لبنان: مخاوف جدية على «الاستقرار الهش» مع تفاقم الضغوط المعيشية

لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
TT

لبنان: مخاوف جدية على «الاستقرار الهش» مع تفاقم الضغوط المعيشية

لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق سعر الدولار الجمركي قريباً (رويترز)

تستمر الفوضى العارمة على وتيرتها الصاعدة في أسواق الاستهلاك اللبنانية، معززة بتوالي صدور القرارات التنفيذية القاضية بمضاعفة الرسوم الحكومية وبدلات الخدمات العامة، وقرب سريان مفاعيل الارتفاعات المقررة على اشتراكات وأكلاف الكهرباء العمومية، مقترنة بوعود زيادة التغذية إلى ما بين 8 و10 ساعات يومياً، في حين يستمر الترقب الملتبس لصدور المراسيم التطبيقية الخاصة باعتماد السعر الجديد للدولار الجمركي وربطه المتوقع بالسعر الرسمي للعملة الوطنية.
وعلى منوال الفرادة التي ميزت النموذج اللبناني في رحلة الانهيارات الشاملة منذ خريف عام 2019 تطغى العشوائية على انفلات منظومة أسعار السلع والخدمات، بحيث يجري استغلال المسببات عينها أكثر من مرة خارج أي دور نظامي أو رقابي للدولة والمؤسسات الرقابية. ومن آخر النماذج الفاقعة، الزيادات الفعلية الطارئة على مجمل السلع المستوردة تحت ستار التذرع المسبق بتوجهات وزارة المال لرفع الرسوم الجمركية عبر تعديل سعر الصرف المعتمد للدولار، بينما يجري التحضير للموجة الثانية بعد صدور القرار التنظيمي الذي يجري التداول بتوقيته حالياً بين وزارة المال والبنك المركزي.
ويؤكد مسؤول مالي كبير، لـ«الشرق الأوسط»، أن وقائع الغموض الكبير التي ترافق استحقاقات إعادة انتظام المؤسسات الدستورية، من شأنها تعميق حالة «عدم اليقين» التي تشكل البيئة الأنسب لنمو المزيد من المشكلات المالية والاقتصادية، وبما يثير مخاوف جدية من تبِعات الدخول في مرحلة اضطرابات اجتماعية ومعيشية من شأنها تهديد الاستقرار الهش والمكشوف أساساً على التباسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإعادة تكوين السلطة التنفيذية المكتملة الصلاحيات، ومن ثم كيفية انتشال المؤسسات العامة من حالة الشلل التام الذي يسيطر عليها.
ويتمدد تقييم الموقف بضبابيته إلى المؤسسات الدولية التي تتوجس علانية في تقاريرها الأحدث من مغبة التمادي في تأخير عقد اتفاقية البرنامج مع صندوق النقد الدولي، وربطاً بالشغور الرئاسي واقتصار مهام الحكومة القائمة على تصريف الأعمال بأضيق الحدود، علماً بأن التمويل الذي توفره الاتفاقية لا يتعدى 3 مليارات دولار، موزعة على 4 سنوات، لكن أهميته الوازنة تكمن بوصفه فرصة حقيقية لاجتذاب مساعدات خارجية في حال تطبيق الإصلاحات الهيكلية تحت مظلة الصندوق ورقابته وعقب سريان التشريعات والقرارات المطلوبة حول الإجراءات الاستثنائية لإدارة السيولة والسحوبات من الودائع (الكابيتال كونترول)، وتسوية أوضاع المصارف وتوحيد أسعار الصرف.
وينبه المسؤول المالي إلى أن المعطيات التي تَلَت توقيع الاتفاق الأولي مع بعثة الصندوق، في أبريل (نيسان) الماضي، لا تنضح بما يكفي من الدلالات لتيسير الانتقال إلى مرحلة الاتفاق النهائي، بل هي ترجح أكثر احتمال «تطيير» الملف وموجباته، وبالاستناد تكراراً وتمييعاً إلى ذرائع قانونية وإجرائية. وهذا المسار يمنح مزيداً من الصدقية لخلاصات البنك الدولي التي دشنها باتهام منظومة الحكم بتنفيذ مخطط «الكساد المتعمد»، ثم باستخدام المالية العامة بوصفها أداة لسيطرة ممنهجة على موارد البلاد وخدمة مصالح نظام اقتصاد سياسي متجذر، والتي أدت عملياً إلى إفراغ الدولة من قدراتها وبلوغ مرحلة «الفشل» في توفير الخدمات العامة الأساسية للسكان.
وفيما يتكبد المواطنون تكاليف مضاعفة ومرهقة لقاء الحصول على منتجات أو خدمات ذات جودة متدنية أو تأمينها ذاتياً بأكلاف أعلى، يشكل التدهور المتواصل في سعر العملة الوطنية، والمترجَم بارتقاء الدولار إلى مستويات قياسية جديدة قريباً من 41 ألف ليرة، كابوساً يستمر بتوليد تداعيات انحدار القيم الشرائية للمداخيل والغلاء الفاحش على كامل المنظومة الاستهلاكية، في حين يترقب المستهلكون النسخة الثانية والمكررة من عاصفة انعكاسات رفع السعر المرجعي للدولار الجمركي 10 أضعاف، بُعَيد صدور القرار المرتقب عن وزارة المال بتطبيق مندرجات قانون الموازنة العامة الذي أقره مجلس النواب أخيراً وجرى نشره في الجريدة الرسمية قبل أيام، بل كشفت الأزمات المستمرة عن التغييب شبه التام لنظام تقديم الخدمات.
وتنضم التعريفات الجديدة للكهرباء العمومية التي ستفرض تكلفة لا تقل عن مليوني ليرة شهرياً بالحدود الأدنى للاستهلاك، والمبنية على وعود غير مؤكدة بتأمين الإمداد بالتيار لنحو 10 ساعات يومياً، إلى اللائحة المستجدة لأكلاف الخدمات العامة الأساسية، والتي جرى تدشينها برفع أكلاف الاتصالات عبر الهواتف الجوالة إلى متوسط يفوق 20 دولاراً شهرياً؛ أي نحو 600 ألف ليرة، وفق السعر المعتمَد حالياً على منصة صيرفة، وسبقتها حديثاً التعديلات المضاعفة الطارئة على رسوم وثائق الأحوال الشخصية كافة (جوازات السفر، هويات، بيانات قيد، وثائق زواج وطلاق وسواها)، وستلحقها تباعاً رسوم المياه والبناء والعقارات والقيم التأجيرية وبدلات السير والرخص في قطاع النقل والسيارات، وبحيث لن تسلم أي خدمة عامة من موجة الارتفاعات.
ويشير المسؤول المالي إلى أن قدرات التحمل لدى معظم الأسر تتآكل بشكل حاد ومتسارع، مما يبدد مفاعيل المسكنات الظرفية التي سيبدأ سريانها على القطاع العام عبر إضافة راتبين أساسيين على المداخيل، فيما تعدت مؤشرات الغلاء التراكمية حدود 1500 في المائة، ولتظهر معها الأعباء الكارثية التي تُلقى بشكل أساسي على كاهل شرائح الفقراء من محدودي ومتوسطي المداخيل في القطاعين العام والخاص على السواء، ولا سيما المنضوين منهم إلى حزام الفقر، الذين تعدت نسبتهم 80 في المائة من السكان، مع التنويه بتقدير الحد الأدنى للإنفاق المعيشي قبل الموجات المستجدة لأكلاف الخدمات العامة بنحو 15 مليون ليرة شهرياً، أو ما يوازي نحو 400 دولار، وفقاً للأسعار الجارية لليرة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

العراق يؤكد «بذل أقصى الجهود» لمنع التصعيد على أراضيه

ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

العراق يؤكد «بذل أقصى الجهود» لمنع التصعيد على أراضيه

ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أكّد العراق، الخميس، أنه «يبذل أقصى الجهود» لمنع أي تصعيد على أراضيه، وذلك بعد تحذير السفارة الأميركية من أن فصائل مسلحة موالية لإيران قد تنفذ قريباً هجمات في وسط بغداد.

وأفادت وزارة الخارجية في بيان بأن الحكومة «تبذل أقصى الجهود لمنع أي تصعيد... وحماية البعثات الدبلوماسية، والمصالح الأجنبية، والمواطنين، والحفاظ على الاستقرار الداخلي»، مؤكدة «مواصلة اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان عدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي أعمال عدائية».

وكانت سفارة واشنطن حذّرت صباح الخميس من أن الفصائل قد تنفّذ هجمات في الساعات المقبلة، منتقدة حكومة بغداد لأنها «لم تتمكن من منع الهجمات الإرهابية التي تحدث داخل الأراضي العراقية، أو تلك التي تنطلق منها» منذ بداية الحرب.


منظمة دولية تحذّر من مؤشرات «مقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان

عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

منظمة دولية تحذّر من مؤشرات «مقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان

عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)

حذّرت مديرة المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، من مؤشرات «مقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان، في ظل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، التي أرغمت أكثر من مليون شخص على الفرار.

وقالت بوب، رداً على سؤال حول مؤشرات لاستمرار النزوح لفترة طويلة: «أعتقد أن تلك المؤشرات مقلقة جداً، نظراً لمستوى الدمار الذي يحصل... والدمار الإضافي الذي جرى التهديد به»، مضيفة: «حتى لو انتهت الحرب غداً، الدمار سيبقى، وستكون هناك حاجة لإعادة الإعمار»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

إلى ذلك، دعت 18 دولة أوروبية، الخميس، إسرائيل و«حزب الله» إلى وقف القتال، مع دخول الحرب بينهما شهرها الثاني، وتأكيد مسؤولين إسرائيليين عزمهم على إقامة «منطقة أمنية» في جنوب لبنان.

كانت الحكومة الإسرائيلية قد طلبت احتلال الجنوب اللبناني بالكامل، وجعل نهر الليطاني حدوداً جديدة لإسرائيل، لكن الجيش رفض ذلك وقال إنه يكتفي بجعل الليطاني «حدود نار» يراقبها مما سمّاه «الخط الأصفر»، وهو الاسم الذي أُطلق على خط الحدود في قطاع غزة، والذي يُعد مؤقتاً إلى حين تقرر الحكومة الانسحاب. ولهذا الغرض جرى إدخال عشرات الآلاف من الجنود لبنان.


فنان لبناني يقاضي إسرائيل بفرنسا بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في بيروت

مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
TT

فنان لبناني يقاضي إسرائيل بفرنسا بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في بيروت

مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

لجأ الفنان الفرنسي اللبناني علي شرّي، الذي فقد والديه في غارة إسرائيلية على مبنى سكني في بيروت، أواخر عام 2024، إلى النظام القضائي الفرنسي، على أمل فتح تحقيق في «جرائم حرب».

وقدّم شرّي، الخميس، شكوى بدعوى مدنية أمام وحدة الجرائم ضد الإنسانية التابعة للمحكمة القضائية في باريس، إلى جانب الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH)، حسبما أفادت به محاميته كليمانس بيكتارت لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشارت بيكتارت إلى أنّ سبعة مدنيين، بينهم والد شرّي ووالدته البالغان من العمر 87 و77 عاماً، قُتلوا في الغارة التي استهدفت مبنى مؤلّفاً من 12 طابقاً في شارع النويري وسط العاصمة اللبنانية، في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وأضافت أنّ عملية القصف هذه «وقعت قبل ساعات فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و(حزب الله) حيّز التنفيذ».

سابقة

وقالت بيكتارت إنّ هذا التحقيق سيشكّل سابقة، مضيفةً: «حتى الآن، لم يتم اتخاذ أي إجراءات قانونية، سواء في لبنان أو الخارج» فيما يتعلق بالهجمات التي نفذتها إسرائيل في لبنان بين أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ونوفمبر 2024.

ودخل «حزب الله» الحرب مع إسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته «حماس» ضد الدولة العبرية، في ما قال إنه «إسناد» للحركة الفلسطينية.

الفنان الفرنسي اللبناني علي شري (موقع علي شري - بوريس كامكا)

وتصاعدت الأعمال العدائية على الحدود مع إسرائيل إلى نزاع مفتوح.

ورغم سريان وقف لإطلاق النار منذ نوفمبر 2024 أنهى حرباً استمرت لأكثر من عام، واصلت إسرائيل شنّ ضربات خصوصاً على جنوب لبنان.

وقالت بيكتارت لوكالة الصحافة الفرنسية، إنّ «هذه الهجمات تشكّل انتهاكاً واضحاً ومتكرراً للقانون الإنساني الدولي، الذي يتطلّب احترام مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية والسكان».

وأشارت إلى أنّ «النظام القضائي الفرنسي يجب أن يضمن عدم إفلات هذه الجرائم من العقاب وأن يضمن مقاضاة مرتكبيها، لا سيما عندما يكون مواطنوه من الضحايا».

«أمل في تحقيق العدالة»

من جانبه، أكد علي شري لوكالة الصحافة الفرنسية، أنّ «القضاء لن يعيد لي والدَيّ، ولكن آمل أن يكسر حلقة الإفلات من العقاب».

وهذا الفنان التشكيلي المولود في بيروت نشأ في المبنى المستهدف ويقيم الآن في باريس. وكان قد عرض أعماله في متاحف كبرى، مثل المعرض الوطني في لندن ومتحف جو دو بوم (Jeu de Paume) في باريس ومتحف الفن الحديث (MoMa) في نيويورك.

وأضاف: «سيكون الأمر طويلاً وشاقاً للغاية، وقد يبدو ضرباً من العبث في سياق ما يجري اليوم»، مضيفاً: «ولكن إذا كان من شأنه أن يساعد في منع فقدان مزيد من الأرواح في هذا الجنون... فأنا متمسّك بالأمل في تحقيق العدالة».

لا يمكن اللجوء إلى القضاء الفرنسي للتحقيق في وفاة والدَي علي شري اللذين لا يحملان الجنسية الفرنسية. لذلك، رفع شرّي دعوى قضائية بتهمة ارتكاب جريمة حرب تتمثّل في «اعتداء متعمّد على ممتلكات مدنية»، وذلك فيما كان يملك الشقة التي قُتل فيها والداه والتي دُمّرت لاحقاً.

وتستند الشكوى إلى بحث أجرته منظمة العفو الدولية ومنظمة الهندسة الجنائية، اللتان حققتا في الغارة.

وأشارت منظمة العفو الدولية في تقرير نُشر في فبراير (شباط) 2026، إلى أنّ الغارة نُفّذت من دون إنذار مسبق، موضحةً أنّها «تستطيع أن تستنتج بشكل معقول أنّها انتهكت القانون الإنساني الدولي».

وأشارت المنظمة إلى أنّ تحقيقاتها «لم تكشف عن أي دليل على وجود أهداف عسكرية في وقت الهجوم». وأوضحت أنّه حتى لو كان الأمر كذلك، فإنّ «الوسائل المستخدمة وطريقة تنفيذ الهجوم على مبنى سكني، يسكنه مدنيون، من المرجّح أن تجعله هجوماً عشوائياً». وذكرت منظمة العفو أنّها استفسرت من السلطات الإسرائيلية عن الموضوع، ولكنها لم تتلقَّ رداً.