رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

علي بن تميم: ترجمنا نحو 1200 كتاب في 10 حقول معرفية عن 22 لغة

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}
TT

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

رئيس «مركز أبوظبي للغة العربية» يؤكد أهمية انتقال ثقافتنا من {الاستهلاك إلى الإنتاج}

حالة من الحيوية اللافتة أحدثها «مركز أبوظبي للغة العربية» في المشهد الثقافي العربي، نظراً لتعدد المشروعات والمبادرات التي تنطوي تحت مظلته، مثل مشروع «كلمة» للترجمة الذي يعد أحد المشروعات المهمة في الانفتاح على الآخر.
يقف وراء تلك الرؤية الدكتور علي بن تميم، رئيس المركز الذي لا تخلو جعبته من طموحات وأحلام لا تنتهي. يعزز ذلك أنه أكاديمي متخصص في النقد الأدبي، وله آراء وأفكار تتسم بالرصانة والانفتاح على الجديد. هنا حوار معه حول إنجازات المركز، ورأيه في التحديات التي تواجه ترجمة ثقافتنا إلى اللغات الأجنبية، وملاحظاته على الخطاب الثقافي العربي.

> بعد مضي أكثر من عامين على انطلاق «مركز أبوظبي للغة العربية»، ما الذي تحقق؟ وما الذي يحمله المستقبل ضمن استراتيجية المركز؟
- نعتز كثيراً بالإنجازات التي حققها «مركز أبوظبي للغة العربية»، فعلى الرغم من تأسيسه منذ عامين تقريباً، نجحنا في وضع ركائز للمضي نحو تحقيق أهداف استراتيجيتنا الرامية إلى تعزيز مكانة اللغة العربية بين لغات العالم، والنهوض بها علمياً وثقافياً وتعليمياً، وقيادة جهود البحث والتطوير اللغوي، ودعم المواهب العربية في مختلف تجليات اللغة العربية، بوصفها لغة علم وفنون وآداب وحضارة. نجحنا في إثارة الاهتمام نحو ضرورة الانشغال العملي بواقع ومستقبل اللغة العربية. المركز مظلة تنضوي تحتها مشروعات مهمة، منها مشروع «كلمة» للترجمة الذي غذى المكتبة العربية حتى الآن بنحو 1200 كتاب مترجم في 10 حقول معرفية عن 22 لغة، بالتعاون مع أكثر من 200 دار نشر عالمية. ويدير قاعدة ترجمة تضم أكثر من 750 مترجماً في 22 لغة. وكذلك «جائزة الشيخ زايد للكتاب» التي تأسست عام 2006، وهي الآن في مقدمة الجوائز العالمية، إضافة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي صار أحد أبرز الأحداث على أجندة معارض الكتاب العالمية. وأطلق المركز مشروعه المهم «دليل المعاني» الرقمي، الهادف إلى دعم المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، وتأسيس مرجعٍ رقمي متكامل للناطقين وغير الناطقين باللغة العربية.
الإنجازات كثيرة في الحقيقة؛ لكن أحب أن أشير من بينها إلى موسوعة «عيون الشعر العربي» التي تعد الأولى من نوعها القائمة على منهج المختارات التي يعدها أدباء وباحثون ومبدعون كبار، لإعادة ربط الأجيال بالشعر العربي منذ أقدم عصوره وحتى العصر الحديث.
> كيف تفسر تراجع الاهتمام باللغة على المستوى العربي، سواء في وسائل الإعلام أو بالتهافت على اللغات الأجنبية؟
- يجب أن نكون واقعيين في نظرتنا لمسألة تراجع الاهتمام باللغة العربية التي لها كثير من الأسباب التي يتحتم علينا معالجتها. ولعل أهمها أن التطور العلمي والثورة الصناعية الرابعة التي أثرت بشكل عميق جداً في كافة مناحي الحياة كانت أدواتها وعناصرها بلغة غير اللغة العربية، لذا كان التوجه الكبير نحو اللغات الأخرى لتطوير الدول وتحقيق التنمية، حتى من المجتمعات العربية. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في آليات تعليم وتعلم اللغة العربية، ومدها بأساليب مبتكرة تُقلل من الانطباع السائد بأن اللغة العربية لغة صعبة أو جامدة، ولنقس على ذلك وضع تصورات وآليات شاملة لتعزيز مكانة اللغة العربية في جميع جوانب حياتنا، لتعود كما كانت لغة العلم والمعرفة والثقافة الأولى.
هذا جزء من مهمة عملنا التي نضطلع بمسؤوليتها في «مركز أبوظبي للغة العربية»، تنفيذاً لتوجيهات قيادة دولة الإمارات التي تؤمن بأن اللغة العربية مقوم أصيل من مقومات الهوية والحضارة العربية، وتبذل جهوداً ضخمة، وتطلق مبادرات كبرى، في سبيل تعزيز حضورها. ومن أبرز جهودنا في هذا الصدد مشروع «مؤشر اللغة العربية» الذي ندير من خلاله دراسات مسحية وبحثية دورية منضبطة إحصائياً، لتقييم الانطباعات العامة عن اللغة العربية في مجالات المعرفة والثقافة والإبداع، ومدى استخدامها في الوسائط الرقمية من قبل الناطقين بها وبغيرها. وقد أُعلنت منذ فترة قصيرة نتائج الدراسة التي استغرقت سنة انتهت بنهاية يونيو (حزيران) الماضي، وهي دراسات تفيد نتائجها كافة المؤسسات المعنية باللغة العربية، كما أننا نستخدمها في تطوير مبادراتنا الاستراتيجية الموجهة للناطقين ولغير الناطقين بالعربية، ومن بينها برنامج «نتكلم العربية» الذي أطلقناه مطلع العام الجاري، بهدف توفير مواد رقمية لتعليم اللغة العربية المبسّطة لغير الناطقين بها.
> يقوم المركز بعمل ترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية، فمتى نرى ترجمات عكسية من العربية إلى اللغات الأجنبية، حتى يكون الفكر والإبداع العربيان متاحين لدى الآخر؟
- يمكننا إنفاق الملايين على الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، ولكن هل يغير ذلك من حقيقة أننا منذ عقود طويلة لم نعد ننتج ما يجعل الآخر متلهفاً على تحويله إلى لغته، باعتباره مدخلات علمية مهمة لا تستقيم من دونها عمليات التنمية والتقدم والنمو الحضاري؟ هذا لا ينفي أهمية ترجمة النماذج الفارقة من الإبداع العربي الفكري والأدبي والعلمي إلى لغات العالم، وبذل الجهد في انتقاء ما يسهم في تطوير وتصحيح الصورة الاستشراقية عن الثقافة العربية، ولكن تبقى كلها جهوداً واجبة تحتاج إلى من يرعاها وينفق عليها، ولن تتحول الترجمة من العربية إلى لغات الآخر إلى عمل يخضع لمنطق العرض والطلب إلا عندما تنتقل الثقافة العربية من خانة الاستهلاك إلى خانة الإنتاج، والأمل في ذلك معقود على الدول التي تخوض بجد وجدارة غمار العلم الحديث، وتسعى لتجسير الفجوة التكنولوجية والفكرية بيننا وبين الآخر.
ونحن من جانبنا نبذل جهداً في هذا الصدد، من خلال ما نترجمه في «مركز أبوظبي للغة العربية» من كتب عربية إلى اللغات الأخرى، للتعريف بثقافتنا وإبداعاتنا. وقد ترجمنا عدة كتب إلى الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والروسية، والصينية، والهندية، والأوردية، والفلبينية، في حقول مختلفة، منها كتب للأطفال وكتب من الأدب المعاصر.
> لك نظرات عميقة فيما تسميه «ضيق الأفق» الذي يسارع إلى تحريم كل ما يتصل بالموسيقى والفنون؛ بل لعبة الشطرنج! كيف ترى المعركة بين الاستنارة و«ذهنية التحريم» في الثقافة العربية حالياً؟
- عند قراءة ما يحدث في المجتمعات على خلفية ذهنية التحريم والرغبة في التضييق على الناس باسم الدين، أو بلفظ أدق: باستغلال الدين، علينا التفرقة بين ثلاث فئات على الأقل، تضم الأولى هؤلاء المستفيدين من إشاعة ثقافة التحريم من تجار الدين الذين لا يتورعون عن لَي عنق الحقيقة واجتزاء النصوص، للوصول إلى مبتغاهم وترسيخ أفكارهم المسمومة في العقول. والفئة الثانية تضم عوام الناس الذين -نتيجة لتعطل عمل العقل الناقد وتأثير استخدام الدين على عواطفهم- باتوا مادة طيعة لكلّ أفاك ومزور. والفئة الثالثة التي تقع على عاتقها مهمة كشف المستغلين وإيضاح الأمور للمستهدفين. وهو جهد يشترط فيه لكي ينجح ويؤتي ثماره أن تمتلك القيادات الوعي والاستنارة اللازمين لإشاعة الفكر الصحيح، لتتحول أدوات المجتمع ومؤسساته وأفراده إلى جنود. وأقرب النماذج لذلك ما أشاعته قيادة الإمارات في أوصال المجتمع من وعي لمواجهة الإرهاب، فصار الجميع جنوداً في معركة هزيمة خطاب الإرهاب واجتثاثه من جذوره، بقوة الوعي والأمل والتسامح.
> هل يقف المثقف العربي وحيداً بعد أن خذله الجميع في معركته لنقد التراث، كما رأينا من أمثلة في الفترة الأخيرة، وصلت إلى تهديدات بالقتل من تنظيمات إرهابية؟
- مما يؤسف له أن كثيراً من المثقفين العرب يجنحون خلال سعيهم ضد حركات الإرهاب الفكري، إلى خطاب يقترب في منطقه من منطق من نحاربهم، ربما بدافع من الحماس، أو بتأثير شهوة الانتشار وإثارة الجدل. أو لاعتقادهم بمنطق الصدمة. لا أقصد أشخاصاً محددين، ولكن مثل هذه التصرفات المثيرة التي تفوح منها أحياناً روائح الغضب والكراهية والعداء، تمنح الخصوم فرصة الظهور وعرقلة عملية التواصل الهادئ مع المجتمع، وهي الحالة اللازمة لبناء العقل الناقد، ومنح الناس فرصة للفهم وتطوير الرؤى. علينا أن نلتزم بالخطاب الهادئ العقلاني المنفتح؛ لأننا نملك الكثير مما يمكن تقديمه إذا أجدنا أساليب التقديم.
> ترى أن قيم المواطنة والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات لها جذور في التراث العربي، كيف ذلك؟
- بلا أدنى شك، هل ينكر أحد أن التراث العربي بمعناه الحضاري الواسع، وبما يضمه من إبداعات فكرية وعلمية ونماذج تفكير بعضها غير مسبوق في العالم، قد عرف قيم المواطنة، والاعتراف بالآخر وحماية الأقليات وحقوق الإنسان؛ بل الحيوان والنبات وثروات البيئة؟ هل ينكر أحد أن المواطنة كانت حقاً لكل المختلفين في العقيدة في المجتمع العربي، من يهود ومسيحيين وزرادشتيين ومجوس، وغيرهم؟ هذا هو بعينه الخلط الذي يسعى إرهابيو الفكر إلى ترسيخ وجوده، والاكتفاء بما يروجونه باعتباره الدين.
نحن في حاجة ماسة إلى إضاءة ذخائر التراث العربي في الأدب والعلم والفلسفة والدراسات الثقافية والإنسانية، حاجتنا إلى محاربة محاولات تزييفه وقصره على ما يحقق أغراضهم وأفكارهم المشوهة.
> أخيراً، ما ملاحظاتك -سلباً وإيجاباً- على المشهد الروائي العربي، باعتبارك أستاذاً في النقد الأدبي؟
- الرواية العربية تتقدم على صعيد المحتوى والشكل؛ ليس فقط بالاستفادة من تجارب الغرب، ولكن بعودة واعية إلى الجذور في التراث العربي، وما تضمنه من أطروحات سابقة لعصرها، وهو اتجاه أسس له روائيون قديرون منذ عقود؛ لكن -وكما هي البدايات- لم تخلُ محاولاتهم من وضوح التعمد، ولكن بفضل جهودهم هذه وبفضل حركات الإضاءة على ذخائر التراث، بات جزءاً طبيعياً في الحركة الروائية العربية، بمعنى أنه بات جزءاً من وعي الأجيال الأحدث. وفي رأيي أن منظومة الجوائز العربية، وفي مقدمتها الجائزة الدولية للرواية العربية (البوكر) كان لها إسهامها الواضح في هذا الأمر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.