أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

سعر الوحدة قد يصل إلى 50 مليون جنيه

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.


مقالات ذات صلة

بيانات الوظائف وتوقعات الفائدة تضعان «وول ستريت» أمام أسبوع حاسم

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

بيانات الوظائف وتوقعات الفائدة تضعان «وول ستريت» أمام أسبوع حاسم

تتجه أنظار المستثمرين في الأسواق المالية نحو أسبوع استثنائي ومصيري، تقف فيه البورصة الأميركية على أعتاب تحولات كبرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كيفين وارش يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» بواشنطن العاصمة 17 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يعزز فريقه بمستشارين اقتصاديين مخضرمين

عيّن رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، الخبيرين الاقتصاديين المخضرمين دانيال كوفيتز وإريك إنغستروم مستشارَين له.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة خمسة يورو لشراء البيض في سوق محلي في مدينة نيس (رويترز)

مستهلكو منطقة اليورو يخفضون توقعات التضخم قصير المدى إلى 3.5 %

أظهر مسح صادر عن البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة أن مستهلكي منطقة اليورو خفضوا توقعاتهم للتضخم على المدى القصير خلال مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو تتراجع وتتجه لأكبر انخفاض أسبوعي منذ أكثر من عام

سجلت عوائد سندات منطقة اليورو انخفاضاً طفيفاً، يوم الجمعة، مواصلة مسارها نحو تسجيل أكبر تراجع أسبوعي منذ أكثر من عام في ظل هبوط أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

«الاستثنائية الأميركية» تدفع الدولار لموجة صعود قوية في النصف الثاني

يدخل الدولار الأميركي النصف الثاني من عام 2026 مدعوماً بزخم صعودي قوي، في ظل تصاعد التوقعات برفع أسعار الفائدة الأميركية واستمرار تدفق الاستثمارات.

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (نيويورك )

هاري وميغان في ضيافة الملك تشارلز الشهر المقبل

هاري وميغان ورحلة عائلية إلى لندن (رويترز)
هاري وميغان ورحلة عائلية إلى لندن (رويترز)
TT

هاري وميغان في ضيافة الملك تشارلز الشهر المقبل

هاري وميغان ورحلة عائلية إلى لندن (رويترز)
هاري وميغان ورحلة عائلية إلى لندن (رويترز)

أحيا قبول إعلان دوق ساسكس وزوجته ميغان ماركل دعوة الملك تشارلز للإقامة في أحد العقارات الملكية خلال زيارتهما المقبلة للندن، الآمال في احتمال حدوث تقارب مع بقية أفراد العائلة المالكة.

كان الزوجان قد أعلنا عزمهما إحضار ابنهما آرتشي (7 سنوات) وابنتهما ليليبت (5 سنوات) في أول رحلة عائلية لهم إلى بريطانيا منذ أربع سنوات. ولم يتم الكشف عن مقر الإقامة الملكي الذي ستقيم فيه العائلة. ولكن يبدو أن الأمير هاري يخطط لاصطحاب طفليه إلى قبر الأميرة الراحلة ديانا في ضيعة ألثورب، حسب تقرير لصحيفة «التليغراف»، وذلك بعد أيام قليلة من الموعد الذي كان سيوافق عيد ميلادها الخامس والستين.

تأتي زيارة الأمير هاري لبريطانيا لبدء العد التنازلي (الذي يستمر عاماً) لانطلاق «ألعاب إنفيكتوس» (Invictus Games) المخصصة للأفراد العسكريين المصابين، والمقرر إقامتها في برمنغهام في شهر يوليو (تموز) المقبل. ومن المتوقع أيضاً أن يزور الأمير مؤسسات خيرية أخرى في المملكة المتحدة كان قد واصل دعمها منذ انتقاله إلى كاليفورنيا. كما أفادت تقارير بأن زوجته ميغان ستقوم بزيارة أحد المستشفيات خلال هذه الرحلة.

وفيما يخص الحراسة الشخصية الرسمية، وهي من الأمور التي طالب بها الأمير هاري من قبل، ذكرت مجلة «إن ستايل» (InStyle) أنه من المتوقع أن يصطحب دوق ساسكس وزوجته ميغان ماركل حراسهما الشخصيين معهما عند عودتهما إلى البلاد الشهر المقبل.

وصرح مصدر مقرب من عائلة ساسكس لموقع «بيج سيكس» الأميركي، (Page Six)، بأنه على الرغم من أن العائلة لن تسافر على متن طائرة خاصة، فإنهم سيصطحبون حراساً شخصيين، وأضاف المصدر: «يسافر هاري دائماً برفقة واحد أو اثنين من أفراد فريق أمنه الخاص».

وفي زيارات سابقة، رفض الأمير هاري عرضاً للإقامة في قصر باكنغهام بسبب مخاوف أمنية تتعلق باستخدام مبنى بارز ومعروف للغاية كهذا. وكان الأمير قد خسر العام الماضي معركة قانونية للحصول على حماية الشرطة في أثناء زياراته للمملكة المتحدة. وعقب صدور الحكم، صرح الأمير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) برغبته في «المصالحة» مع العائلة المالكة، كما أعرب عن قلقه من عدم توفر الأمان الكافي لاصطحاب زوجته وأطفاله إلى مسقط رأسه. وقال: «لا أستطيع أن أتخيل سيناريو أعود فيه بزوجتي وأطفالي إلى المملكة المتحدة في الوقت الراهن».

ولم يُعلن عن تفاصيل بشأن الترتيبات الأمنية الخاصة بالزيارة المقررة الشهر المقبل، ولكن يُفهم أن قصر باكنغهام لم يوفر أي تدابير أمنية إضافية. وآخر مرة التقى فيها الملك أحفاده شخصياً كانت خلال احتفالات اليوبيل البلاتيني للملكة إليزابيث الثانية عام 2022. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، تناول الأمير هاري الشاي مع والده في «كلارنس هاوس»، وكان ذلك أول لقاء مباشر بينهما منذ فبراير (شباط) 2024.


«أفلام السعودية»... افتتاح ينسج حكاية جديدة

فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)
فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)
TT

«أفلام السعودية»... افتتاح ينسج حكاية جديدة

فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)
فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)

من غرزة إبرة تبدأ الحكاية... هكذا استهل الفيلم الوثائقي «ملك الأكتاف» للمخرجة مرام الخالدي حفل افتتاح الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، عبر حكاية البشت السعودي بوصفه رمزاً متجذراً في الذاكرة والهوية والوقار، في ليلة جمعت عشاق الفن السابع بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالظهران، وشهدت تكريم المخرجة السعودية هيفاء المنصور تقديراً لمسيرة أسهمت في ترسيخ حضور السينما السعودية على الساحتين المحلية والدولية.

انطلق الحفل على أنغام آلة التشيللو، في عرض موسيقي استلهم من روح المهرجان الذي يقام بالشراكة بين جمعية السينما ومركز إثراء، وبدعم من هيئة الأفلام. وجاءت ليلة الافتتاح التي قدمها الفنان فيصل الدوخي والإعلامية سهى الوعل منسجمة مع شعار الدورة «كل حكاية رحلة».

تجمع الدورة الجديدة ما بين فيلم يقرأ الموروث المحلي بعين سينمائية، وبرنامج يمتد حتى الثاني من يوليو (تموز)، ضاماً عروضاً ومسابقات وندوات ولقاءات مهنية تحتفي بتجارب سينمائية سعودية وعربية.

مقدما الحفل الفنان فيصل الدوخي والإعلامية سهى الوعل (المهرجان)

«ملك الأكتاف»... الحكاية الأولى

انسجم اختيار فيلم «ملك الأكتاف» لافتتاح الدورة مع هوية المهرجان وشعاره «كل حكاية رحلة»، حيث جعل من البشت السعودي مدخلاً بصرياً لقراءة الهوية والذاكرة، مسترجعاً رحلة قطعة تراثية ارتبطت بالمناسبات الوطنية والاجتماعية في الفيلم الذي لا تتجاوز مدته النصف ساعة، وركز على نقل شهادات المتخصصين في عالم البشوت.

وقاد الفنان إبراهيم الحساوي الفيلم عبر حوارات مع مجموعة من تجار البشوت، استعرضت أحاديثهم تاريخ هذه الحرفة وما حملته من قيمة ثقافية واجتماعية عبر الأجيال. وقبيل بدء الحفل بدقائق، كان الحساوي متحمساً للفيلم، حيث سألته «الشرق الأوسط» عن سر ذلك، وأجاب بعفوية «البشت تراث منطقتي.. أنا ابن الأحساء».

كما توقف الفيلم عند حريق القيصرية الذي يعد أكبر كارثة تعرض لها تجّار البشوت، حيث اندلع الحريق التاريخي في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2001، والتهمت النيران نحو 80 في المائة من السوق وقضت على أكثر من 200 محل تجاري، ولكن تمت إعادة إعماره وتأهيله ليصبح معلماً تاريخياً وسياحياً بارزاً. وتناول الفيلم أيضاً التحدي ما بين الحياكة اليدوية واستخدام الآلات في الصناعة، وبدا التجّار منحازين للنوع الأول باعتباره الأكثر حفاظاً على روح وهوية البشت.

برنامج سينمائي حافل يمتد لستة أيام (المهرجان)

سبعة عشر عاماً من حفظ الذاكرة

وخلال كلمته في الحفل، استعاد رئيس مجلس إدارة جمعية السينما الدكتور عبد الرحمن الغنام بدايات المهرجان قبل «سبعة عشر عاماً»، مشيراً إلى أنه بدأ بوصفه فكرة آمنت بأن للسينما دوراً يتجاوز الشاشة لحفظ الذاكرة وتوثيق التحولات ومنح الإنسان فرصة ليرى نفسه والعالم من حوله بعيون جديدة، مؤكداً أن المهرجان ظل مساحة تتلاقى فيها الأفكار والتجارب، ومنصة حقيقية لدعم المواهب وتعزيز المعرفة السينمائية.

من جانبه، أكد طارق الخواجي، نائب مدير المهرجان والمستشار الثقافي بمركز (إثراء)، التزام المركز الراسخ بدعم منظومة صناعة الأفلام وتمكين المواهب الوطنية؛ مستشهداً بلغة الأرقام الحية حيث نجحت الأفلام المدعومة من المركز في الوصول إلى 162 مهرجاناً سينمائياً دولياً، وحصدت 56 جائزة دولية في 33 دولة حول العالم، مما يعكس حجم الاستثمار المستمر في المحتوى المحلي القادر على التعبير بصدق والوصول إلى العقل العالمي.

الفنانة عايشة كاي ظهرت بإطلالة مستوحاة من ثوب المسدح التراثي (المهرجان)

27 فيلماً تتنافس على 9 نخلات ذهبية

وبالنظر لأرقام الدورة الثانية عشرة، فقد استقبل المهرجان 314 مشاركة، منها 249 فيلماً و65 مشروعاً لسوق الإنتاج، فيما اختير 27 فيلماً للمنافسة في المسابقات الرسمية، و6 أفلام للعروض الموازية، ليصل مجموع الأفلام المعروضة في برامج المهرجان إلى 50 فيلماً من أكثر من 15 دولة.

وتتنافس الأفلام المشاركة على 9 نخلات ذهبية، تتوزع على مسابقات الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام الروائية القصيرة، والأفلام الوثائقية، ضمن برنامج يفتح المجال أمام تجارب سينمائية سعودية وخليجية وعربية ودولية. ويضم البرنامج السينمائي للدورة الثانية عشرة مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة، ومسابقة الأفلام الوثائقية، إلى جانب العروض الموازية، ومحاور وبرامج خاصة تمنح الجمهور فرصة الاطلاع على تجارب سينمائية متنوعة في موضوعاتها وأساليبها ومقارباتها الفنية.

وفي إطار مساعيه إلى توسيع التبادل الثقافي والمعرفي مع التجارب السينمائية العالمية، يقدّم المهرجان برنامج «أضواء على السينما الكورية»، بالتعاون مع مهرجان بوسان الدولي للأفلام القصيرة، بعد أن احتفى البرنامج في دورات سابقة بتجارب سينمائية من بينها السينما الهندية واليابانية.

حضور كوري يشهده المهرجان هذا العام حيث يحتفي بالسينما الكورية (المهرجان)

سوق الإنتاج.. قلب المهرجان

ويمكن وصف «سوق الإنتاج» بأنه قلب المهرجان وروحه الحيّة، وفي هذا الدورة يستضيف السوق 13 مشروعاً سعودياً وعربياً في مراحل متعددة من التطوير والإنتاج، اختيرت من بين 65 مشروعاً متقدماً، في مساحة مهنية تتيح فرص التواصل بين صنّاع الأفلام والمنتجين والخبراء وشركات الإنتاج، وتدعم انتقال المشاريع بين مراحل التطوير والإنتاج وما بعده.

وتتوزع مشاريع السوق بين أفلام روائية طويلة، ومشاريع قصيرة ووثائقية، في خطوة تعزز دور السوق بوصفها مساحة مهنية لتمكين المشاريع السينمائية، وبناء جسور التعاون بين المواهب والجهات الداعمة والمنتجين.

كما يتضمن البرنامج الثقافي والمهني للمهرجان ندوات متخصصة، ودروساً متقدمة، وورشاً تدريبية، وجلسات توقيع لإصدارات الموسوعة السعودية للسينما، إلى جانب برنامج «لقاء الخبراء»، الذي يتيح لصنّاع الأفلام جلسات فردية مع مختصين في مجالات الإنتاج، والإخراج، والمونتاج، والنقد، وبرمجة المهرجانات، وتطوير المشاريع.

وتتناول ندوات هذه الدورة موضوعات تتصل بتحولات الصناعة السينمائية، ومساحات الدعم والتمويل، والسينما الكورية وعلاقتها بالجمهور السعودي، وأداء الأفلام السعودية في شباك التذاكر، وتجارب الأفلام ذات الميزانية المحدودة، بما يعكس تنوع القضايا المهنية والثقافية التي يطرحها المهرجان هذا العام.


هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: المرأة الحقيقية بطلة أفلامي

المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)
المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)
TT

هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: المرأة الحقيقية بطلة أفلامي

المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)
المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)

بين المرأة التي اعتادت السينما أن ترسمها بصورة مثالية، والمرأة كما تراها في الواقع، تنسج المخرجة السعودية هيفاء المنصور رؤيتها لشخصياتها من خلال أفلامها؛ عبر قصص لنساء يحملن القوة والضعف، والانتصار والانكسار، ويواجهن ضغوط الحياة بعيداً عن الصورة الملائكية التي رافقت المرأة على الشاشة لسنوات.

تتحدث هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط» عن ذلك، على هامش تكريمها في افتتاح الدورة الثانية عشرة من مهرجان «أفلام السعودية»، بوصفها أول شخصية نسائية يختارها المهرجان للتكريم الرئيسي في تاريخه، تقديراً لمسيرة امتدت من «وجدة» إلى أعمال محلية وعالمية، وأسهبت في الحديث عن فلسفتها في تقديم المرأة أكثر من حديثها عن التكريم نفسه.

المرأة الحقيقية بعيداً عن النمطية

تقول هيفاء المنصور إن أفلامها، منذ «وجدة»، مروراً بـ«المرشحة المثالية»، وصولاً إلى أحدث أعمالها «المجهولة»، تنطلق من رؤية واحدة تتمثل في تقديم المرأة الحقيقية، صاحبة الصوت والإرادة، بعيداً عن الصور النمطية.

وتُضيف: «أفلامي كلها من النسيج نفسه، وشخصياتها النسائية لديها الاسم الأخير نفسه... كل امرأة منهن أخذت مكانها في الحياة، ورفضت أن تكون انهزامية أو ضحية... يهمني تقديم المرأة، لكن ليست المتمردة لمجرد التمرد، وإنما المرأة التي لديها دافع لحب الحياة، ودافع لأن يكون صوتها مسموعاً».

ورأت هيفاء المنصور أن هذه الفلسفة تجلّت بوضوح في أحدث أعمالها «المجهولة»، الذي قدّم شخصية نسائية (نوال) بعيدة عن الصورة التقليدية، قائلة: «اعتدنا أن نرى المرأة دائماً بصورة نبيلة وملائكية، وهذا غير حقيقي. أي امرأة إذا وُضعت تحت ضغط شديد ستتغير نفسيتها؛ ولذلك كان مهماً بالنسبة لي أن نخرج من نطاق المرأة الملائكية إلى نطاق المرأة الحقيقية».

«المجهولة»... وشراكة تتجدد

وصفت هيفاء المنصور تجربة فيلم «المجهولة» بأنها من التجارب القريبة إلى قلبها، خصوصاً مع تجدد تعاونها مع الممثلة ميلا الزهراني بعد فيلم «المرشحة المثالية». وعن سر هذا التكرار، تجيب بالقول: «العمل مع ممثلة اشتغلت معها سابقاً يجعل بيننا فهماً مباشراً أثناء التصوير، ويختصر كثيراً من التفاصيل، لأن المعرفة المسبقة تصنع لغة مشتركة داخل موقع التصوير».

وتُبدي هيفاء المنصور إعجابها الكبير بميلا الزهراني، مضيفة: «ميلا ممثلة رائعة، وأراها أفضل من كثير من الممثلات الأميركيات والأجنبيات اللاتي عملت معهن. تمتاز بالتواضع والالتزام، كما أن تعاملها مع فريق العمل راقٍ، وهذا بالنسبة لي مهم قبل أن يكون الإنسان ممثلاً».

المخرجة هيفاء المنصور... الشخصية المكرمة لهذه الدورة (المهرجان)

تكريم ابنة الشرقية... إنجاز مختلف

وصفت هيفاء المنصور تكريمها في مهرجان «أفلام السعودية» بأنه يحمل بُعداً شخصياً، لارتباطه بالمنطقة التي تنتمي إليها، وقالت: «هذا التكريم حميم جداً بالنسبة لي، لأنني من المنطقة الشرقية، وأن أتكرم في مكاني وبين أهلي يعني لي الكثير».

وأضافت أن قيمة التكريم تتضاعف لأنه يأتي من مهرجان يضع الفيلم السعودي في صدارة اهتماماته، موضحة: «المهرجان يُعنى بالفيلم السعودي بالدرجة الأولى، وهذا يعني لي الكثير، لأن الحراك المحلي مهم جداً لدعم السينما، والسينما بالنسبة لي شغف».

من «وجدة» إلى العالمية

وتُعد هيفاء المنصور من الأسماء البارزة في تاريخ السينما السعودية والعربية، إذ بدأت مسيرتها بالفيلم القصير «مَن؟» عام 1997، قبل أن تُحقق حضوراً لافتاً بفيلمها الروائي الطويل «وجدة» عام 2012، الذي شكّل علامة فارقة في مسار الفيلم السعودي، بعدما حصد حضوراً واسعاً في المهرجانات الدولية، وأصبح أول فيلم سعودي يُرشح لتمثيل المملكة في المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي.

وتواصلت بعدها أعمالها بين الإنتاجات السعودية والعالمية؛ حيث قدمت أفلاماً وسلسلة من التجارب التي عزّزت حضور المخرج السعودي في المشهد السينمائي الدولي، مع احتفاظها باهتمام واضح بالشخصيات النسائية وقصص التحول الإنساني.

وفي ختام الحديث معها، جاء السؤال عن مشروعاتها المقبلة، لتكتفي هيفاء المنصور بالإشارة إلى أنها ما زالت في مرحلة البحث، قائلة: «حتى الآن... ما زلت أبحث».