الجيش الروسي في الميزان العسكري

قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الروسي في الميزان العسكري

قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)

إذا كانت الحرب تُخاض لأهداف سياسيّة، فمن الضروري عند النصر أن يُترجم هذا النصر إلى مكاسب سياسيّة. والترجمة تستلزم شرعنة النصر. وشرعنة النصر تتطلّب موافقة الخاسر، إن كان عبر رفع العلَم الأبيض، أو التوقيع على الهزيمة، كما حصل مع الإمبراطور الياباني بعد استعمال النووي من قِبل أميركا ضد ناجازاكي وهيروشيما.
وإذا بدأنا من المستوى الأعلى للصراع العالمي بين الجبابرة؛ أي المستوى الجيوسياسيّ، فمن الضروري لأي بلدٍ ما أن يحدّد مسلّماته الجيوسياسيّة. تحدد هذه المسلّمات الأهداف العليا للدولة، وهي التي ترسم استراتيجيات الأمن القوميّ. لا يمكن التغاضي عن هذه المسلّمات، وإلا سيكون الكيان في خطر وجوديّ.
تنبع هذه المسلّمات من الجغرافيا، والطوبوغرافيا، والتاريخ، وتراكمات التجارب التاريخيّة للأمة، إن كان في السلم أو الحرب.
وهنا يجب التمييز بين أوزان القوى العظمى، والقوى الكبرى، والقوى الإقليميّة الكبرى، ليختتم التصنيف بالدول العادية، التي عادة تكون مسارح للصراع.
لذلك يستلزم لمن لديه وعي جيوسياسيّ من القادة، وعلى كل المستويات والأوزان، أن يحدد المسلّمات الجيوسياسيّة لبلده. فمسلّمات دولة صغيرة، تختلف عن مسلّمات دولة عظمى أو كبرى. ولهذه الأسباب، تختلف المقاربات الاستراتيجيّة بين الدول، وذلك بسبب التفاوت الكبير في الإمكانات. من هنا، قول المفكّر العسكريّ الألماني كارل هاوسهوفر: «يجب على القادة السياسيّين أن يكونوا ملمّين بالجيوسياسة، حتى ولو اضطر الأمر إلى تدريسهم الفكر الجيوسياسيّ».
- بعض المسلّمات الروسيّة
بسبب المساحة الكبرى لروسيا، وبسبب عدم توفّر حواجز طبيعيّة تحمي مركز ثقل موسكو، لا بد لروسيا من أن يتوفّر لها الأمور التالية:
> مناطق عازلة، عادة تكون في الشرق الأوروبي. تبدأ هذه المناطق من دول البلطيق شمالاً، وحتى بلغاريا جنوباً، وذلك مروراً بأوكرانيا التي تعتبر، حسب الجيوسياسي الأميركي زبيغنيو بريجينسكي، أنها تعكس مقياس القوة الروسيّة في أوروبا والعالم. فمن دون أوكرانيا، روسيا دولة عاديّة، والكلام لبريجينسكي. فمن الغرب أتى الغزو السويدي، والغزو النابوليوني، وبالطبع هتلر. والآن، حسب العقل الروسي، يعتبر «الناتو» التهديد الجديد الآتي من الغرب.
> لا يمكن لروسيا التخلّي عن القوقاز، فهو العازل الجغرافي الأهم مع جنوب روسيا، كما لا يمكن التخلّي عن جبال الأورال التي تشكّل الحدّ الفاصل بين روسيا الأوروبيّة، وروسيا الآسيويّة.
> ولأن روسيا تغطّي 11 منطقة زمنيّة في العالم، ولأن الكثافة السكانيّة موجودة في الغرب الروسيّ؛ فلا بد من حكومة مركزيّة قويّة جداً، حتى درجة الديكتاتوريّة، مع أجهزة استخباراتيّة تسرح وتمرح كما تشاء، وكل ذلك تحت اسم حماية الأمن القوميّ، كما حماية «الوطن الأمّ». وكما يُقال، لا مكان للضعفاء في الكرملين، حتى إن كلمة (الكرملين) هي من أصل تتري، تعني القلعة المحصّنة.
- الترجمة الجيوسياسيّة للمسلّمات
يريد بوتين استرداد أمجاد الاتحاد السوفياتي. هكذا أعلن في خطاب له في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، لكنه نسي أن العالم قد تغيّر، وأن الاتحاد السوفياتي لم يُختبر عسكرياً ضد قوى توازيه قدرة. نسي الرئيس بوتين أن كلّ التجارب مع القوى الصغرى، إن كان أيام الاتحاد السوفياتيّ في أفغانستان، أو بعد الانهيار في كل من الشيشان، وجورجيا، وأوكرانيا، وسوريا... هي تجارب لم تكن مشجّعة، أو بالأحرى، تجارب لا يمكن بواسطتها قياس النجاح والقدرات، ومن ثم إسقاطه بطريقة خطيّة على احتمال صراع مستقبليّ ممكن مع قوّة كبرى نوويّة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قاتل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان حرباً بالواسطة ضد الولايات المتحدة الأميركيّة. وذلك دون نسيان دور التحالف القائم حول هذه الحرب. يخوض بوتين اليوم حرباً بالواسطة، لكن في المسرح الأقرب إلى روسيا؛ في أوكرانيا. هذه الحرب فريدة من نوعها؛ لأنها حرب عالميّة، لكن بالواسطة، تديرها وتسيطر عليها قواعد غير معلنة، لكنْ متّفق عليها ضمنياً بين القوى العظمى. والهدف دائماً كبح التصعيد، وعدم الذهاب إلى ما هو ليس بالحسبان.
في حرب بوتين على الشيشان، تمثّل الهدف في طمر القضيّة الشيشانيّة تحت الأنقاض بعد التدمير الكامل والشامل.
في جورجيا، 2008، ظهرت هشاشة الجيش الروسي في كلّ الأبعاد، خاصة في القيادة والسيطرة، والاتصالات، وغيرها، لكن الحرب كانت محدودة، وضد عدو ضعيف جداً.
في سوريا، لم يقاتل الجيش الروسي على أرض المعركة تكتيكياً، لا بل أمّن الدعم الناري، والاستخباراتيّ، وغير ذلك من المستلزمات الميدانيّة، لقوى تألّفت من الداخل السوري؛ من الميليشيات الإيرانيّة، ومن مقاتلي «حزب الله» اللبنانيّ.
- هشاشة القوات
تعتبر أوكرانيا من أهم المسلّمات الجيوسياسيّة الروسية. فيها تتقاطع صراعات عالم اليوم. هي المؤشر لشكل وتركيبة النظام العالميّ المُتخيّل. ما يحدث فيها، سيكون له تأثيرات طويلة الأمد على روسيا، وعلى الغرب، والعالم بشكل عام. عزلت هذه الحرب روسيا عن الغرب، فهل هي اليوم أوراسيّة أم آسيويّة فقط؟ وإذا كان سبب الحرب، كما يقول الرئيس بوتين، هو تغيير النظام العالمي من أحادي إلى متعدّد، فهل عالم اليوم هو فعلاً أحادي، أو متعدّد؟ وأين موقع الصين من كل هذا؟ وإذا تغيّر العالم، كما يطمح له بوتين، فمَن سيضمن له أن روسيا ستكون قوّة عظمى في النادي الدولي؟ وهل لدى روسيا (دون النوويّ) القدرة الاقتصاديّة على لعب دور القوة العظمى، في الوقت الذي لا يتجاوز معدّل دخلها القومي، الدخل القومي لمدينة نيويورك؟
أظهرت الحرب الأوكرانيّة هشاشة الجيش الروسيّ في كلّ الأبعاد. ففي هذه الحرب، لم تتناسب الأهداف الموضوعة مع الوسائل المتوفّرة. في هذه الحرب، خرق الجيش الروسيّ كل مبادئ الحرب التسعة، وهي: «الهدف، والعمل الهجومي، والكتلة، والاقتصاد في القوى، والمناورة، ووحدة القيادة، والأمن، والمفاجأة، والبساطة». المقصود بالهدف، هو إمكانيّة التنفيذ. كانت أهداف بوتين كبيرة جداً ومعقّدة. في العمل الهجوميّ، افتقد الجيش الروسي التحضير قبل الهجوم الكبير، حتى إن أغلب القيادات العسكريّة لم تكن تعرف متى ساعة الصفر. وزجّ الرئيس بوتين عظيم جيشه من النخبة، ولم يترك قوى احتياط للأمور الطارئة. فعادة في الحروب، يتم التخطيط للسيناريو الأسوأ، مع الأمل في أن يحصل السيناريو الممتاز.
في بداية الهجوم على أوكرانيا، تعدّدت محاور الهجوم، مع غياب وحدة القيادة. فحتى بعد أكثر من 250 يوماً على اندلاع الحرب، لا يزال الكرملين يغيّر في القيادات العسكرية، القائد تلو الآخر، كان آخرهم تعيين الجنرال سيرغي سيروفيكين.
في الحرب الأوكرانيّة، تبيّنت هشاشة القيادة العسكريّة الروسية، وعدم قدرتها على قيادة حرب بأسلحة مختلطة. أما مبدأ المناورة، فهنا الغريب والعجيب. ففي بداية الحرب، اعتمد الجيش الروسي على المناورة والسرعة. ولأنه لم يكن جاهزاً لهذا النوع من القتال، وبسبب عدم الخبرة في قيادة حرب بأسلحة متعددة كما قلنا أعلاه؛ استطاع الجيش الأوكراني، وبأبخس الأثمان، ضرب وتوقيف كلّ الهجوم.
بعد الفشل في المرحلة الأولى، انتقل الجيش الروسي إلى القتال الثابت، لكن كيف؟ عاد الجيش الروسي إلى التقليد القديم؛ أي الاعتماد على المدفعيّة. ألم يقل جوزف ستالين إن المدفعيّة هي آلهة المعركة؟ كانت المدفعية من الثبات العامل الأهم لتحقيق بعض الإنجازات في إقليم الدونباس، لكن بمجرّد أن أعطت أميركا الجيش الأوكراني راجمات «الهايمرس»، تبدل الوضع؛ فتجمّد الجيش الروسي في مواقعه، وانتقل مبدأ المناورة والحركية إلى الجيش الأوكراني الذي استطاع استرداد إقليم خاركيف.
لم يستطع الجيش الروسي ابتكار طريقة تكتيكيّة، تعوّضه النقص التقني. وقد يعود السبب إلى جمود هرمية القيادة العسكرية الروسية، يُضاف إليه، كما يُقال، تدخّل الرئيس بوتين في المعارك، حتى المستوى التكتيكي.
وبسبب الفشل في ابتكار مبدأ تكتيكي جديد للتعويض، لجأ الجيش الروسي إلى الحلّ الأسهل، ألا وهو التدمير لكل البنى التحتية المدنيّة، من طاقة ومياه. وللتنفيذ، استورد الجيش الروسي المسيّرات من إيران، وقذائف المدفعيّة من كوريا الشماليّة. فهل يمكن القول إن التصنيع العسكري الروسي كان مهيّأ للحرب؟ هذا إذا سميناها حرباً؛ لأنها لا تزال بالنسبة للرئيس بوتين عملية عسكرية خاصة. والفوارق كبيرة، وكبيرة جداً، بين الحرب والعملية العسكري الخاصة.
في العقيدة العسكريّة بشكل عام، تشكّل العقيدة العسكريّة لجيشٍ ما، المستوى التنفيذيّ للاستراتيجيّة الكبرى. فما هي؟
هي أفضل طريقة لقتال العدو والانتصار عليه. ترتكز على 3 أعمدة، هي: كيفيّة تنظيم القوى، وكيفيّة تدريبها، وكيفيّة تجهيزها. حتى الآن، حضّر الرئيس بوتين جيشه لقتال الحرب الحديثة في القرن الحادي والعشرين، وها هو يقاتل على شاكلة الحرب العالميّة الأولى.
في الختام، قد لا يخسر الرئيس بوتين، وقد لا تربح أوكرانيا. فهكذا يبدو اتجاه البوصلة، لكن المرحلة الحاليّة، هي مرحلة التحضير وتقطيع الوقت حتى مرور فصل الشتاء، وتجهيز القوى للمعركة الفاصلة، لكن بانتظار ماذا سيحصل في خيرسون.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية استهدفت منطقة سكنية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

4 قتلى بهجوم روسي قرب خاركيف الأوكرانية

أسفرت غارات جوية روسية ليل الاثنين - الثلاثاء عن مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة 6 آخرين قرب خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ وزارة الدفاع الروسية تنشر صورة تظهر نظام صواريخ «أوريشنيك» الروسي خلال تدريب بموقع لم يُكشف عنه في بيلاروسيا (أ.ب)

واشنطن تندد بـ«تصعيد خطر» بعد إطلاق روسيا صاروخاً فرط صوتي على أوكرانيا

ندّدت الولايات المتحدة باستخدام روسيا صاروخ أوريشنيك فرط الصوتي في هجوم على أوكرانيا الأسبوع الماضي، معتبرة أنه «تصعيد خطر ولا يمكن تفسيره».

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

زيلينسكي يطالب بمساعدة «الانتفاضة» في إيران

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن على العالم أن يساعد الإيرانيين في البناء على الاحتجاجات من أجل إحداث تغيير لتحريرهم من «الحكم الذي جلب الشرور».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا سفينة شحن ترفع العلم التركي تغادر ميناء أوديسا الأوكراني... 16 يوليو 2023 (رويترز)

كييف تتهم موسكو بالهجوم على سفينتي شحن في البحر الأسود

اتهمت أوكرانيا، الاثنين، روسيا بشن هجوم بواسطة مسيّرات على سفينتي شحن ترفعان علمي بنما وسان مارينو، كانتا موجودتين قرب ميناء أوكراني في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (كييف)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.


«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهرت وثائق قضائية أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستتخذ إجراءات قانونية لطلب رفض دعوى التشهير البالغة قيمتها 10 مليارات دولار التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضدها، والمتعلقة بتحرير برنامج «بانوراما».

وتَعرّض برنامج «بانوراما» لانتقادات في أواخر العام الماضي بسبب حلقة بُثت في 2024، إذ أعطت الانطباع بأن الرئيس الأميركي كان يشجع مؤيديه على اقتحام مبنى الكابيتول في 2021، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وفي الحلقة، تم دمج مقطع من خطاب ترمب بتاريخ 6 يناير (كانون الثاني) 2021 ليُظهره وهو يقول: «سننزل إلى الكابيتول... وسأكون هناك معكم. وسنقاتل. سنقاتل بشراسة».

ويطالب ترمب بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار رداً على تعديل الخطاب، فيما زعم محاموه أن التحرير كان «زائفاً ويفتقر إلى الحقيقة ويشوه سمعته»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وستقدم هيئة الإذاعة البريطانية طلباً لرفض الدعوى، بحجة أن محكمة فلوريدا لا تتمتع بالاختصاص الشخصي عليها، وأن مكان انعقاد المحكمة غير مناسب، وأن ترمب فشل في تقديم دعوى صحيحة، وفقاً للوثائق المقدمة، مساء الاثنين، بتوقيت بريطانيا.

وستؤكد الهيئة أنها لم تقم بإنشاء أو إنتاج أو بث الوثائقي في فلوريدا، وأن ادعاء ترمب بأن الوثائقي كان متاحاً في الولايات المتحدة عبر خدمة البث «بريت بوكس» غير صحيح.

كما ستزعم الهيئة أن الرئيس فشل في تقديم دليل مقنع على أن «بي بي سي» نشرت الوثائقي بقصد إساءة أو نية خبيثة فعلية، وهو ما يُطلب من المسؤولين العموميين إثباته عند رفع دعاوى التشهير في الولايات المتحدة.

وطلبت الهيئة من المحكمة وقف جميع عمليات الاكتشاف الأخرى، وهي العملية التي يجمع فيها الطرفان معلومات قبل المحاكمة، إلى أن يصدر قرار بشأن طلب رفض الدعوى.

وتم اقتراح موعد محاكمة عام 2027 إذا استمرت القضية.