فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

يلوح بتكرار «شبح كورونا»

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
TT

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)

في وقت تزايد المخاوف العالمية من الأمراض الفيروسية الناشئة، أعاد تفشّي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، المتجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إلى الواجهة التساؤلات بشأن احتمالية ظهور وباء جديد شبيه بجائحة «شبح كورونا»، بعدما أسفر الحادث عن ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.

وبينما سارعت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إلى التأكيد أن الوضع الراهن لا يشكّل «بداية جائحة» أو «وباء»، وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً، يثير ظهور سلالة «الأنديز» - الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر - قلق الأوساط الصحية، خصوصاً مع تنقّل الركاب بين دول عدة قبل اكتشاف الإصابات.

وفيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى الإنسان، وتسبب أمراضاً قد تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عند استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تنتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضّات القوارض.

ومعظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» الموجودة في أميركا الجنوبية تُعدّ الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر من خلال المخالطة الوثيقة.

ويضع هذا التفشّي المحدود العالم مجدداً أمام اختبار يتعلق بسرعة الاستجابة، وفاعلية أنظمة المراقبة الصحية، والاستعداد لاحتمالات تحوّل الفيروسات النادرة تهديدات أوسع نطاقاً.

هل يتحول جائحةً؟

وينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادة عبر براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة.

ويقول اختصاصي الأمراض المعدية الدكتور ويليام شافنر إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، موضحاً أن معظم سلالات الفيروس لا تنتقل من شخص إلى آخر.

لكنه أشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلالة غير المعتادة المرتبطة بتفشّي العدوى على متن السفينة السياحية تختلف عن غيرها؛ إذ تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.

وأضاف أن التفشّي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية خلال الفترة المقبلة، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع، مؤكداً أن الوضع الحالي لن يتحول جائحة أخرى مثل «كوفيد - 19».

جهود دولية للحد من انتشار فيروس «هانتا» (رويترز)

وأوضح شافنر أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة، لافتاً إلى أنه من المتوقع ظهور معلومات إضافية مع استمرار التحقيقات بشأن التفشّي، لكن انتقال العدوى من الركاب إلى نطاق أوسع سيظل محدوداً على الأرجح.

بينما أكد استشاري الحساسية والمناعة، الدكتور مجدي بدران، أن فيروس «هانتا» يُعدّ من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع معدلات الوفاة الناتجة منها في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حتى الآن الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار على غرار فيروس كورونا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، في حين يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو بقدرة وبائية واسعة».

ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يُعدّ السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص إلى آخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة، خصوصاً بين أفراد الأسرة أو المخالطين المقربين.

وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد -19). كما ظلت العدوى المرتبطة بالمستشفيات والرعاية الصحية نادرة للغاية، في حين بقيت معظم الإصابات عالمياً مرتبطة بالتعرض المباشر للقوارض الملوثة بالفيروس».

وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول وباءً عالمياً سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض عائلاً طبيعياً، وليس على الانتقال البشري المستمر، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، إضافة إلى ضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر حتى في حالة فيروس الأنديز.

وأشار بدران إلى أن التفشّيات المسجلة تنتهي عادة بسرعة ولا تستمر داخل المجتمعات، فضلاً عن عدم رصد أي طفرات جينية تمنح الفيروس قدرة أكبر على العدوى البشرية.

وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين، في حين يحتاج انتقال العدوى غالباً إلى ظروف بيئية محددة، مثل استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض.

وأضاف أن المصابين لا يفرزون كميات كبيرة من الفيروس تسمح بانتشاره على نطاق واسع، في حين تسهم إجراءات الصحة العامة، مثل مكافحة القوارض والعزل السريع للمصابين، في الحد من أي تفشّيات محتملة. وشدد بدران على أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية.

خطر محتمل

بينما يشير أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، الدكتور إسلام عنان، إلى أن فيروس «هانتا» يصنّف على أنه خطر وبائي محتمل، رغم أن ظهوره يعود إلى عقود طويلة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما أُصيب عدد من الجنود خلال الحرب الكورية بأعراض غامضة، قبل أن يُشتق اسم الفيروس من نهر (هانتان) الفاصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في حين لم يتمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً إلا عام 1978».

وأضاف أن الفيروس عاد إلى الواجهة بقوة عام 1993، بعدما توفي عدد من الشباب في الولايات المتحدة نتيجة فشل تنفسي حاد، حيث جرى حينها اكتشاف سلالة شديدة الخطورة وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.

وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي نفسها السلالة المرتبطة بالتفشّي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بإمكانية انتشار المرض إلى الواجهة الدولية».

وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء؛ ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس. كما توجد سلالات مختلفة من فيروس (هانتا) حول العالم؛ إذ تنتشر بعض السلالات في آسيا وأوروبا وتهاجم الكلى مسببة حالات فشل كلوي، في حين تنتشر سلالات أخرى في الأميركيتين وتستهدف الرئتين؛ ما قد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد وسريع».

وعن احتمالات تحول الفيروس وباءً عالمياً، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، خصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس ووصولها إلى مناطق جديدة.

وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة. كما لا يتوافر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة».


مقالات ذات صلة

إصابات «إيبولا» في أفريقيا تتجاوز 10 آلاف معظمها بالكونغو الديمقراطية

أفريقيا عامل صحي يرتدي ملابس واقية يخضع للتعقيم على يد زميل داخل مركز لعلاج مرضى «إيبولا» في بيني بمقاطعة شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية يوم 26 سبتمبر 2026 (أ.ب)

إصابات «إيبولا» في أفريقيا تتجاوز 10 آلاف معظمها بالكونغو الديمقراطية

تجاوز عدد الإصابات المؤكَّدة بـ«إيبولا» في أحدث تفشٍّ للمرض في أفريقيا 10 آلاف شخص، سُجِّلت غالبيتها العظمى في جمهورية الكونغو الديقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا شخص يتلقى جرعة من لقاح ضد فيروس «إيبولا» في الكونغو (أ.ب)

«الصحة العالمية»: أول تجربة سريرية للقاح ضد «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

أعلن مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، أمس الجمعة، البدء بأول تجربة سريرية للقاح ضد فيروس «إيبولا» لمواجهة التفشي الذي تشهده جمهورية الكونغو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)

حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

حذَّرت منظمة الصحة العالمية من خطر تعطل الخدمات الطبية في محافظة تعز اليمنية مع استمرار الحصار الحوثي، وسط نقص حاد في الأدوية والوقود والأكسجين، يهدد المرضى.

محمد ناصر (عدن)
أفريقيا تعقيم أحد العاملين في المجال الصحي داخل أحد مراكز مكافحة فيروس «إيبولا» في منطقة بيني بمقاطعة شمال كيفو شمال شرقي الكونغو الديمقراطية (أ.ب)

«الصحة العالمية»: لسنا على علم بزيارة مصابة إيبولا في نيجيريا للكونغو

أعلنت «الصحة العالمية» أن المعلومات المقدمة عن مصابة ​بالإيبولا في نيجيريا لم تتضمن سفرها إلى الكونغو، وذلك بعد أن قالت سلطات أوغندا إن المرأة ذهبت إلى هناك.

«الشرق الأوسط» (دكار)
صحتك ذبابة من نوع «كوليكويدس» (الهاموش القارض) تحت المجهر المتهم الأول والناقل الرئيسي لفيروس «شاموندا» الناشئ في أوروبا (معهد بيربرايت)

بعد وفاة أول حالة في فرنسا... ما فيروس شاموندا وكيف ينتقل إلى البشر؟

وفاة أول إصابة بشرية بفيروس شاموندا في فرنسا تثير قلقاً صحياً، حيث ينتقل عبر لدغات الحشرات ويهدد الفئات المصابة بنقص حاد في المناعة.

كوثر وكيل (لندن)

«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
TT

«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)

تضع مسرحية «الله يستر» جمهورها أمام شخصيات يعرفها قبل أن تبدأ الحكاية. في مقدّمها «جورجيت الخازن»، المرأة المسيحية المتشدّدة التي تنتمي إلى مخزون اجتماعي لبناني يملك المتفرّج مفاتيحه مُسبَقاً، فتبدو أقرب إلى صورة نمطية متوارَثة منها إلى شخصية من لحم ودم. ومن حولها تتشكَّل سلسلة من الصِدامات العائلية التي تستحضر الاختلاف الديني وما يرافقه من أحكام وتوقُّعات. تستعير المسرحية التي كتبتها نبال عرقجي وأنتجتها، من إخراج علي اتحاد (مسرح «دوار الشمس»)، فكرتها من الفيلم الفرنسي «ماذا فعلنا بالرب؟»، وتُعيد توزيعها على مجتمع تُدار فيه العلاقات الشخصية أحياناً وفق حسابات الجماعة الدينية. وإنما استمرار انجذاب الجمهور إلى هذه المادة المُستَهلكة يستحق قراءة في أسباب جاذبيتها، وما تكشف عنه تلك الجاذبية من وظيفة الكوميديا داخل مجتمع اعتاد تنظيم علاقاته عبر التصنيفات.

نضحك معاً على ما يعجز عن جمعنا (الشرق الأوسط)

تقوم آلية الإضحاك على استحضار أنماط اجتماعية جرى تثبيتها طويلاً في الوعي اللبناني. فكلّ شخصية تحمل معها تاريخاً من الأحكام التي يتداولها الناس عن جماعتها، وتكفي بعض الإشارات ليستحضر المتفرّج الصورة بأكملها. بذلك يصبح الجمهور شريكاً في بناء الموقف الكوميدي، إذ يُضيف إلى ما يسمعه خبرته الخاصة ومخزونه من النكات والتصوّرات. وتستفيد المسرحية من هذه المُشاركة الذهنية، فتختصر الطريق إلى الضحك وتضمن سرعة التواصل، لكنها تجعل بناء الشخصيات تابعاً لِما يُعرَف عنها مُسبَقاً.

كلّ طائفة تعرف دورها... حتى قبل رفع الستارة (الشرق الأوسط)

في هذا النوع من الكوميديا، يؤدّي الاختلاف الديني وظيفة تتّصل بتأكيد الهوية أكثر من مناقشتها. فالانتماء الطائفي في لبنان يتشكَّل أيضاً عبر ما تقوله الجماعة عن سواها، وما تتخيَّله من صفات تُميّز أفرادها. وتتغذَّى هذه العملية من ميل الإنسان إلى تصنيف محيطه الاجتماعي وفق انتماءات محدّدة، تمنحه شعوراً بالانتماء وتؤثّر في نظرته إلى الآخرين. وعندما يضحك المتفرّج على صورة طائفية متداوَلَة، فهو يتعرَّف إلى نظام التصنيفات الذي نشأ داخله، ويُشارك في إعادة تداوله. هكذا تنشأ علاقة حسّاسة بين السخرية من التعصُّب واستمرار حضوره في المُخيّلة.

تتعب الحكايات من التكرار ولا يتعب الجمهور من الضحك (الشرق الأوسط)

تستمدّ «الله يستر» مادتها الكوميدية من هذا الموروث. فالمفارقات تتوالى وفق منطق الاختلافات المعروفة، والشخصيات تتحرَّك داخل حدود رسمتها لها هوياتها الاجتماعية. وتُستخرج الطرافة من المُبالَغة في الصفات وردود الأفعال، فيما يظلُّ الاشتغال على التحوّلات الداخلية محدوداً. ويتيح هذا البناء إيقاعاً سريعاً ومواقف مُضحِكة، لكنه يجعل العمل أقرب إلى إعادة تمثيل التصوّرات الشائعة منه إلى مُساءلتها درامياً. فالمسرح يمتلك القدرة على جَعْل الشخصية تتصرَّف على خلاف ما ينتظره الجمهور منها، وعلى كشف ما تُخفيه وراء صورتها الاجتماعية. وفي هذه المسرحية، تُحافظ الشخصيات غالباً على وظائفها الكوميدية المعروفة.

والطائفية بما تحمله من تاريخ اجتماعي ونفسي، مادة قابلة لمعالجات درامية متعدّدة. لكنّ الاعتماد على صُورها الأكثر تداولاً يجعل التعرُّف إليها أسرع من اكتشافها. ومن هذه الناحية، تعرف كوميديا «الله يستر» مُسبَقاً كيف تصل إلى جمهورها، وتُفضّل الاستثمار في استجابته المتوقَّعة على المُغامرة في تشكيل تجربة مسرحية مختلفة.

الطائفية التي تُفسد العيش تُصلح أحياناً مزاج الأمسية (الشرق الأوسط)

يمنح الأداء المسرحية حيوية، ويُسهم الانسجام بين الممثلين في الحفاظ على إيقاعها الكوميدي. وتلفت مايا يمّين في شخصيتَي «فاطمة أم حسن»، و«أنطوانيت»، جارة «جورجيت» الفضولية، بما تُحدثه من اختلاف في اللهجة والحركة وردود الفعل، خصوصاً في الشخصية الأولى التي تمنحها طرافة خاصة تتعدَّى حدود الحوار المكتوب. أما لمى لاوند فتؤدّي «جورجيت الخازن» بحضور مُقنع، وتمنح تعصّبها الطائفي ملامح امرأة تشكَّلت قناعاتها عبر التربية والعادات، وإن ظلَّت الشخصية أسيرة صورتها النمطية. وإلى جانبهما، تؤدّي ميليسا عزيز دور «ماري كريستين»، ابنة «جورجيت»، ويجسّد محمد فوعاني شخصية حبيبها «حسن»، فيما تحضر نبال عرقجي في دور «ماري إيلين»، ووليد عرقجي في دور «جان ماري»، وجويل منصور في دور الابنة الصغرى. وتسهم هذه المجموعة في إضفاء خفّة على المَشاهد العائلية، من خلال تبادُل الحوار وسرعة التفاعل، وإن بقيت الشخصيات محكومة في معظمها بالمواقف التي أُعدَّت لإثارة الضحك.

يضحك اللبنانيون على اختلافاتهم كأنهم يسمعونها للمرة الأولى (الشرق الأوسط)

وتكشف خاتمة المسرحية عن البُعد الشخصي الذي يحكم نيّات الكاتبة. تحمل نبال عرقجي صورة والدها الراحل، وتروي كيف نشأت على احترام الناس بمعزل عن انتماءاتهم الدينية، وكيف عرفت طائفتها مصادفةً في مراهقتها. تضع هذه اللحظة ما سبقها في إطار إنساني شخصي، وتكشف عن الدافع الذي حمل الكاتبة إلى معالجة الاختلافات بين اللبنانيين. فالمسرحية التي تمضي معظم وقتها في إبراز الفوارق تنتهي إلى الإشارة إلى إمكان العيش خارج سلطانها.

للضحك ضرورته في بلد أثقلته انقساماته وأزماته، و«الله يستر» تمنح جمهورها نصيباً منه. لكن كان يمكن للعرض أن يمضي أبعد في مُساءلة ما جعلنا نضحك طوال الأمسية.


فك شفرة لعبة «الهولا هوب» المعقدة ضد الجاذبية

أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
TT

فك شفرة لعبة «الهولا هوب» المعقدة ضد الجاذبية

أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)

قد تبدو لعبة طوق الخصر «الهولا هوب» مجرد وسيلة للتسلية، لكن الفيزياء الكامنة وراء هذه الأداة معقدة للغاية، لدرجة أن العلماء أمضوا عقوداً في محاولة فهم كيفية تحدِّي هذا الطوق للجاذبية.

وقد خُصِّصت أبحاث علمية عديدة لدراسة هذا اللغز البسيط: كيف تتضافر حركات الوركين والساقين مع قوى الاحتكاك والقوى الطاردة المركزية للحفاظ على دوران هذه اللعبة؟ وقد دفع هذا السؤال، الذي ظل بلا إجابة حاسمة، فريقاً من المهندسين في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة إلى معالجة المسألة باستخدام أسلوب مبتكر لتحليل البيانات.

وتتحدى النتائج، التي نُشرت أخيراً في دورية «الديناميكيات غير الخطية»، قناعات سادت على مدى 20 عاماً بشأن كيفية عمل «الهولا هوب»، كما تقترح نهجاً أفضل لنمذجة الأنظمة الميكانيكية المعقدة، مثل حركة الطوق أثناء الدوران. وقد يكون هذا النهج مفيداً في مجالات أخرى، كإعادة التأهيل البدني والروبوتات.

وسعى الباحثون في بيركلي، بقيادة أوليفر أورايلي، أستاذ الهندسة الميكانيكية، إلى البناء على الدراسات السابقة من خلال تتبُّع حركة الطوق باستخدام مستشعر متخصص سجَّل 120 لقطة في الثانية، وجمع بيانات عن السرعة الدورانية والتسارع وقوة الجاذبية والمجالات المغناطيسية.

وعندما أسفر تحليل المكونات الرئيسية للبيانات الإضافية التي جمعها الباحثون عن نتائج تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي توصلت إليها فرق بحثية سابقة، قرروا تغيير نهجهم والاستعانة بطريقة رياضية غير خطية لمعالجة البيانات.

وكشفت هذه الطريقة أن عظام الفخذ والساق والقدم تعمل معاً للحفاظ على دوران الطوق، في حين تتسبب حركة الفخذ في تذبذب الطوق رأسياً. وعلى خلاف ما أظهرته الدراسات السابقة، بيّن الباحثون أن دوران الطوق وتذبذبه مرتبطان ارتباطاً جوهرياً.

وبدأ أورايلي عمله بمحاولة تحديد حركات الجسم الضرورية لممارسة هذه اللعبة. وابتكرت زميلتاه، كريستال تشيرن، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في الهندسة الإنشائية، وتيريزا هونين، التي تشغل حالياً منصب أستاذ مساعد في الجامعة الأميركية في لبنان، طريقة لتثبيت أجهزة استشعار متطورة على الطوق والساق اليمنى والقدم. وبعد ذلك، مارست تشيرن، وهي لاعبة جمباز سابقة، اللعبة فيما كانت أجهزة الاستشعار تجمع البيانات.

وعندما حاول الباحثون محاكاة نتائج دراسات أخرى باستخدام بياناتهم الخاصة، وجدوا أن النتائج الرقمية لا تتطابق. وقال أورايلي في بيان صدر يوم الأربعاء: «لقد فوجئنا حقاً؛ فالنتائج السائدة تشير إلى أن حركة الجسم لا تؤثر في الطوق إطلاقاً، والعكس صحيح أيضاً». لكن هذا الاستنتاج لا يبدو منطقياً.

وتوصل الباحثون إلى أن دوران طوق «الهولا هوب» حول خصر تشيرن نتج عن العمل المشترك لعظام الفخذ والساق (الظنبوب) ومشط القدم.

فقد كانت عظام الفخذ والساق تلتوي كما لو كانت مقابض صنبور، في حين كانت الساق تتحرك صعوداً وهبوطاً. وكانت تشيرن تثني ساقيها ثم تمدّهما، وتحرك عظام مشط قدميها، فيما تنقل وزن جسمها من الحافة الداخلية للقدم إلى حافتها الخارجية. وأشار أورايلي إلى أن الباحثين فوجئوا بالدور المحوري الذي يؤديه الكاحلان والقدمان في هذه العملية.

فعند استخدام طوق «الهولا هوب»، لا يظل الطوق موازياً تماماً للأرض، بل يميل صعوداً وهبوطاً. وقد تبيَّن أن حركة عظام فخذ تشيرن كانت تؤثر في هذا التمايل أثناء دورانها داخل مفصلي الورك. ونظراً إلى استحالة تحريك عظمة الفخذ بهذه الطريقة من دون التواء عظمة الساق (الظنبوب)، لا يمكن فصل الحركات المسؤولة عن دوران الطوق عن تلك التي تسبب تمايله. وقال أورايلي: «لقد كان الأمر أكثر إثارة للاهتمام بكثير مما تخيلنا».

ورغم أن البحث يتمحور حول لعبة يعود انتشارها إلى خمسينات القرن الماضي، فإن دلالاته تتجاوز هذا المجال بكثير. فقد تسهم هذه النتائج في تطوير نماذج أكثر دقة لكيفية تحرك الأشخاص أثناء استخدام المشايات الطبية، على سبيل المثال، مما يساعد اختصاصيي العلاج الطبيعي على التركيز على إعادة تأهيل الحركات الأساسية. وأضافت هونين أن هذا النوع من تحليل الحركة قد يكون مفيداً أيضاً في تصميم الأطراف الاصطناعية وتطوير الروبوتات.


شمس البارودي تعود إلى الواجهة وتواجه الشائعات

الفنانة شمس البارودي (فيسبوك)
الفنانة شمس البارودي (فيسبوك)
TT

شمس البارودي تعود إلى الواجهة وتواجه الشائعات

الفنانة شمس البارودي (فيسبوك)
الفنانة شمس البارودي (فيسبوك)

عادت الفنانة المصرية المعتزلة شمس البارودي إلى الواجهة مجدداً، بعد نشرها مقاطع فيديو توثّق جوانب من يومياتها في المنزل، وفي بعض النوادي الرياضية والاجتماعية التي تزورها أحياناً، وذلك عقب تعرضها لحادث خلال وجودها في الساحل الشمالي، وفق ما ذكرته في أحد المقاطع.

وتصدّر اسم شمس البارودي قوائم «الترند» على «غوغل» في مصر، الأربعاء، بالتزامن مع تداول تصريحات لها ترد فيها على شائعات وأخبار كاذبة تتناولها، من بينها انتقادات لظهورها مجدداً بعد سنوات طويلة من الاحتجاب، وادعاءات بشأن معاناتها من حالة مرضية.

وكتبت الفنانة المعتزلة على حسابها في «فيسبوك»، عقب نشر مقطع فيديو من شرفة منزلها: «كارثة وقلة أدب وحالة من الصرع لمن يهاجمونني». وتساءلت عن أسباب تطاول أشخاص ذكرتهم بالاسم، مشيرة إلى أن أحدهم يتناول سيرتها ويقول إنها «خرّفت»، فيما يزعم آخر أنها دخلت مستشفى الأمراض العقلية، وردّت على هذه الأقوال بعبارة: «حسبي الله ونعم الوكيل».

وتواصل شمس البارودي الظهور عبر مقاطع فيديو تصورها في منزلها، تحرص خلالها على إظهار قطتين تربيهما، وتتحدث ببساطة عن يومياتها مع متابعيها وجمهورها وأصدقائها. كما ترد أحياناً على منتقدي ظهورها بالحجاب وليس النقاب، وتستعيد ذكرياتها مع زوجها الراحل الفنان حسن يوسف.

وكانت قد احتجبت عن «فيسبوك» لمدة يومين، لأنها كانت تختم القرآن أكثر من مرة في ذكرى رحيل زوجها.

شمس البارودي وزوجها الراحل حسن يوسف (حسابها على «فيسبوك»)

ورحل الفنان حسن يوسف في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عن عمر ناهز 90 عاماً، بعد مسيرة فنية طويلة قدَّم خلالها عشرات الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، واتسمت أعماله الأخيرة بالطابع الديني. وقبل رحيله بعام، فُجع يوسف وزوجته شمس البارودي بوفاة ابنهما عبد الله، عن عمر ناهز 35 عاماً.

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن شمس البارودي تعيش حالة من النشاط على منصات التواصل الاجتماعي تستحق التحية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «تواجه وحدتها بعد رحيل زوجها الفنان القدير حسن يوسف، ووفاة نجلهما قبل ذلك، من خلال سرد كثير من ذكرياتها ونشر صور ومواقف نادرة».

وعدّ عبد الرحمن ما تفعله الفنانة المعتزلة أمراً إيجابياً، موضحاً أنها لو اعتزلت الفن فإنها لم تعتزل المجتمع والحياة الاجتماعية.

واستدرك قائلاً: «لكن يبدو أن هناك من يتربص بأي نجم يحاول العودة والتواصل مع الناس بإطلاق شائعات سرعان ما يتجاوزها الفنانون، ونتمنى ألا تعوق هذه المضايقات الفنانة المعتزلة من التواصل مع جمهورها وأصدقائها ومحبيها بمقاطع الفيديو المميزة التي تحرص على نشرها وتطمئن محبيها عليها».

من جانبها، ترى الدكتورة سارة فوزي، المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن محتوى منصات التواصل الاجتماعي يعتمد على اقتصاديات الانتباه، وعلى الأخبار والمواقف المثيرة للجدل التي تحظى بنسب مشاهدات مرتفعة وتجذب الاهتمام.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا المحتوى يستهدف عادة الشخصيات العامة، سواء أكانوا فنانين أم سياسيين أم رياضيين، إذ تحظى أخبارهم، خصوصاً المتعلقة بالاعتزال والعودة منه أو الارتباط والانفصال، باهتمام كبير من جمهور هذه المنصات.

شمس البارودي على غلاف مجلة «الموعد» في السبعينات (موقع «السينما دوت كوم»)

وتابعت أن «هذه المنصات تحوّلت إلى ما يُشبه صحافة الباباراتزي أو الفضائح على مدار 24 ساعة، والمشكلة الأكبر تكمن في تفاعل المتابعين مع هذه الأخبار وتصديقها، ما يفاقم أثرها ويوسّع انتشارها».

وأشارت إلى أن ردود الفنانين الذين يتعرضون للشائعات لا تحظى أحياناً بالاهتمام الكافي، ما يستدعي تدخل الجهات المعنية، مثل «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» وغيره من المؤسسات، لوضع حد لهذه الممارسات عبر قوانين وقرارات تُسهم في تصحيح الأوضاع ومواجهة الشائعات.

وتُعد شمس البارودي من نجمات السينما المصرية في سبعينات القرن الماضي، وقدمت أفلاماً عدة مع نجوم، من بينهم فريد شوقي وأحمد مظهر. وبعد زواجها من حسن يوسف، اقتصرت مشاركاتها على الأفلام التي جمعتهما، قبل أن تقرر اعتزال الفن عام 1985، وهي في قمة مجدها الفني.