ويمتد نطاق مذكرة التفاهم ليشمل التعاون عبر التقنيات المتعلقة بالهيدروجين، ومصادر الطاقة المتجددة، واحتجاز الكربون وتخزينه.
وأكّد محمد القحطاني، النائب الأعلى للرئيس للتكرير والمعالجة والتسويق في «أرامكو السعودية»، سعي «أرامكو» من خلال هذا التعاون، الذي يتمركز في عمق قطاع الطاقة الصيني، إلى خلق مسارات جديدة للنّمو في بلد يقود التكامل المتزايد لعمليات التكرير والبتروكيميائيات، متمنياً أن يمتد هذا التعاون في مجالات الهيدروجين، ومصادر الطاقة المتجددة، واحتجاز الكربون، ولمزيد من التعاون المحتمل في هذه المجالات الرئيسة التي ستشكل مستقبلنا المشترك.
وتعزز هذه الاتفاقية جهود «أرامكو السعودية» لدعم الطلب على الطاقة والبتروكيميائيات والمواد اللامعدنية في الصين مع سعي الشركة لتوسيع طاقتها في مجال تحويل السوائل إلى مواد كيميائية لتبلغ 4 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2030.

- توقّع 9 اتفاقيات
كما وقّعت شركة «أكوا باور» السعودية مجموعة من مذكّرات التفاهم مع تسع جهات صينية، وتهدف هذه الاتفاقيات إلى البدء بالتعاون المشترك للاستثمار في مشاريع «أكوا باور» العالمية للطاقة النظيفة والمتجدّدة في السعودية والدول الملتزمة بمبادرة الحزام والطريق الصينية وتمويلها وتنفيذها.
وقال محمد أبو نيان، رئيس مجلس إدارة شركة «أكوا باور»: «عاماً بعد عام، تواصل (أكوا باور) من خلال ما حققته من شراكات ثابتة وعلاقات متجددة مع كبرى الجهات الصينية البارزة في مجالها، العمل على تعزيز دورها الريادي ومساهمتها في الحراك العالمي نحو التحوّل في قطاع الطاقة، بما يعكس متانة الروابط التي تجمع ما بين السعودية والصين». وأضاف «من المكانة التي حققناها كواحدة من الشركات الرائدة في مجال توليد الطاقة وتحلية المياه وإنتاج الهيدروجين الأخضر على مستوى العالم، وانسجاماً مع التزام المملكة بمبادرة الحزام والطريق الصينية، نؤكد في (أكوا باور) مواصلتنا تسخير كامل إمكانات ومواردنا وخبراتنا لدعم التحوّل في مجال الطاقة والتحوّل الاقتصادي المنشودين، بما يعزز من مساهمتنا في دعم تحقيق مستهدفات (رؤية السعودية 2030) وتطلعاتها الطموحة وأهداف مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث نتطلع إلى الإسهام بدور محوري لتحقيق هذه الأهداف الوطنية لكلا الطرفين بشكل تكاملي».
ووقعت «أكوا باور» مذكّرات تفاهم للاستثمار في مشاريعها الجديدة المرتبطة بالطاقة النظيفة والمتجدّدة وتمويلها وتوقيع عقود المقاولات الهندسية والمشتريات والبناء وشراء معدات الطاقة المتجدّدة الضرورية لتنفيذ تلك المشاريع.
والشركاء الصينيون الاستراتيجيون المعنيون بمذكّرات التفاهم: البنك الصناعي والتجاري الصيني وبنك الصين وشركة «سبيس هوانغي لتنمية الطاقة الكهرومائية» وشركة «تشاينا ساوثرن باور جريد إنترناشيونال» و«مجموعة باور تشاينا إنترناشيونال» و«مجموعة إنرجي تشاينا إنترناشيونال» و«شركة جينكو سولار» و«شركة صن جرو لإمدادات الطاقة» و«شركة جوليوود سولار تكنولوجي».
يذكر، أنّ التعاون بين «أكوا باور» والصين يعود إلى عام 2009، عندما افتتحت «أكوا باور» أول مكاتبها في العاصمة الصينية بكين. واليوم، تملك الشركة علاقات استراتيجية مع الشركات الصينية في مجال مقاولات الهندسة والمشتريات والبناء وتزويد المعدات ومؤسسات التمويل وشركاء الاستثمار، علماً بأن هذه الشركات تسهم اليوم في تنفيذ 47 مشروعاً ضمن محفظة «أكوا باور» الاستثمارية في 12 دولة حول العالم.
وطوال السنوات الماضية، بلغت قيمة هذا التعاون المشترك عشرة مليارات دولار أميركي مع المستثمرين وجهات التمويل و33 مليار دولار إضافية مع شركات مقاولات الهندسة والمشتريات والبناء في مجموعة من أبرز مشاريع الطاقة المتجدّدة وتحلية المياه على مستوى العالم.

- مشاريع إنشاءات
إلى ذلك، وقّعت وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان في السعودية ممثلة بوكالة الوزارة لتحفيز المعروض السكني والتطوير العقاري، والشركة الوطنية للإسكان، مُذكرة تفاهم للتعاون مع 3 شركات صينية للإسهام في توفير أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، عن طريق خلق فُرص الشراكة مع المُطورين العقاريين والمُقاولين العاملين في مجال الإسكان، وإنشاء مصانع لتقنيات البناء الحديثة، والمتوقع وصول قيمة الاستثمار الإجمالية إلى أكثر من 10.5 مليار ريال (2.8 مليار دولار).
ووقّع المُذكرة عن الجانب السعودي وكيل الوزارة لتحفيز المعروض السكني والتطوير العقاري عبد الرحمن الطويل، والرئيس التنفيذي للشركة الوطنية للإسكان محمد البطي، وعن الجانب الصيني رئيس شركة «ما وراء البحار» الصينية للمقاولات وانق كاي، ورئيس شركة «ساينو هايدرو كوربوريشن ليمتد» زاو جينق، ورئيس شركة «ميتاليرجيكال كوربوريشن أوف تشاينا ليمتد» زانق زان.
وتأتي هذه الاتفاقية امتداداً لشراكة استراتيجية تعقدها الوزارة مع عدد من الجهات الإقليمية والدولية لتبادل الخبرات، والعمل على تنفيذ مشاريع مُشتركة؛ لرفع المعروض العقاري، وتطوير الأعمال وتحسين كفاءة الأداء؛ لتحقيق مُستهدف 70 في المائة تملّك للأُسر السعودية في 2030.

- الاقتصاد الرقمي
وقَّعت السعودية شراكة استراتيجية للتعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، مع الصين، ووقع الاتفاقية المهندس عبد الله السواحة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، ومن الجانب الصيني وزير الصناعة وتقنية المعلومات وانغ تشيغانغ، بحضور عدد من مسؤولي الجانبين.
وتضع الشراكة إطاراً للتعاون بين البلدين، يشمل مجالات الاقتصاد الرقمي والاتصالات وتقنية المعلومات، وتعزيز البحث والابتكار في مجال التقنيات الناشئة، إضافة إلى تحسين جوانب البنية التحتية للاتصالات، وتمكين نمو ريادة الأعمال الرقمية من خلال نماذج الأعمال الناشئة كالتقنية المالية والتجارة الإلكترونية.
وتشمل التعاون في مجالات الذكاء الصناعي، والحوسبة المتقدمة وتقنية المعلومات الكمية، بالإضافة إلى الروبوتات والمعدات الذكية، والعمل على تطوير تقنياتها وتطبيقاتها للأغراض الصناعية والتجارية، إلى جانب ذلك سيعززان تعاونهما بموجب المذكرة في مجالي الجيل الحديث من تكنولوجيا الاتصالات المتنقلة والتقنيات الناشئة.
وفي إطار هذه الشراكة سيتعاون الجانبان في مجال تطبيقات التقنيات الرقمية، وإدارة طيف الترددات الراديوية، علاوة على تعاونهما في تطوير وبناء القدرات المحلية في مراكز الاتصال والبيانات، وتطوير المنصات الرقمية وخدمات الحوسبة السحابية، وتوسيع مشاريع الكابلات البحري.
وسيعمل الجانبان السعودي والصيني على تنفيذ بنود شراكتهما من خلال تبادل المعلومات والخبرات، وتنشيط الزيارات بين الخبراء والمختصين من الجانبين، وتنظيم المؤتمرات والندوات وجلسات العمل.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
TT

البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الجمعة، حزمة إجراءات تهدف إلى تخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الحرب الإيرانية، تشمل مكافأة إغاثة معفاة من الضرائب تصل إلى 1000 يورو (1170 دولاراً) للعمال، إلى جانب تخفيضات مؤقتة لأسعار الوقود.

وقال وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، أمام البرلمان: «هذه رسالة واضحة للمواطنين بأننا لن نتركهم وحدهم في هذه الأزمة، وأننا سنواصل دعمهم حتى في الأوقات الصعبة».

وتتضمن الحزمة خفض ضريبة الطاقة على البنزين والديزل بنحو 0.17 يورو لكل لتر لمدة شهرين، في مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، على أن ينعكس هذا التخفيض فعلياً على الأسعار النهائية رهناً بسلوك شركات النفط، وفق «رويترز».

وأضاف كلينغبايل: «سنراقب من كثب لضمان تمرير هذا التخفيض إلى المستهلكين، ومنع أي استغلال للأموال التي نوفرها لتحقيق أرباح غير مبررة»، مشيراً إلى أن الحكومة ستستخدم أدواتها الرقابية وقوانين المنافسة إلى جانب الضغط السياسي والرأي العام لضمان ذلك.

وبعد موافقة مجلس النواب، أقرّ مجلس الشيوخ أيضاً خفض أسعار الوقود، في خطوة تُقدّر تكلفتها بنحو 1.6 مليار يورو للمستهلكين والشركات.

في المقابل، وجّه بعض الاقتصاديين انتقادات لهذه الإجراءات، معتبرين أن الدعم ينبغي أن يكون أكثر استهدافاً للأسر الأكثر تضرراً. كما دعا كلينغبايل إلى فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، مؤكداً أنه أجرى مشاورات «بنَّاءة» مع المفوضية الأوروبية بهذا الشأن.

وقال: «هناك شركات تحقق أرباحاً كبيرة في خضم أزمة حادة».

كما وافق البرلمان على مكافأة إغاثة للعمال تصل إلى 1000 يورو، يمكن لأصحاب العمل صرفها حتى 30 يونيو (حزيران) 2027. وتُعد هذه المدفوعات اختيارية، ومعفاة من الضرائب لكل من أصحاب العمل والموظفين؛ ما يثير تساؤلات حول مدى إقبال الشركات على تطبيقها في ظل ضعف الأوضاع الاقتصادية.

ويُقدّر الائتلاف الحاكم أن هذه الخطوة ستؤدي إلى خسارة إيرادات ضريبية لا تقل عن 2.8 مليار يورو، على أن يتم تعويض جزء من ذلك عبر زيادة ضريبة التبغ خلال العام الحالي.

وكانت ألمانيا قد طبّقت إجراءً مشابهاً خلال أزمة الطاقة في عام 2022، حيث قدمت مكافآت معفاة من الضرائب تصل إلى 3000 يورو، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وانتقدت مجموعات الأعمال نقل عبء دعم الأسر إلى كاهل الشركات، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية.

ويرى اقتصاديون أن أزمة الطاقة الحالية كشفت مجدداً عن هشاشة التوازن داخل الائتلاف الحاكم، وصعوبة التوفيق بين تقديم دعم فوري لتخفيف الأعباء عن المستهلكين، والمضي قدماً في إصلاحات هيكلية طويلة الأجل.

وقال كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي في بنك «آي إن جي»، إن تراجع معنويات قطاع الأعمال إلى أدنى مستوياتها منذ 2020، إلى جانب خفض توقعات النمو لعام 2026، يعكس عمق التحديات، مضيفاً أن الانتعاش الاقتصادي قد يتأخر، لكنه لن يتعثر إذا ما ترافقت الحوافز المالية مع إصلاحات هيكلية فعّالة.


الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
TT

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)

أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام ​2026 أنَّ الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في 2026، مع توقع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من أكثر بلدان العالم هشاشة.

وجاء في النسخة العاشرة من تقرير رصد الجوع، الذي نشرته مجموعة من المنظمات التنموية والإنسانية، أنَّ مستويات الجوع الحاد زادت بمقدار المثل خلال العقد الماضي، في وقت أُعلنت فيه حالتان من المجاعة العام الماضي للمرة الأولى في تاريخ التقرير، وذلك في كل من غزة والسودان.

وفي المجموع، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة ‌ومنطقة مستويات عالية من ‌انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2025، في ​حين ‌عانى ⁠1.4 مليون شخص ​من ⁠أوضاع كارثية في مناطق من هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان والسودان واليمن.

وعانى 35.5 مليون طفل في أنحاء العالم من سوء التغذية الحاد في عام 2025 وحده، من بينهم نحو 10 ملايين طفل عانوا من سوء التغذية الحاد الوخيم.

وبالنظر إلى عام 2026، أفاد التقرير بأنَّ مستويات الخطورة لا تزال حرجة، مع توقع أن تكون هايتي الدولة الوحيدة التي تخرج من أسوأ فئة «كارثية»، بفضل تحسُّن طفيف في الوضع الأمني وزيادة المساعدات الإنسانية.

وقال ألفارو ⁠لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) التابع للأمم المتحدة، و‌الذي يساعد على إعداد التقرير السنوي: «لم نعد نشهد ‌صدمات مؤقتة فحسب، بل صدمات مستمرة على مر ​الزمن». وأضاف لاريو لـ«رويترز»: «المغزى الأساسي هو ‌أن انعدام الأمن الغذائي لم يعد قضيةً منعزلةً، بل يضغط على الاستقرار العالمي».

‌حرب إيران

وقال لاريو إن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران زادت حدة القلق، محذراً من أن استمرار الاضطراب في تجارة الطاقة والأسمدة يمكن أن يمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ويعمق أزمة الجوع في البلدان المعتمدة على الاستيراد، والتي تمر بالفعل ‌بأزمات. وأضاف: «حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط الآن، فإننا نعلم أن كثيراً من صدمات أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم ⁠ستظهر خلال الأشهر الستة ⁠المقبلة».

وحتى قبل الضغوط الإضافية الجديدة الناتجة عن هذه الحرب، بدا أنَّ غرب أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي سيظلان تحت ضغوط شديدة هذا العام؛ بسبب الصراعات والتضخم المستمر، لا سيما في نيجيريا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ومن المتوقع أن تسجل نيجيريا واحدة من أكبر الزيادات في مستويات انعدام الأمن الغذائي في 2026، مع توقع معاناة 4.1 مليون شخص جديد من الجوع الحاد.

وفي شرق أفريقيا، يرجَّح أن يؤدي تراجع هطول الأمطار في معظم أنحاء منطقة القرن الأفريقي إلى تفاقم المعاناة في الصومال وكينيا، حيث يسهم الجفاف وانعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء وتقلص المساعدات الإنسانية في تعميق الأزمة.

وحذَّر التقرير أيضاً من تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص لقطاعات الغذاء في الأزمات في 2025، مع توقُّع ​انخفاضه بشكل أكبر. ويُقدر أن التمويل الإنساني ​لقطاع الغذاء انخفض بنحو 39 في المائة العام الماضي مقارنة بمستويات عام 2024، في حين تراجعت المساعدات الإنمائية بما لا يقل عن 15 في المائة.


اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)

تواجه اليابان جملةً من التحديات الاقتصادية والمالية المتشابكة، تتراوح بين المخاطر الناشئة عن تطورات الذكاء الاصطناعي وتهديداته للأمن السيبراني، إلى تقلبات سوق العملات مع تراجع الين إلى مستويات حساسة.

وفي خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي، أعلنت طوكيو تشكيل فريق عمل لمعالجة المخاطر التقنية، بالتزامن مع تجديد تحذيراتها من تدخل محتمل في سوق الصرف.

وفي صدارة هذه التطورات، أعلنت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، أنَّ الحكومة ستُشكِّل فريق عمل متخصصاً لمواجهة مخاطر الأمن السيبراني داخل النظام المالي، في خطوة جاءت عقب مخاوف متزايدة بشأن نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُعرَف باسم «ميثوس».

وأوضحت كاتاياما أنَّ القرار جاء بعد اجتماع ضمَّ جهات تنظيمية رئيسية، من بينها وكالة الخدمات المالية، وبنك اليابان، والمكتب الوطني للأمن السيبراني، إلى جانب أكبر البنوك ومجموعة بورصة اليابان، بحسب «رويترز». وأكدت الوزيرة أنَّ المسألة لم تعد نظريةً، بل تمثل «أزمة قائمة بالفعل»، مشيرة إلى أنَّ القطاع المالي نفسه أبدى قلقاً مماثلاً من المخاطر المحتملة.

وجاء هذا التحرك بعد إعلان شركة «أنثروبيك» أنَّ نموذج «ميثوس» كشف «آلاف» الثغرات الأمنية الخطيرة في أنظمة تشغيل ومتصفحات رئيسية، ما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الأنظمة الحالية على الصمود أمام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويحذِّر خبراء من أنَّ مثل هذه النماذج قد تسرِّع وتيرة الهجمات الإلكترونية، إذ يمكنها اكتشاف واستغلال ثغرات غير معروفة بسرعة تفوق قدرة الشركات على معالجتها، وهو ما يُشكِّل تهديداً خاصاً للقطاع المالي المعروف بتعقيده واعتماده على أنظمة مترابطة.

وأشارت كاتاياما إلى أنَّ طبيعة هذا القطاع، القائم على العمليات الفورية والترابط العالي، تعني أنَّ أي خلل قد ينتشر بسرعة، مسبِّباً اضطرابات في الأسواق وتقويضاً للثقة.

وفي موازاة هذه المخاطر التقنية، تجد اليابان نفسها أمام تحديات متزايدة في سوق العملات، فقد جدَّدت كاتاياما تحذيراتها من تحركات المضاربة في سوق الصرف، مؤكدة استعداد الحكومة لاتخاذ «إجراء حاسم» بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في حال استمرار ضعف الين. ويأتي هذا التحذير في وقت يقترب فيه الين من مستوى 160 مقابل الدولار، وهو مستوى يعده كثير من المتعاملين في الأسواق خطاً أحمر قد يدفع السلطات إلى التدخل.

وأوضحت الوزيرة أنَّ التحركات الأخيرة في سوق العملات تعكس نشاطاً مضاربياً تأثر بتقلبات أسعار النفط، مؤكدة أنَّ طوكيو على تواصل دائم مع واشنطن لضمان تنسيق أي خطوات محتملة.

ويشير هذا التنسيق إلى احتمال تدخل مشترك بين اليابان والولايات المتحدة، في خطوة قد تكون الأولى من نوعها منذ نحو 15 عاماً، في حال استمرَّت الضغوط على العملة اليابانية. ويعكس ذلك القلق من أن يؤدي ضعف الين إلى زيادة تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة، ما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد المحلي.

وتتزامن هذه التطورات مع إشارات متباينة من بيانات التضخم، التي تظلُّ عاملاً محورياً في توجهات السياسة النقدية. فقد أظهرت بيانات حديثة أنَّ التضخم الأساسي في اليابان تباطأ إلى 1.8 في المائة في مارس (آذار)، دون هدف «بنك اليابان»، البالغ 2 في المائة للشهر الثاني على التوالي، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي المقابل، تشير مؤشرات أخرى إلى تصاعد الضغوط السعرية، إذ ارتفع مؤشر يستثني الغذاء والوقود إلى 2.4 في المائة، كما قفزت أسعار خدمات الشركات بنسبة 3.1 في المائة، مدفوعة بزيادة حادة في تكاليف الشحن البحري، التي ارتفعت بأكثر من 40 في المائة.

وتعكس هذه البيانات بيئةً اقتصاديةً معقدةً، حيث تتقاطع عوامل داخلية وخارجية، من بينها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد، ما يضع صناع القرار أمام تحديات متعددة في إدارة الاستقرار المالي والنقدي.

وفي المجمل، تكشف التطورات الأخيرة عن أنَّ اليابان تواجه مرحلةً دقيقةً تتداخل فيها المخاطر التكنولوجية مع الضغوط الاقتصادية، في ظلِّ بيئة عالمية غير مستقرة.

وبينما تتحرَّك الحكومة لتعزيز أمن النظام المالي ومواجهة تقلبات العملة، تبقى قدرة طوكيو على تحقيق التوازن بين هذه التحديات عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الأسواق، والثقة الاقتصادية.