المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

هناك من يترحم عليها وعلى أيامها (1 ـ 2)

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى
TT

المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى

من الطبيعي أن يحملنا اختفاء الجدل الثقافي اليوم على أن نذكر بالخير «المعارك الثقافية»، وأن يشعر البعض منا بالحنين إلى النصف الأول من القرن العشرين، وهي فترة الإحياء التي شهدت كثيراً من المعارك الأدبية والفكرية. نعود إليها بوصفها الأقرب زمنياً لنا، لكن المعارك موجودة على مدار التاريخ، وترتبط كثيراً بفترات الحراك السياسي، وما يتبعه من حراك ثقافي.
تشير كلمة «معركة» إلى وجود طرفين منخرطين في الحرب بإرادتيهما، لكن هناك الكثير من الأزمات اتخذت شكل الغارة والتجريدة المباغتة، ونستطيع من قراءة التاريخ أن نقول إن وصف «معركة» يكاد ينطبق على الجدل الأدبي دون غيره، وهي معارك فنية تنحصر نيرانها في نطاق النخبة ذاتها، بينما تأخذ الصراعات الفكرية شكل الغارة، ويندر أن تكون بريئة من المؤثرات غير الفكرية، كالحسد الشخصي والشعوبية والمذهبية، والعلاقة بالسلطة، وغالباً ما يمتد أثرها إلى المجتمع، بعكس الخلاف على شعرية أبي تمام أو البحتري والموازنة بينهما.
ولحد الآن لم نتبين أسباب محاكمة فيلسوف العقلانية، ابن رشد... هل كانت الأسباب في تغيير الوجهة الآيديولوجية للدولة من مناصرة العقل إلى مناصرة النقل؟ هل السبب آراؤه ضد الاستبداد؟ وما دخل الغيرة والخصومات الشخصية؟
هكذا، لا تكون هناك معركة في الفكر بقدر ما تكون هناك غارة لاصطياد مفكر، وتشهد بذلك غارات النصف الأول من القرن العشرين. وأعتذر مقدماً لأنني سأقصر أمثلتي هنا على الحالة المصرية، دون إنكار لما كانت عليه الساحات العربية الأخرى، وعلى كلٍّ، فقد كان التواصل الثقافي العربي عظيماً في ذلك الوقت، رغم صعوبة وسائل الاتصال، وكان أعلام العراق والشام حاضرين في قلب السجالات القاهرية.
من غارات بدايات القرن العشرين، التجريدة ضد منصور فهمي بسبب رسالته للدكتوراه في باريس تحت عنوان «حالة المرأة في التقاليد الإسلامية»، عام 1914، والهجوم على طه حسين في العام ذاته بسبب رسالته عن أبي العلاء المعري في جامعة القاهرة، وقد نجحت التحالفات في احتواء أثر غارة أبي العلاء قبل أن تستفحل، ثم كانت أزمة «الشعر الجاهلي - 1926» وقد صارت أكثر شهرة ووصلت إلى مستوى أخطر بسبب تغير التحالفات السياسية التي فاقمت من الأزمة لتصبح قضية دينية سياسية واختباراً لاستقلال الجامعة.

ابن رشد

وفي الإطار نفسه، يمكن أن ندرج قضية «الإسلام وأصول الحكم - 1925» لعلي عبد الرازق، وكان واضحاً أن الملك فؤاد الطامح إلى خلافة المسلمين وراء محاكمة هيئة كبار العلماء للشيخ واتهامه بسبع تهم، بينها الضلال وإنكار إجماع الصحابة. هذه كلها كانت غارات على الفكر والثقافة والأدب يتداخل فيها السياسي والديني، وآخر ما يهم فيها هو الفكر أو الدين.
بخصوص الأدب، كانت هناك حيوية شديدة ومعارك شهيرة وسجالات لا تنتهي إلا لتبدأ بين أعلام المحافظين من أمثال مصطفى صادق الرافعي، فريد وجدي، شكيب أرسلان، ورشيد رضا، في مقابل فريق المجددين من أمثال سلامة موسى ومحمد حسين هيكل وطه حسين والمازني وعباس محمود العقاد.
ولم يمنع الالتزام بمعسكر قيام معارك بين هذا وذاك من المنتمين للمعسكر الواحد، وكثيراً ما تحول المجدد في مرحلة ما إلى محافظ في مرحلة أخرى، ومثال على هذا تحول العقاد من اتهامه الإحيائيين، كالبارودي وشوقي بالجمود إلى أن يصبح عثرة في طريق الشعر الحر، وتصدي شعراء له، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم تحول حجازي بدوره إلى عقبة في طريق قصيدة النثر.
وإلى جوار هذا، كانت هناك معارك لا تبدو سليمة من الوجهة الأدبية؛ فمبدأ البيعة وتنصيب شاعر فوق الآخرين يبدو غريباً ومجافياً لطبيعة الإبداع الذي يسمح بالتعدد والتجاور. هناك مَن بايع ومَن امتنع، وعندما مات شوقي نشأت معركة توريث الإمارة بعد وفاته، وقد بدأها طه حسين بقوله إن الإمارة يجب أن تكون في بغداد، دون أن يحدد لأي من شاعريها الكبيرين الزهاوي أم الرصافي؟ ثم تراجع فشهد للعقاد بالجدارة!
وأخشى أن حنينا ومبالغتنا في أهمية تلك المعارك ترتكز في بعض دوافعها على سلفية أدبية لا واعية، مستعارة من آيديولوجيا «السلف الصالح» الدينية؛ فكل العدل والتقوى والشجاعة كان في زمن سابق، وهناك يقين بأن الثقافة تسير في طريق الاضمحلال جيلاً بعد جيل، ولا أمل في مخلِّص يظهر في النهاية لينقذ الأدب من الانهيار!
من المعتاد أن نقرأ بين وقت وآخر من يترحم على تلك المعارك وأيامها، ويصفها بالرقيّ في مقابل ما يراه إسفافاً ونميمة فارغة على صفحات التواصل الاجتماعي الآن. لكن من يعيد تصفح المعارك القديمة سيكتشف الكثير من الإسفاف والعنف والكثير من الغبار حول اللاشيء!
في معارك اللاشيء، يقف عباس محمود العقاد عابراً الأزمان بمعاركه التي لم تكن تنتهي، وكان له من الأدباء أتباع يؤمنون به إيمان العوام، وله من الخصوم مَن ينزعون عنه كل ميزة. لكنه بفضل هذه المعارك عاش في الوجدان الأدبي ندّاً لطه حسين، وكان هناك «الطحاسنة» و«العقاديون». هذه الندية بحد ذاتها دليل على تواضع الأحكام الأدبية والفكرية في ذلك الوقت؛ فالبون شاسع بين عصامي مجتهد يقرأ ويكتب بفطرته ويتعصب لرأيه فلا يرى وجهاً آخر غير الذي يراه من أي قضية، ومفكر مؤسس أكاديمياً لديه منهجه في البحث ويتأنى قبل الفصل في أي مسألة.
كانت عصامية العقاد ركيزة أساسية في تحديد صورته الشخصية في المجتمع الأدبي وفي وضع حدود لإنتاجه الفكري؛ كونه علَّم نفسه بنفسه منحه اعتداداً بالرأي وميلاً إلى الأحكام النهائية دون استعداد للتراجع أو رغبة في معرفة وجه آخر للموضوع الذي يتصدى له. إيمانه بذاته يقابله تهوين من شأن الآخرين، الأمر الذي جعله من أنجح الناس في اكتساب الأعداء؛ فوجد كثراً بادلوه عنفاً بعنف، وسلبوه كل ميزة، وفاتهم في التربص به وضع ما كتبه في ميزان التقييم المحايد.
في حملته على أحمد شوقي ورموز مدرسة الإحياء، جرَّد العقاد أمير الشعراء من أي ميزة، واعتبر شعره تقليداً ومحاكاة بلا روح، وهي الصفة التي سيمنحها مصطفى صادق الرافعي لشعر العقاد ذاته في كتاب نُشر مسلسلاً في مجلة «العصور» تحت عنوان «على السفود... نظرات في ديوان العقاد» وهو حفل شواء لشعر ولحم العقاد. يحلو للبعض الآن اعتبار «على السفود» مثالاً على صراحة المعارك الأدبية الراقية البعيدة عن ثرثرة «الفيسبوك»!
لم يكن العقاد خالياً من الحسد الشخصي في نقده لـ«أمير الشعراء»، وهو يرى نفسه الأحق بإمارة كل شيء، وكان قاسياً في سخريته من كتاب مصطفى صادق الرافعي «إعجاز القرآن»، بل اتهمه بالكذب والتزوير لرفع تقدير كتابه عند العامة، عندما نشر أنه تلقى رسالة خطية من سعد زغلول يشيد فيها بالكتاب. ولم يكن من الرافعي إلا أن ترك أزمة «إعجاز القرآن» تمر، ثم عاد لينتقم!
يُقدِّم الرافعي كتابه بمقال للعقاد نفسه يتكلم فيه عن فئة المتحذلقين، يصفهم بالمجرمين الذين يستحقون الحرق بالنار، وكأنه بتقديمه هذا العنف العقادي يبرر ما سيرتكبه ضده من العنف!
وفي المقال الأول، يبدأ بشرح معنى السفود: «الحديدة يُشوى بها اللحم ويسميها العامة السيخ»، مؤكداً أنه استعار تلك الكلمة في النقد «لأن بعض المغرورين من أدباء هذا الزمن قد تعدوا كل حد في الادعاء والغرور، ولا يصلح فيهم من النقد إلا ما ينتظمهم ويفترشهم ناراً كنار اللحم يُشوى».
ويبدأ نقده من إشارة على الغلاف: «أربعة مجلدات في مجلد واحد»، للتدليل على جهل العقاد بأسرار العربية، ما جعله يساوي بين الكتاب والسفر، وبين الجزء والمجلد، ثم يتربص بكل صورة في الديوان، يتناولها بكل تسخيف. لكنه لا يلزم نقد الشعر بل يتعدى إلى شخص العقاد، ويقطع بأنه لص يترجم أفكار الأجانب ويلخصها وكأنها من بنات أفكاره، ويشبهه باللقيط الذي يُلقى في الشارع فينشأ حاقداً على العالم «فهو يكره الوجود من أجل نفسه، ويكره نفسه من أجل الوجود»!
في كثير من معارك تلك الحقبة نلحظ روح مصارعات الديكة، لصالح الرواج الصحافي، حتى لو داست هذه المصارعات القيم وبذرت بذور العنف. يكتب إسماعيل أدهم افتتاحية «العصور» مبرراً احتضان مقالات «السفود»، فندرك من مقاله خصومة العقاد مع المجلة ورئيس تحريرها «ولقد أطلق علينا ذلك الأديب المفتون ألسنة من أعوانه حداداً، كان يلقّنهم ما يقولون». وفي تعريضه بالعقاد يكتب الرافعي: «ماذا كان يعمل في جريدة (البلاغ) ولماذا أُخرج منها؟ كانوا يحتاجون إلى سفيه أحمق يُسافه عنهم (…) فلم يروا أكفأ من العقاد وقاحةَ وجهٍ وبذاءةَ لسانٍ وموتَ ضمير».
كان الصراع شديداً على كسب القراء في صحافة الفترة الليبرالية في مصر، وهذا سبب لا يمكن إغفاله، وبعد حركة الضباط في يوليو (تموز) 1952، بدا المجتمع الثقافي منخرطاً وراء أهداف عامة، فخفت صوت المعارك الأدبية حتى قبل تأميم الصحافة في بداية ستينات القرن العشرين، إلا نار العقاد ظلت مشتعلة حتى وفاته عام 1964. وكانت المعارك تنشب عادة عقب نقد لأحد أعماله لا يعجبه، وكانت أسئلة المعارك مما لا يستحق الغضب، مثل معركته مع الأب أنستاس الكرملي صاحب مجلة «العراقية»، وسؤال: الشاعر بين الملكة الفلسفية والملكة الشعرية.
استمرت جماعته على إيمانها به حد التقديس، بينما لم يعدم الخصوم بين جيله والأجيال التالية، كان أبرزهم الناقد محمد مندور، وكان العقاد يسميه ساخراً «مندور داير ما يدور» و«الجاويش ببوليس النجدة» ويرد عليه مندور متلكفاً أدب الحوار، ملتزماً بتفنيد ما يثيره العقاد من زوبعات ضد المرأة والنقاد والشعر الجديد. يكتبان في جريدتين مملوكتين للدولة؛ العقاد في «الأخبار»، ومندور في «الجمهورية»، ولم يتورع العقاد عن الإشارة إلى شيوعية مندور، في نوع من التحريض ضده، ويرد مندور مترفعاً، لكنه قد قالها: «أستطيع التحريض ضدك لأنك تدافع عن الفردية ولست مع روح المجموع التي تحتضنها دولتنا وقيادتنا الرشيدة»!
غربال الزمن دقيق، وقد أسقط ما أسقط وأبقى ما أبقى من الكتابة بعيداً عن غبار المعارك، لكن حكم الزمن لم يسر على المعارك نفسها التي تتعاظم صورتها وتلمع من بعيد بسبب السلفية الأدبية التي ترى في القِدم بذاته ميزة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»