إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

احتفظت بمسافة عن البناء التقليدي وتمسكت بالوزن والقافية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
TT

إعادة ترتيب البيت في شعرية الألفية الثانية

من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي
من إحدى جلسات منتدى الشعر الخليجي

شهدت التسعينات من القرن الماضي، في الجزيرة العربية والخليج، بروز شعرية مختلفة تمثلت في قصيدة النثر التي كسرت هيمنة قصيدة التفعيلة بعد أن تربع الشكل التفعيلي على عرش القصيدة طوال السبعينات والثمانينات من ذلك القرن على وجه التقريب. برزت قصيدة النثر لعدة أسباب، كان من أهمها سعي الشعراء لتجديد لغة القصيدة وبنيتها بعد أن بدا أن اللغة الشعرية أنهكتها عقود من الاستعمال، وصار من الصعب اجتراح جديد في تلك اللغة أو الأبنية. ذلك السبب نفسه كان وراء انتشار التفعيلة في السبعينات والثمانينات، وهو الآن وراء تحول آخر لم يلغِ ما سبقه، لكنه أضاف إليه على نحو يشي بشعور مشابه لذلك الذي أدى إلى التحولات السابقة.
مع بدء الألفية الثانية (وهناك من يقول إنها الثالثة) بدأت ملامح التحول إلى شعرية جديدة تلوح في الأفق، وتزاحم ما سبقها بنشر عدة دواوين لشعراء حققوا مكانة على الخريطة الشعرية، سواء في السعودية أو دول منطقة الخليج العربي الأخرى. الملمح الرئيس لتلك الشعرية المختلفة أو الجديدة هو استعادة الشكل المعروف بالتناظري أو العمودي، شكل الوزن والقافية والإيقاع الثابت غالباً. قصائد الشعراء الذين أشير إليهم هنا، وهم شعراء سعوديون، تستعيد ذلك الشكل في خروج واضح وربما حاد، ليس على قصيدة النثر فحسب، وإنما على قصيدة التفعيلة أيضاً، القصيدة احتفظت بالوزن وإلى حد ما بالقافية، لكنها غيرت عدد التفعيلات في أسطر القصيدة. هنا يستعاد البيت الشعري في مجمل الأعمال، ومع البحر الشعري الواحد (وإن نوّع البعض في البحور في القصيدة الواحدة). غير أن هذه الاستعادة للشكل الذي سأسميه البيتي وإن شاعت تسميته بالعمودي، لم تعنِ العودة للقصيدة بصورتها القديمة أو للقصيدة العمودية كما عُرفت في التراث العربي؛ أي الشكل التقليدي للقصيدة، بل إن هذه العودة أو الاستعادة تضمنت خروجاً حتى على الشكل البيتي بشكله الأحدث لدى شعراء معاصرين، مثل غازي القصيبي وجاسم الصحيح وغيرهما.
ما نجده لدى شعراء سعوديين آخرين، مثل عبد الوهاب أبو زيد ومحمد إبراهيم يعقوب وعبد اللطيف بن يوسف وهيفاء الجبري وحاتم الزهراني وسلطان السبهان وحيدر العبد الله، وغيرهم، هو خروج متعمد على الكثير مما اتسمت به القصيدة التناظرية، سواء من حيث المجازات أو المفردات أو معمار النص الشعري، على تفاوت بين الشعراء والقصائد في مدى ذلك الخروج وقيمته، لكن من المهم هنا أن أؤكد أيضاً أن الظاهرة المشار إليها لم تعنِ أن كل القصائد التي كتبها أولئك الشعراء تنسحب عليها سمات تلك الظاهرة؛ فلدى بعض أولئك الشعراء قصائد أقرب إلى قصائد التفعيلة أو ما عُرف بالشعر الحر، لكني أظن أن الغالب على المنتج الشعري لديهم أو لدى معظمهم هو الاحتفاظ بالوزن والقافية. وستقتصر أمثلتي على ذلك المنتج كما يتجلى في مقاربة القصائد لثيمة واحدة اخترتها لأهميتها، وزيادة في إيضاح ما تسعى هذه الملاحظات إلى إيضاحه. تلك الثيمة هي الشعر نفسه؛ إذ يتحول إلى ثيمة أو موضوعة للقصائد.
يقول عبد الوهاب أبو زيد في قصيدة من ديوان حديث بعنوان: «عشاء وحيد لروحي الوحيدة» (2021)... عنوان القصيدة: «إذا كان شعر»، ويلاحظ التصريع أو توافق القافية بين شطري مطلع القصيدة:
إذا كان شعر فليكن مفرداً حرّا
كومض شهاب في سماواته مرّا
أبيّاً فلا يحني له المال هامة
ولا يُشترى إذ أتعس الشعر ما يُشرى

لتنتهي بالتأكيد على حرية الشعر؛ إذ يطالب الناس بألا يقيدوا الشعر:
ولا ترسفوا في القيد من ليس كائناً
إذا لم يكن ما بينكم مفرداً حرا

المفارقة الواضحة هنا هي أن الشاعر اختار قيود الشعر المعروفة وهو يطالب بتحرير الشعر، التحرير الذي كان وراء الخروج على بنية القصيدة التقليدية حين بدأت حركة الحداثة لدى جيل بدر شاكر السياب، فعُرف شعرهم بالشعر الحر. ولربما أن أبو زيد لا يرى قيد الوزن والقافية قيداً حقيقياً، وإنما هو معنيّ بقيود معنوية تطالب الشعر بالخضوع للمادة.
القلق على مآلات الشعر هو ما يكمن خلف العديد من قصائد محمد إبراهيم يعقوب. في ديوان مبكر له عنوانه: «تراتيل العزلة» يعود لعام 2005، ينظم يعقوب قصيدة بعنوان: «تجليات أخرى» مطلعها:
بمن سوف أنجو... زورق الليل مغمد
وفي لجتي سيفان ناي وموعد

تتضمن بيته البديع:
صعدت المرايا... كلما خلتُ بهجة
تنبهت أن الفقد ما كان يصعد

لتنتهي القصيدة بقوله:
أنا لعنة الطوفان... أقصى رغائبي
ظهوري على أرض بها الشعر سيد!

تطرح هذه الأبيات من قصيدتي أبو زيد ويعقوب سؤالاً حول الهواجس التي دفعت بهؤلاء الشعراء وغيرهم إلى تبني الشكل التقليدي في القصيدة: هل هو الشعور باستنفاد قصيدة النثر والقصيدة التفعيلية لجماليات ودلالات لغتهما الشعرية، أو هو القلق على وضع الشعر، والرغبة من ثم في استعادة مكانته عبر إيقاع وشكل شعريين هما أقرب إلى الجمهور من حيث هما مألوفان ومن التراث؟ الاحتمال الأخير يفرض نفسه، لكنه لا يكفي لتفسير الظاهرة، الأمر الذي يجعل الاحتمال الأول وارداً بقوة، وقد يكون السببان مجتمعين وراء التغير الحاصل؛ ذلك أن اللغة التي تبناها بعض الشعراء ليست مما يعين على تحقيق هدف الجماهيرية، وإن عمل الإيقاع على اجتذاب البعض إلى النص الشعري.
قصائد محمد يعقوب، مثلاً، أنموذج لشعرية يصعب على عامة المتلقين التفاعل معها؛ فهي لغة تبحث عن رهافة المجاز وجدة التراكيب وما تحدثه من دهشة، وهو يذهب في هذا إلى أبعد مما يذهب آخرون. في قصيدة بعنوان: «أعراس المواقيت» من مجموعته «جمر مَن مرّوا» (2010)، يقول في مطلعها:
أفقنا على سكرة مرتين وسرنا لأرواحنا خطوتين

إلى أن يقول:
أناشيدنا ما تبقى لنا
من الحب والخبز والبين بين
مددنا يداً للكلام العصيّ فلما تعبنا مددنا اليدين
في البيتين الأخيرين تحديد لهوية الشعر، ووصف لمحاولات الوصول إليه نظماً وتلقياً. الشعر هو خلاصة الحب والعيش وما بينهما من تفاصيل الحياة، والشعر كلام عصيّ نسعى له مرة، وحين نتعب لا نتوقف، بل نواصل السعي (وهي مفارقة خارجة عن مألوف التعبير؛ لأننا نتوقع أن تكون نتيجة التعب التوقف). إنها صور للشعر لا يتيسر لكل المتلقين استكناهها مثلما أن الشاعر لم يصل إليها بيسر؛ فهي كلام عصيّ على الجميع. تناظرية الشكل هنا وفي قصائد أخرى ليعقوب تتأسس على مقاربة الشعر من حيث هو كلام عصيّ. يؤكد ذلك ما نجد في أحدث دواوين الشاعر، وهو: «مجازفة العارف» (2022)؛ إذ يتكرر التمحور حول الشعر وتلقيه في قصيدة بعنوان: «إرث شخصي»، وإن على نحو مخاتل وعصيّ. القصيدة هنا تنزيل سماوي، استراق للسمع كالذي فعله الجن في الآية القرآنية:
وجودك لم يروَ
استرقت قصيدة من العالم العلويّ
فانهال عالم
(هكذا رسم البيت في الديوان، وكان يمكن للشاعر أن يكتب النص على شكل بيتي هو:
وجودك لم يرو استرقت قصيدة
من العالم العلوي فانهال عالم)

ويمضي النص إلى أن نصل إلى قوله مخاطباً الشاعر في نفسه:
نجيّاً...
تربي الهامشي وتحتفي
بكل جنوح لم تقله المعاجم

الشعر هنا ليس استراقاً لكلام سماوي فحسب، بل هو احتفاء أيضاً بالمهمش وبما لا تضمه المعاجم من الألفاظ المرفوضة. المهمش والجانح من مفردات تقع ضمن الأسس التي قامت عليها قصيدة النثر، ويتضح هنا أنها أساس أيضاً لشعرية لا تتردد في الانتظام في بحور الشعر التقليدية. هذا مع أن ترتيب الأسطر في الديوان لا يوحي بأن الأبيات منتظمة ضمن تلك البحور، كأنما هي محاولة للاحتفاظ بمسافة عن البناء التقليدي الذي قد يوهم بعض القراء بأنهم يقرأون قصائد تقليدية، لكن هذه وإن تكررت في غير مجموعة شعرية، فإنها تظل مسألة هامشية؛ لأن الإيقاع أقوى من رسم البيت على الصفحة، ودلالات الشعر وجمالياته أقوى من الإيقاع.
الأمثلة من شعراء آخرين كثيرة، وليست أقل أهمية أو قدرة على تمثيل الظاهرة المشار إليها، لكن المساحة تضيق عن استيعابها.

* جزء من ورقة أُلقيت
بمهرجان الشعر الخليجي بالبحرين في نوفمبر الماضي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.