رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

علي بن تميم: ترجمنا نحو 1200 كتاب في 10 حقول معرفية عن 22 لغة

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}
TT

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

حالة من الحيوية اللافتة أحدثها «مركز أبوظبي للغة العربية» في المشهد الثقافي العربي، نظراً لتعدد المشروعات والمبادرات التي تنطوي تحت مظلته، مثل مشروع «كلمة» للترجمة الذي يعد أحد المشروعات المهمة في الانفتاح على الآخر.
يقف وراء تلك الرؤية الدكتور علي بن تميم، رئيس المركز الذي لا تخلو جعبته من طموحات وأحلام لا تنتهي. يعزز ذلك أنه أكاديمي متخصص في النقد الأدبي، وله آراء وأفكار تتسم بالرصانة والانفتاح على الجديد. هنا حوار معه حول إنجازات المركز، ورأيه في التحديات التي تواجه ترجمة ثقافتنا إلى اللغات الأجنبية، وملاحظاته على الخطاب الثقافي العربي.

> بعد مضي أكثر من عامين على انطلاق «مركز أبوظبي للغة العربية»، ما الذي تحقق؟ وما الذي يحمله المستقبل ضمن استراتيجية المركز؟
- نعتز كثيراً بالإنجازات التي حققها «مركز أبوظبي للغة العربية»، فعلى الرغم من تأسيسه منذ عامين تقريباً، نجحنا في وضع ركائز للمضي نحو تحقيق أهداف استراتيجيتنا الرامية إلى تعزيز مكانة اللغة العربية بين لغات العالم، والنهوض بها علمياً وثقافياً وتعليمياً، وقيادة جهود البحث والتطوير اللغوي، ودعم المواهب العربية في مختلف تجليات اللغة العربية، بوصفها لغة علم وفنون وآداب وحضارة. نجحنا في إثارة الاهتمام نحو ضرورة الانشغال العملي بواقع ومستقبل اللغة العربية. المركز مظلة تنضوي تحتها مشروعات مهمة، منها مشروع «كلمة» للترجمة الذي غذى المكتبة العربية حتى الآن بنحو 1200 كتاب مترجم في 10 حقول معرفية عن 22 لغة، بالتعاون مع أكثر من 200 دار نشر عالمية. ويدير قاعدة ترجمة تضم أكثر من 750 مترجماً في 22 لغة. وكذلك «جائزة الشيخ زايد للكتاب» التي تأسست عام 2006، وهي الآن في مقدمة الجوائز العالمية، إضافة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي صار أحد أبرز الأحداث على أجندة معارض الكتاب العالمية. وأطلق المركز مشروعه المهم «دليل المعاني» الرقمي، الهادف إلى دعم المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، وتأسيس مرجعٍ رقمي متكامل للناطقين وغير الناطقين باللغة العربية.
الإنجازات كثيرة في الحقيقة؛ لكن أحب أن أشير من بينها إلى موسوعة «عيون الشعر العربي» التي تعد الأولى من نوعها القائمة على منهج المختارات التي يعدها أدباء وباحثون ومبدعون كبار، لإعادة ربط الأجيال بالشعر العربي منذ أقدم عصوره وحتى العصر الحديث.
> كيف تفسر تراجع الاهتمام باللغة على المستوى العربي، سواء في وسائل الإعلام أو بالتهافت على اللغات الأجنبية؟
- يجب أن نكون واقعيين في نظرتنا لمسألة تراجع الاهتمام باللغة العربية التي لها كثير من الأسباب التي يتحتم علينا معالجتها. ولعل أهمها أن التطور العلمي والثورة الصناعية الرابعة التي أثرت بشكل عميق جداً في كافة مناحي الحياة كانت أدواتها وعناصرها بلغة غير اللغة العربية، لذا كان التوجه الكبير نحو اللغات الأخرى لتطوير الدول وتحقيق التنمية، حتى من المجتمعات العربية. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في آليات تعليم وتعلم اللغة العربية، ومدها بأساليب مبتكرة تُقلل من الانطباع السائد بأن اللغة العربية لغة صعبة أو جامدة، ولنقس على ذلك وضع تصورات وآليات شاملة لتعزيز مكانة اللغة العربية في جميع جوانب حياتنا، لتعود كما كانت لغة العلم والمعرفة والثقافة الأولى.
هذا جزء من مهمة عملنا التي نضطلع بمسؤوليتها في «مركز أبوظبي للغة العربية»، تنفيذاً لتوجيهات قيادة دولة الإمارات التي تؤمن بأن اللغة العربية مقوم أصيل من مقومات الهوية والحضارة العربية، وتبذل جهوداً ضخمة، وتطلق مبادرات كبرى، في سبيل تعزيز حضورها. ومن أبرز جهودنا في هذا الصدد مشروع «مؤشر اللغة العربية» الذي ندير من خلاله دراسات مسحية وبحثية دورية منضبطة إحصائياً، لتقييم الانطباعات العامة عن اللغة العربية في مجالات المعرفة والثقافة والإبداع، ومدى استخدامها في الوسائط الرقمية من قبل الناطقين بها وبغيرها. وقد أُعلنت منذ فترة قصيرة نتائج الدراسة التي استغرقت سنة انتهت بنهاية يونيو (حزيران) الماضي، وهي دراسات تفيد نتائجها كافة المؤسسات المعنية باللغة العربية، كما أننا نستخدمها في تطوير مبادراتنا الاستراتيجية الموجهة للناطقين ولغير الناطقين بالعربية، ومن بينها برنامج «نتكلم العربية» الذي أطلقناه مطلع العام الجاري، بهدف توفير مواد رقمية لتعليم اللغة العربية المبسّطة لغير الناطقين بها.
> يقوم المركز بعمل ترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية، فمتى نرى ترجمات عكسية من العربية إلى اللغات الأجنبية، حتى يكون الفكر والإبداع العربيان متاحين لدى الآخر؟
- يمكننا إنفاق الملايين على الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، ولكن هل يغير ذلك من حقيقة أننا منذ عقود طويلة لم نعد ننتج ما يجعل الآخر متلهفاً على تحويله إلى لغته، باعتباره مدخلات علمية مهمة لا تستقيم من دونها عمليات التنمية والتقدم والنمو الحضاري؟ هذا لا ينفي أهمية ترجمة النماذج الفارقة من الإبداع العربي الفكري والأدبي والعلمي إلى لغات العالم، وبذل الجهد في انتقاء ما يسهم في تطوير وتصحيح الصورة الاستشراقية عن الثقافة العربية، ولكن تبقى كلها جهوداً واجبة تحتاج إلى من يرعاها وينفق عليها، ولن تتحول الترجمة من العربية إلى لغات الآخر إلى عمل يخضع لمنطق العرض والطلب إلا عندما تنتقل الثقافة العربية من خانة الاستهلاك إلى خانة الإنتاج، والأمل في ذلك معقود على الدول التي تخوض بجد وجدارة غمار العلم الحديث، وتسعى لتجسير الفجوة التكنولوجية والفكرية بيننا وبين الآخر.
ونحن من جانبنا نبذل جهداً في هذا الصدد، من خلال ما نترجمه في «مركز أبوظبي للغة العربية» من كتب عربية إلى اللغات الأخرى، للتعريف بثقافتنا وإبداعاتنا. وقد ترجمنا عدة كتب إلى الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والروسية، والصينية، والهندية، والأوردية، والفلبينية، في حقول مختلفة، منها كتب للأطفال وكتب من الأدب المعاصر.
> لك نظرات عميقة فيما تسميه «ضيق الأفق» الذي يسارع إلى تحريم كل ما يتصل بالموسيقى والفنون؛ بل لعبة الشطرنج! كيف ترى المعركة بين الاستنارة و«ذهنية التحريم» في الثقافة العربية حالياً؟
- عند قراءة ما يحدث في المجتمعات على خلفية ذهنية التحريم والرغبة في التضييق على الناس باسم الدين، أو بلفظ أدق: باستغلال الدين، علينا التفرقة بين ثلاث فئات على الأقل، تضم الأولى هؤلاء المستفيدين من إشاعة ثقافة التحريم من تجار الدين الذين لا يتورعون عن لَي عنق الحقيقة واجتزاء النصوص، للوصول إلى مبتغاهم وترسيخ أفكارهم المسمومة في العقول. والفئة الثانية تضم عوام الناس الذين -نتيجة لتعطل عمل العقل الناقد وتأثير استخدام الدين على عواطفهم- باتوا مادة طيعة لكلّ أفاك ومزور. والفئة الثالثة التي تقع على عاتقها مهمة كشف المستغلين وإيضاح الأمور للمستهدفين. وهو جهد يشترط فيه لكي ينجح ويؤتي ثماره أن تمتلك القيادات الوعي والاستنارة اللازمين لإشاعة الفكر الصحيح، لتتحول أدوات المجتمع ومؤسساته وأفراده إلى جنود. وأقرب النماذج لذلك ما أشاعته قيادة الإمارات في أوصال المجتمع من وعي لمواجهة الإرهاب، فصار الجميع جنوداً في معركة هزيمة خطاب الإرهاب واجتثاثه من جذوره، بقوة الوعي والأمل والتسامح.
> هل يقف المثقف العربي وحيداً بعد أن خذله الجميع في معركته لنقد التراث، كما رأينا من أمثلة في الفترة الأخيرة، وصلت إلى تهديدات بالقتل من تنظيمات إرهابية؟
- مما يؤسف له أن كثيراً من المثقفين العرب يجنحون خلال سعيهم ضد حركات الإرهاب الفكري، إلى خطاب يقترب في منطقه من منطق من نحاربهم، ربما بدافع من الحماس، أو بتأثير شهوة الانتشار وإثارة الجدل. أو لاعتقادهم بمنطق الصدمة. لا أقصد أشخاصاً محددين، ولكن مثل هذه التصرفات المثيرة التي تفوح منها أحياناً روائح الغضب والكراهية والعداء، تمنح الخصوم فرصة الظهور وعرقلة عملية التواصل الهادئ مع المجتمع، وهي الحالة اللازمة لبناء العقل الناقد، ومنح الناس فرصة للفهم وتطوير الرؤى. علينا أن نلتزم بالخطاب الهادئ العقلاني المنفتح؛ لأننا نملك الكثير مما يمكن تقديمه إذا أجدنا أساليب التقديم.
> ترى أن قيم المواطنة والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات لها جذور في التراث العربي، كيف ذلك؟
- بلا أدنى شك، هل ينكر أحد أن التراث العربي بمعناه الحضاري الواسع، وبما يضمه من إبداعات فكرية وعلمية ونماذج تفكير بعضها غير مسبوق في العالم، قد عرف قيم المواطنة، والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات وحقوق الإنسان؛ بل الحيوان والنبات وثروات البيئة؟ هل ينكر أحد أن المواطنة كانت حقاً لكل المختلفين في العقيدة في المجتمع العربي، من يهود ومسيحيين وزرادشتيين ومجوس، وغيرهم؟ هذا هو بعينه الخلط الذي يسعى إرهابيو الفكر إلى ترسيخ وجوده، والاكتفاء بما يروجونه باعتباره الدين.
نحن في حاجة ماسة إلى إضاءة ذخائر التراث العربي في الأدب والعلم والفلسفة والدراسات الثقافية والإنسانية، حاجتنا إلى محاربة محاولات تزييفه وقصره على ما يحقق أغراضهم وأفكارهم المشوهة.
> أخيراً، ما ملاحظاتك -سلباً وإيجاباً- على المشهد الروائي العربي، باعتبارك أستاذاً في النقد الأدبي؟
- الرواية العربية تتقدم على صعيد المحتوى والشكل؛ ليس فقط بالاستفادة من تجارب الغرب، ولكن بعودة واعية إلى الجذور في التراث العربي، وما تضمنه من أطروحات سابقة لعصرها، وهو اتجاه أسس له روائيون قديرون منذ عقود؛ لكن -وكما هي البدايات- لم تخلُ محاولاتهم من وضوح التعمد، ولكن بفضل جهودهم هذه وبفضل حركات الإضاءة على ذخائر التراث، بات جزءاً طبيعياً في الحركة الروائية العربية، بمعنى أنه بات جزءاً من وعي الأجيال الأحدث. وفي رأيي أن منظومة الجوائز العربية، وفي مقدمتها الجائزة الدولية للرواية العربية (البوكر) كان لها إسهامها الواضح في هذا الأمر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)
زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)
TT

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)
زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام. وتضافرت عوامل التربة الرطبة، ووفرة أشعة الشمس، وغياب الصقيع، لتمنح بعض النباتات بدايةً مبكرةً ملحوظة. وأفادت حدائق جنوب إنجلترا، على وجه الخصوص، بتفتح الأزهار قبل أسابيع من الموعد المعتاد.

أما في الشمال، جاء الربيع بخطى أبطأ قليلاً في بدايته، مع استمرار الطقس البارد والممطر لفترة أطول.

ويعرف الربيع بأنه فصل انتقالي؛ إذ تتلاشى آثار الشتاء تدريجياً ليحل محلها دفء متزايد، وتطول الأيام، وترتفع الشمس في السماء، فتستجيب النباتات لزيادة ضوء الشمس وارتفاع درجات الحرارة. تفسح زهور التوليب والجريس المجال لزهور الثلج والنرجس. وبوجه عام، يتأثر معدل وكثافة أزهار الربيع بشكل كبير بالطقس.

وبدأت معظم أنحاء المملكة المتحدة هذا العام فصل الربيع بتربة غنية بالرطوبة بعد شتاء أكثر مطراً من المعتاد. تُظهر أرقام مكتب الأرصاد الجوية أن مارس (آذار) شهد طقساً دافئاً بشكل ملحوظ في إنجلترا وويلز بشكل خاص، بجانب الكثير من أشعة الشمس.

وفي حدائق (هول بارك) في مقاطعة كنت، وصف مالكها إدوارد بارام عرض زهور الجريس الأزرق هذا العام بأنه «رائع، وربما من أفضل العروض في السنوات الأخيرة». وتعود سجلاتهم إلى عقود مضت. وقال لـ«بي بي سي»: «هذا بالتأكيد أبكر وقت شهدنا فيه تفتح زهور الجريس الأزرق، قبل موعدها بأسبوعين على الأقل، وقد بلغ ذروته بفضل الطقس الدافئ جداً في فترة عيد الفصح».

ويذكر أن المملكة المتحدة شهدت منذ بداية فصل الربيع المناخي في الأول من مارس تبايناً ملحوظاً في الأحوال الجوية بين الشمال والجنوب. وتسببت أنظمة الضغط المنخفض المتتالية في هطول أمطار غزيرة على أجزاء من اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية وشمال غرب إنجلترا. أما في الجنوب، فقد أدى ارتفاع الضغط الجوي إلى طقس أكثر جفافاً.

في منتصف فصل الربيع، كان من المتوقع أن نشهد نحو 50 في المائة من معدل هطول الأمطار الربيعي، إلا أن كينلوشيو في اسكتلندا تلقت 110 في المائة من هذا المعدل حتى الآن، بينما لم تشهد شوبورينس في إسكس سوى 11 في المائة من معدل هطول الأمطار الربيعي المتوقع. كما تُظهر درجات الحرارة في أبريل (نيسان) تبايناً إقليمياً، فعلى سبيل المثال، كانت درجات الحرارة في آيرلندا الشمالية أقل من المعدل بمقدار 0.4 درجة مئوية حتى الآن هذا الشهر، بينما كانت في إنجلترا أعلى من المعدل بمقدار 0.8 درجة مئوية.


النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)
القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)
TT

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)
القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)

حذَّرت دراسة أميركية من أن الإفراط في القيلولة خلال النهار لدى كبار السن قد يكون مؤشراً مبكراً على وجود اضطرابات صحية غير ظاهرة، أو بداية تدهور تدريجي في الحالة الصحية.

وأوضح الباحثون في مستشفى «بريغهام آند ويمنز» في بوسطن أن النتائج تفتح الباب أمام استخدام أنماط النوم بوصفها أداة للتشخيص المبكر للأمراض. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «JAMA Network Open».

والقيلولة هي فترة نوم قصيرة تُؤخذ خلال النهار، عادة بين الظهر والعصر، بهدف استعادة النشاط وتقليل الشعور بالتعب. وقد تكون مفيدة إذا كانت معتدلة وقصيرة؛ إذ تساعد على تحسين التركيز والمزاج. لكن الإفراط فيها أو زيادتها بشكل ملحوظ قد يشير أحياناً إلى اضطرابات في النوم أو مشكلات صحية أخرى.

وخلال الدراسة، تابع الباحثون 1338 شخصاً من كبار السن لمدة تصل إلى 19 عاماً، لرصد عادات القيلولة وتأثيرها في الصحة العامة ومعدلات الوفاة.

واعتمد الباحثون على بيانات دقيقة جُمعت عبر قياسات موضوعية من أجهزة مراقبة النشاط التي تُرتدى على المعصم، مما أتاح قياس أنماط القيلولة من حيث مدتها وتكرارها وتوقيتها، بدلاً من الاعتماد على التقديرات الشخصية. واستندت الدراسة إلى مشروع بحثي يركّز على فهم التدهور المعرفي مع التقدم في العمر.

وحسب النتائج، تبيّن أن القيلولة الطويلة والمتكررة، خصوصاً في ساعات الصباح، ترتبط بزيادة ملحوظة في خطر الوفاة.

وأظهرت البيانات أن كل ساعة إضافية من القيلولة اليومية تزيد هذا الخطر بنحو 13 في المائة، في حين يؤدي تكرار القيلولة إلى ارتفاعه بنسبة 7 في المائة لكل مرة إضافية يومياً. كما أن الأشخاص الذين ينامون في الصباح كانوا أكثر عرضة للوفاة بنسبة 30 في المائة مقارنة بمن يأخذون قيلولة بعد الظهر.

أمراض القلب

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور تشينلو غاو في مستشفى «بريغهام آند ويمنز»، إن القيلولة المفرطة في مراحل متقدمة من العمر ارتبطت سابقاً بأمراض التنكس العصبي وأمراض القلب والأوعية الدموية، غير أن معظم الدراسات اعتمدت على بيانات ذاتية، في حين اعتمدت هذه الدراسة على قياسات موضوعية لأنماط النوم، بما في ذلك توقيت القيلولة وانتظامها.

وأضاف، عبر موقع المستشفى، أن هذه النتائج تبرز أهمية تتبع أنماط القيلولة، واستخدام الأجهزة القابلة للارتداء لمتابعة النوم خلال النهار بوصفها أداةً بسيطة وفعالة في الرعاية الصحية لكبار السن.

وأشار إلى أن القيلولة المفرطة لا تُعد سبباً مباشراً للوفاة، بل هي على الأرجح مؤشر على وجود أمراض مزمنة كامنة، مثل اضطرابات النوم، أو أمراض القلب والأوعية الدموية، أو الخلل في الساعة البيولوجية، أو حتى بدايات الأمراض العصبية التنكسية.

ويأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تعزيز استخدام الأجهزة القابلة للارتداء لمراقبة القيلولة خلال النهار، مما قد يساعد الأطباء على التنبؤ بالحالات الصحية مبكراً والتدخل قبل تفاقمها.


وجبات خفيفة وصحية تحارب الشعور بالإرهاق نهاراً

الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)
الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)
TT

وجبات خفيفة وصحية تحارب الشعور بالإرهاق نهاراً

الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)
الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)

يعاني كثير من الأشخاص مما يُعرف بـ«هبوط الطاقة بعد الظهر»، الذي يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساءً؛ حيث يشعر الإنسان بالتعب، وضبابية التفكير، وضعف التركيز، إلى جانب زيادة الرغبة في تناول السكر أو الكافيين.

ويؤكد خبراء التغذية أن هذا الشعور لا يرتبط فقط بالإرهاق، بل يتصل بشكل مباشر بنمط التغذية خلال اليوم، خصوصاً من حيث توازن الوجبات وجودتها، وذلك وفقاً لمجلة «Real Simple» الأميركية.

وتوضح خبيرة التغذية الأميركية لي كوتون أن نقص الطاقة يحدث غالباً عندما لا يحصل الجسم على تغذية كافية، مشدِّدة على أهمية تناول الطعام بانتظام، بدءاً من وجبة الإفطار، للحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم والطاقة.

وتضيف أن جودة الطعام لا تقل أهمية عن كميته، إذ يُفضَّل الاعتماد على أطعمة غنية بالعناصر الغذائية، مثل الخضراوات، والفواكه، والبروتينات الخفيفة، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

من جانبها، تشير خبيرة التغذية الأميركية تشيلسي أمير إلى أن أفضل وسيلة لتجنب انخفاض الطاقة هي تناول وجبات متوازنة تحتوي على البروتين، والألياف، والكربوهيدرات الصحية؛ إذ يساعد هذا المزيج على إبطاء عملية الهضم ومنع التقلبات المفاجئة في سكر الدم، مما ينعكس على مستوى طاقة أكثر استقراراً خلال اليوم.

وتؤكد أن تخطي الوجبات غالباً ما يؤدي إلى انخفاض سكر الدم، وبالتالي الشعور بالتعب وضعف التركيز. ومن الأمثلة الجيدة لوجبة الغداء: طبق يحتوي على الكينوا مع الخضراوات المشوية والدجاج أو السلمون، أو سلطة غنية بالفاصوليا والأفوكادو.

كما تشير خبيرة التغذية الأميركية آمي جودسون إلى أن تناول نحو 30 غراماً من البروتين في كل وجبة يساعد على تثبيت مستوى السكر في الدم وتقليل الشعور بالإجهاد، خصوصاً عند تناوله في وجبة الإفطار بعد الصيام الليلي.

وإلى جانب التغذية، هناك عوامل أخرى تؤثر في مستوى الطاقة خلال اليوم، من بينها قلة النوم، وقلة الحركة، والجفاف، وهي عوامل قد تزيد من الشعور بالإرهاق وتضعف التركيز.

لذلك، ينصح الخبراء بالحرص على تناول وجبات خفيفة صحية بين الوجبات الرئيسية، تحتوي على البروتين والألياف، مثل الزبادي مع الفواكه، أو الجبن مع الحبوب الكاملة، أو الفاكهة مع اللحم المجفف. كما يُفضَّل تناول هذه الوجبات قبل فترة انخفاض الطاقة المتوقعة لتقليل الشعور بالتعب والحفاظ على نشاط مستمر.

شرب الماء

ويُعد شرب الماء بانتظام عنصراً أساسياً للحفاظ على الحيوية؛ إذ إن حتى الجفاف البسيط قد يؤدي إلى ضعف التركيز والشعور بالإرهاق، لذلك يُنصح بتناول ما بين 8 و10 أكواب من الماء يومياً لدعم وظائف الجسم المختلفة.

ولا تقل الحركة البدنية أهمية عن التغذية والترطيب؛ فالمشي لبضع دقائق أو أداء تمارين خفيفة خلال اليوم يساعد على تنشيط الدورة الدموية وزيادة اليقظة. كما أن ممارسة نحو 150 دقيقة من النشاط البدني أسبوعياً تسهم في تحسين مستوى الطاقة بشكل عام.

ويخلص الخبراء إلى أن الحل الحقيقي لهبوط الطاقة بعد الظهر لا يعتمد على القهوة أو السكريات، بل على نمط حياة متوازن يجمع بين التغذية السليمة، وشرب الماء بانتظام، والحركة المستمرة، مما يساعد على الحفاظ على طاقة مستقرة طوال اليوم.