جولي هيل: أعيد اكتشاف الثقافة العربية وأنا في الثمانين من العمر

تأسف لغياب الأدب العربي في أميركا وتنتقد «نفاق الغرب»

جولي هيل  -  غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى»  -  غلاف كتابها عن الإسكندرية
جولي هيل - غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى» - غلاف كتابها عن الإسكندرية
TT

جولي هيل: أعيد اكتشاف الثقافة العربية وأنا في الثمانين من العمر

جولي هيل  -  غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى»  -  غلاف كتابها عن الإسكندرية
جولي هيل - غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى» - غلاف كتابها عن الإسكندرية

تنحدر الكاتبة الأميركية جولي هيل من أصل يوناني، لكنها نشأت وعاشت في مصر، وتحديداً في مدينة الإسكندرية حتى العشرينيات من عمرها قبل أن تتزوج من أحد الدبلوماسيين بالأمم المتحدة وتطوف معه الكثير من بلدان العالم. تتميز مؤلفاتها برؤية مختلفة إلى قضايا الشرق دون الوقوع في فخ الصورة النمطية الجاهزة، وتتراوح كتاباتها غالبا بين اليوميات وأدب الرحلات. من أبرز أعمالها «الحفاظ على الوعد: من أثينا إلى أفغانستان»: «زيارة جديدة إلى طريق الحرير» و«أفغانستان أخرى»، كما يصدر لها قريباً عن المركز القومي للترجمة بمصر «شمس الأصيل: إسكندريتي»، ترجمة غادة جاد.
هنا حوار معها حول تجربتها وشغفها بالكتابة بعد أن تجاوزت الثمانين من العمر

> يحمل مؤلفك الجديد المنتظر صدوره قريباً عنواناً لافتاً، تُرى ما الذي يميز الإسكندرية من منظورك عن «إسكندرية الآخرين«؟
- كُتب الكثير من المؤلفات عن المدينة بالفعل، بعضها حنين إلى الماضي، وبعضها يستند إلى حقائق تاريخية وبعضها علمي، وبعضها يؤكد حب المؤلف للوطن. لكن الكثير منها مفعم بالأسماء والإحصاءات التي لا نهاية لها. كتابي هو مذكرات شخصية تصف حياة فتاة يونانية من الطبقة الوسطى من الإسكندرية في زمن ومكان لم يعودا موجودين. إنه مكتوب في إطار تاريخي واقعي محكم التوثيق، لكن تركيزي لا ينصبّ على التاريخ بحد ذاته بقدر ما ينصب على تأثيره في حياتنا الشخصية. وأنا أتقدم بالشكر للمترجمة غادة جاد على الجهد الذي بذلته في نقل المادة إلى قراء العربية.
> برأيك، ما سر وقوع العديد من الأدباء والشعراء حول العالم في غرام تلك المدينة؟
- امتلكت الإسكندرية الكثير من عوامل الجذب للغرباء، لا سيما أولئك الذين لديهم خيال رومانسي مثل الكتّاب والشعراء. كان هناك «فاروس»، إحدى عجائب الدنيا السبع، والمكتبة العظيمة، مستودع المعرفة في زمانها. وكانت هناك كليوباترا بطبيعة الحال المثيرة للاهتمام، آخر فراعنة مصر. هذه هي الإسكندرية الأسطورية التي يرتبط سحرها وإلهامها بالبحر والشواطئ ولها جمالها المميز الذي ينبثق من جغرافيتها وتاريخها. ذلك السحر سلب لبّ كُتّابٍ، مثل الشاعر الإيطالي «أونجاريتي» ولورانس «داريل» صاحب رباعية الإسكندرية الذي أغفلت أعماله تماماً الأوساط المصرية والعربية؛ لأنه عاش مع الأجانب، لكنها جاءت مستوحاة من التنوع العرقي والديني الذي شهدته الإسكندرية.
> ما الذي يتبقى في ذاكرتك من الثقافة السكندرية بشكل خاص والعربية عموماً؟
- كان لالتحاقي بمدرسة «الليسيه» الفرنسية بتلك المدينة عميق الأثر في نشأتي. لم يقتصر الأمر على تعلم الفرنسية، بل تعرفت على لوحة فسيفساء من البشر من مختلف الجنسيات. أصبحت أقل يونانية وأكثر انتماءً للعالم، وأكثر استعداداً للمسؤوليات التي انتظرتنا أنا وزوجي، حيث انخرط هو في العمل الدبلوماسي كونه ممثلاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في مختلف البلدان، وكنت مسؤولة تنفيذية في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومن ثم كنت كثيرة السفر والتعامل مع مختلف الثقافات. أتاح لي الالتحاق بإحدى الجامعات المصرية إقامة علاقات مع زملائي المصريين. كنت محظوظة لأنني عرفت خلفياتهم (كان بعضهم فقيراً جداً وبسيطاً، ولكنه حريص على التعلم)، واحتفالاتهم، ومطبخهم. توطدت أواصر الصداقة معهم، ومنها لا يزال متيناً حتى بعد مرور 65 عاماً.
أعترف بأنني عندما كبرت كنت أجهل تماماً كل ما يتعلق بالثقافة العربية، لا سيما الأفلام والأدب والموسيقى. ولكن بعد ثلاثين عاماً قرأت أعمال نجيب محفوظ وإدوار الخراط. ولكن لم يفت الأوان بعد لإعادة تعزيز ارتباطي بتلك الثقافة واكتشافها مجدداً من خلال الكتب التي أكتبها الآن وأنا في هذا العمر.
> «الحفاظ على الوعد: من أثينا إلى أفغانستان» كان تجربتك الأولى في أدب الرحلات... ما هي أبرز الخلاصات التي يضمها هذا الكتاب؟
- هذا الكتاب الأول يعدّ سيرة ذاتية من جانب، ومن جانب آخر هو عن السفر، حيث تتبع رحلاتي المبكرة مع زوجي الأسترالي «آرثر»، لا سيما الفلبين وتايلند وساموا.
أثبتت الصور الفوتوغرافية أنها أفضل وسائل تجهيز المادة لمقالاتي. ورغم أهمية الملاحظة والمهارات اللغوية، فإن توثيق رحلاتي في موقع الحدث ظل ضرورياً. دوّنت الملاحظات في مفكرة أو على ورقة مجعدة ككلمة مميزة يمكن أن تؤدي لاحقاً إلى مشهد بأكمله. تمثلت الصعوبة الكبرى لدى في وصف الناس، أو خلق حوار. واصلت التركيز على المشاهد والأصوات في رحلتي.
> هناك نظرة نمطية جاهزة عن أفغانستان... هل تتفقين مع هذا الرأي؟
- لا يزال أغلب الناس في الولايات المتحدة لا يعرفون شيئاً عن أفغانستان. لا يمكنهم حتى التعرف عليها على خريطة العالم. وتروّج الغالبية العظمى من وسائل الإعلام الغربية أنها دولة فاشلة، تسودها التفجيرات وسفك الدماء والفوضى والفساد، دون أدنى ذكر لوديانها الخلابة، أو بقايا الحضارات السابقة التي صارت مواقع للتراث العالمي وفق تصنيف اليونيسكو، أو الكنوز الأثرية، أو الحِرف الفريدة، أو الحرية التي يتمتع بها البدو الرحل.
ورغم أن النساء كن ما زلن يتمتعن بالحد الأدنى من حرية العمل والملبس في الجزء الأخير من القرن العشرين، فقد اقتصر الأمر على الطبقة الوسطى في كابول والمدن الكبرى. أما في الريف، فلا تزال النساء يعملن في الحقول، ولا تزال أغلبيتهن حبيسات منازلهن الطينية وفقاً للتقاليد الصارمة. لقد شهدت حالتهن البائسة وصورتها في كتابي الأخير «أفغانستان أخرى».
> كتابك «زيارة جديدة لطريق الحرير» يعدّ رحلة لافتة في التاريخ والجغرافيا. ما الذي خرجت به من هذه الرحلة؟
- سافرت بمحاذاة كثير من دروب طريق الحرير من الصين إلى منغوليا، حيث اشترى الأباطرة الخيول للتجارة والحرب، وعبرت الجمهوريات الآسيوية وإيران، وانتهى بي المطاف في بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط.
كان تحدياً بالنسبة لي ليس فقط لاقتفاء دروب المستكشفين السابقين وزيارة البازارات المفعمة بالحياة، ولكن لمقابلة السكان المحليين ومواجهة الأسئلة غير المألوفة. وكان أكثر ما لاحظت في رحلاتي الكثيرة في تلك المنطقة هو الاحترام الذي يحظى به كبار السن، فضلاً عن المفهوم العالمي لدى الآباء الذي تمثل في السعي لحصول أطفالهم على حياة أفضل. ورغم أن طريق الحرير مغرق بالرومانسية، فإنه لا يزال محفوفاً بالمخاطر والفرص.
> ما مدى إلمامك بالأدب العربي الحديث وحضور هذا الأدب في الثقافة الأميركية؟
- بكل أسف، الأدب العربي غائب في الثقافة الأميركية تماماً، يكاد يكون غير معروف. لم أرَ كاتباً عربياً نُشر عنه مؤخراً في صحيفة «نيويورك تايمز» أو «فاينانشيال تايمز»، ولم أرَ قط ندوة في جامعة كاليفورنيا حول الأدب العربي.
غالباً ما تُنشر أعمال المؤلفين الأفارقة من غانا وزيمبابوي ونيجيريا في صحيفة « فاينانشيال تايمز»، التي اشترك فيها، ومعظمهم يعيشون في لندن. الأمر ذاته فيما يتعلق بالموسيقى؛ إذ إن الفرق الموسيقية الأفريقية تقدم عروضاً موسيقية، لكني لم أرَ قط، حتى في الإعلانات، فرقة موسيقية مصرية أو عربية تقدم عروضاً في كاليفورنيا أو في نيويورك. أما عن معرفتي بالأدب العربي الحديث فهي مبنية على ما تترجمه وتنشره الجامعة الأميركية بالقاهرة، وذلك بفضل صديق يرسل لي فهرسها الشهري للكتب المنشورة. ولكن إذا لم يكن المرء مشتركاً في هذا الفهرس، لا يمكنه الوصول إلى كتالوج مطبعة الجامعة. والقليل الذي أتذكره عبارة عن كتب الرحلات عن الأقصر ومعبد الكرنك والقاهرة في العصور الوسطى، لكن هذه كتب أسفار، وليست أدباً.
> مصرية ويونانية وأميركية. كيف تتعايش تلك المكونات الثلاث بداخلك وهل تعانين مشكلة ما في الهوية؟
- أرفض قطعاً أن أكون أي شيء سوى مواطنة من العالم. لقد عشت فترات طويلة في تسعة بلدان، وزرت للعمل أو المتعة أكثر من 120 بلداً؛ لذلك يمكنني الادعاء أنني أحظى بهذا الامتياز خالطت مختلف الثقافات والعقليات ووصلت إلى قناعة مفادها أن الناس عموماً هم أكثر أهمية من الأمة.
لقد رأيت الكثير من بقاع العالم، وعشت في كثير من العواصم الآسيوية، وسافرت إلى أماكن نائية على ظهر الكوكب، ورأيت الكثير من السواحل الجميلة، وحضرت فعاليات كبرى. ولكن بصورة ما أجدني مشدودة إلى الإسكندرية، تلك المدينة العربية التي كان فيها بيتي وشارعي ومدرستي.
> ما الذي تقرأينه حالياً، وما هي أبرز القضايا التي تشغلك؟
- تقتصر قراءاتي على الأحداث الجارية والمقالات العلمية وما يتم إحرازه من تقدم في المجال الطبي. كذلك أهتم بإعادة قراءة الكلاسيكيات وشعر كفافيس وروايات كازانتزاكيس.
وثمة قضايا كبرى في أميركا أشعر بالحماسة تجاهها ولكنها قد لا تهم القارئ العربي كثيراً. إنها محنة اللاجئين التي تحطم قلبي، وأشعر بالفزع من نفاق الغرب الذي يقبل اللاجئين الأوكرانيين وليس أولئك القادمين من الشرق الأوسط. واللاجئون الفلسطينيون منسيون، والقضية الفلسطينية لا تزال دون حل رغم عقود من النضال والاضطرابات.
> أخيراً، كيف تنظرين إلى تجربتك في الحياة من موقع السادسة والثمانين من العمر؟
- أنا محظوظة للغاية لأني نعمتُ بزيجة ذهبية لمدة 43 عاماً. وكمهاجرة لا تحمل سوى عشرة دولارات في جيبها، مسافرة على متن حافلة «جريهوند» إلى كلية الدراسات العليا، أعتبر نفسي مثالاً على قصة نجاح مهاجر. لقد تمكنت من خلق خمس وثلاثين وظيفة في قسم الاتصالات السلكية واللاسلكية وحصلت على التمويل اللازم لذلك، ومُنحت كرسي أستاذ في الكتابة الإبداعية في جامعة الفلبين، وتمكنت من تخصيص ملايين عدة من الدولارات لأبحاث السرطان في معهد «سكريبس»، حيث يتم التبرع بالعائدات الحالية لكتبي.
ما زلت منفتحة على السفر. أسمع عقارب الساعة تدق باستمرار، لكنني ما زلت مستعدة لخوض مغامرة في أماكن ذات تاريخ ومعنى، واستكشاف الألغاز في داخلي والتي يمكن أن تكون بلا حدود.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».


تعاطف في مصر مع عبد الرحمن أبو زهرة إثر تدهور صحته

الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة (حساب نجله على «فيسبوك»)
الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة (حساب نجله على «فيسبوك»)
TT

تعاطف في مصر مع عبد الرحمن أبو زهرة إثر تدهور صحته

الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة (حساب نجله على «فيسبوك»)
الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة (حساب نجله على «فيسبوك»)

يرقد الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة في غرفة العناية المركزة بأحد مستشفيات القاهرة إثر تدهور صحته قبل أسبوعين، وكشف نجله عازف البيانو أحمد أبو زهرة في منشور له عبر حسابه بـ«فيسبوك» عن تعرض والده لأزمة صحية، وأنه يرقد بغرفة الرعاية المركزة، طالباً من الجمهور الدعاء له بالشفاء وأن يعود لبيته وأسرته سالماً

وأثار ما كتبه نجله تعاطفاً واسعاً من الجمهور والفنانين، حيث علق المخرج محمد فاضل وكتب: «العزيز الغالي رفيق الدرب، الفنان الأصيل نسأل الله أن يمن عليك بالشفاء العاجل التام لتظل بين أسرتك العزيزة»، وكتب المايسترو رضا الوكيل: «ربنا يشفيه ويعافيه ويطمئنك عليه».

وأكد أحمد أبو زهرة أن والده تعرض لأزمة صحية مفاجئة ثاني أيام عيد الفطر الماضي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الفنان الكبير فقد الوعي، ولكن ليس بشكل كامل، فهو ينتبه إذا قام بمناداته ويفتح عينيه، موضحاً أنه لم يتم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي، لكنه تعرض لأزمة تنفسية ما تطلب ضخ أوكسجين له لتحسين مستوى التنفس، خصوصاً في ظل وجود مشكلات بالرئة، مؤكداً أن الأطباء لم يجزموا بطبيعة حالته حتى الآن».

أبو زهرة يعاني من تدهور صحته منذ أسبوعين (حساب نجله على «فيسبوك»)

ونشر أحمد أبو زهرة مقطع فيديو مسجلاً للفنان الكبير وهو يتحدث موجهاً كلامه للجمهور، قائلاً: «التمثيل متعة، ليس لكم فقط، بل إن التمثيل الذي تحبونه، أنا أكثر منكم عشقاً له خصوصاً حين أؤدي (مونولوجات) فأشعر بمتعة كما لو كانت الشخصية التي أؤديها هي التي تتكلم وليس أنا، بينما أستمع لها بإعجاب كبير»، ما جعل جمهور يصفه بأيقونة الفن الحقيقي وصاحب مدرسة في الأداء الصادق.

وكانت أسرة الفنان قد حذرت مؤخراً من قيامها باتخاذ الإجراءات القانونية لمقاضاة الصفحات التي تعتمد على نشر أخبار كاذبة بمواقع التواصل الاجتماعي عن الفنان الكبير سعياً وراء «التريندات»، بعدما قامت إحداها بنشر صور مصطنعة ونسبت كلاماً غير صحيح لنجله، تضمن استغاثة على لسان والده أنه لا يجد ثمن الدواء ولا يستطيع أن يجد ثمن الأكل والشرب.

وأكد أحمد أبو زهرة أن «هذا هراء ومحض افتراء، ويعد أسوأ أنواع التشهير له ولأسرته، وأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال هذا العبث».

وتعرض الفنان عبد الرحمن أبو زهرة لأزمات عدة، لاحقته في الآونة الأخيرة. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي قامت مصلحة الضرائب بالحجز على معاشه ووقف حسابه البنكي الذي يتم تحويل معاشه عليه، وكتب أحمد أبو زهرة عبر حسابه: «ارحموا فناناً أفنى أكثر من ستين عاماً من عمره في خدمة هذا الوطن ولم يتأخر طوال حياته عن دفع الضرائب بل على العكس، ومن يقول غير ذلك فهو ظالم». وتدخل وزير المالية وأجرى تحقيقاً حول هذه الواقعة، وتم رفع الحجز عنه، وطالب نجله بغلق ملف والده الضريبي تماماً بعدما اعتزل العمل الفني منذ أكثر من 5 سنوات.

أبو زهرة اعتزل العمل الفني منذ نحو 5 سنوات (حساب نجله على «فيسبوك»)

كما كان قد تعرض لموقف مماثل في مايو (أيار) 2025 حين أوقفت هيئة التأمينات معاشه مع بلوغه عامه التسعين لرغبتها في التأكد من وجود صاحب المعاش على قيد الحياة، وطلبت حضوره أو زيارة موظف التأمينات له للتأكد من ذلك، لكن أسرته ذكرت أن حالته الصحية لا تسمح بذلك وأنهم يرفضون اقتحام خصوصيته، فيما أعلنت هيئة التأمينات اعتذارها لأسرة الفنان، وجاء اتصال الرئيس عبد الفتاح السيسي هاتفياً بأبو زهرة للاطمئنان على صحته حيث أبدى أبو زهرة امتنانه الكبير لتقدير الرئيس له.

ويُعد الفنان عبد الرحمن أبو زهرة الذي أتم الشهر الماضي عامه الـ92 أحد كبار فناني المسرح القومي وصاحب مسيرة فنية ناجحة، بدأت منذ تخرجه في معهد الفنون المسرحية 1958 حيث لعب بطولة عدد كبير من المسرحيات، من بينها «لعبة السلطان»، «زهرة الصبار»، «الفرافير»، «ياسين وبهية»، كما قدم أعمالاً تلفزيونية عديدة بارزة، من بينها، «عمر بن عبد العزيز»، «الوعد الحق»، «لن أعيش في جلباب أبي»، كما شارك بالتمثيل في أفلام سينمائية على غرار «النوم في العسل»، «حب البنات»، «طلق صناعي»، «أهل الكهف».