لبنان: مخاوف جدية على «الاستقرار الهش» مع تفاقم الضغوط المعيشية

لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
TT

لبنان: مخاوف جدية على «الاستقرار الهش» مع تفاقم الضغوط المعيشية

لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)

تستمر الفوضى العارمة على وتيرتها الصاعدة في أسواق الاستهلاك اللبنانية، معززة بتوالي صدور القرارات التنفيذية القاضية بمضاعفة الرسوم الحكومية وبدلات الخدمات العامة، وقرب سريان مفاعيل الارتفاعات المقررة على اشتراكات وأكلاف الكهرباء العمومية، مقترنة بوعود زيادة التغذية إلى ما بين 8 و10 ساعات يومياً، في حين يستمر الترقب الملتبس لصدور المراسيم التطبيقية الخاصة باعتماد السعر الجديد للدولار الجمركي وربطه المتوقع بالسعر الرسمي للعملة الوطنية.
وعلى منوال الفرادة التي ميزت النموذج اللبناني في رحلة الانهيارات الشاملة منذ خريف عام 2019 تطغى العشوائية على انفلات منظومة أسعار السلع والخدمات، بحيث يجري استغلال المسببات عينها أكثر من مرة خارج أي دور نظامي أو رقابي للدولة والمؤسسات الرقابية. ومن آخر النماذج الفاقعة، الزيادات الفعلية الطارئة على مجمل السلع المستوردة تحت ستار التذرع المسبق بتوجهات وزارة المال لرفع الرسوم الجمركية عبر تعديل سعر الصرف المعتمد للدولار، بينما يجري التحضير للموجة الثانية بعد صدور القرار التنظيمي الذي يجري التداول بتوقيته حالياً بين وزارة المال والبنك المركزي.
ويؤكد مسؤول مالي كبير، لـ«الشرق الأوسط»، أن وقائع الغموض الكبير التي ترافق استحقاقات إعادة انتظام المؤسسات الدستورية، من شأنها تعميق حالة «عدم اليقين» التي تشكل البيئة الأنسب لنمو المزيد من المشكلات المالية والاقتصادية، وبما يثير مخاوف جدية من تبِعات الدخول في مرحلة اضطرابات اجتماعية ومعيشية من شأنها تهديد الاستقرار الهش والمكشوف أساساً على التباسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإعادة تكوين السلطة التنفيذية المكتملة الصلاحيات، ومن ثم كيفية انتشال المؤسسات العامة من حالة الشلل التام الذي يسيطر عليها.
ويتمدد تقييم الموقف بضبابيته إلى المؤسسات الدولية التي تتوجس علانية في تقاريرها الأحدث من مغبة التمادي في تأخير عقد اتفاقية البرنامج مع صندوق النقد الدولي، وربطاً بالشغور الرئاسي واقتصار مهام الحكومة القائمة على تصريف الأعمال بأضيق الحدود، علماً بأن التمويل الذي توفره الاتفاقية لا يتعدى 3 مليارات دولار، موزعة على 4 سنوات، لكن أهميته الوازنة تكمن بوصفه فرصة حقيقية لاجتذاب مساعدات خارجية في حال تطبيق الإصلاحات الهيكلية تحت مظلة الصندوق ورقابته وعقب سريان التشريعات والقرارات المطلوبة حول الإجراءات الاستثنائية لإدارة السيولة والسحوبات من الودائع (الكابيتال كونترول)، وتسوية أوضاع المصارف وتوحيد أسعار الصرف.
وينبه المسؤول المالي إلى أن المعطيات التي تَلَت توقيع الاتفاق الأولي مع بعثة الصندوق، في أبريل (نيسان) الماضي، لا تنضح بما يكفي من الدلالات لتيسير الانتقال إلى مرحلة الاتفاق النهائي، بل هي ترجح أكثر احتمال «تطيير» الملف وموجباته، وبالاستناد تكراراً وتمييعاً إلى ذرائع قانونية وإجرائية. وهذا المسار يمنح مزيداً من الصدقية لخلاصات البنك الدولي التي دشنها باتهام منظومة الحكم بتنفيذ مخطط «الكساد المتعمد»، ثم باستخدام المالية العامة بوصفها أداة لسيطرة ممنهجة على موارد البلاد وخدمة مصالح نظام اقتصاد سياسي متجذر، والتي أدت عملياً إلى إفراغ الدولة من قدراتها وبلوغ مرحلة «الفشل» في توفير الخدمات العامة الأساسية للسكان.
وفيما يتكبد المواطنون تكاليف مضاعفة ومرهقة لقاء الحصول على منتجات أو خدمات ذات جودة متدنية أو تأمينها ذاتياً بأكلاف أعلى، يشكل التدهور المتواصل في سعر العملة الوطنية، والمترجَم بارتقاء الدولار إلى مستويات قياسية جديدة قريباً من 41 ألف ليرة، كابوساً يستمر بتوليد تداعيات انحدار القيم الشرائية للمداخيل والغلاء الفاحش على كامل المنظومة الاستهلاكية، في حين يترقب المستهلكون النسخة الثانية والمكررة من عاصفة انعكاسات رفع السعر المرجعي للدولار الجمركي 10 أضعاف، بُعَيد صدور القرار المرتقب عن وزارة المال بتطبيق مندرجات قانون الموازنة العامة الذي أقره مجلس النواب أخيراً وجرى نشره في الجريدة الرسمية قبل أيام، بل كشفت الأزمات المستمرة عن التغييب شبه التام لنظام تقديم الخدمات.
وتنضم التعريفات الجديدة للكهرباء العمومية التي ستفرض تكلفة لا تقل عن مليوني ليرة شهرياً بالحدود الأدنى للاستهلاك، والمبنية على وعود غير مؤكدة بتأمين الإمداد بالتيار لنحو 10 ساعات يومياً، إلى اللائحة المستجدة لأكلاف الخدمات العامة الأساسية، والتي جرى تدشينها برفع أكلاف الاتصالات عبر الهواتف الجوالة إلى متوسط يفوق 20 دولاراً شهرياً؛ أي نحو 600 ألف ليرة، وفق السعر المعتمَد حالياً على منصة صيرفة، وسبقتها حديثاً التعديلات المضاعفة الطارئة على رسوم وثائق الأحوال الشخصية كافة (جوازات السفر، هويات، بيانات قيد، وثائق زواج وطلاق وسواها)، وستلحقها تباعاً رسوم المياه والبناء والعقارات والقيم التأجيرية وبدلات السير والرخص في قطاع النقل والسيارات، وبحيث لن تسلم أي خدمة عامة من موجة الارتفاعات.
ويشير المسؤول المالي إلى أن قدرات التحمل لدى معظم الأسر تتآكل بشكل حاد ومتسارع، مما يبدد مفاعيل المسكنات الظرفية التي سيبدأ سريانها على القطاع العام عبر إضافة راتبين أساسيين على المداخيل، فيما تعدت مؤشرات الغلاء التراكمية حدود 1500 في المائة، ولتظهر معها الأعباء الكارثية التي تُلقى بشكل أساسي على كاهل شرائح الفقراء من محدودي ومتوسطي المداخيل في القطاعين العام والخاص على السواء، ولا سيما المنضوين منهم إلى حزام الفقر، الذين تعدت نسبتهم 80 في المائة من السكان، مع التنويه بتقدير الحد الأدنى للإنفاق المعيشي قبل الموجات المستجدة لأكلاف الخدمات العامة بنحو 15 مليون ليرة شهرياً، أو ما يوازي نحو 400 دولار، وفقاً للأسعار الجارية لليرة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

برّي مُصرّ على عدم نقل الخلاف حول «متفجرات حزب الله» إلى الشارع

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
TT

برّي مُصرّ على عدم نقل الخلاف حول «متفجرات حزب الله» إلى الشارع

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

توقف مصدر سياسي لبناني بارز يدور في فلك «الثنائي الشيعي» أمام ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم على 13 شخصاً ينتمون إلى «حزب الله» بجرائم تتجاوز حيازة الأسلحة والمتفجرات إلى الاعتداء على أمن الدولة الداخلي، والنيل من سلطتها وهيبتها، ومخالفة قرارات الحكومة بحصرية السلاح بيد الدولة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الادعاء استثنى الحزب ولم يكن مشمولاً به، وإنما بقي محصوراً بأفراد ينتمون إليه، وإن المواد التي استند إليها القاضي غانم في ادعائه تخلو من اتهامهم بالانتماء إلى مجموعات إرهابية، و«هذا يعني، من وجهة نظرنا، أنه نزع فتيل التفجير في الشارع، بخلاف ما كان يهدد به عدد من نواب الحزب فور مصادرة الشاحنة المحمّلة بالمتفجرات».

ولفت المصدر السياسي إلى أن الادعاء أبقى، حتى إشعار آخر، على محاكمة المتهمين بملف المتفجرات بعهدة القضاء العسكري إلى حين انتهاء التحقيق وإصدار الأحكام، وبعدها لكل حادث حديث، ما يعني أنه لن يُحال على عجل إلى المجلس العدلي، بخلاف ما يطالب به الوزراء المحسوبون على حزب «القوات اللبنانية»، ومقاطعتهم جلسات الحكومة، ما لم يتقرر إحالته إلى القضاء العدلي.

استيعاب الجمهور

ولاحظ أن رد فعل «حزب الله» على ادعاء القاضي غانم بقي تحت سقف استيعاب محازبيه وجمهوره، وهذا ما عكسه النائب في كتلة «الوفاء للمقاومة» حسين الحاج حسن في تصريحه الذي تجنّب فيه التهديدات والاتهامات ضد رئيسَي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، بخلاف ما صدر سابقاً عن زميله في الكتلة النائب حسن فضل الله، في أول تعليق له على مصادرة قوى الأمن الداخلي للشاحنة المحمّلة بالمتفجرات في ضهر البيدر، وقال إنها تعود للحزب وطالب باسترجاعها. وكان سبقه في طلبه مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب حسين العبدالله باتصالات أجراها بمسؤولين أمنيين وسياسيين.

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

وكشف المصدر نفسه أن رئيس المجلس النيابي نبيه برّي منذ اللحظة الأولى، كان ولا يزال مع إحالة ملف المتفجرات إلى القضاء العسكري، ولم يسمح لنفسه بالتدخل، لا هو ولا المسؤولون، أكانوا في حركة «أمل» أم نواباً في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها لإعاقة التحقيق، وهو يحرص، في نفس الوقت، على الحفاظ على السلم الأهلي وتحصين الوحدة الوطنية، وضد أي تحرّك يؤدي إلى تفلُّت الشارع ويهدد الاستقرار في البلد في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الجنوب بمواصلة إسرائيل خرقها لوقف النار، وتجريفها للبلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل.

تجنب نقل الخلاف إلى الشارع

ورأى أن اقتراح برّي إحالة الموقوفين وجاهياً أو الملاحقين في ملف المتفجّرات على القضاء العسكري لم يأتِ من فراغ، وإنما استند إلى سابقة في هذا الخصوص، بإحالة الوزير السابق ميشال سماحة إلى القضاء نفسه بتهمة نقل متفجرات، وحوكم أمام المحكمة العسكرية. وأضاف المصدر أن ما يهم برّي، أولاً وأخيراً، قطع الطريق على نقل الخلاف بكل ما يتعلق بملف المتفجرات إلى الشارع، والإبقاء عليه في عهدة القضاء العسكري.

ولفت المصدر إلى أنه يعلّق أهمية على إيداع ملف المتفجرات بعهدة القضاء العسكري الذي تعود له كلمة الفصل في إصدار الأحكام بالموقوفين وجاهياً أو الملاحقين غيابياً بتهمة تورطهم وضلوعهم في نقل المتفجرات، وأبدى ارتياحه لإطلاق يد القضاء العسكري في إجراء التحقيقات، وصولاً إلى إصدار الأحكام على كل من يثبت ضلوعه في نقلها وتحضيرها. وقال إن التسوية التي تم التوصل إليها في هذا الخصوص تحظى بغطاء سياسي يتصدره الرؤساء عون وبرّي وسلام، ولا يراد منها «لفلفة» التحقيق وإقفال الملف وكأن شيئاً لم يكن، وإنما يُترك للقضاء إصدار الأحكام فور الانتهاء من التحقيقات.

تحييد مجلس الوزراء

وأكد أن التواصل بين الرؤساء الثلاثة كان وراء تحييد مجلس الوزراء، على الأقل في المدى المنظور، عن إحالة ملف المتفجرات إلى القضاء العدلي، وأن يُترك التحقيق حتى نهايته لدى القضاء العسكري ليقول كلمته ما دام باشر بتحقيقاته؛ لأن ما يهمهم هو تحديد مسؤولية مَنْ يقف وراء شحنة المتفجرات التي صودرت ومحاكمتهم، وأنه لا نيّة لطي الملف من دون الوصول إلى خواتيمه.

قصر العدل في بيروت (الوكالة الوطنية)

واستبعد موافقة مجلس الوزراء على إحالة ملف التفجيرات إلى المجلس العدلي استباقاً للتحقيقات التي ستتولاها قاضية التحقيق العسكري الأولى غادة أبو علوان، بعد ادعاء القاضي غانم على 13 شخصاً ينتمون إلى «حزب الله»، وقال إن «مجرد مصادرة المتفجرات واحتجاز الشاحنة التي كانت تحملها يأتيان في سياق إصرار الحكومة على تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة وعدم التساهل مع حمله أو الانتقال به، فكيف إذا كانت حمولتها موادّ شديدة الانفجار؟!»، وسأل: «كيف سيكون عليه الحال في مجلس الوزراء في ضوء إصرار الوزراء المحسوبين على حزب (القوات) على إحالة ملف المتفجرات إلى القضاء العدلي، في مقابل إصرار عون وسلام على التروّي وعدم حرق المراحل، والتريُّث للانتهاء من التحقيقات وإصدار الأحكام على من يثبت ضلوعه، بدءاً من نقلها ومصادرتها في ضهر البيدر؟»، كما سأل عن طبيعة الخطوة التي سيقدم عليها الوزراء المحسوبون على حزب «القوات» في حال لم يلقوا التجاوب المطلوب من عون وسلام بنقل ملف المتفجرات من القضاء العسكري إلى القضاء العدلي، وهل يدخلون في خلاف معهما يدفعهم لاتخاذ موقف لا يقتصر، كما هو حاصل الآن، على مقاطعتهم لجلسات مجلس الوزراء، وإنما قد يتطور على نحو يؤدي للصدام السياسي معهما، ما يضطرهم للاستقالة من الحكومة.

ومن السابق لأوانه التكهن برد فعل هؤلاء الوزراء، في حين أن الجهود العربية والدولية تتقاطع حول عدم المس بالاستقرار، والرهان على دور الولايات المتحدة الأميركية بالضغط على إسرائيل لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» بتثبيت وقف النار، في مقابل الإصرار على حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا ما يكمن وراء التشدُّد في محاكمة المتهمين بنقل المتفجرات، بموازاة عدم إقحام البلد في فراغ سياسي، ولا سيما أن أصدقاء لبنان على المستويين العربي والدولي يحرصون على تفعيل العمل الحكومي، ولا يرون مبرراً للدخول في خلافات جانبية، في حين أن المطلوب توحيد الجهود لتحصين الموقف اللبناني في المفاوضات مع إسرائيل.


إسرائيل تلوّح مجدداً باحتلال مدينة غزة... وقلق من استخدام «حماس» طائرات التهريب

طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)
طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تلوّح مجدداً باحتلال مدينة غزة... وقلق من استخدام «حماس» طائرات التهريب

طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)
طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

عادت إسرائيل لتلوّح مجدداً باحتلال مدينة غزة، بحجة استمرار رفض حركة «حماس» نزع سلاحها وسلاح الفصائل الفلسطينية، بالتزامن مع مخاوف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من استخدام الحركة طائرات مسيّرة في عمليات تهريب انطلاقاً من مناطق مجاورة للقطاع، وتوظيفها سلاحاً ضد قواتها التي تحتل مناطق واسعة منه.

ونقل موقع «واللا» العبري، عن ضباط في قيادة المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي، أن قواتهم تستعد لتنفيذ مناورة برية تهدف إلى احتلال مدينة غزة وتفكيك البنية التحتية «الإرهابية» الموجودة بداخلها، وفق تعبيرها، مشيرين إلى أن هذه العملية ستجري، بغض النظر عن هوية الحكومة التي ستتشكل في إسرائيل بعد الانتخابات التي جرت خلال الأيام الأخيرة.

ووفقاً للموقع ذاته، فإن كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين يعارضون أي تقدم في مسألة إعادة إعمار القطاع من دون نزع سلاح «حماس»، بما في ذلك نقل مسؤولية الحكم من الحركة إلى طرف ثالث. فيما ادعى ضباط آخرون أن الحركة لا تنوي نزع سلاحها، وتراجعت عن فكرة حصر الأسلحة وتخزينها داخل القطاع.

المدينة الخضراء

فتية فلسطينيون يحملون أكياساً ثقيلة وضعوا فيها أغراضاً جمعوها من مكب للنفايات في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

ويأتي ذلك في وقت تتوقع فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن يُجدد البيت الأبيض الضغط على إسرائيل مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، بهدف المضي قدماً في مشروع إنشاء مدينة فلسطينية خالية من «الإرهاب» على أنقاض مدينة رفح، بتمويل من الإمارات، حسبما زعم تقرير موقع «واللا» العبري.

وقال مصدر أمني إسرائيلي إن هناك ضوءاً أخضر مبدئياً لإنشاء منطقة آمنة داخل الأراضي الفلسطينية، الخاضعة حالياً لسيطرة عملياتية مشددة من قِبَل الجيش الإسرائيلي، في إشارة إلى ما باتت تُعرف باسم «المدينة الخضراء» التي ستبنى في مناطق برفح.

وأشار الموقع العبري إلى أن المنطقة المستهدفة لا تزال تحت مراقبة ومتابعة من قِبَل الجيش الإسرائيلي الذي لا يزال يعمل على تحديد مواقع الذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، والبنية التحتية فوق الأرض وتحتها التابعة للفصائل المسلحة.

طفلة تلحق امرأة تحمل وعاءين مليئين بماء الشرب في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

ووفقاً للخطة الأصلية، من المفترض أن تستوعب المرحلة الأولى عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين لا ينتمون إلى حركة «حماس»، حسبما ذكره الموقع.

الطائرات المسيّرة

وفي تقرير آخر، ذكرت «القناة الـ12» العبرية، أن هناك مخاوف لدى الجهات الأمنية الإسرائيلية من أن تستخدم «حماس» طائرات مسيّرة لتنفيذ هجمات ضد قواتها، مبينةً أن تلك الطائرات استخدمت مؤخراً لتهريب مخدرات ودخان وغيره إلى قطاع غزة، انطلاقاً من الأراضي الإسرائيلية وكذلك مصر، وفق زعمها.

وادعت تلك المصادر أن «حماس» تعمل على زيادة عمليات التهريب الجوي بشكل كبير، ومن خلالها تعمل على تكديس أكبر عدد ممكن من الطائرات المسيّرة التي قد تحوّلها في أي لحظة إلى أسلحة فتاكة تفعلها عند الحاجة لتنفيذ هجمات خطيرة.

وأشارت إلى أنه جرى رصد محاولات تهريب عديدة تصل إلى عدة مرات في الأسبوع الواحد، مشيرةً إلى أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، يعملان على محاولة منع هذه الظاهرة، وينجحان في إحباط بعضها، ولكن هناك فهماً واضحاً بأن عشرات من تلك الطائرات تسللت لغزة مؤخراً، وأن «حماس» لا تهتم بالمخدرات المهربة على متن تلك الطائرات، بل بالطائرات نفسها.

تصعيد ميداني

وبالتزامن مع آلة التحريض الإسرائيلية المستمرة إعلامياً، تتواصل آلة الحرب في حصد مزيد من أرواح الغزيين؛ حيث قُتل بعد الظهر فلسطيني إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة استهدفت خيمة غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، فيما قُتل صباحاً آخر في غارة استهدفته بشكل مباشر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بينما أعلن عن وفاة آخر متأثراً بجروحه الحرجة التي أصيب بها قبل أيام في غارة استهدفت مركبة بمدينة غزة.

وقالت وزارة التربية والتعليم بغزة إن المستهدف في هجوم النصيرات هو ضياء أبو الروس، أحد المدرسين في المدرسة الماليزية التابعة للوزارة، والذي قُتل أثناء توجهه إلى مدرسته، معتبرةً استهدافه أثناء توجهه لأداء رسالته التعليمية دليلاً جديداً على تعمد الاحتلال الإسرائيلي ملاحقة المعلمين والطلبة واستهدافهم، وأن هذه الاعتداءات ليست حوادث منفصلة بل جريمة ممنهجة تستهدف مستقبل الأجيال الفلسطينية، وانتهاك صارخ للقوانين الدولية. داعيةً المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية إلى التحرك العاجل لوقف استهداف المعلمين والطلبة، ومحاسبة قادة الاحتلال، وحماية الحق في التعليم.

فيما كان القتيل الثاني عنصراً في شرطة حكومة «حماس» بغزة؛ حيث استُهدف في مركبة برفقة عنصر آخر بصاروخين في حي تل الهوى جنوب غربي المدينة.

أطفال يشاركون بتعبئة ماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

وأصيب فلسطيني و4 من أبنائه في قصف استهدفهم بشكل مباشر من طائرة مسيّرة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. فيما أصيب آخرون، خاصة شرقي مخيم المغازي، ودير البلح وسط قطاع غزة، إثر إطلاق نار وإلقاء قنابل من مسيّرات إسرائيلية، في تلك المناطق.

وتوغّلت آليات إسرائيلية، بعضها هندسية، في المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر في منطقة وادي السلقا شرق دير البلح وسط قطاع غزة، وقامت بعمليات تجريف وهدم لمنازل ومطحنة بالمنطقة، وسط إطلاق نار، ما أدَّى إلى وقوع إصابات في صفوف الغزيين، فيما نزحت عائلات إضافية من المنطقة.

وفاة رضيعتين

وعلى الصعيد الإنساني، توفيت، صباح السبت، طفلتان رضيعتان متأثرتين بإصابتيهما جرّاء حريق اندلع مساء الجمعة في خيمة تؤوي نازحين بمنطقة المواصي غرب خان يونس، جنوب قطاع غزة.

وأفادت مصادر طبية بوفاة الطفلتين حبيبة زنون (4 أشهر) وأيسل أبو صهيبان (6 أشهر)، متأثرتين بالحروق التي أصيبتا بها جراء الحريق.

وشهد قطاع غزة، على مدار سنوات الحرب، حوادث مماثلة في مخيمات النزوح، أسفرت عن سقوط ضحايا، غالبيتهم من الأطفال، في ظل الظروف المعيشية القاسية التي يواجهها النازحون، وغياب البدائل الآمنة التي تضمن لهم الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.


الانتهاكات الإسرائيلية تجبر عائلات على النزوح من ريف درعا السورية

جنود إسرائيليون في ريف درعا (أرشيفية - سانا)
جنود إسرائيليون في ريف درعا (أرشيفية - سانا)
TT

الانتهاكات الإسرائيلية تجبر عائلات على النزوح من ريف درعا السورية

جنود إسرائيليون في ريف درعا (أرشيفية - سانا)
جنود إسرائيليون في ريف درعا (أرشيفية - سانا)

أجبرت اعتداءات وانتهاكات الجيش الإسرائيلي المستمرة بحقِّ الأهالي في بلدات وقرى حوض اليرموك في الريف الغربي لمحافظة درعا جنوب سوريا، عائلات على النزوح إلى محافظات أخرى بحثاً عن مورد رزق تعيش منه، بعد تدهور أوضاعها نتيجة منعها من الوصول إلى أراضيها الزراعية، وعمليات الاعتقال بحقِّ أبنائها.

وأفاد مصدر محلي في منطقة حوض اليرموك «الشرق الأوسط»، بأن «دورية للاحتلال الإسرائيلي مؤلَّفة من نحو 12 سيارة عسكرية توغلَّت، السبت، في وادي الرقاد، ثم في وادي قرية عابدين، وبعد ذلك في وادي قرية معرية، الذي توجَّهت منه إلى قاعدة ثكنة تلة الجزيرة، التي كان جيش الاحتلال أنشأها مع 10 قواعد ونقاط عسكرية أخرى، في الأراضي السورية المحاذية لخط وقف إطلاق النار، بعد أن بدأ التوغل فيها منذ اليوم الأول لإطاحة نظام حكم بشار الأسد أواخر العام 2024».

قوة إسرائيلية في وادي الرقاد بريف درعا (سانا)

وتحدَّث مصدر حكومي في منطقة حوض اليرموك، من جهته، «عن الآثار الكارثية على الأهالي، جراء التوغلات والاعتداءات والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال بحقهم»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاحتلال حرم الأهالي من 500 إلى 1000 دونم من أراضيهم الزراعية، في المنطقة الممتدة من وادي الرقاد شمال ريف درعا الغربي وصولاً إلى وادي اليرموك جنوباً على الحدود السورية الأردنية، والتي تضم قرى عدة بينها: جملة، وعابدين، والعارضة، ومعرية وكويا».

كما تمنع قوات الاحتلال النحالين في المنطقة، من نقل خلاياهم إلى الوديان كونها مناطق دافئة، ما تسبب بنفوق أعداد كبيرة من النحل من جراء الأجواء الباردة حالياً، حسب المصدر، الذي أضاف: «إن قوات الاحتلال تعمد إلى استهداف البنى التحتية، وأبرزها محولات الكهرباء، ومضخات المياه، وخزانات مياه الأهالي الذين يتكبَّدون خسائر كبيرة من أجل إصلاحها، ويُحرَمون من الكهرباء والمياه أياماً عدة ريثما تتم عمليات الإصلاح».

وعدَّ المصدر أن «انتهاكات وسياسات وممارسات الاحتلال تهدف إلى التضييق على الأهالي من أجل إفراغ المنطقة من السكان».

وقال: «إن تلك الانتهاكات أدّت إلى تدهور كبير في الحياة المعيشية لأغلبية العائلات، الأمر الذي دفع أفراد عدد كبير منها، إلى التوجه للعمل بقطف ثمار الرمان والزيتون وغيرهما من الأشجار المثمرة، في قرى بعيدة عن خط وقف إطلاق النار مثل، طفس، ومزيريب، وتل شهاب، وغيرها مقابل أجر يومي للعامل يقدَّر بألف ليرة سورية».

من توغل إسرائيلي سابق في منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي (أرشيفية متداولة)

كما كشف المصدر عن أن «عدداً آخر من العائلات وجدت نفسها مجبرة على النزوح إلى مناطق بريف دمشق مثل، المعضمية، والحجر الأسود، وعين ترما؛ بحثاً عن مورد رزق لتأمين معيشتها، والحفاظ على سلامة أبنائها من الاعتقال»، لافتاً إلى أن أكثر من 10 عائلات في قرية معرية وحدها نزحت إلى ريف دمشق.

وعلى محور ريف دمشق الغربي، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات التوغل في المنطقة.

وأفاد مصدر حكومي «الشرق الأوسط»، بتوغل دورية في منطقة الكروم التابعة لقرية مزرعة بيت جن، على سفوح جبل الشيخ بريف دمشق الغربي.

كما أعلن عن خطف شاب من أطراف قرية الحرية بريف القنيطرة الشمالي، في أثناء توغل دورية إسرائيلية أخرى في المنطقة.