إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

احتفظت بمسافة عن البناء التقليدي وتمسكت بالوزن والقافية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
TT

إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي

شهدت التسعينات من القرن الماضي، في الجزيرة العربية والخليج، بروز شعرية مختلفة تمثلت في قصيدة النثر التي كسرت هيمنة قصيدة التفعيلة بعد أن تربع الشكل التفعيلي على عرش القصيدة طوال السبعينات والثمانينات من ذلك القرن على وجه التقريب. برزت قصيدة النثر لعدة أسباب، كان من أهمها سعي الشعراء لتجديد لغة القصيدة وبنيتها بعد أن بدا أن اللغة الشعرية أنهكتها عقود من الاستعمال، وصار من الصعب اجتراح جديد في تلك اللغة أو الأبنية. ذلك السبب نفسه كان وراء انتشار التفعيلة في السبعينات والثمانينات، وهو الآن وراء تحول آخر لم يلغِ ما سبقه، لكنه أضاف إليه على نحو يشي بشعور مشابه لذلك الذي أدى إلى التحولات السابقة.
مع بدء الألفية الثانية (وهناك من يقول إنها الثالثة) بدأت ملامح التحول إلى شعرية جديدة تلوح في الأفق، وتزاحم ما سبقها بنشر عدة دواوين لشعراء حققوا مكانة على الخريطة الشعرية، سواء في السعودية أو دول منطقة الخليج العربي الأخرى. الملمح الرئيس لتلك الشعرية المختلفة أو الجديدة هو استعادة الشكل المعروف بالتناظري أو العمودي، شكل الوزن والقافية والإيقاع الثابت غالباً. قصائد الشعراء الذين أشير إليهم هنا، وهم شعراء سعوديون، تستعيد ذلك الشكل في خروج واضح وربما حاد، ليس على قصيدة النثر فحسب، وإنما على قصيدة التفعيلة أيضاً، القصيدة احتفظت بالوزن وإلى حد ما بالقافية، لكنها غيرت عدد التفعيلات في أسطر القصيدة. هنا يستعاد البيت الشعري في مجمل الأعمال، ومع البحر الشعري الواحد (وإن نوّع البعض في البحور في القصيدة الواحدة). غير أن هذه الاستعادة للشكل الذي سأسميه البيتي وإن شاعت تسميته بالعمودي، لم تعنِ العودة للقصيدة بصورتها القديمة أو للقصيدة العمودية كما عُرفت في التراث العربي؛ أي الشكل التقليدي للقصيدة، بل إن هذه العودة أو الاستعادة تضمنت خروجاً حتى على الشكل البيتي بشكله الأحدث لدى شعراء معاصرين، مثل غازي القصيبي وجاسم الصحيح وغيرهما.
ما نجده لدى شعراء سعوديين آخرين، مثل عبد الوهاب أبو زيد ومحمد إبراهيم يعقوب وعبد اللطيف بن يوسف وهيفاء الجبري وحاتم الزهراني وسلطان السبهان وحيدر العبد الله، وغيرهم، هو خروج متعمد على الكثير مما اتسمت به القصيدة التناظرية، سواء من حيث المجازات أو المفردات أو معمار النص الشعري، على تفاوت بين الشعراء والقصائد في مدى ذلك الخروج وقيمته، لكن من المهم هنا أن أؤكد أيضاً أن الظاهرة المشار إليها لم تعنِ أن كل القصائد التي كتبها أولئك الشعراء تنسحب عليها سمات تلك الظاهرة؛ فلدى بعض أولئك الشعراء قصائد أقرب إلى قصائد التفعيلة أو ما عُرف بالشعر الحر، لكني أظن أن الغالب على المنتج الشعري لديهم أو لدى معظمهم هو الاحتفاظ بالوزن والقافية. وستقتصر أمثلتي على ذلك المنتج كما يتجلى في مقاربة القصائد لثيمة واحدة اخترتها لأهميتها، وزيادة في إيضاح ما تسعى هذه الملاحظات إلى إيضاحه. تلك الثيمة هي الشعر نفسه؛ إذ يتحول إلى ثيمة أو موضوعة للقصائد.
يقول عبد الوهاب أبو زيد في قصيدة من ديوان حديث بعنوان: «عشاء وحيد لروحي الوحيدة» (2021)... عنوان القصيدة: «إذا كان شعر»، ويلاحظ التصريع أو توافق القافية بين شطري مطلع القصيدة:
إذا كان شعر فليكن مفرداً حرّا
كومض شهاب في سماواته مرّا
أبيّاً فلا يحني له المال هامة
ولا يُشترى إذ أتعس الشعر ما يُشرى

لتنتهي بالتأكيد على حرية الشعر؛ إذ يطالب الناس بألا يقيدوا الشعر:
ولا ترسفوا في القيد من ليس كائناً
إذا لم يكن ما بينكم مفرداً حرا

المفارقة الواضحة هنا هي أن الشاعر اختار قيود الشعر المعروفة وهو يطالب بتحرير الشعر، التحرير الذي كان وراء الخروج على بنية القصيدة التقليدية حين بدأت حركة الحداثة لدى جيل بدر شاكر السياب، فعُرف شعرهم بالشعر الحر. ولربما أن أبو زيد لا يرى قيد الوزن والقافية قيداً حقيقياً، وإنما هو معنيّ بقيود معنوية تطالب الشعر بالخضوع للمادة.
القلق على مآلات الشعر هو ما يكمن خلف العديد من قصائد محمد إبراهيم يعقوب. في ديوان مبكر له عنوانه: «تراتيل العزلة» يعود لعام 2005، ينظم يعقوب قصيدة بعنوان: «تجليات أخرى» مطلعها:
بمن سوف أنجو... زورق الليل مغمد
وفي لجتي سيفان ناي وموعد

تتضمن بيته البديع:
صعدت المرايا... كلما خلتُ بهجة
تنبهت أن الفقد ما كان يصعد

لتنتهي القصيدة بقوله:
أنا لعنة الطوفان... أقصى رغائبي
ظهوري على أرض بها الشعر سيد!

تطرح هذه الأبيات من قصيدتي أبو زيد ويعقوب سؤالاً حول الهواجس التي دفعت بهؤلاء الشعراء وغيرهم إلى تبني الشكل التقليدي في القصيدة: هل هو الشعور باستنفاد قصيدة النثر والقصيدة التفعيلية لجماليات ودلالات لغتهما الشعرية، أو هو القلق على وضع الشعر، والرغبة من ثم في استعادة مكانته عبر إيقاع وشكل شعريين هما أقرب إلى الجمهور من حيث هما مألوفان ومن التراث؟ الاحتمال الأخير يفرض نفسه، لكنه لا يكفي لتفسير الظاهرة، الأمر الذي يجعل الاحتمال الأول وارداً بقوة، وقد يكون السببان مجتمعين وراء التغير الحاصل؛ ذلك أن اللغة التي تبناها بعض الشعراء ليست مما يعين على تحقيق هدف الجماهيرية، وإن عمل الإيقاع على اجتذاب البعض إلى النص الشعري.
قصائد محمد يعقوب، مثلاً، أنموذج لشعرية يصعب على عامة المتلقين التفاعل معها؛ فهي لغة تبحث عن رهافة المجاز وجدة التراكيب وما تحدثه من دهشة، وهو يذهب في هذا إلى أبعد مما يذهب آخرون. في قصيدة بعنوان: «أعراس المواقيت» من مجموعته «جمر مَن مرّوا» (2010)، يقول في مطلعها:
أفقنا على سكرة مرتين وسرنا لأرواحنا خطوتين

إلى أن يقول:
أناشيدنا ما تبقى لنا
من الحب والخبز والبين بين
مددنا يداً للكلام العصيّ فلما تعبنا مددنا اليدين
في البيتين الأخيرين تحديد لهوية الشعر، ووصف لمحاولات الوصول إليه نظماً وتلقياً. الشعر هو خلاصة الحب والعيش وما بينهما من تفاصيل الحياة، والشعر كلام عصيّ نسعى له مرة، وحين نتعب لا نتوقف، بل نواصل السعي (وهي مفارقة خارجة عن مألوف التعبير؛ لأننا نتوقع أن تكون نتيجة التعب التوقف). إنها صور للشعر لا يتيسر لكل المتلقين استكناهها مثلما أن الشاعر لم يصل إليها بيسر؛ فهي كلام عصيّ على الجميع. تناظرية الشكل هنا وفي قصائد أخرى ليعقوب تتأسس على مقاربة الشعر من حيث هو كلام عصيّ. يؤكد ذلك ما نجد في أحدث دواوين الشاعر، وهو: «مجازفة العارف» (2022)؛ إذ يتكرر التمحور حول الشعر وتلقيه في قصيدة بعنوان: «إرث شخصي»، وإن على نحو مخاتل وعصيّ. القصيدة هنا تنزيل سماوي، استراق للسمع كالذي فعله الجن في الآية القرآنية:
وجودك لم يروَ
استرقت قصيدة من العالم العلويّ
فانهال عالم
(هكذا رسم البيت في الديوان، وكان يمكن للشاعر أن يكتب النص على شكل بيتي هو:
وجودك لم يرو استرقت قصيدة
من العالم العلوي فانهال عالم)

ويمضي النص إلى أن نصل إلى قوله مخاطباً الشاعر في نفسه:
نجيّاً...
تربي الهامشي وتحتفي
بكل جنوح لم تقله المعاجم

الشعر هنا ليس استراقاً لكلام سماوي فحسب، بل هو احتفاء أيضاً بالمهمش وبما لا تضمه المعاجم من الألفاظ المرفوضة. المهمش والجانح من مفردات تقع ضمن الأسس التي قامت عليها قصيدة النثر، ويتضح هنا أنها أساس أيضاً لشعرية لا تتردد في الانتظام في بحور الشعر التقليدية. هذا مع أن ترتيب الأسطر في الديوان لا يوحي بأن الأبيات منتظمة ضمن تلك البحور، كأنما هي محاولة للاحتفاظ بمسافة عن البناء التقليدي الذي قد يوهم بعض القراء بأنهم يقرأون قصائد تقليدية، لكن هذه وإن تكررت في غير مجموعة شعرية، فإنها تظل مسألة هامشية؛ لأن الإيقاع أقوى من رسم البيت على الصفحة، ودلالات الشعر وجمالياته أقوى من الإيقاع.
الأمثلة من شعراء آخرين كثيرة، وليست أقل أهمية أو قدرة على تمثيل الظاهرة المشار إليها، لكن المساحة تضيق عن استيعابها.

* جزء من ورقة أُلقيت
بمهرجان الشعر الخليجي بالبحرين في نوفمبر الماضي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.