المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

هناك من يترحم عليها وعلى أيامها (1 ـ 2)

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى
TT

المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى

من الطبيعي أن يحملنا اختفاء الجدل الثقافي اليوم على أن نذكر بالخير «المعارك الثقافية»، وأن يشعر البعض منا بالحنين إلى النصف الأول من القرن العشرين، وهي فترة الإحياء التي شهدت كثيراً من المعارك الأدبية والفكرية. نعود إليها بوصفها الأقرب زمنياً لنا، لكن المعارك موجودة على مدار التاريخ، وترتبط كثيراً بفترات الحراك السياسي، وما يتبعه من حراك ثقافي.
تشير كلمة «معركة» إلى وجود طرفين منخرطين في الحرب بإرادتيهما، لكن هناك الكثير من الأزمات اتخذت شكل الغارة والتجريدة المباغتة، ونستطيع من قراءة التاريخ أن نقول إن وصف «معركة» يكاد ينطبق على الجدل الأدبي دون غيره، وهي معارك فنية تنحصر نيرانها في نطاق النخبة ذاتها، بينما تأخذ الصراعات الفكرية شكل الغارة، ويندر أن تكون بريئة من المؤثرات غير الفكرية، كالحسد الشخصي والشعوبية والمذهبية، والعلاقة بالسلطة، وغالباً ما يمتد أثرها إلى المجتمع، بعكس الخلاف على شعرية أبي تمام أو البحتري والموازنة بينهما.
ولحد الآن لم نتبين أسباب محاكمة فيلسوف العقلانية، ابن رشد... هل كانت الأسباب في تغيير الوجهة الآيديولوجية للدولة من مناصرة العقل إلى مناصرة النقل؟ هل السبب آراؤه ضد الاستبداد؟ وما دخل الغيرة والخصومات الشخصية؟
هكذا، لا تكون هناك معركة في الفكر بقدر ما تكون هناك غارة لاصطياد مفكر، وتشهد بذلك غارات النصف الأول من القرن العشرين. وأعتذر مقدماً لأنني سأقصر أمثلتي هنا على الحالة المصرية، دون إنكار لما كانت عليه الساحات العربية الأخرى، وعلى كلٍّ، فقد كان التواصل الثقافي العربي عظيماً في ذلك الوقت، رغم صعوبة وسائل الاتصال، وكان أعلام العراق والشام حاضرين في قلب السجالات القاهرية.
من غارات بدايات القرن العشرين، التجريدة ضد منصور فهمي بسبب رسالته للدكتوراه في باريس تحت عنوان «حالة المرأة في التقاليد الإسلامية»، عام 1914، والهجوم على طه حسين في العام ذاته بسبب رسالته عن أبي العلاء المعري في جامعة القاهرة، وقد نجحت التحالفات في احتواء أثر غارة أبي العلاء قبل أن تستفحل، ثم كانت أزمة «الشعر الجاهلي - 1926» وقد صارت أكثر شهرة ووصلت إلى مستوى أخطر بسبب تغير التحالفات السياسية التي فاقمت من الأزمة لتصبح قضية دينية سياسية واختباراً لاستقلال الجامعة.

ابن رشد

وفي الإطار نفسه، يمكن أن ندرج قضية «الإسلام وأصول الحكم - 1925» لعلي عبد الرازق، وكان واضحاً أن الملك فؤاد الطامح إلى خلافة المسلمين وراء محاكمة هيئة كبار العلماء للشيخ واتهامه بسبع تهم، بينها الضلال وإنكار إجماع الصحابة. هذه كلها كانت غارات على الفكر والثقافة والأدب يتداخل فيها السياسي والديني، وآخر ما يهم فيها هو الفكر أو الدين.
بخصوص الأدب، كانت هناك حيوية شديدة ومعارك شهيرة وسجالات لا تنتهي إلا لتبدأ بين أعلام المحافظين من أمثال مصطفى صادق الرافعي، فريد وجدي، شكيب أرسلان، ورشيد رضا، في مقابل فريق المجددين من أمثال سلامة موسى ومحمد حسين هيكل وطه حسين والمازني وعباس محمود العقاد.
ولم يمنع الالتزام بمعسكر قيام معارك بين هذا وذاك من المنتمين للمعسكر الواحد، وكثيراً ما تحول المجدد في مرحلة ما إلى محافظ في مرحلة أخرى، ومثال على هذا تحول العقاد من اتهامه الإحيائيين، كالبارودي وشوقي بالجمود إلى أن يصبح عثرة في طريق الشعر الحر، وتصدي شعراء له، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم تحول حجازي بدوره إلى عقبة في طريق قصيدة النثر.
وإلى جوار هذا، كانت هناك معارك لا تبدو سليمة من الوجهة الأدبية؛ فمبدأ البيعة وتنصيب شاعر فوق الآخرين يبدو غريباً ومجافياً لطبيعة الإبداع الذي يسمح بالتعدد والتجاور. هناك مَن بايع ومَن امتنع، وعندما مات شوقي نشأت معركة توريث الإمارة بعد وفاته، وقد بدأها طه حسين بقوله إن الإمارة يجب أن تكون في بغداد، دون أن يحدد لأي من شاعريها الكبيرين الزهاوي أم الرصافي؟ ثم تراجع فشهد للعقاد بالجدارة!
وأخشى أن حنينا ومبالغتنا في أهمية تلك المعارك ترتكز في بعض دوافعها على سلفية أدبية لا واعية، مستعارة من آيديولوجيا «السلف الصالح» الدينية؛ فكل العدل والتقوى والشجاعة كان في زمن سابق، وهناك يقين بأن الثقافة تسير في طريق الاضمحلال جيلاً بعد جيل، ولا أمل في مخلِّص يظهر في النهاية لينقذ الأدب من الانهيار!
من المعتاد أن نقرأ بين وقت وآخر من يترحم على تلك المعارك وأيامها، ويصفها بالرقيّ في مقابل ما يراه إسفافاً ونميمة فارغة على صفحات التواصل الاجتماعي الآن. لكن من يعيد تصفح المعارك القديمة سيكتشف الكثير من الإسفاف والعنف والكثير من الغبار حول اللاشيء!
في معارك اللاشيء، يقف عباس محمود العقاد عابراً الأزمان بمعاركه التي لم تكن تنتهي، وكان له من الأدباء أتباع يؤمنون به إيمان العوام، وله من الخصوم مَن ينزعون عنه كل ميزة. لكنه بفضل هذه المعارك عاش في الوجدان الأدبي ندّاً لطه حسين، وكان هناك «الطحاسنة» و«العقاديون». هذه الندية بحد ذاتها دليل على تواضع الأحكام الأدبية والفكرية في ذلك الوقت؛ فالبون شاسع بين عصامي مجتهد يقرأ ويكتب بفطرته ويتعصب لرأيه فلا يرى وجهاً آخر غير الذي يراه من أي قضية، ومفكر مؤسس أكاديمياً لديه منهجه في البحث ويتأنى قبل الفصل في أي مسألة.
كانت عصامية العقاد ركيزة أساسية في تحديد صورته الشخصية في المجتمع الأدبي وفي وضع حدود لإنتاجه الفكري؛ كونه علَّم نفسه بنفسه منحه اعتداداً بالرأي وميلاً إلى الأحكام النهائية دون استعداد للتراجع أو رغبة في معرفة وجه آخر للموضوع الذي يتصدى له. إيمانه بذاته يقابله تهوين من شأن الآخرين، الأمر الذي جعله من أنجح الناس في اكتساب الأعداء؛ فوجد كثراً بادلوه عنفاً بعنف، وسلبوه كل ميزة، وفاتهم في التربص به وضع ما كتبه في ميزان التقييم المحايد.
في حملته على أحمد شوقي ورموز مدرسة الإحياء، جرَّد العقاد أمير الشعراء من أي ميزة، واعتبر شعره تقليداً ومحاكاة بلا روح، وهي الصفة التي سيمنحها مصطفى صادق الرافعي لشعر العقاد ذاته في كتاب نُشر مسلسلاً في مجلة «العصور» تحت عنوان «على السفود... نظرات في ديوان العقاد» وهو حفل شواء لشعر ولحم العقاد. يحلو للبعض الآن اعتبار «على السفود» مثالاً على صراحة المعارك الأدبية الراقية البعيدة عن ثرثرة «الفيسبوك»!
لم يكن العقاد خالياً من الحسد الشخصي في نقده لـ«أمير الشعراء»، وهو يرى نفسه الأحق بإمارة كل شيء، وكان قاسياً في سخريته من كتاب مصطفى صادق الرافعي «إعجاز القرآن»، بل اتهمه بالكذب والتزوير لرفع تقدير كتابه عند العامة، عندما نشر أنه تلقى رسالة خطية من سعد زغلول يشيد فيها بالكتاب. ولم يكن من الرافعي إلا أن ترك أزمة «إعجاز القرآن» تمر، ثم عاد لينتقم!
يُقدِّم الرافعي كتابه بمقال للعقاد نفسه يتكلم فيه عن فئة المتحذلقين، يصفهم بالمجرمين الذين يستحقون الحرق بالنار، وكأنه بتقديمه هذا العنف العقادي يبرر ما سيرتكبه ضده من العنف!
وفي المقال الأول، يبدأ بشرح معنى السفود: «الحديدة يُشوى بها اللحم ويسميها العامة السيخ»، مؤكداً أنه استعار تلك الكلمة في النقد «لأن بعض المغرورين من أدباء هذا الزمن قد تعدوا كل حد في الادعاء والغرور، ولا يصلح فيهم من النقد إلا ما ينتظمهم ويفترشهم ناراً كنار اللحم يُشوى».
ويبدأ نقده من إشارة على الغلاف: «أربعة مجلدات في مجلد واحد»، للتدليل على جهل العقاد بأسرار العربية، ما جعله يساوي بين الكتاب والسفر، وبين الجزء والمجلد، ثم يتربص بكل صورة في الديوان، يتناولها بكل تسخيف. لكنه لا يلزم نقد الشعر بل يتعدى إلى شخص العقاد، ويقطع بأنه لص يترجم أفكار الأجانب ويلخصها وكأنها من بنات أفكاره، ويشبهه باللقيط الذي يُلقى في الشارع فينشأ حاقداً على العالم «فهو يكره الوجود من أجل نفسه، ويكره نفسه من أجل الوجود»!
في كثير من معارك تلك الحقبة نلحظ روح مصارعات الديكة، لصالح الرواج الصحافي، حتى لو داست هذه المصارعات القيم وبذرت بذور العنف. يكتب إسماعيل أدهم افتتاحية «العصور» مبرراً احتضان مقالات «السفود»، فندرك من مقاله خصومة العقاد مع المجلة ورئيس تحريرها «ولقد أطلق علينا ذلك الأديب المفتون ألسنة من أعوانه حداداً، كان يلقّنهم ما يقولون». وفي تعريضه بالعقاد يكتب الرافعي: «ماذا كان يعمل في جريدة (البلاغ) ولماذا أُخرج منها؟ كانوا يحتاجون إلى سفيه أحمق يُسافه عنهم (…) فلم يروا أكفأ من العقاد وقاحةَ وجهٍ وبذاءةَ لسانٍ وموتَ ضمير».
كان الصراع شديداً على كسب القراء في صحافة الفترة الليبرالية في مصر، وهذا سبب لا يمكن إغفاله، وبعد حركة الضباط في يوليو (تموز) 1952، بدا المجتمع الثقافي منخرطاً وراء أهداف عامة، فخفت صوت المعارك الأدبية حتى قبل تأميم الصحافة في بداية ستينات القرن العشرين، إلا نار العقاد ظلت مشتعلة حتى وفاته عام 1964. وكانت المعارك تنشب عادة عقب نقد لأحد أعماله لا يعجبه، وكانت أسئلة المعارك مما لا يستحق الغضب، مثل معركته مع الأب أنستاس الكرملي صاحب مجلة «العراقية»، وسؤال: الشاعر بين الملكة الفلسفية والملكة الشعرية.
استمرت جماعته على إيمانها به حد التقديس، بينما لم يعدم الخصوم بين جيله والأجيال التالية، كان أبرزهم الناقد محمد مندور، وكان العقاد يسميه ساخراً «مندور داير ما يدور» و«الجاويش ببوليس النجدة» ويرد عليه مندور متلكفاً أدب الحوار، ملتزماً بتفنيد ما يثيره العقاد من زوبعات ضد المرأة والنقاد والشعر الجديد. يكتبان في جريدتين مملوكتين للدولة؛ العقاد في «الأخبار»، ومندور في «الجمهورية»، ولم يتورع العقاد عن الإشارة إلى شيوعية مندور، في نوع من التحريض ضده، ويرد مندور مترفعاً، لكنه قد قالها: «أستطيع التحريض ضدك لأنك تدافع عن الفردية ولست مع روح المجموع التي تحتضنها دولتنا وقيادتنا الرشيدة»!
غربال الزمن دقيق، وقد أسقط ما أسقط وأبقى ما أبقى من الكتابة بعيداً عن غبار المعارك، لكن حكم الزمن لم يسر على المعارك نفسها التي تتعاظم صورتها وتلمع من بعيد بسبب السلفية الأدبية التي ترى في القِدم بذاته ميزة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها، إذ أصدرت محكمة حلوان (جنوب القاهرة) حكماً بتغريمه لصالحها، وفق بيان أصدره، الأحد، المحامي ياسر قنطوش المستشار القانوني للفنانة المصرية.

وأصدرت «الدائرة الثالثة» بمحكمة تجاري كلي حلوان، حكمها في الدعوى رقم 159 لسنة 2025، المقامة من شيرين عبد الوهاب، ضد شقيقها محمد عبد الوهاب، والذي قضى بإلزام المدعى عليه بسداد مبلغ 120 ألف دولار، بالإضافة إلى الفوائد القانونية من تاريخ المطالبة وحتى السداد.

وحسب بيان قنطوش، فإن «شيرين عبد الوهاب نجحت في الحصول على حكم قضائي جديد يضاف إلى سلسلة انتصاراتها القانونية الأخيرة، بما يعكس قوة موقفها، وثبوت أحقيتها أمام القضاء».

وأكد قنطوش، في بيانه أن «هذا الحكم هو الثاني لصالح شيرين خلال أيام، حيث أصدرت محكمة جنح القاهرة الاقتصادية حكمها في واقعة الاستيلاء على الحسابات (السوشيالية)، الرسمية الخاصة بها، وقضت فيه بتغريم المتهم مبلغ 50 ألف جنيه، وإلزامه بسداد تعويض مدني قدره 20 ألف جنيه، بعد ثبوت تحقيقه أرباحاً غير مشروعة من تلك الحسابات.

شيرين عبد الوهاب تعرضت لأزمات متكررة في السنوات الأخيرة (حسابها على فيسبوك)

وسبق ذلك صدور حكم في القضية رقم 1548 لسنة 2026 جنح قسم المقطم، بحبس شقيقها محمد لمدة 6 أشهر، وإلزامه بدفع كفالة مالية قدرها 2000 جنيه على خلفية اتهامه بـ«التعدي عليها».

وتعليقاً على الأزمة الحالية بين شيرين عبد الوهاب وشقيقها، قال الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين، إن «مشكلة شيرين تكمن في ظهور كل تفاصيلها العائلية أمام الرأي العام»، موضحاً أن «حصولها على حقها القانوني يؤكد وجود مشكلة بالفعل تم إثباتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أصبحت علاقة شيرين بشقيقها هكذا، بعدما كان بجانبها طوال مسيرتها، ومن الذي جعل الخلاف بينهما يصل إلى هذه الدرجة؟».

وأضاف أحمد سعد الدين لـ«الشرق الأوسط»: «جمهور شيرين لم يعد يعي ما الذي يحدث في حياتها تحديداً، وهل هي على علم بكل ما يدور»، لافتاً إلى أن «المشكلات التي تحيط بشيرين أثرت بشكل كبير على حياتها ومشوارها المهني، ووجودها الفني على الساحة، إذ نطمح أن تعود لجمهورها، وتستعيد نشاطها بشكل مختلف وثقافة واسعة وأن يكون بجانبها من يهتم بشؤونها، فالموهبة وحدها لا تكفي».

وخلال السنوات الماضية انشغل الناس بحياة شيرين عبد الوهاب، وبتفاصيل علاقتها بالفنان حسام حبيب والتي شهدت فصولاً بين الزواج والطلاق، إلى جانب حرب التصريحات الإعلامية، والقضايا والخلافات العائلية والمهنية، التي جعلتها تتصدر «الترند»، مؤخراً.

وكان أحدث ظهور للفنانة شيرين عبد الوهاب برفقة ابنتها «هنا»، أول أيام «عيد الفطر»، بعد فترة كبيرة من الغياب، وشائعات تدور حول حالتها الصحية، ولفت ظهورها المفاجئ وهي تغني لابنتها أغنية «أكتر وأكتر»، الأنظار حينها، وفي الجانب الفني كانت الأغنية الوطنية «غالية علينا يا بلدنا»، من ألحان عمرو مصطفى، هي أحدث أعمال شيرين والتي طرحتها عبر «يوتيوب».


عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
TT

عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)

قال المؤلف والسيناريست المصري عمرو محمود ياسين إن مسلسله الرمضاني «وننسى اللي كان» تعرض لحملات تشويه دُفعت فيها أموال للإساءة للعمل ولبطلته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكداً في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل حقق نجاحاً لافتاً واحتل قائمة الأكثر مُشاهدة عبر منصة «شاهد»، مشدداً على أنه لم يُغَير نهاية العمل كما ردد البعض، وإنما كان هناك عيب فني في نسخة الحلقة الأخيرة تم اكتشافه قبل عرضها واستغرق وقتاً لحل المشكلة.

وقال ياسين إن «عصر المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى، وإن أعظم الأعمال في تاريخ الدراما لو عُرضت في هذا التوقيت لواجهت من يعيب فيها»، لافتاً إلى «أنه لم يحسم وبطلته ياسمين عبد العزيز مسألة العمل معاً في رمضان القادم بعد أن جمعتهما 4 مسلسلات».

ياسمين عبد العزيز وكريم فهمي في لقطة من العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وكشف عمرو محمود ياسين أنه لم يكن ينوي تقديم عمل رمضاني هذا العام بعدما واصل العمل منذ رمضان الماضي في مسلسل «وتقابل حبيب» ثم مسلسل «2 قهوة» الذي عُرض خارج الموسم الرمضاني، وكان لديه مسلسل آخر قصير يكتبه فشعر بحاجته للتوقف في رمضان هذا العام، لكن جاء قرار تقديم عمل رمضاني مع ياسمين عبد العزيز متأخراً في أغسطس (آب) الماضي، موضحاً أنه كان لديه قصة ينوي كتابتها لتكون فيلماً عن نجمة لديها معاناة شخصية تطلب من حارسها الشخصي تخليصها من حياتها، وأنه قام بتطويرها لتكون موضوع المسلسل.

لكن هذا المسلسل أدخله في معارك عديدة يقول عنها: «هناك معارك فُرضت علينا خارج الإطار الطبيعي للمهنة، فقد تعرضنا لحملات تشويه غرضها التقليل من قيمة العمل، ومن قيمة أبطاله، ومني شخصياً، وهناك أموال دُفعت لأجل ذلك واستطعت التأكد منها، ما جعله يتصدى لها عبر مواقع (السوشيال ميديا)»، مؤكداً أنه «ليس من هواة الاختفاء والتجاهل، بل يحب الرد على الناس والتفاهم معهم؛ لأن عدم الرد على بعض الأمور أحياناً يجعل الناس تصدق كثيراً من الأكاذيب».

ياسين مع مخرج العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وحول وجود أكثر من عمل عن الوسط الفني وعن رياضة الفنون القتالية التي يؤديها بطله كريم فهمي يقول ياسين: «هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، بل تكرر في أكثر من موسم رمضاني، لكنني لم أكن أعرف شيئاً عن مسلسل (اتنين غيرنا)، وعلمت من اسم مسلسل (على كلاي) أن بطله ملاكم، لكن فوجئت أن الملاكمة تحولت لنفس اللعبة (إم إم إيه)، ووجدت الفنان محمد إمام يقوم بها أيضاً في مسلسل (الكينج)، لكن لا أحد اطلع على سيناريو الآخر، بل هو توارد خواطر مائة في المائة، ويبقى أن كلاً منا يعمل بطريقته، وأن تفاصيل كل عمل مختلفة عن الآخر».

وعن تأجيل عرض الحلقة الأخيرة من المسلسل يقول ياسين: «من أغبى ما ردده البعض أننا قمنا بتأجيل الحلقة الأخيرة من أجل تغيير نهاية المسلسل؛ لأن البعض لا يدرك أن النهاية تكون محددة منذ البداية ومعروفة لفريق العمل الأساسي، وهي أن جليلة ستتزوج بدر وسيعود ليتفوق رياضياً وستدعمه في ذلك، وبناء عليه ستكون نهاية سعيدة، لكن كيف سنذهب لهذه التفصيلة، هذا ما أبني عليه الأحداث من البداية لأصل لتلك اللحظة بشكل مقنع، وما حدث من تأخير عرض الحلقة الأخيرة أننا اكتشفنا عيباً فنياً بها استغرق وقتاً لإصلاحه».

ويقول ياسين: «يبدو أن زمن المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى مع عصر (السوشيال ميديا) وتدخلها في سباق الدراما، فقد بات لها دور، جزء منه غير حقيقي ومدفوع الأجر عبر مقالات وفيديوهات وحملات تشويه لتغيير وجهة نظر الرأي العام، مما أفسد شكل المنافسة التي تتطلب أن يعمل كل فريق دوره ويترك الحكم للجمهور».

وأوضح أنه «لو كانت (السوشيال ميديا) موجودة زمان لقامت بتشويه أعظم الأعمال الدرامية بكل سهولة وبساطة، ورغم ذلك فهناك آراء أهتم بها من جمهور مواقع التواصل، حيث أثق بموضوعيتها، ولا تكون موجهة لصالحي أو ضدي».

ويؤكد ثقته في نجاح «وننسى اللي كان» قائلاً: «نجاح المسلسل مؤكد ومثبت من جهات عديدة، وأرقامنا على قناة (إم بي سي) ممتازة، من حيث حجم الإعلانات وحجم المشاهدة على القنوات، وقد تصدرنا طوال شهر رمضان الأعلى مشاهدة على منصة (شاهد) بين جميع مسلسلات الـ30 حلقة».

من كواليس «وننسى اللي كان» (حساب ياسين على فيسبوك)

ويصف عمرو محمود ياسين مسلسلات الـ30 حلقة بأنها «شغلانة كبيرة»، ويقول: «البعض يتكلم ويدلي برأيه دون معرفة أن هناك صعوبة خاصة حين يكون العمل به نجوم وحسابات إنتاجية وتجارية»، لافتاً إلى أنه ممن بدأوا «الخمس حلقات» والـ10 حلقات، وليس لديه مشكلة في الـ30 حلقة، «لكن من المهم أن نبدأ مبكراً حتى لا نتعرض جميعاً لصراع نفسي رهيب مع الزمن، فقد كنت أواصل العمل 72 ساعة متواصلة بلا نوم، لأكتب كتابات مرنة تناسب الظروف، وأتابع أكثر من وحدة تصوير، لذا أطالب الجهات المسؤولة بضرورة الاستقرار مبكراً لبدء التصوير في وقت مناسب».

وبعد 4 مسلسلات جمعت ياسين وياسمين، وهي «ونحب تاني ليه»، «اللي مالوش كبير»، و«تقابل حبيب»، و«ننسى اللي كان»، يقول إن «كل شيء وارد حيث لم يحسم بعد تعاونه المقبل معها»، مضيفاً: «أحب العمل مع ياسمين وبيننا علاقة قوية على المستوى الإنساني، وهي صديقة مقربة، ليس عندي قرار الآن ولم نجلس لنتحدث، فقد انشغل كل منا في الحصول على فترة راحة بعد إرهاق طويل».


«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.