بيلا تار: «وفاة» الصورة التقليدية للسيناريو والحوار

المخرج المجري أثار دهشة جمهور مهرجان «القاهرة السينمائي»

المخرج أحمد عبد الله السيد يحاور المخرج بيلا تار (إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي)
المخرج أحمد عبد الله السيد يحاور المخرج بيلا تار (إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي)
TT

بيلا تار: «وفاة» الصورة التقليدية للسيناريو والحوار

المخرج أحمد عبد الله السيد يحاور المخرج بيلا تار (إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي)
المخرج أحمد عبد الله السيد يحاور المخرج بيلا تار (إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي)

أثار المخرج المجري الكبير، بيلا تار، دهشة جمهور مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عندما قال إن «السيناريو السينمائي ليس أمراً مفيداً، وإنه لا يملي حوارات على أبطال أفلامه»؛ مشيراً إلى «(وفاة) الصورة التقليدية للسيناريو والحوار».
وقال بيلا تار خلال «درس السينما» الذي قدمه مساء (الاثنين) بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة، إنه «لا يحب شكوى شباب السينمائيين، وعليهم أن يصنعوا تجاربهم دون التحجج بالتمويل».
حضر لقاء بيلا تار جمهور كبير من الشباب، وأدار اللقاء المخرج أحمد عبد الله السيد.
بيلا تار الذي كرمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي خلال دورته الـ44، لم يشأ الحضور للتكريم فقط؛ بل ليعطي «ماستر كلاس»، ويقيم ورشة لصناع الأفلام الشباب الذين اختارهم بنفسه من بين المئات الذين تقدموا لها، وجاء اختياره بناء على ما أنجزه كل منهم في مستهل خطواته.
بدأ بيلا تار الـ«ماستر كلاس» بنصيحه لجيل الشباب؛ مشيراً إلى «ضرورة أن يكون الشخص نفسه فقط، ولا يتعلق بأي شخص ناجح، فنجاحه يعتمد على ذاته وكفاحه فقط، وأنه يجب أن يكون شجاعاً لأقصى درجة ممكنة»، مضيفاً: «لا أحب شكوى الصغار، فكل منهم يعد مسؤولاً عن تحقيق ذاته. إذا كنت تريد أن تصنع فيلماً وليس معك تمويل، فاصنعه بهاتفك المحمول، وقم بعرضه على (الإنترنت)، اتبع إحساسك ولا تعتد بكلام الآخرين».
واستعاد المخرج المجري بدايته قائلاً: «بدأت حياتي كصانع أفلام في سن 22 عاماً، وكان لدي أستاذ أخبرته أنني أريد أن أصنع فيلماً، فقال لي إن أفضل شيء أن تصور فيلمك ولا تضيع وقتك في الدراسة، فكان فيلم (ماكبث). وكان البعض يطلب مني حذف بعض المشاهد، إلا أنني كنت أتمسك بها وأرفض ذلك الأمر، وبعد فترة عندما كنت ألتقيهم، كانوا يسألونني: هل أزلتها؟ فأقول: لا... ولهذا أنا أشعر بالشجاعة، كوني حاربت لأجل ما أريد».
علاقة المخرج بأبطال أفلامه الذين يحملون رسالته ويعدون أهم أدواته، تتأرجح من مخرج لآخر، ومن تجربة لأخرى؛ لكن بيلا تار يتبع معاملة خاصة مع أبطاله. وقال: «أتعامل مع الممثلين مثل أصدقائي وعائلتي، وأشتغل معهم كثيراً على الشخصيات، وأفضل تكوين ثقة متبادلة بينهم؛ لأنه من المهم أن يثق الممثل بي».
بيلا تار قال بشكل حاسم خلال اللقاء: «لا أحب الإسكريبت (السيناريو)»، ضارباً المثل بأنه «لو تم بناء السيناريو على ممثل طوله مترين، واستعنت كمخرج بممثل قصير وممتلئ؛ لكنه سيكون ملائماً للمشهد والأداء الذي أريده، فالحوار هنا يجب أن يكون مختلفاً عما جاء بالسيناريو، تماماً مثل الطبخ، فإذا لم تجد مكونات طبق معين تصنعه فستستخدم أي مكونات متاحة، لذا فـ(الإسكريبت) أمر غير مفيد بالمرة، كما أن الفيلم لا يعتمد على السيناريو والحوار المكتوب؛ بل على توجه الممثلين للمشاعر المطلوبة من خلال إخبارهم بالوقف الدرامي والإطار المقرر أن يتحركوا خلاله، إذ لا يمكن بناء الفيلم على النص».
هذا الأمر دفع الفنان المصري حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، لسؤال المخرج المجري حول كيفية تغيير السيناريو والحوار الذي يأتي له، وذلك على عكس طبيعة المخرجين الذين يرون عدم بدء التصوير دون وجود سيناريو وحوار كامل.
فأجابه بيلا تار: «الحوار تتم إدارته وفقاً لمشاعر الممثل حيال الموقف الذي أشرحه له، ومن الضروري أن يخرج الحوار من القلب، وهو أمر لن تحققه السيناريوهات. لا يمكن بناء الفيلم على النص. وأنا أعتذر لجميع كتاب السيناريو، ولكن عندما ترى عملاً فنياً، فعليك أن ترى أشخاصاً حقيقيين، بينما من يكتبون السيناريو يكتبون فقط ما يريدونه».
وأبدت الفنانة المصرية سلوى محمد علي دهشتها، متسائلة عن نوعية الممثلين الذين يتعاملون مع المخرج المجري، من دون وجود سيناريو وحوار واضح، ليجيبها قائلاً: «أنا أعمل مع الممثلين على أنهم بشر طبيعيون، وأخبرهم بالموقف فقط وأترك لهم رد الفعل، وهم يبنون الشخصية من خلال الدراما البشرية».
وأضاف: «لا يهمني إذا كان الممثل محترفاً أم لا، ما يهمني هو الشخصيات، ما هي حقيقتك وكيف تتعامل مع الأشياء، ولهذا لا أعطي سيناريو للممثلين؛ لأننا عندما نبني علاقة ناجحة معاً، فإنهم يعطونني ما أريد خلال التصوير». وتابع بأنه «شخصية هادئة في تعاملاته، وأحياناً لا يقوم بتوقيف الكاميرا عقب انتهاء المشاهد، لاستخراج اللحظات الصادقة من الممثلين».
وتحدث بيلا تار عن عنصر الموسيقى في أفلامه، بقوله: «الموسيقى في الأفلام مهمة جداً؛ لأنها من أهم خصائص العمل، ولهذا عملت مع عدد محدود من الموسيقيين خلال رحلتي المهنية، فهي من أهم الأشياء التي أقوم بالتحضير لها قبل بداية العمل على الفيلم».
وحول رأيه في الأفلام الأخرى. اعتذر المخرج المجري عن عدم الإجابة عن التساؤل، قائلاً: «لا أريد أن أحكم على صناع الأفلام، فلا يمكن أن أقول شيئاً عن زملائي في العمل، وعلينا جميعاً قبول الآخر».
يُذكر أن بيلا تار مخرج ومنتج ومؤلف، ويعد أحد أهم صانعي السينما في المجر، وُلد عام 1955، وتخرج في أكاديمية المسرح والسينما في بودابست عام 1981، وبدأ مسيرته المهنية المليئة بكثير من النجاحات في سن مبكرة، من خلال سلسلة أفلام وثائقية وروائية وُصفت بأنها «كوميديا سوداء». وصور أغلب أفلامه بتقنية الأبيض والأسود، واشتهر باستخدامه لقطات بطيئة مطولة، وقصصاً غامضة ذات نظرة تشاؤمية. ومن أهم أفلامه «Family Nest» عام 1979، و«The Prefab People» في 1982، و«The Turin Horse» عام 2011.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
TT

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)
من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى بعد معاودة التصعيد بين البلدين، وهو ما أرجعه مختصون إلى «اعتماد الاقتصاد المصري على مصادر دخل تتأثر بشدة بالاضطرابات الجيوسياسية».

وقبل نشوب الحرب الإيرانية نهاية فبراير (شباط) الماضي كان سعر الصرف نحو 47 جنيهاً لكل دولار أميركي، لكنه في ظل الحرب سجل مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً لكل دولار، ثم انخفض تحت 49 جنيهاً للدولار بالتدريج منذ قرار وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان) الماضي.

لكن بعد معاودة الهجمات المتبادلة بين طهران وواشنطن، بدأ الدولار رحلة الصعود من جديد أمام الجنيه الذي تداول في البنوك الأحد عند نحو 49.6 جنيه.

عضو «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب، محمد فؤاد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «السبب يعود بالأساس لكون مصر تعتمد على مصادر الاقتصاد الريعي التي تتكون من السياحة وتحويلات المصريين في الخارج وقناة السويس وتدفق الأموال الساخنة».

ويضيف أن «سعر الصرف في مصر مرتبط بالتدفقات النقدية دخولاً وخروجاً، وإذا تتبعنا السوق الثانوية لأدوات الدين والتدفقات النقدية فيها، سنلاحظ أنه بعد اندلاع الحرب الإيرانية في موجتها الأولى خرج ما يقرب من 15 مليار دولار من مصر فتراجع الجنيه أمام الدولار من حدود 48 جنيهاً إلى نحو 54 جنيهاً للدولار».

ويتابع بقوله: «مع وقف إطلاق النار وخلال الشهر الماضي تحسنت الأمور بدخول 8 مليارات دولار للبلاد، فعاد سعر الصرف إلى تحت 49 جنيهاً للدولار، ومع معاودة التصعيد بين إيران وأميركا حدثت موجات خروج أخرى للأموال الساخنة وبدأ الجنيه يتراجع من جديد».

وتجدر الإشارة إلى أن «الأموال الساخنة» هي رؤوس أموال أجنبية تدخل الأسواق المحلية للاستفادة من ظروف اقتصادية مؤقتة، كارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض قيمة العملة، وعلى «الرغم من أن هذه الأموال توفر تدفقات مالية سريعة وتحسناً ظاهرياً في المؤشرات الاقتصادية، فإنها تُعد مصدراً لعدم الاستقرار، إذ يميل أصحابها إلى سحبها فور ظهور أي مخاطر، أو توفر عوائد أعلى في أسواق أخرى»، وفق مراقبين.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

وبحسب خبراء، فإن الحكومة المصرية بدأت الاعتماد بشكل مكثف على «الأموال الساخنة» بعد تعويم الجنيه في عام 2016 حين اتجهت إلى تمويل عجز الموازنة من خلال إصدار أدوات الدين المحلي، مثل أذون الخزانة قصيرة الأجل (من 91 إلى 364 يوماً) والسندات التي تمتد آجالها حتى 30 عاماً مقابل فوائد مرتفعة.

وشهد عام 2022 أزمة عنيفة في مصر تمثلت في الخروج المفاجئ والسريع لـ«الأموال الساخنة» بعد انطلاق الحرب الروسية - الأوكرانية، ما تسبب في انخفاض صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى «البنك المركزي» من نحو 40.99 مليار دولار إلى مستويات 33.14 مليار دولار.

فؤاد أوضح أن «هناك عوامل أخرى مؤثرة وهي الانكشاف الطاقي الكبير، حيث ترتفع فاتورة الطاقة الشهرية خلال فصل الصيف لتناهز 3 مليارات دولار ما يضغط على ميزان المدفوعات».

ولفت إلى أن «ما يحدث حالياً هو عملية متكررة في الاقتصاد المصري منذ ما يقرب من 15 سنة، وما زاد من حدة الأمر وجعل هناك إحساس كبير بها حالياً، هو تحرير سعر الصرف، فأصبح كالترمومتر يقيس أي تغيرات أو تقلبات سياسية وحساسيات جيوسياسية سريعاً وبشكل لحظي».

وأقدم «البنك المركزي» في مارس (آذار) 2022 على رفع أسعار الفائدة والسماح للجنيه المصري بالانخفاض مقابل الدولار لتخفيف الضغوط التضخمية.

الخبير المصرفي، طارق إسماعيل، يقول إن «مصر تعلمت من أزمة 2022 حينما قيمت الجنيه بأكبر من قيمته، فساهم ذلك في خروج نحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة بسعر صرف أقل من قيمة الجنيه، ما زاد من نزيف الاقتصاد بشكل كبير».

ويوضح: «لو تم تقييم سعر الصرف بـ30 جنيه للدولار، وهو ما تم بعدها بأسابيع، لكانت خسائر مصر وقتها 11 وليس 22 مليار دولار، وهو ما دفع بعد ذلك لتحرير سعر الصرف».

مقر «البنك المركزي» المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويضيف إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاقتصاد المصري يعاني مشاكل تجعله أكثر حساسية لمثل تلك الاضطرابات بسبب فاتورة الاستيراد، والمصادر الدولارية التي تتأثر بالأحداث بشكل مباشر».

ويتابع: «قناة السويس تتأثر بأي اضطرابات في حركة التجارة العالمية، والسياحة تهرب فوراً إلى أوروبا أو مناطق خارج إطار الأزمات، وتحويلات المصريين بالخارج تتأثر حسب رواتب المغتربين، والأموال الساخنة تبحث عن أكبر ربح ممكن دون النظر لتأثير خروجها المفاجئ على اقتصاديات الدول».

ويقول الخبير المصرفي: «كما تواجه مصر ضغوطاً دائمة مع التزامات بعملة أجنبية لسداد أقساط القروض، حيث لم تتخلف القاهرة عن سداد أي منها».

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي ليسجل 163.9 مليار دولار مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات «البنك المركزي» المصري.

مواطنون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024 أكد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي «التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية»، مشيراً حينها إلى تسديد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

ويشير المراقبون إلى أن «البنك المركزي في محاولة منه للتخفيف من الأزمات الناتجة عن تسديد الديون والخروج المفاجئ للأموال الساخنة، أصبح يعتمد على نهج التحوط بالمرونة، أي ترك السوق تتعامل وفق المتغيرات الجيوسياسية، لكن في إطار منضبط يقلل تكلفة خروج الأموال الساخنة، ويحافظ على تدفقات موارد النقد الأجنبي في الوقت ذاته».


توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
TT

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)
من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)

تواصلت الاشتباكات المسلحة والتوترات الأمنية في مدينة الزاوية، غرب العاصمة طرابلس، عقب مقتل أربعة أشخاص، مساء السبت، جراء استهداف سيارتهم بوابل من الرصاص، ما دفع أهالي الضحايا إلى إغلاق بعض الشوارع وإشعال النيران في الطريق الساحلي بالمدينة.

وقالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان»، في بيان لها، مساء السبت، إنها وثّقت واقعة مقتل أربعة أشخاص بالقرب من «جامعة الزاوية»، إثر تعرض سيارتهم لوابل من الرصاص أطلقه مسلحون خارجون عن القانون، مما أدى إلى اشتعال النيران في المركبة بالكامل.

وفقاً للمعلومات المتداولة، فقد تم التعرف على أسماء ثلاثة من الضحايا، فيما لم تُعرف هوية الضحية الرابعة بعد، وسط مطالبة سكان المدينة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إخلائها من التشكيلات المسلحة.

ورصدت وسائل إعلام محلية مشاهد من أجواء التوتر الأمني الجاري وسط غضب شعبي متصاعد ضد الجماعات المسلحة، حيث أغلق أهالي القتلى جنوب المدينة الطرق، وأشعلوا الإطارات في الطريق الساحلي.

وطالبت «المؤسسة الوطنية»، النائب العام والأجهزة الأمنية، بفتح تحقيق شامل في ملابسات الواقعة، وتكثيف جهود البحث والتحري لضبط المتورطين، كما أعربت عن قلقها حيال تصاعد معدلات جرائم القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف، والاعتقال التعسفي، وعزت ذلك إلى «الفوضى الأمنية وغياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية في ضمان سلامة المواطنين».

مدخل مدينة الزاوية (صفحات معبرة عن الزاوية)

والتقى عضو «المجلس الرئاسي»، موسى الكوني، الأحد، بعضاً من أعيان ومشايخ مدينة الزاوية الكبرى، وأفاد مكتبه بأن الحاضرين «أكدوا دعمهم الكامل للمواقف الوطنية للسيد موسى الكوني، والهادفة إلى حماية الوطن من الانقسامات والتحديات التي تستهدف وحدته، والمحافظة على مؤسساته السيادية»، مؤكدين أن «أي انقسام يطول هذه المؤسسات ستكون له انعكاسات خطيرة على وحدة ليبيا واستقرارها».

من جانبه، ثمّن الكوني «الروح الوطنية» التي أبداها بعض من أعيان ومشايخ الزاوية الكبرى، مؤكداً أن «المرحلة الراهنة تتطلب تضافر جهود جميع الليبيين والوقوف صفاً واحداً في مواجهة أي محاولات تستهدف تعميق الانقسام، والعمل على توحيد المواقف الوطنية وجمع الأطراف السياسية، بما يسهم في الوصول بليبيا إلى بر الأمان وتحقيق الاستقرار المنشود».

وتعد الزاوية، التي تقع على بعد نحو 42 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، من أبرز مدن المنطقة الغربية، وتضم ثاني أكبر مصفاة نفطية في ليبيا، وميناء تجارياً، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي على طرق الاتصال بين طرابلس والحدود التونسية، ما يجعلها هدفاً رئيسياً للمجموعات المسلحة التي تسعى للسيطرة على الموارد النفطية وطرق التهريب والنفوذ الاقتصادي.

وتشهد المدينة صراعاً متكرراً بين تشكيلات مسلحة متنافسة للسيطرة على مناطق النفوذ في غرب البلاد، بما في ذلك جولات عنف خلال الأشهر الماضية، أسفرت عن سقوط قتلى مدنيين وإغلاق مؤقت للمصفاة، وسط تحذيرات متكررة من البعثة الأممية من خطر انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى، في وقت يطالب ناشطون محليون بتدخل عاجل لوقف الاقتتال، الذي يعوق أي تقدم نحو الاستقرار أو إجراء الانتخابات في ليبيا.

وحسب وسائل إعلام محلية، فقد ارتفع عدد ضحايا جرائم القتل في المدينة إلى 62 قتيلاً منذ مطلع العام الحالي، كمؤشر على حالة الانفلات الأمني وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة.


ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
TT

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

احتضنت مدينة سرت الليبية لقاءً هو الثاني من نوعه بين أطراف عسكرية متنافسة، في خطوة عدّها سياسيون ومحللون ليبيون جزءاً من جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.

واجتمع الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، الأحد، للمرة الأولى في مدينة سرت.

خالد حفتر مستقبلاً النمروش في سرت الأحد (من مقطع فيديو نشره مقربون من القيادة العامة بشرق ليبيا)

ووصل النمروش إلى سرت على رأس وفد عسكري؛ حيث عقد لقاءً يُنظر إليه بوصفه خطوة تُعزز الآمال في توحيد المؤسسة العسكرية وتقريب وجهات النظر بين طرفي شرق ليبيا وغربها.

ورحّب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بلقاء خالد حفتر والنمروش في سرت، التي وصفها بأنها «مدينة الوطن الجامعة». وضم الاجتماع عدداً من القيادات العسكرية الليبية، من بينهم الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي، بحضور أعضاء لجنتي: العسكرية المشتركة «5+5» و«3+3»، وبمشاركة البعثة الأممية.

وأشاد صدام حفتر، في منشور عبر حساب شخصي منسوب إليه على «فيسبوك»، بـ«الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، وما عكسته من روح المسؤولية الوطنية، والحرص الصادق على تغليب المصلحة العليا للوطن».

وقال إن اللقاء يأتي «في سياق المساعي الوطنية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام، بدعم من الشركاء الدوليين».

كما ثمّن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بما في ذلك القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى جانب البعثة الأممية، في مساندة المساعي الهادفة إلى بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة ومهنية، بما يُعزز أمن ليبيا واستقرارها، ويحفظ سيادتها ووحدة أراضيها».

قوات «كتيبة السلام» التابعة لـ«الجيش الوطني» خلال انتشار في جنوب شرقي ليبيا (الجيش الليبي)

وأكد أن «توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية يُمثل هدفاً أساسياً لحماية الوطن وصون سيادته». وأضاف: «سنواصل العمل بكل جدية ومسؤولية من أجل بناء مؤسسات قوية وفاعلة، وحماية أراضي ليبيا وحدودها، وترسيخ وحدة الصف الوطني، وصولاً إلى جيش ليبي موحد وقادر على أداء مهامه في الدفاع عن الوطن والمواطن».

ويأتي اجتماع خالد حفتر والنمروش في ظل تحركات دبلوماسية وعسكرية أميركية تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، وفق مبادرة يرعاها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وسبق أن تقاتل «الجيش الوطني» مع «قوات غرب ليبيا»، في حرب دامت نحو 13 شهراً، وانتهت على الأبواب الجنوبية لطرابلس، قبل أن تتراجع قوات الجيش إلى محور سرت-الجفرة، خارج الحدود الإدارية للعاصمة في منتصف 2020.

واحتفى سياسيون ليبيون ونشطاء ومدوّنون بلقاء خالد حفتر والنمروش، عادين أنه «خطوة جيدة تحمل دلالات قوية» من شأنها تعزيز فرص توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، مشيرين إلى أهمية الانتقال «من مرحلة الجفاء إلى لغة الحوار البنّاء، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية».

ووصف المحلل السياسي عمر بو أسعيدة لقاء خالد حفتر والنمروش في سرت بأنه «خطوة قيادية كبرى نحو تنسيق عسكري موحد يحمي سيادة ليبيا واستقرارها».

وتقع سرت على بُعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة تقريباً بينها وبين بنغازي، وهي مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2015، واتخذها أحد أبرز معاقله في شمال أفريقيا.

وكان مصدر عسكري قد تحدث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة الماضي، عن لقاءات عسكرية تستضيفها سرت هذا الأسبوع، من بينها اجتماع خالد والنمروش، متوقعاً لقاءً آخر يجمع قريباً صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة».

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)

وكان اللقاء الأول الذي احتضنته سرت قد جمع صدام والزوبي على هامش تمرين «فلينتلوك 2026» في 14 أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة غير مسبوقة لاقت تفاعلاً واسعًا بين الليبيين، الذين عدّوها «بداية محتملة» نحو توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

كما التقى صدام والزوبي مرة ثانية في مايو (أيار)، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية.

وتضم سرت مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، ما يُفسر عقد لقاءات عسكرية بين طرفي شرق ليبيا وغربها في المدينة، التي تتمركز قوات لـ«الجيش الوطني» في محيطها منذ تراجعها عن دخول العاصمة طرابلس في يونيو (حزيران) 2020.

وأثار ظهور النمروش وخالد حفتر معًا في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة، الذي عُقد في الثاني من الشهر الحالي بالعاصمة الأنغولية لواندا، واجتماعهما مع قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، تكهنات بشأن الدفع بالجهود الأميركية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وإبان «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، كانت سرت آخر مدينة شهدت معركة حاسمة بين «كتائب القذافي» وقوات المعارضة، وفيها كُتبت النهاية الدامية للقذافي في أكتوبر (تشرين الأول) 2011؛ حيث قُتل في ضواحيها، ما تسبّب في تعرض أجزاء كبيرة منها لدمار واسع خلال المعارك، لكنها بدأت راهناً «تنهض عمرانياً»، وفق ما تعكسه الحكومة وأطياف مختلفة من سكانها.