«سياحة الطاقة»... هل تجذب الفارين من شتاء الأزمة الأوكرانية؟

مطار الغردقة يستقبل ما يقرب من 10 آلاف سائح يومياً من دول مختلفة

معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
TT

«سياحة الطاقة»... هل تجذب الفارين من شتاء الأزمة الأوكرانية؟

معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)
معابد أسوان بين المقاصد السياحية الشتوية المصرية (وزارة الآثار والسياحة المصرية)

خلقت أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب الأوكرانية - الروسية مصطلحا جديدا، وهو «سياحة الطاقة»، في إشارة إلى محاولة بعض شركات السياحة الأوروبية، استغلال أزمة الطاقة التي تشتد حدتها يوما بعد الآخر، للترويج إلى رحلات تقوم بتنظيمها إلى الوجهات الدافئة شتاء.
ومع بداية الحرب، والتلويح الروسي المستمر باستخدام ورقة الغاز للضغط على أوروبا، توقعت تقارير أن تكون أوروبا على موعد مع «شتاء شديد الصعوبة»، وصارت هذه التوقعات أقرب إلى التحقق على أرض الواقع، بعد أن أعلنت شركة «غازبروم» الروسية الحكومية وقف تدفق إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1»، بسبب أحداث تسرب «غير مفسر» للغاز، وهو ما يجعل المنطقة الأوروبية في مواجهة شتاء قاس جدا، وتهديدات قد تصل بالمنطقة إلى ركود اقتصادي حاد في الفترة المقبلة، نظرا للاعتماد على روسيا في توفير 40 في المائة من احتياجاتها، من الغاز الطبيعي.
وحاولت شركات سياحية استغلال هذه الأزمة بالترويج للوجهات السياحية الدافئة.
وبحسب تقرير نشره موقع «يورو نيوز» مطلع الشهر الجاري، فإن شركات عدة، ومنها شركة «ترافيل تايم ورلد»، أطلقت حملات تسويقية خلال الشهر لتسلط الضوء على التكلفة المنخفضة لقضاء اليوم في العطلات الطويلة، ونقل التقرير عن آشلي كوينت، مصممة العطلات في الشركة أن الفكرة جاءت بعد تقارير تفيد بأن «سقف أسعار الطاقة في المملكة المتحدة قد يصل إلى 7 آلاف جنيه إسترليني (8120 يورو) سنويا بحلول أبريل (نيسان) 2023، أي ما يعادل 20 جنيها إسترلينيا (23 يورو) في اليوم تقريبا، بينما يمكن الحصول على إقامة في فندق أو شقة (بما في ذلك الرحلات الجوية والنقل) مقابل حوالي 20 إلى 25 جنيها إسترلينيا في الليلة، بناء على الإقامة لمدة أربعة أسابيع».
لكن هايان سونغ، أستاذ اقتصادات السياحة بجامعة هونغ كونغ، يشكك في التقديرات الرقمية للحملات التسويقية، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تكلفة السفر إلى الوجهات الدافئة في نصف الكرة الجنوبي (مثل أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وأميركا الجنوبية) مرتفعة للغاية، بحيث لا يمكن أن تكون خيارا قابلا للتطبيق للسياح الأوروبيين نظرا لانخفاض قيمة اليورو والجنيه الإسترليني كثيرا، كما أن ضغط التضخم يجعل السفر لمسافات طويلة غير ممكن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن «العديد من القطاعات ذات الصلة بالسياحة، مثل صناعات الطيران والضيافة تعاني من نقص العمالة، مما سيزيد من ارتفاع تكلفة السفر الدولي»، بحسب سونغ.
وتوقع سونغ أن «يكون السفر من أوروبا في الشتاء، قاصرا على الأثرياء، وهم أقلية، لكن لن يؤدي ذلك إلى تدفق السياح على نطاق واسع من أوروبا إلى الوجهات الدافئة».
ما يشير إليه سونغ قد يبدو منطقيا بالنسبة للوجهات البعيدة التي حددها، ولكن دول جنوب المتوسط مثل مصر وتونس وتركيا والمغرب، قد تكون جاذبة للسائح الأوروبي الفار من أزمة الطاقة، وهو ما يتوقعه كريستيان بيرغر، سفير الاتحاد الأوروبي لدى مصر، والذي قال في تصريحات صحافية على هامش زيارته لمدينة الإسكندرية المصرية قبل أيام، إن «موسم الشتاء المقبل سيشهد إقبالا كبيرا من السائحين الأوروبيين على القيام برحلات إلى دول جنوب المتوسط، وعلى رأسها مصر للاستمتاع بالأجواء المعتدلة».
وأوضح بيرغر كذلك أن «السياح الأوروبيين يقومون برحلات سنوية إلى دول جنوب المتوسط خاصة مصر، خلال فصل الشتاء»، متوقعاً أن «تزيد الأعداد في ظل أزمة الطاقة التي تشهدها أوروبا».
وبدأت في مصر بوادر ما أشار إليه سفير الاتحاد الأوروبي، حيث «يستقبل مطار الغردقة الدولى يوميا ما يقرب من 10 آلاف سائح من دول مختلفة على رأسها الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا، التي يصل منها عدد كبير من السائحين»، بحسب بيانات المطار.
وقال علاء عاقل، رئيس لجنة تسيير أعمال غرفة المنشآت الفندقية في تصريحات صحافية (الخميس) إن «مؤشرات الحجز التي رصدتها الغرفة، تشير إلى زيادة كبيرة في أعداد السائحين الوافدين لمدن القاهرة والأقصر وأسوان خلال الموسم السياحي الشتوي القادم، كما أن حجوزات المدن السياحية الشاطئية خلال الشتاء ستكون مبشرة، وذلك بفضل حجوزات اللحظات الأخيرة (اللاست منت)».
وبدأت تظهر في تركيا كذلك إشارات على المضمار نفسه، حيث أشار إركان ياغشي، رئيس جمعية أصحاب الفنادق والمستثمرين السياحيين في تصريحات نقلتها وكالة «شينخوا» الصينية في 13 سبتمبر (أيلول) الجاري، إلى أن «الحجوزات المبكرة تظهر أن شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سيكون مزدحما للغاية، وهذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة للسياح الأوروبيين».
وقال برهان سيلي، رئيس جمعية ألانيا للفنادق السياحية في الوجهة التركية الشهيرة في مقاطعة أنطاليا: «بالنظر إلى أزمة الطاقة في أوروبا، من المتوقع أيضا أن يهتم الناس من معظم القارة بعرضنا للإقامات الشتوية الطويلة».
ولا ينكر أحمد قنديل، الباحث المتخصص في دراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هذه الأرقام والتوقعات، لكنه «يطالب بمزيد من التريث قبل الحديث عن تأثيرات ضخمة لأزمة الطاقة على عوائد السياحة في دول جنوب المتوسط».
وقال قنديل لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن، فإن هذه الأعداد المشار إليها قد تكون في نطاق المعتاد في كل موسم، ويجب علينا الانتظار بعض الوقت».
ولا يعول قنديل كثيرا على السائح الفار من أسعار الطاقة، في أنه سيكون مفيدا لقطاع السياحة، لأنه «لن ينفق على الخدمات والأنشطة السياحية»، مقترحاً بدعابة إدخال مصطلح جديد يمكن تسميته بـ«لاجئ الطاقة، وليس سائح الطاقة، لأن الأثرياء في أوروبا لن يفروا من بلدانهم هربا من أسعار الطاقة».
وعن توقعاته لأمد أزمة الطاقة، قال هناك سيناريوهان، الأول: «يتوقع استمرار الأزمة مدة لا تقل عن 10 سنوات، استنادا إلى استحالة تراجع الرئيس الروسي عن توجهاته، وإلا سيكون ذلك انتحارا سياسيا له، والسيناريو الآخر: هو أن تدفع الخسائر الضخمة التي تكبتدها أوروبا وروسيا ومختلف الأطراف إلى التوصل لحل وسط يحفظ ماء وجه بوتين، وفي هذه الحالة يمكن أن تحل الأزمة مع دخول الشتاء أو بدايات العام القادم على أقصى تقدير».
ويقول قنديل إن مؤتمر المناخ (كوب 27) الذي تستضيفه مصر الشهر المقبل، سيكون كاشفا عن مدى النيات الأوروبية تجاه التعامل مع أزمة الطاقة، وهو ما قد يعطي مؤشرا عن وجود اتجاه للحل أم التصعيد، ويضيف «في حال تهربت الدول الأوروبية من تعهداتها الخاصة باستخدام الفحم لتوليد الطاقة، فهذا سيكون مؤشرا على استمرار الأزمة لفترة أطول، إذ إن الفحم هو البديل الأرخص لإنتاج الطاقة».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.


تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
TT

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)

تفاعل ليبيون مع إطلاق المشير خليفة حفتر «رؤية 2030» لتطوير القوات المسلحة، في وقت التزمت فيه سلطات البلاد الصمت حيال حديث عن مقترح خرج عن اجتماع سري عقد مؤخراً في باريس، بشأن صيغة لإنهاء الانقسام، تقضي بتولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، في حين يُعيّن عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة «الموحدة».

المقترح الذي نشرته وكالة «نوفا»، الخميس، ونسبته إلى مصادر ليبية مطلعة، قالت إنه نُوقش خلال سلسلة من الاجتماعات التي عقدت في روما سبتمبر (أيلول) الماضي، ثم في باريس يناير (كانون الثاني) الماضي، بوساطة المبعوث الأميركي مسعد بولس، مبرزة أن هذا المقترح يأتي «ضمن عدة خيارات أخرى، دون وجود توافق موحد بين الأطراف في الوقت الراهن».

حفتر مصافحاً أحد القيادات العسكرية (القيادة العامة)

وقال مصدر عسكري بغرب ليبيا إن الاجتماع، الذي حضره إبراهيم الدبيبة، مستشار حكومة «الوحدة الوطنية»، وصدام حفتر في باريس، ناقش أموراً عديدة تتعلق بالانقسام العسكري والسياسي، لكنها «تظل أفكاراً، أو مقترحات لم يتم التوافق بشأنها حتى الآن»، مستبعداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تنفيذ مثل هذه المقترحات، «في ظل الانقسام الحاد والاستقطاب بين شرق ليبيا وغربها».

وكان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، قد صرح في كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة «ستكون في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، وأوضح أن بلاده «تجمع كبار المسؤولين من شرق ليبيا وغربها لوضع خطوات ملموسة نحو التكامل العسكري والاقتصادي؛ دعماً للقيادة الليبية وخريطة طريق بعثة الأمم المتحدة».

وأعلن حفتر عن «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة العربية الليبية»، في احتفالية مساء الأربعاء، بحضور نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، وعدد من قيادات المؤسسة العسكرية، وسط تفاعل ليبي خصوصاً بين المؤيدين للجيش في مناطق شرق وجنوب ليبيا.

وحسب القيادة العامة، تُمثل «رؤية 2030» مساراً استراتيجياً شاملاً يقود مرحلة التحوّل العسكري، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاحترافية، ويضع أسس بناء مؤسسة عسكرية حديثة وقوية، قادرة على حماية الوطن، وصون سيادته والحفاظ على أمنه واستقراره.

خالد حفتر خلال حضور مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» (شعبة الإعلام الحربي)

وعدّ حفتر هذه الرؤية «إنجازاً وطنياً يعكس الإرادة الصلبة والعزيمة الراسخة في بناء المؤسسة العسكرية»، موضحاً أنها «لم تكن مجرد خطة زمنية، بل مشروع استراتيجي لإعادة البناء والتأسيس على أسس حديثة ومتينة»، مؤكداً أن إطلاق الرؤية «يعكس انتقال المؤسسة العسكرية إلى مرحلة جديدة من الاحترافية والجاهزية؛ حيث أصبح التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي، القائم على الرؤية الواضحة والأهداف المحددة، هو الركيزة الأساسية في صناعة القرار العسكري».

ومن دون توضيح أبعاد هذه الرؤية وتفاصيلها، قال حفتر إنها «ليست محطة نهائية، بل بداية مرحلة أكثر طموحاً، تُبنى فيها الإنجازات على ما تحقق، وتُصان المكتسبات بروح المسؤولية والانضباط، لتظل قواتنا المسلحة في أعلى درجات الجاهزية، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً».

وفي ختام الإعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة، سلّم حفتر وثيقة «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة» رسمياً إلى نائب القائد العام، إيذاناً بانطلاق مرحلة التنفيذ الفعلي لهذا المشروع الوطني.

في شأن قريب، حضر رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، الفريق خالد حفتر، رفقة مدير مكتب القائد العام، الفريق أول أيوب بوسيف، والمفوض العام لمدينة المشير خليفة حفتر العسكرية، الفريق عبد الله الثني، مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» التي أُقيمت بالمدينة العسكرية.

وقالت شعبة الإعلام الحربي بـ«الجيش الوطني» إن الخريجين تلقوا خلال فترة إعدادهم برنامجاً مكثفاً، شمل تدريبات متقدمة في الصاعقة والمظلات، وفق أحدث النظم العسكرية، فيما أشاد رئيس الأركان العامة بـ«الضبط العسكري العالي والمستوى المتميز، الذي ظهر به الخريجون من منتسبي (اللواء 166)».


«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

توجت مساعٍ رئاسية جديدة في الصومال لحل الأزمة السياسية مع المعارضة، الخميس، بلقاء في قصر الرئاسة بحث قضايا عديدة، أبرزها الخلافات المتعلقة بالانتخابات المباشرة المقررة هذا العام.

تلك المساعي الرئاسية الصومالية يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنها تهدف لحلحلة الخلافات مع المعارضة، ويعد ذلك الحوار محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، شريطة التزام الأطراف بالنتائج لإنهاء الأزمة، مشيراً إلى أن التحركات الأوروبية، والأفريقية الداعمة للحوار قد تسهم في نجاحه.

وأفادت وكالة «الأنباء الصومالية»، الرسمية، بأن الرئيس حسن شيخ محمود، استقبل الخميس أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل في قصر الرئاسة، للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية.

وعقب الاستقبال، ترأس الرئيس حسن شيخ محمود «اجتماعاً ناقش فيه الوضع العام في البلاد، بما في ذلك الانتخابات المقبلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، بالإضافة إلى جهود الإغاثة لمواجهة آثار الجفاف، ومكافحة جماعة الخوارج التي تهدد الأمن، والاستقرار».

تعزيز الحوار

وأكد شيخ محمود خلال اللقاء «أهمية التنسيق المستمر بين الحكومة الفيدرالية، ومجلس المستقبل، لضمان سير العمليات السياسية، والتنموية بسلاسة، وتعزيز الحوار الوطني لتحقيق مصالح الشعب الصومالي».

وتشكل «مجلس مستقبل الصومال»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا غوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي، وسعيد دني، وزعماء «منتدى الإنقاذ» المعارض رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري، وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون، بعد عام شهد خلافات جذرية مع الحكومة، لا سيما في الانتخابات المباشرة.

الملفات الحساسة

وأفاد مصدر صومالي مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» الخميس بأن «الاجتماع في القصر الرئاسي الصومالي بمدينة مقديشو سبقه لقاءات تمهيدية كان أحدثها الثلاثاء»، موضحاً أنه «جمع بين الحكومة الفيدرالية في الصومال وقيادات بمجلس مستقبل الصومال المعارض».

وناقش اجتماع الخميس، بحسب المصدر ذاته «مجموعة من الملفات الحساسة، في مقدمتها الدستور الصومالي، حيث أجرت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود تعديلات على عدد من مواده، بينما لا تزال مواد أخرى قيد النقاش داخل البرلمان، وكذلك النظام الانتخابي المرتقب مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر إجراؤها خلال نحو ثلاثة أشهر، وما يستلزم ذلك من توافق سياسي يحدد شكل وآلية العملية الانتخابية».

أجواء إيجابية

وافتُتح الاجتماع في أجواء إيجابية اتسمت بروح الترحيب المتبادل، إلا أن مآلاته النهائية لا تزال غير واضحة حتى الآن.

وفي ضوء ذلك، يتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، إمكانية التوصل إلى تفاهم حول آلية استمرار الحوار عبر اجتماعات لاحقة، مرجحاً أن تسهم الاجتماعات في تقليص حدة الخلافات، والشكوك السياسية القائمة بين الأطراف المختلفة.

ولم يكن هذا الاجتماع الأول الذي تسعى الرئاسة لإنهاء الأزمة السياسية، حيث سبق أن شهدت مقديشو لقاءً غير مسبوق بين الرئيس حسن شيخ محمود، وسَلَفه شريف شيخ أحمد الزعيم المعارض البارز رئيس «منتدى الإنقاذ»، وسط توترات بين الحكومة الفيدرالية، والمعارضة، وتصاعد أزمة الإقليم الانفصالي بعد اعتراف إسرائيل به أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ترحيب أوروبي

وقبيل الاجتماع الرئاسي، قالت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الصومال، فرانشيسكا دي ماورو، في منشور على «إكس»، الثلاثاء، إن الاتحاد الأوروبي يرحب ترحيباً حاراً ببدء الحوار بين الحكومة الفيدرالية ومجلس مستقبل الصومال.

ويرى كلني أن الترحيب الأوروبي مهم لدعم الحوار المباشر، خاصة وقد لعب الاتحادان الأوروبي والأفريقي إلى جانب شخصيات وطنية مؤثرة دوراً في تهيئة الظروف لانعقاده بعد عام من الخلافات.

ويعتقد أن نتائج الاجتماع ومضمونه بصورة أساسية تعتمد على عدة عوامل، أبرزها، صدق الأطراف في الحوار السياسي، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة تخدم المصلحة الوطنية، و الالتزام بحماية نظام الدولة والدستور بوصفهما مرجعية عليا فوق الاعتبارات السياسية الضيقة.

ويوضح كلني أن «هذا الاجتماع يمثل محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار المؤسسي، شريطة توافر الإرادة السياسية الحقيقية لدى جميع الأطراف المعنية».