بينالي الفنون الإسلامية في السعودية... مخطوطات نادرة وفن معاصر

الباحثة أمنية عبد البر: «البينالي يبرز المجهودات في مجال حفظ التراث والثقافة»

فريق القيمين على بينالي الفنون الإسلامية بجدة
فريق القيمين على بينالي الفنون الإسلامية بجدة
TT

بينالي الفنون الإسلامية في السعودية... مخطوطات نادرة وفن معاصر

فريق القيمين على بينالي الفنون الإسلامية بجدة
فريق القيمين على بينالي الفنون الإسلامية بجدة

الحديث مع الباحثة في متحف فيكتوريا آند ألبرت الدكتورة أمنية عبد البر ممتد وشائق ومتفرع، الفن الإسلامي شاغلها الأول، تتحدث بعشق واضح للآثار الإسلامية، والمملوكية تحديداً وهي مجال تخصصها. نتحدث عن دورها بوصفها واحدة من القيمين على بينالي الفنون الإسلامية في جدة العام المقبل، وتأخذنا معها في رحلة ممتعة نمر من خلالها على الكثير والكثير من روائع المخطوطات النادرة ومصحف السلطان قايتباي الشهير. تتحدث عن الشمعدانات المملوكية، والمحمل المصري، وأيضًا لا ننسى الصور الفوتوغرافية الأولى التي التقطت للحرمين الشريفين. تفاصيل وتفاصيل... كلها ممتعة تقفز إلى الذهن لتفتح أبواباً من التاريخ الإسلامي العريق وفنونه، قديمها وحديثها.

د. أمنية عبد البر

ما حققته المؤسسات السعودية
ننطلق من نقطة البداية، والبدايات دائماً محفزة وحبلى بالآمال والتصورات والخطط أيضاً، تقول إن أول ما خطر ببالها عندما طلب منها المشاركة في الإشراف الفني على أول بينالي للفنون الإسلامية، كان رؤية المزيد من المقتنيات النادرة التي تضمها المؤسسات السعودية التي لم يسنح لها رؤيتها من قبل: «سمعنا عنها كثيراً ولم نرها». ترى أن البينالي يحمل جانباً مهماً وهو إبراز المجهودات الحادثة في السعودية في مجال حفظ التراث والثقافة «بهرني اكتشاف ومطالعة الكثير من القطع التي تم الحفاظ عليها، خصوصاً المخطوطات التي كانت موجودة في الحرم النبوي والشمعدانات والستائر النادرة جداً. بالنسبة لي كباحثة مهتمة بالجانب التاريخي أرى أن مشاركتي في تنسيق البينالي تتركز في عرض المجموعات النادرة الموجودة في السعودية للجمهور». لا تنسى أن تشيد بجهود العاملين في مجال التراث والذين عملوا لسنوات للحفاظ على نوادر المخطوطات والقطع القيمة مثل الدكتور سعد الراشد: «قصص الكفاح والنجاح تعطي شخصاً مثلي الكثير من الأمل، هذا أمر مهم جداً بالنسبة لي شخصياً في وقت نرى فيه أن تراثنا في العالم العربي مهدد مثل ما حدث في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة عام 2014، أو المتحف العراقي الذي نهب بالكامل، والموصل، وما حدث لمتاحف سوريا، هذا غير ما يحدث للنسيج العمراني المتميز للمدن العربية، أما القدس فتلك حكاية أخرى!».
يأخذني الحديث لسؤالي التالي: «هل سيكون عملها في البينالي متعلقاً بالمخطوطات أم سيشمل أعمالاً فنية معاصرة؟ تقول إنها تعمل مع ستة فنانين معاصرين يعدون أعمالاً خاصة للعرض في البينالي، وهم: ريم الفيصل وعادل القريشي وعبد الرحمن الشاهد من السعودية، ومعتز نصر وهدى لطفي من مصر، وفرح بهبهاني من الكويت.

مصحف السلطان قايتباي بيع في دار كريستيز عام 2019 (كريستيز)

حكاية التصوير الفوتوغرافي
تتحدث عن التصوير الفوتوغرافي وأهمية عرض الصور القديمة إلى جانب الصور الحديثة التي تدور حول الحج والحرمين الشريفين. من أعمال المصورة السعودية ريم الفيصل سيعرض البينالي مجموعتها «لحظة وصول» التي تابعت فيها عدسة الفيصل وصول الحجيج لميناء جدة الإسلامي، «وجوه الحجاج في هذه الصور تتحدث ببلاغة أكثر من الكلمات» تعلق عبد البر. تتحدث بإعجاب عن الفيصل التي كافحت لتحفر لها مكاناً كمصورة سعودية من الطراز الأول، وتتمنى أن تكون هناك ندوة مخصصة للتصوير الفوتوغرافي المعاصر في السعودية خلال دورة البينالي.

مفتاح الكعبة الموجود بمتحف اللوفر (اللوفر)

«الفن الفوتوغرافي وارتباطه بالسعودية قصة كبيرة»، تعبر عبد البر عن إعجاب عميق بأوائل المصورين الفوتوغرافيين الذين سجلوا بعدساتهم أولى لقطات للحرمين الشريفين، وتقول: «المعروف أن محمد صادق بيه، مصور وعسكري مصري هو أول من التقط صوراً للحرمين، حيث زار الحجاز للمرة الأولى في عام 1861 ضمن بعثة الحج الرسمية، وعاد مرة أخرى في عام 1880، حيث التقط صورة بانورامية للحرم المكي وأول صورة للحرم المدني. تؤكد أن عملية التصوير في ذلك الزمن كانت أمراً صعباً؛ نظراً لحجم الآلات المستخدمة، «الموضوع كان صعباً، وكان من الممكن أن يعرض حياة الناس للخطر، وفكرة التصوير كانت مثيرة للجدل، ولكن بما أن صادق بيه كان مع البعثة الرسمية فقد استطاع أن يصور دون مضايقات. الآن الأمر أصبح تلقائياً مع تطور الهواتف الجوالة. هناك أجيال من المصورين السعوديين الذين التقطوا الصور للحرمين، وعبر العرض نرى الأماكن المقدسة والتغيرات التي حدثت فيها على مدى 100 عام، فالصور توثق لتاريخ المكان، وللذاكرة».

ملصق بينالي الفنون  الإسلامية بجدة

من النقاط المهمة من محطات الحديث، نتوقف عند فكرة أن كثيرين قد لا يلاحظون التفاصيل الفنية والجمالية لمكان يرتادونه بغرض العبادة، «هي نقطة مهمة لنا في البينالي، يجب أن نفكر بأن المسلمين عندما يزورون الأماكن المقدسة يذهبون بدافع العبادة، وبالتالي فقد لا يرون كل المعالم حولهم ولا يفكرون بالتوقف لتفحص التفاصيل»، أشير لها عند هذه النقطة لمجموعة الصور التي التقطها المصور السعودي عادل القريشي، وضمها في كتابه «الأغوات»، حيث أظهر تفاصيل جمالية في عمارة وزينة الحرم النبوي قد لا يلتفت لها الناس. تشير إلى أن هذا هو الهدف من إدراج صورة مجسمة لجدار القبلة في المسجد النبوي في العرض: «أريد أن يستمتع الناس بجمال الخط العربي بيد الخطاط عبد الله الزهدي النابلسي الذي قضى ثلاثة أعوام في كتابتها في الحرم من عام 1854م، وأن يروا جمال الخزف الإزنيقي في الحائط والمحراب، وهي تفاصيل قد لا يراها الزوار للروضة الشريفة بحكم المساحة وضيق الوقت، فنحن سنعرض جزءاً من الجدار في المدينة بأمل أن ندفع الزوارَ للتمعن فيها عند عودتهم لزيارة الحرم».
الحرف وأصحابها
الحديث عن الفنون الإسلامية دائماً يفضي للحديث عن الحرف وأهمية الحفاظ عليها، وهو أمر تؤكد عبد البر أهميته، وهو أيضاً ما يفضي بنا للحديث عن باقي الفنانين الذين تعمل معهم، تقول: «أغلب الفنانين الذين أعمل معهم مرتبطون بالحرف الموجودة في الفن والعمارة الإسلامية مثل الخشب والنسيج والخط والتصوير». تضرب المثل بالفنانة هدى لطفي التي «تعمل مع آخر الحرفيين العاملين في مجال الكسوة الشريفة وهي حرفة ورثها عن جده الذي تولى إدارة دار الكسوة في مصر في العشرينات».
الفنانة الكويتية فرح بهبهاني عرفت باستخدام الخط الكوفي في أعمالها، وهي حرفة تستثمرها في عملها للبينالي، وهو بحسب عبد البر يعتمد على «بيت شعر من نهج البردة لأحمد شوقي يحتفي بمولد الرسول، وبما أن فرح تتميز باستخدام الخط العربي والتطريز فستطور عملها باستخدام الحرفتين». الخط العربي يظهر أيضاً في عمل الفنان السعودي عبد الرحمن الشاهد «هو من مكة، ودرس الخط العربي في الحرم، وبعدها سافر لعواصم كثيرة في العالم الإسلامي لصقل مهارته الحرفية».
لا يبتعد عمل الفنان المصري معتز نصر عن الحرف التراثية، وبحسب الخبيرة فهو يقوم بتكوين عمل من الخشب يستوحي فيه التصميم الهندسي لأبواب الحرم في التوسعة الجديدة، ليعبر بطريقته عن الروحانية والارتقاء.


شمعدان من العصر المملوكي (سوذبيز)

قطع مستعارة
الفن المعاصر استقى أصوله وأفكاره، وحتى مهاراته الحرفية، من سجل تاريخي يحفل بالإبداع، وتوجد نماذجه في معظم متاحف العالم الكبرى، ويعمل القيمون على البينالي على استعارة بعض تلك القطع لعرضها على الجمهور. تقول عبد البر: «طلبنا من متحف برلين ومتحف بيناكي في أثينا ومتحف اللوفر بباريس ومتحف الفن الإسلامي بالقاهرة وغيرها، بعض القطع النادرة»، مثل نسخ من مفتاح الكعبة من اللوفر ومن القاهرة.
غير أن المؤسسات السعودية تحفل بقطع تمثل مراحل من التاريخ الإسلامي، تعود عبد البر للحديث عما تضمه تلك المؤسسات والمجموعات من قطع فنية مهمة ومتفردة، مثل مصحف أهداه السلطان المملوكي قايتباي للمدرسة الأشرفية في مكة، وشمعدانات كان مهداة للحجرة النبوية من السلطان قايتباي، هناك أيضاً المنسوجات والستائر التي صنعت وأهديت للحجرة الشريفة في الحرم النبوي أو للكعبة الشريفة.
عبر حديثها نترك الخيال سارحاً لتصور المعروضات التي ستسافر من أماكن مختلفة لتحط الرحال في جدة، تماماً مثلما سافر صانعوها والحجاج من قبل من أنحاء العالم ليصلوا إلى جدة بوابة الحرمين، تقول إن العدد ليس كبيراً، ولكن ما يهم هو المعلومة: «نحاول ألا نثقل على الزوار، نحاول أن نعطيهم المعلومة لتنمية شغف المعرفة بالمزيد».

المكان والذاكرة
لعبد البر تصور عن كل قطعة وكل ركن في مبنى قديم، ترى فيها ارتباطاً وثيقا مع كل إنسان مر عليها أو لمسها، تصبح القطع بمثابة مخازن للذكريات: «القطع تتجاوز وصفها كقطع أثرية وفنية إسلامية، لها قيمة تتجاوز الحرفة والوقت، هي قيمة المكان والاستخدام. على سبيل المثال ننظر لمصحف ونتخيل كم الأشخاص الذين جلسوا لقراءته في الروضة الشريفة أو مثلاً ننظر لشمعدان أنار الليالي للمصلين والعاكفين. تأخذ تلك القطع من كل هؤلاء الأشخاص قيمة وذاكرة وطاقة إيجابية».
تستطرد: «ليست قطعاً جميلة للعرض فقط، بل كانت لها حياة أخرى، كانت موجودة في أحد أهم الأماكن في العالم، لها قيمة معنوية كبيرة جداً، هنا يختلف الأمر ويأخذ أبعاداً مختلفة، أرى أن هذا هو الاختلاف بين البينالي وأي معرض آخر، لدينا مخطوطات في كل مكان، ولكن بالنسبة لي أنا شخصياً لا تعدل مخطوطة قرأها أحد الأشخاص في الروضة أو في الحجرة الشريفة أحس بجمالها وقيمتها وطاقتها. هناك طاقات مختلفة حلت بالمكان، ولهذا نحب المدن القديمة، مثل القاهرة القديمة أو دمشق وحلب».
ترى أن النظر للقطع بوصفها حاوية للذاكرة والمكان يغير من مفهوم العرض: «لدينا قطع تحمل قصصاً كثيرة لمكة والمدينة على مدى أكثر من 1400 عام، ولهذا أقول إن التاريخ الإسلامي له قوة تكمن في التنوع الكبير جداً، هو مرتبط بمكان ولكن أيضاً المكان نفسه له علاقات مع أناس في مختلف أنحاء العالم، وبالتالي ذلك يخلق حالة من الثراء الشديد».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».


مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

أعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام» عودة «ماسبيرو» إلى الإنتاج «الدرامي التاريخي» مجدداً. وفي بيان صحافي، الاثنين، أفاد الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة، بأن «قطاع الإنتاج» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

وأوضح المسلماني في بيانه أن «ماسبيرو» يعود تدريجياً إلى سوق الدراما في ظل تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، لافتاً إلى أن «التركيز سيكون على الملفات ذات القيمة الفكرية والثقافية والتاريخية، إلى جانب تضمين الدراما الاجتماعية منظومة القيم والمبادئ الوطنية».

ورحّب نقاد فنيون مصريون بهذه العودة، من بينهم حنان شومان، التي أوضحت أن الحكم على المضمون سيكون بعد مشاهدته فعلياً.

أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (حساب الهيئة على فيسبوك)

وأضافت حنان شومان لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن «فكرة العودة إلى الإنتاج لا تتمحور حول الإعلان بقدر ما ترتبط بمستوى العمل وكيفية تقديمه»، لافتة إلى أن «الإنتاج السخي هو العامل الأول والأساس في خروج أي عمل بشكل جاذب للجمهور، على عكس الميزانيات الضعيفة».

ونوّهت حنان إلى أن امتلاك «قطاع الإنتاج» سابقاً، خلال مسيرته الحافلة بالروائع الفنية، لأدوات قوة، أبرزها الميزانيات الضخمة، والقدرة على استقطاب النجوم والكتّاب والمخرجين وسائر صُنّاع العمل، إضافة إلى العرض على التلفزيون الرسمي؛ يجعل المنافسة في ظل المتغيرات الجديدة أمراً صعباً، خصوصاً مع تنوع جهات الإنتاج، واختيار الفنان للجهة التي تحقق له طموحه الفني والمادي.

وعن جاذبية الأعمال التاريخية ومدى إقبال الجمهور عليها راهناً، أكدت شومان أن «محتوى العمل ومعالجته الدرامية، لا اسم الشخصية، هما الفيصل؛ سواء كانت الشخصية تاريخية أم لا، لأن جودة المضمون هي التي تحدد حجم الإقبال الجماهيري، ومدى تحقيق أهداف الصناعة، واستمرار حركة الإنتاج الفني».

وعاش الإمام السيوطي في القرن الـ15، قبل نحو 500 عام، حيث وُلد في القاهرة لعائلة من أسيوط، وله مئات المؤلفات والرسائل ذات المكانة الرفيعة في العلوم الإسلامية. وقد حفظ «القرآن الكريم» في سن مبكرة، ومن ثَمّ اتجه إلى حفظ المتون وطلب مختلف العلوم، منها الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، واللغة، مما جعله موسوعة في العلوم الشرعية والعربية.

وحسب بيان «الوطنية للإعلام»، فإن مسلسل «دعاة الحق»، الذي عُرض قبل أكثر من 20 عاماً، تناول عدداً من الشخصيات الإسلامية، من بينها شخصية «السيوطي» عبر حلقتين فقط، ولم يُنتج مسلسل مستقل عنه.

«ماسبيرو» يُقرر إنتاج مسلسل عن الإمام المصري جلال الدين السيوطي (الهيئة الوطنية للإعلام)

ولفتت الهيئة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد، في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بسيرة الإمام السيوطي العلمية التي جعلت أعماله باقية وحاضرة بعد 500 عام، مؤكداً «أهمية الاقتداء به بوصفه نموذجاً يُحتذى».

وقبل المسلسل الرمضاني الذي سيتناول سيرة الإمام السيوطي، أعلن «ماسبيرو»، قبل أشهر عدَّة، عودته إلى الإنتاج الدرامي بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، عبر مسلسل «حق ضايع» المكوّن من 15 حلقة، بإنتاج مشترك مع شركة «إكسيليفون فيلم» للمنتج عوض ماهر، وبطولة أحمد صلاح حسني، ونسرين أمين، ولوسي، ونضال الشافعي، ورنا سماحة، ومن تأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج محمد عبد الخالق. لكن التصوير توقف، وتقرر تأجيل عرض المسلسل في موسم رمضان الماضي.

وقدّمت الدراما المصرية خلال السنوات الماضية عدداً محدوداً جداً من المسلسلات التاريخية، من بينها «الحشاشين» لكريم عبد العزيز، الذي حقق نسب مشاهدة كبيرة وأثار جدلاً واسعاً وقت عرضه، وكذلك «رسالة الإمام» عن حياة الإمام محمد الشافعي، وهو من بطولة الفنان خالد النبوي.


«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثّلاً السعودية في مسابقة الأفلام العربية ضمن الدورة الـ12 من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، التي تنطلق في 27 أبريل (نيسان) الحالي. وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر» خلال دورته الخامسة العام الماضي، ويُعد عرضه في الإسكندرية أول عرض له في القارة الأفريقية.

صُوِّر الفيلم في مدينة الرياض، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الشاب سعيد، الذي يبدأ يومه المليء بالفوضى؛ إذ يستيقظ متأخراً ويتغيب عن اجتماعاته، ثم يتناول إفطاره ويغادر متجهاً إلى عمله. وبعد أن يذكّره نادلٌ متجهم بالصلاة، يعود ليجد حذاءه قد سُرق، ليبدأ رحلة بحث عنه تتخللها مطاردات مضحكة وغير متوقعة. الفيلم من بطولة الممثل السعودي عبد الحميد العمير، ومن تأليف وإخراج محمد الزوعري، الذي بدأ مسيرته في مجال الإعلانات، ثم اتجه إلى الدراما حيث كتب وأخرج مسلسل «كروموسوم». ويُعد «يوم سعيد» أول أفلامه الروائية القصيرة.

وتشهد مسابقة الأفلام العربية في المهرجان مشاركة 7 أفلام أخرى إلى جانب الفيلم السعودي، من بينها الفيلم التونسي «المسمار» للمخرج رائد بوسريح، والقطري «ارحل لتبقى الذكرى» للمخرج علي الهاجري، والمصري «ديك البلد» للمخرجة ناتالي ممدوح، والأردني «ثورة غضب» للمخرجة عائشة شحالتوغ، والفلسطيني «سينما حبي» لإبراهيم حنضل ووسام الجعفري، إلى جانب الفيلم المصري - الإماراتي «أغداً ألقاك» للمخرج مؤمن ياسر، والفيلم اللبناني «كبّ القهوة خير» للمخرج إليو طرابيه.

ملصق فيلم «يوم سعيد» (إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

في حين تشهد مسابقة الفيلم الروائي مشاركة 15 فيلماً، من بينها فيلم «قبل الظهر»، وهو إنتاج مشترك بين مصر والسعودية للمخرج مروان الشافعي، ويُعرض عالمياً للمرة الأولى، إلى جانب أفلام من الجزائر، وليبيا، وفرنسا، والبرازيل، وإسبانيا، وبلجيكا، وبولندا، والمكسيك. كما تتضمن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي» مشاركة 17 فيلماً من دول عدَّة، من بينها الولايات المتحدة، ومصر، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وبولندا، وإسبانيا، والجزائر، فيما تضم مسابقة أفلام الطلبة 8 أعمال.

واستحدث المهرجان في هذه الدورة مسابقة تحمل اسم المخرج خيري بشارة، يتنافس على جوائزها 20 فيلماً مصرياً. وأكد محمد محمود، رئيس مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الجائزة تأتي احتفاءً بمسيرة المخرج الكبير خيري بشارة، كما تُعد تكريماً لصنّاع الأفلام، حيث سيحصل الفائزون على جائزة تحمل اسمه، وسيُسلِّمها بنفسه في حفل الختام.

وعن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، التي يقيمها المهرجان للعام الثاني على التوالي، قال محمود إن «الإقبال عليها كان لافتاً في الدورة الماضية، وشهدت مناقشات ثرية. وهذا العام تلقينا أفلاماً من عدد أكبر من المخرجين، ما يؤكد أن ثمة شيئاً يتغيَّر، وربما لا يتقبله البعض، لكنه أصبح واقعاً بالفعل؛ فالذكاء الاصطناعي مقبل بقوة إلى عالم السينما».

ترام الإسكندرية يتصدر ملصق مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» (إدارة المهرجان)

ولفت محمود إلى اهتمام المهرجان بالسينما العربية عبر تخصيص مسابقة لها، موضحاً أنه بدأ عربياً ونجح في تكوين قاعدة واسعة من صنّاع الأفلام العرب، قبل أن يتحول في دورته الـ8 إلى مهرجان دولي.

وأشار إلى أن المهرجان حصل منذ دورته الـ11 على حق ترشيح الفيلم الفائز بجائزة «هيباتيا الذهبية» لمنافسات الأوسكار، مؤكداً أن ذلك يُعد اعترافاً عالمياً بمكانته بوصفه أحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن شراكته مع مهرجان «كليرمون فيران» في فرنسا، وهو الأكبر عالمياً في مجال الأفلام القصيرة.

واختتم بأن هذه الدورة تشهد حضور عدد من الضيوف يفوق التوقعات، رغم الظروف الراهنة والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يشارك ضيوف من خارج مصر، إضافة إلى مخرجين شباب حضروا على نفقتهم الخاصة، ما يعكس حالة الأمان في مصر وأهمية المهرجان وقيمته.

واستُلهم ملصق الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير من «ترام الإسكندرية»، أحد أبرز رموز المدينة، الذي رغم غيابه عن المشهد حالياً، سيظل جزءاً من ذاكرتها وشاهداً على تاريخها.