تزايد حركة السودانيين إلى مصر بحثاً عن مستقبل أكثر إشراقاً

ملاذ أبكر (23 عاماً) والتي انتقلت إلى مصر منذ نحو عامين (رويترز)
ملاذ أبكر (23 عاماً) والتي انتقلت إلى مصر منذ نحو عامين (رويترز)
TT

تزايد حركة السودانيين إلى مصر بحثاً عن مستقبل أكثر إشراقاً

ملاذ أبكر (23 عاماً) والتي انتقلت إلى مصر منذ نحو عامين (رويترز)
ملاذ أبكر (23 عاماً) والتي انتقلت إلى مصر منذ نحو عامين (رويترز)

في منطقة السوق العربية بوسط الخرطوم، حلّت وكالات السفر التي تساعد الشباب السوداني في البحث عن مستقبل اقتصادي أكثر إشراقاً في مصر محل بعض متاجر مواد البناء التي كانت مكتظة في السابق في المركز التجاري الرئيسي بالعاصمة.
يعكس النزوح حالة اليأس المتزايدة إزاء الآفاق في الداخل، حيث يعاني الاقتصاد من السقوط الحر وتقول الأمم المتحدة، إن نقص الغذاء يؤثر على ثلث السكان. ويشيع انقطاع الكهرباء والمياه، بينما تهز الاحتجاجات المناهضة للجيش الشوارع منذ انقلاب وقع قبل نحو عام.
ويقول وكلاء سفر ومهاجرون، إنه في أعقاب استيلاء الجيش على السلطة، عندما أطاح حكومة بقيادة مدنية كانت قد وعدت بفجر اقتصادي جديد، تسارعت أعداد المغادرين.
ولا توفر مصر، التي تستضيف بالفعل جالية سودانية تقدر بنحو أربعة ملايين نسمة، وظائف مربحة تُذكر على غرار تلك التي يبحث عنها السودانيون عادة في الخليج، لكنها تعدّ وجهة أسهل ومألوفة في كثير من الأحيان. وبينما يسافر البعض في رحلات عبر البحر المتوسط محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، تتمتع مصر بمزايا ملحوظة، فيمكن للشباب السوداني السفر إلى الشمال بتكلفة أقل والبحث عن عمل، بينما تسعى العائلات للحصول على الرعاية الصحية والتعليم لأطفالهم وعيش حياة مستقرة.

وقال منذر محمد (21 عاماً) بينما كان يحاول حجز رحلة بالحافلة إلى مصر في وكالة أسفار بالخرطوم «مصر دي ما هي استقرار، مصر دي بتكون معبر، أنا أمشي مصر محطة بتكون حتقعد فيها شهر، شهرين، ثلاثة شهور، عملت لك كم ألف ألفين وتتجه على الحدود الليبية عن طريق الإسكندرية ومرسى مطروح، هناك المدخل بتاع ليبيا، حتخش ليبيا، هناك المدخل بتاع الكُفرة حتقعد ليك برضه فترة طويلة زي ست شهور سبع شهور».
وقال عادل عثمان، سائق حافلة «والله في الحقيقة عدد الباصات متفاوتة يعني، ما بين 15 لعشرين، وفي الموسم مثلاً رمضان بتزيد، ومرات بتنقص من الخمسة عشر ذاتها بتنقص إلى 12، بتزيد لحد 25 في المواسم، ففي البداية ما كان فيه باصات أصلا، كان خمسة ستة باصات».
وقال مالك إحدى شركات الحافلات في الخرطوم، إن ما يصل إلى 30 حافلة تنقل نحو 1500 راكب إلى مصر من السودان يوميا، وقال، إن هذا يمثل زيادة بنسبة 50 في المائة عن العام الماضي، على الرغم من الارتفاع الحاد في أسعار التذاكر.
وذكر اثنان من وكلاء السفر، أن عدد الشبان الذين يسعون للحصول على تأشيرات قد تضاعف تقريباً في العام الماضي. وقال الشاب محمد عبد المنعم، المسافر إلى مصر لتسجيل أخيه في إحدى الجامعات، «البلد (السودان) فيها مشاكل لا تحصى ولا تعد، التقويم الزمني للجامعات فيه مشاكل كبيرة شديدة، يعني حتى لو مرحلة الدراسة لو خمس سنين أو أربع سنين بتاخد معاك من ست لسبع سنين بحسب الحالة اللي أنت بتدرس فيها. فدي واحدة من المشاكل اللي بتواجهها. البلد أمنياً فيها مشاكل الجامعات ما حتقدر تستمر في الوضع الراهن ده؛ نسبة لأن فيه مظاهرات وفيه تقفيل للطرق وفيه كده، فده السبب الرئيسي إنه الناس دي أغلبيتها بتطلع تمشي تدرس بره».

ولا توجد بيانات متاحة تظهر توجهات السفر في الآونة الأخيرة من السودان إلى مصر. لكن دبلوماسياً مصرياً قال، إن الأرقام في ارتفاع منذ عام 2019، عندما أطاحت انتفاضة الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
وأضاف، أن حركة السودانيين إلى مصر تتزايد بشكل تدريجي ومتناسب مع تدهور الوضع في السودان. وفي السوق العربية، يقضي العمال والكهربائيون وغيرهم ممن يفترض وجودهم عادة في مواقع البناء أوقاتهم في شرب الشاي ولعب الطاولة أثناء انتظارهم للعمل.
وقال صاحب أحد متاجر مواد البناء التي لا تزال تعمل في السوق «زمان تشتهي تقعد خمسة دقايق حسي اليوم كلو بتكون قاعد».
ويقول أصحاب المتاجر والمحال التجارية، إن جزءاً كبيراً من الدخل الضئيل الذي لا يزال بإمكانهم جَنيه يذهب إلى سداد الزيادة في الضرائب والرسوم ورسوم الترخيص التي أقدمت عليها الحكومة التي فقدت دعماً اقتصادياً خارجياً بالمليارات بعد الانقلاب.
وقال وزير المالية جبريل إبراهيم، إن الدولة ستعتمد على مواردها الداخلية لتمويل الميزانية. وارتفعت الضرائب والرسوم بنسبة 400 في المائة أو أكثر في بعض الحالات، وفقا لأصحاب الأعمال.
وقال صاحب متجر مواد البناء «أثرت علينا تأثيراً شديداً».

وأغلق التجار الأسواق الرئيسية الأسبوع الماضي في مدينتي سنار والقضارف هذا الشهر احتجاجاً على الرسوم. كما تواجه الحكومة، التي لم يتم تعيين رئيس لها منذ الانقلاب، إضرابات لعمال الكهرباء والصرف الصحي وكذلك لأطباء الامتياز (المتدربون) بسبب تدني الأجور.
وتراجع معدل التضخم الرسمي من 423 في المائة العام الماضي إلى 117 في المائة في أغسطس (آب)، وهو ما يقول رجال أعمال ومحللون، إنه يعكس الركود الاقتصادي، لكنه لا يزال من أعلى المعدلات على مستوى العالم.
وانخفضت قيمة الجنيه السوداني بنسبة 950 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية، بينما أصبح الوقود، الذي كان مدعماً بشكل كبير في السابق، أغلى منه في العديد من البلدان الغنية.
ويقول أصحاب الأعمال، إن معظم الناس لم يعد بإمكانهم تحمّل تكاليف أكثر من السلع الأساسية؛ مما تسبب في إبطاء نشاط العديد من التجار والمصانع أو إغلاق متاجر.
وقد يدفع ذلك المزيد من الناس للمغادرة. وقال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، إنها «تتوقع أن يفكر المزيد من الناس في الهجرة كخيار، أو كآلية للتكيف» في إشارة إلى السودان.
والظروف في مصر صعبة أيضاً، حيث بلغ التضخم أعلى مستوياته منذ ما يقرب من أربع سنوات، كما أن نحو ربع الشباب عاطلون عن العمل، وفقاً لمنظمة العمل الدولية.
وكثيراً ما ينتهي الحال بالشباب السوداني إلى العمل في وظائف متدنية في المصانع ومناجم الذهب أو كعمالة منزلية، وفقاً لوكلاء سفر ومهاجرين. لكن لديهم مجتمعاً يمكنهم الاعتماد عليه، ويمكن أن يكسبوا أكثر مما يكسبونه في بلدهم، وقالت ملاذ أبكر، البالغة من العمر 23 عاماً والتي انتقلت إلى مصر منذ نحو عامين «البيت كلو كان شغال (في السودان) وما بندخل دخل كبير وكلو بيمشي للأكل والشراب».
وتقول، إنها الآن تستطيع أن ترسل لعائلتها ما يصل إلى 120 ألف جنيه سوداني (208 دولارات) شهرياً من عملها كجليسة أطفال.

وقالت أبوك سيبيت، وهي من جنوب السودان وانتقلت من الخرطوم للقاهرة، «آه هو السبب اللي خلاني إني أفكر آجي مصر، إن هو المظاهرات اللي عملوها سبب الحاجات اللي ارتفعت، الحاجات اللي ارتفع هو كل شيء أصبح غالي، فأنت عاوز عيش أنت مش بتمشي علطول تقول عاوز عيش (خبز)، أنت لازم تقف ثلاث ساعات أربع ساعات لحد إن أنت تاخد عيش، فهو صعب جدا، أنت تقوم من الصبح تكون واقف في الصف لحد إنك تاخد عيش بخمسين جنيه، فهو بيكون صعب جدا. فيه ستات مش قادرين يتحملوا من الضغط وفيه حد عنده سكري وحد عنده بتاع، فالزول بيتعب علطول».
وظهرت المحال التي تبيع الأطعمة السودانية في القاهرة، كما تعلن المدارس الخاصة عن فروع مصرية على اللوحات الإعلانية في الخرطوم، ويسافر الكثيرون إلى مصر للحصول على الرعاية الصحية التي تراجعت بشكل متزايد في بلدهم.
وبالنسبة للبعض، مثل آدم البالغ من العمر 23 عاماً والقادم من إقليم دارفور المنكوب بالحرب، فإن مصر هي محطة قبل محاولة خوض الرحلة المحفوفة بالمخاطر عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.
وقال وهو يقف في طابور للحصول على تأشيرة في القنصلية المصرية بوسط الخرطوم مع عشرات آخرين «السفر عبر البحر خطر، ولكن أفضل المخاطرة والحصول علي حياة كريمة بدلاً عن المعاناة والفقر وفقدان الأمل في السودان».
وتقول أبوك سيبيت «يعني أنا أروح الشغل، آجي في بيتي اليوم أنا أتصرف بألفين تلاتة، وآجي بيتنا من جاي أتصرف بخمسة ستة لأن عيلتي أكتر من بيتي أنا. فأكيد بيتي حاتصرف اتنين ثلاثة، وإذا جيت لعيلتي يمكن أنا أتصرف خمسة ستة. يعني أنا ممكن في عيلتي أنا في يوم أخسر فيه عشرة ألف، وممكن في يوم في بيتي أخسر ستة ألف، فهو كده كثير عليه جدا مش قادرة أنا، فهو ده السبب اللي أنا خلاني أسيب السودان وأفكر إنه أنا آجي لمصر».
(الدولار= 578 جنيهاً سودانياً)


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


تسهيلات سودانية لـ«العودة الطوعية» من مصر

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة نهاية العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)
إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة نهاية العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تسهيلات سودانية لـ«العودة الطوعية» من مصر

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة نهاية العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)
إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة نهاية العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

أعلنت السفارة السودانية بالقاهرة عن تسهيلات جديدة لرحلات «عودة طوعية» للجالية المقيمة في مصر، تتضمن تدشين «منصة» إلكترونية تساعد في سرعة إنهاء إجراءات العودة.

وتأتي التسهيلات بعد تعهدات من رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، خلال زيارته للقاهرة في نهاية فبراير (شباط) الماضي بأنه «لا توجد عودة قسرية» للسودانيين من القاهرة، وذلك إثر شكاوى من الجالية عن «تعرضها لملاحقات أمنية».

وأشار إدريس وقتها إلى «اتفاق مع الحكومة المصرية لتدشين آلية تستهدف إطلاق سراح المحبوسين من السودانيين، وتبادل السجناء مع الجانب المصري».

وأعلن السفير السوداني بالقاهرة، عماد عدوي، تدشين «منصة إلكترونية للجنة الأمل للعودة الطوعية» بهدف تنظيم وتسهيل إجراءات عودة السودانيين المقيمين بمصر؛ وقال في تصريحات خلال حفل إفطار للجالية السودانية، مساء السبت، إن «المنصة تتيح للسودانيين الراغبين في العودة تسجيل بياناتهم بسهولة».

ودشنت السفارة السودانية المنصة الإلكترونية، الأحد، بما يساعد «لجنة الأمل للعودة الطوعية» على تنظيم عمليات السفر، وتحديد مناطق المغادرة من مصر. وتتشكل «لجنة الأمل» من شخصيات سياسية ومجتمعية سودانية.

وحسب إحصائيات رسمية، نزح أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب بالسودان في أبريل (نيسان) 2023. وهناك نحو 5 ملايين آخرين كانوا يقيمون في البلاد قبل الحرب.

قاعدة بيانات

ويرى رئيس «لجنة الأمل للعودة الطوعية»، محمد وداعة، أن إطلاق المنصة «خطوة مهمة في تنظيم عمليات العودة الطوعية للسودانيين، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة تسهم في تسهيل إجراءات السفر والتنسيق مع الجهات المعنية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة تفتح باب العودة لجميع الفئات المقيمة في مصر، وتريد الرجوع إلى السودان، مشيراً إلى أن المنصة «تتيح جميع البيانات التي تساعد الراغب في العودة على إنهاء سفره سريعاً».

وستركز المبادرة على الفئات التي لم تقنن أوضاع إقامتها في القاهرة ولها مخالفات قانونية، وفق وداعة، الذي قال إن «أولوية المبادرة في إعادة المخالفين». وأشار إلى أن «المبادرة مجانية، حيث يسهم فيها رجال أعمال سودانيون، إلى جانب تسهيلات من السلطات المصرية والسودانية بتوفير وسائل انتقال منخفضة التكاليف.

وخلال الفترة الماضية، تداول سودانيون عبر منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن توقيف عدد منهم بسبب عدم تقنين أوضاع إقامتهم في مصر.

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد في أكتوبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقال رئيس وزراء السودان في أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة إن محادثاته مع المسؤولين المصريين ركزت على أوضاع الجالية السودانية في مصر والقضايا المرتبطة بها، وفي مقدمتها التعليم والإقامة.

وأكد حينها على أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تعهد خلال المحادثات معه بتقنين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، وقال إن الإجراءات التي تقوم بها السلطات المصرية هي «تدابير روتينية وليس المقصود بها السودانيين وحدهم».

وقال إدريس إن الحديث عن «عودة قسرية» غير صحيح، وإنه تم الترويج له «لإثارة الفتنة بين البلدين»، مؤكداً أن «العودة تظل خياراً شخصياً لمن يرغب».

جهود التنسيق

وتأتي التسهيلات الجديدة لعودة السودانيين، تنفيذاً للتعهدات التي جرت خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني للقاهرة، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية» مكي المغربي.

وقال المغربي: «العودة الطوعية للسودانيين تجد اهتماماً رفيعاً من الحكومة السودانية التي تعمل على التنسيق مع السلطات المصرية لتسهيل إجراءات راغبي العودة».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «التسهيلات الجديدة تضاف إلى مبادرة سابقة قدمت فيها السلطات المصرية دعماً لإعادة السودانيين إلى بلادهم، منها تخصيص قطار لنقل العائدين من القاهرة إلى أسوان (جنوب مصر)، قبل نقلهم عبر حافلات إلى شمال السودان».

وأشار أيضاً إلى أن عودة رحلات الطيران المباشرة إلى مطار الخرطوم ستساعد على سرعة نقل العائدين في الفترة المقبلة. وأشار إلى أن عودة هذه الرحلات دفعت البعض لتكرار الانتقال بين القاهرة والخرطوم في الفترة الأخيرة.

ودشنت السلطات المصرية مبادرة للعودة الطوعية للسودانيين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عبر تخصيص قطار من القاهرة إلى أسوان. وأسهمت المبادرة في نقل آلاف الأسر حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وينوّه المغربي إلى أن مبادرات العودة الطوعية استوعبت أعداداً كبيرة من السودانيين الراغبين في العودة؛ مضيفاً أن «عدداً قليلاً» من الجالية المقيمة في مصر هي من تريد العودة، نتيجة لارتباط نسبة كبيرة من المقيمين بالدراسة وأعمال داخل البلاد.


هدوء حذر... خفوت صوت المعارك بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدوء حذر... خفوت صوت المعارك بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تشهد جبهات القتال في السودان تراجعاً ملحوظاً في الهجمات المتبادلة بالمسيّرات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، مقارنة بكثافة الغارات الجوية التي سُجلت خلال الأسبوع الماضي، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى المدنيين، كما توقفت العمليات العسكرية البرية بشكل كبير.

يجيء ذلك الهدوء الحذر بعدما رُصد في الآونة الأخيرة استخدام مكثف من الجانبين للمُسّيرات الاستراتيجية والانتحارية، في هجمات طالت مناطق مدنية في إقليم كردفان الكبرى بوسط البلاد.

ويعكس الانخفاض الملحوظ في وتيرة المواجهات الجوية مؤشرات على تحديات قد تواجه طرفي النزاع في إدارة المخزون من المسيرات والصواريخ، تحسباً لحدوث أي نقص في الإمدادات جراء الضغط الكبير في الإقليم لتصاعد المواجهة الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

وكانت عدة مناطق في إقليمَي دارفور وكردفان قد شهدت تصعيداً عسكرياً لافتاً خلال الأيام الماضية، مع تزايد الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش و«الدعم السريع».

ويستخدم الجيش السوداني مسيرات إيرانية من طراز «مهاجر 6»، وتركية من طراز «بيرقدار» وأخرى صينية؛ بينما يستخدم «الدعم السريع» مُسيرات بدائية معدلة، وطائرات من طراز «CH-3» صينية الصنع، ومسيرات قتالية متطورة من طراز «CH-95».

وتشير التطورات الميدانية في الأشهر الأخيرة إلى تراجع واضح في القتال البري المباشر بين طرفي النزاع، مع التوسع في المقابل في استخدام الطائرات المسيّرة.

أُسر سودانية نازحة من الفاشر تتهافت على إمدادات غذائية داخل مخيم بمدينة الدبة بالولاية الشمالية (أ.ب)

وقبل التوترات الأخيرة بالشرق الأوسط، ترددت أنباء عن أن طرفي الحرب حصلا على أعداد كبيرة من المسيّرات بجميع أنواعها، حيث جرى استخدامها بكثافة في المعارك المباشرة الدائرة في كردفان.

ووفقاً لتقارير محلية رسمية ودولية، تجاوز عدد القتلى مطلع خلال شهر مارس (آذار) الحالي 200 شخص، إضافة إلى عشرات المصابين.

وأحدثت عمليات المسيَّرات المكثفة التي استهدفت مدن كردفان وبلداتها خسائر ودماراً كبيراً طال البني التحتية والمرافق الخدمية، وفقاً لما نقلته منصات محسوبة على الجيش السوداني وحلفائه، بينما تقول «قوات الدعم السريع» إنها استهدفت منشآت عسكرية ومخازن أسلحة ووقود وآليات وجنود.

واشتدت وتيرة الهجمات المتبادلة بالمسيَّرات في الأشهر الماضية، بعدما حصل الجيش السوداني و«الدعم السريع» على منظومات إسقاط واعتراض متقدمة جداً، وفق تقارير دولية منشورة.

ويسيطر الجيش السوداني على معظم مدن ولاية جنوب كردفان، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على محلية الدبيبات شمال الولاية وعلى الأجزاء الغربية من الولاية، بالتعاون مع قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان» التي تسيطر على منطقة كاودا منذ عام 2011.

وتكتنف حالة من الجمود جهود إيقاف الحرب في السودان، بعد تعثر خريطة طريق «الآلية الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، في إحراز أي نتائج تذكر على مدار الأشهر الماضية.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت من قبل أن عدد القتلى المدنيين جراء الحرب في السودان ارتفع بقوة خلال عام 2025، وأنه زاد بأكثر من المثلين مقارنةً بالفترة السابقة.

وأفادت المنظمة الدولية بأنه ما لا يقل عن 11 ألفاً و300 مدني لقوا حتفهم خلال العام الماضي، فضلاً عن أعداد من المفقودين والجثث مجهولة الهوية التي لم يتم حصرها بدقة.


«المركزي» الليبي يعلن إلغاء الضريبة على النقد الأجنبي

صورة وزّعها «المصرف المركزي» لاجتماعه في طرابلس
صورة وزّعها «المصرف المركزي» لاجتماعه في طرابلس
TT

«المركزي» الليبي يعلن إلغاء الضريبة على النقد الأجنبي

صورة وزّعها «المصرف المركزي» لاجتماعه في طرابلس
صورة وزّعها «المصرف المركزي» لاجتماعه في طرابلس

في تطور اقتصادي مهم في ليبيا، يُتوقع أن ينعكس إيجاباً على المشهد السياسي المتوتر، أعلن «المصرف المركزي»، الأحد، البدء الفوري في إجراءات إلغاء الضريبة المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي لجميع الأغراض والسلع، تنفيذاً لمراسلة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

ووجّه محافظ المصرف، ناجي عيسى، خلال اجتماع موسع في العاصمة طرابلس مع مديري الإدارات المختصة، بضرورة الإسراع في استكمال التعديلات التقنية اللازمة على المنظومات المصرفية، لمباشرة بيع النقد الأجنبي بالسعر الرسمي المعتمد لكافة الاحتياجات، بما في ذلك الأغراض الشخصية والعلاج والدراسة.

كما أقرّ الاجتماع خطة عاجلة لضمان انسياب السيولة النقدية وتوزيعها بشكل عادل ومستقر على فروع المصارف في مختلف المدن الليبية، مع الالتزام بتوفير النقد الأجنبي وفقاً للإيرادات الشهرية المتاحة، لضمان استقرار المعاملات المالية اليومية للمواطنين.

«المصرف المركزي الليبي» (رويترز)

وأثارت الضريبة المفروضة على بيع النقد الأجنبي جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية والشعبية. وكانت هذه الضريبة قد فُرضت بنسب مرتفعة (بدأت بنحو 27 في المائة في 2024، ثم خُفضت تدريجياً إلى 20 في المائة، ثم 15 في المائة) بهدف توليد إيرادات إضافية للميزانية، والسيطرة على الطلب المتزايد على الدولار، وحماية الاحتياطيات الأجنبية.

إلا أنها واجهت انتقادات حادة لأنها رفعت التكلفة الفعلية للعملة الصعبة، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، وزاد من معدلات التضخم وأعباء المعيشة. كما أثار الإجراء حينها خلافات مؤسسية بين مجلس النواب و«المصرف المركزي» من جهة، وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة من جهة أخرى. ونتيجة لهذه الضغوط، طالب عقيلة صالح بإلغاء الضريبة مؤقتاً على الأغراض الشخصية والتجارية كافة.

بدورها، أكدت «تنسيقية الكتل بمجلس الدولة» دعمها الكامل للحراك السياسي والمجتمعي المتصاعد الذي يسلط الضوء على «مظاهر الفساد وسوء الإدارة».

واعتبرت، في بيان، «أن ملفات قطاع النفط وأداء المصرف المركزي، من القضايا التي تمس مقدرات الشعب، وتتطلب إدارة رشيدة وشفافة». وأشادت «بدور محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، في متابعة الملفات ومراجعة العقود الحيوية».

معبر رأس جدير (أرشيفية - رويترز)

إلى ذلك، التزمت حكومة «الوحدة » الصمت إزاء توتر جديد على الحدود البرية مع تونس، حيث أغلق محتجون تونسيون الطريق المؤدي إلى مدينة بن قردان السبت، معطلين حركة المسافرين الليبيين، كردّ فعل على الإجراءات الأمنية المشددة في منفذ «رأس جدير» لمكافحة التهريب.

وأفاد رئيس «المرصد التونسي لحقوق الإنسان»، مصطفى عبد الكبير، بعودة حركة السير إلى طبيعتها بعد إغلاق مؤقت، محذراً من تداعيات تعدد البوابات الأمنية في الجانب الليبي. ودعا السلطات الليبية إلى الإفراج الفوري عن 13 تونسياً محتجزين بالمنفذ منذ السبت، مؤكداً «أنهم تجار لا يشكلون خطراً أمنياً».