جولي هيل: أعيد اكتشاف الثقافة العربية وأنا في الثمانين من العمر

تأسف لغياب الأدب العربي في أميركا وتنتقد «نفاق الغرب»

جولي هيل  -  غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى»  -  غلاف كتابها عن الإسكندرية
جولي هيل - غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى» - غلاف كتابها عن الإسكندرية
TT

جولي هيل: أعيد اكتشاف الثقافة العربية وأنا في الثمانين من العمر

جولي هيل  -  غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى»  -  غلاف كتابها عن الإسكندرية
جولي هيل - غلاف كتاب «أفغانستان الأخرى» - غلاف كتابها عن الإسكندرية

تنحدر الكاتبة الأميركية جولي هيل من أصل يوناني، لكنها نشأت وعاشت في مصر، وتحديداً في مدينة الإسكندرية حتى العشرينيات من عمرها قبل أن تتزوج من أحد الدبلوماسيين بالأمم المتحدة وتطوف معه الكثير من بلدان العالم. تتميز مؤلفاتها برؤية مختلفة إلى قضايا الشرق دون الوقوع في فخ الصورة النمطية الجاهزة، وتتراوح كتاباتها غالبا بين اليوميات وأدب الرحلات. من أبرز أعمالها «الحفاظ على الوعد: من أثينا إلى أفغانستان»: «زيارة جديدة إلى طريق الحرير» و«أفغانستان أخرى»، كما يصدر لها قريباً عن المركز القومي للترجمة بمصر «شمس الأصيل: إسكندريتي»، ترجمة غادة جاد.
هنا حوار معها حول تجربتها وشغفها بالكتابة بعد أن تجاوزت الثمانين من العمر

> يحمل مؤلفك الجديد المنتظر صدوره قريباً عنواناً لافتاً، تُرى ما الذي يميز الإسكندرية من منظورك عن «إسكندرية الآخرين«؟
- كُتب الكثير من المؤلفات عن المدينة بالفعل، بعضها حنين إلى الماضي، وبعضها يستند إلى حقائق تاريخية وبعضها علمي، وبعضها يؤكد حب المؤلف للوطن. لكن الكثير منها مفعم بالأسماء والإحصاءات التي لا نهاية لها. كتابي هو مذكرات شخصية تصف حياة فتاة يونانية من الطبقة الوسطى من الإسكندرية في زمن ومكان لم يعودا موجودين. إنه مكتوب في إطار تاريخي واقعي محكم التوثيق، لكن تركيزي لا ينصبّ على التاريخ بحد ذاته بقدر ما ينصب على تأثيره في حياتنا الشخصية. وأنا أتقدم بالشكر للمترجمة غادة جاد على الجهد الذي بذلته في نقل المادة إلى قراء العربية.
> برأيك، ما سر وقوع العديد من الأدباء والشعراء حول العالم في غرام تلك المدينة؟
- امتلكت الإسكندرية الكثير من عوامل الجذب للغرباء، لا سيما أولئك الذين لديهم خيال رومانسي مثل الكتّاب والشعراء. كان هناك «فاروس»، إحدى عجائب الدنيا السبع، والمكتبة العظيمة، مستودع المعرفة في زمانها. وكانت هناك كليوباترا بطبيعة الحال المثيرة للاهتمام، آخر فراعنة مصر. هذه هي الإسكندرية الأسطورية التي يرتبط سحرها وإلهامها بالبحر والشواطئ ولها جمالها المميز الذي ينبثق من جغرافيتها وتاريخها. ذلك السحر سلب لبّ كُتّابٍ، مثل الشاعر الإيطالي «أونجاريتي» ولورانس «داريل» صاحب رباعية الإسكندرية الذي أغفلت أعماله تماماً الأوساط المصرية والعربية؛ لأنه عاش مع الأجانب، لكنها جاءت مستوحاة من التنوع العرقي والديني الذي شهدته الإسكندرية.
> ما الذي يتبقى في ذاكرتك من الثقافة السكندرية بشكل خاص والعربية عموماً؟
- كان لالتحاقي بمدرسة «الليسيه» الفرنسية بتلك المدينة عميق الأثر في نشأتي. لم يقتصر الأمر على تعلم الفرنسية، بل تعرفت على لوحة فسيفساء من البشر من مختلف الجنسيات. أصبحت أقل يونانية وأكثر انتماءً للعالم، وأكثر استعداداً للمسؤوليات التي انتظرتنا أنا وزوجي، حيث انخرط هو في العمل الدبلوماسي كونه ممثلاً للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في مختلف البلدان، وكنت مسؤولة تنفيذية في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومن ثم كنت كثيرة السفر والتعامل مع مختلف الثقافات. أتاح لي الالتحاق بإحدى الجامعات المصرية إقامة علاقات مع زملائي المصريين. كنت محظوظة لأنني عرفت خلفياتهم (كان بعضهم فقيراً جداً وبسيطاً، ولكنه حريص على التعلم)، واحتفالاتهم، ومطبخهم. توطدت أواصر الصداقة معهم، ومنها لا يزال متيناً حتى بعد مرور 65 عاماً.
أعترف بأنني عندما كبرت كنت أجهل تماماً كل ما يتعلق بالثقافة العربية، لا سيما الأفلام والأدب والموسيقى. ولكن بعد ثلاثين عاماً قرأت أعمال نجيب محفوظ وإدوار الخراط. ولكن لم يفت الأوان بعد لإعادة تعزيز ارتباطي بتلك الثقافة واكتشافها مجدداً من خلال الكتب التي أكتبها الآن وأنا في هذا العمر.
> «الحفاظ على الوعد: من أثينا إلى أفغانستان» كان تجربتك الأولى في أدب الرحلات... ما هي أبرز الخلاصات التي يضمها هذا الكتاب؟
- هذا الكتاب الأول يعدّ سيرة ذاتية من جانب، ومن جانب آخر هو عن السفر، حيث تتبع رحلاتي المبكرة مع زوجي الأسترالي «آرثر»، لا سيما الفلبين وتايلند وساموا.
أثبتت الصور الفوتوغرافية أنها أفضل وسائل تجهيز المادة لمقالاتي. ورغم أهمية الملاحظة والمهارات اللغوية، فإن توثيق رحلاتي في موقع الحدث ظل ضرورياً. دوّنت الملاحظات في مفكرة أو على ورقة مجعدة ككلمة مميزة يمكن أن تؤدي لاحقاً إلى مشهد بأكمله. تمثلت الصعوبة الكبرى لدى في وصف الناس، أو خلق حوار. واصلت التركيز على المشاهد والأصوات في رحلتي.
> هناك نظرة نمطية جاهزة عن أفغانستان... هل تتفقين مع هذا الرأي؟
- لا يزال أغلب الناس في الولايات المتحدة لا يعرفون شيئاً عن أفغانستان. لا يمكنهم حتى التعرف عليها على خريطة العالم. وتروّج الغالبية العظمى من وسائل الإعلام الغربية أنها دولة فاشلة، تسودها التفجيرات وسفك الدماء والفوضى والفساد، دون أدنى ذكر لوديانها الخلابة، أو بقايا الحضارات السابقة التي صارت مواقع للتراث العالمي وفق تصنيف اليونيسكو، أو الكنوز الأثرية، أو الحِرف الفريدة، أو الحرية التي يتمتع بها البدو الرحل.
ورغم أن النساء كن ما زلن يتمتعن بالحد الأدنى من حرية العمل والملبس في الجزء الأخير من القرن العشرين، فقد اقتصر الأمر على الطبقة الوسطى في كابول والمدن الكبرى. أما في الريف، فلا تزال النساء يعملن في الحقول، ولا تزال أغلبيتهن حبيسات منازلهن الطينية وفقاً للتقاليد الصارمة. لقد شهدت حالتهن البائسة وصورتها في كتابي الأخير «أفغانستان أخرى».
> كتابك «زيارة جديدة لطريق الحرير» يعدّ رحلة لافتة في التاريخ والجغرافيا. ما الذي خرجت به من هذه الرحلة؟
- سافرت بمحاذاة كثير من دروب طريق الحرير من الصين إلى منغوليا، حيث اشترى الأباطرة الخيول للتجارة والحرب، وعبرت الجمهوريات الآسيوية وإيران، وانتهى بي المطاف في بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط.
كان تحدياً بالنسبة لي ليس فقط لاقتفاء دروب المستكشفين السابقين وزيارة البازارات المفعمة بالحياة، ولكن لمقابلة السكان المحليين ومواجهة الأسئلة غير المألوفة. وكان أكثر ما لاحظت في رحلاتي الكثيرة في تلك المنطقة هو الاحترام الذي يحظى به كبار السن، فضلاً عن المفهوم العالمي لدى الآباء الذي تمثل في السعي لحصول أطفالهم على حياة أفضل. ورغم أن طريق الحرير مغرق بالرومانسية، فإنه لا يزال محفوفاً بالمخاطر والفرص.
> ما مدى إلمامك بالأدب العربي الحديث وحضور هذا الأدب في الثقافة الأميركية؟
- بكل أسف، الأدب العربي غائب في الثقافة الأميركية تماماً، يكاد يكون غير معروف. لم أرَ كاتباً عربياً نُشر عنه مؤخراً في صحيفة «نيويورك تايمز» أو «فاينانشيال تايمز»، ولم أرَ قط ندوة في جامعة كاليفورنيا حول الأدب العربي.
غالباً ما تُنشر أعمال المؤلفين الأفارقة من غانا وزيمبابوي ونيجيريا في صحيفة « فاينانشيال تايمز»، التي اشترك فيها، ومعظمهم يعيشون في لندن. الأمر ذاته فيما يتعلق بالموسيقى؛ إذ إن الفرق الموسيقية الأفريقية تقدم عروضاً موسيقية، لكني لم أرَ قط، حتى في الإعلانات، فرقة موسيقية مصرية أو عربية تقدم عروضاً في كاليفورنيا أو في نيويورك. أما عن معرفتي بالأدب العربي الحديث فهي مبنية على ما تترجمه وتنشره الجامعة الأميركية بالقاهرة، وذلك بفضل صديق يرسل لي فهرسها الشهري للكتب المنشورة. ولكن إذا لم يكن المرء مشتركاً في هذا الفهرس، لا يمكنه الوصول إلى كتالوج مطبعة الجامعة. والقليل الذي أتذكره عبارة عن كتب الرحلات عن الأقصر ومعبد الكرنك والقاهرة في العصور الوسطى، لكن هذه كتب أسفار، وليست أدباً.
> مصرية ويونانية وأميركية. كيف تتعايش تلك المكونات الثلاث بداخلك وهل تعانين مشكلة ما في الهوية؟
- أرفض قطعاً أن أكون أي شيء سوى مواطنة من العالم. لقد عشت فترات طويلة في تسعة بلدان، وزرت للعمل أو المتعة أكثر من 120 بلداً؛ لذلك يمكنني الادعاء أنني أحظى بهذا الامتياز خالطت مختلف الثقافات والعقليات ووصلت إلى قناعة مفادها أن الناس عموماً هم أكثر أهمية من الأمة.
لقد رأيت الكثير من بقاع العالم، وعشت في كثير من العواصم الآسيوية، وسافرت إلى أماكن نائية على ظهر الكوكب، ورأيت الكثير من السواحل الجميلة، وحضرت فعاليات كبرى. ولكن بصورة ما أجدني مشدودة إلى الإسكندرية، تلك المدينة العربية التي كان فيها بيتي وشارعي ومدرستي.
> ما الذي تقرأينه حالياً، وما هي أبرز القضايا التي تشغلك؟
- تقتصر قراءاتي على الأحداث الجارية والمقالات العلمية وما يتم إحرازه من تقدم في المجال الطبي. كذلك أهتم بإعادة قراءة الكلاسيكيات وشعر كفافيس وروايات كازانتزاكيس.
وثمة قضايا كبرى في أميركا أشعر بالحماسة تجاهها ولكنها قد لا تهم القارئ العربي كثيراً. إنها محنة اللاجئين التي تحطم قلبي، وأشعر بالفزع من نفاق الغرب الذي يقبل اللاجئين الأوكرانيين وليس أولئك القادمين من الشرق الأوسط. واللاجئون الفلسطينيون منسيون، والقضية الفلسطينية لا تزال دون حل رغم عقود من النضال والاضطرابات.
> أخيراً، كيف تنظرين إلى تجربتك في الحياة من موقع السادسة والثمانين من العمر؟
- أنا محظوظة للغاية لأني نعمتُ بزيجة ذهبية لمدة 43 عاماً. وكمهاجرة لا تحمل سوى عشرة دولارات في جيبها، مسافرة على متن حافلة «جريهوند» إلى كلية الدراسات العليا، أعتبر نفسي مثالاً على قصة نجاح مهاجر. لقد تمكنت من خلق خمس وثلاثين وظيفة في قسم الاتصالات السلكية واللاسلكية وحصلت على التمويل اللازم لذلك، ومُنحت كرسي أستاذ في الكتابة الإبداعية في جامعة الفلبين، وتمكنت من تخصيص ملايين عدة من الدولارات لأبحاث السرطان في معهد «سكريبس»، حيث يتم التبرع بالعائدات الحالية لكتبي.
ما زلت منفتحة على السفر. أسمع عقارب الساعة تدق باستمرار، لكنني ما زلت مستعدة لخوض مغامرة في أماكن ذات تاريخ ومعنى، واستكشاف الألغاز في داخلي والتي يمكن أن تكون بلا حدود.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.