شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

تختتم الجمعة بحضور قطري - أميركي

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)

غداة أشهر من التعثر في تطبيق مسار السلام بشرق الكونغو وتصاعد العنف في 2026، احتضنت جنيف محادثات بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة بعد عام من الاتفاقات برعاية أميركية - قطرية، لم تصمد منذ مطلع العام الحالي.

تلك المحادثات التي تشارك فيها الدوحة وواشنطن، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» قادرة على فتح الباب للعودة لمسار التهدئة، غير أن واقع التعثر سيظل قائماً طالما لم يقم على 3 عوامل رئيسية، تشمل المصالحة الشاملة والتنمية.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» بأن حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية ومندوبي حركة «23 مارس» اجتمعوا بجنيف، الثلاثاء، في محاولة لإنهاء الحرب التي دمرت شرق البلاد، غداة انطلاق الجولة التاسعة من المحادثات التي تختتم الجمعة، بمشاركة مندوب قطري ومبعوث الولايات المتحدة، مسعد بولس، بينما حضر ممثل عن بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو) بصفة مراقب، وسط مناقشات أولية كانت «صعبة».

وتجرى المحادثات وسط استمرار المواجهات، حيث تتركز المعارك حالياً في مقاطعتي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، الشرقيتين.

وأكّد متحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، استمرار جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» ورواندا، والتمسك بالمسار القائم، رغم التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات، التي يجري متابعتها بشكل مستمر.

وباليوم ذاته، بحث رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة في البلاد، ورئيس بعثة الأمم المتحدة، لتثبيت الاستقرار هناك، جيمس سوان، دعم عمل البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن وقطر، وفق بيان للرئاسة الكونغولية عبر منصة «إكس».

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، لـ«الشرق الأوسط»، إن انطلاق المحادثات بين الحكومة الكونغولية و«23 مارس» بسويسرا يأتي في سياق المحاولات الحثيثة والمقدرة التي تبذلها قطر والولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، بهدف إعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة البحيرات العظمى بأكملها.

وشدّد على أن هذه الخطوة تعدّ في غاية الأهمية، كونها تأتي ضمن سلسلة من التعقيدات والمحاولات الحثيثة لتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو، وهي المحاولات التي واجهت في فترات سابقة عثرات عدة، وباءت بالفشل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن المسار الحالي في سويسرا «يمكن أن يفتح الباب أمام حوار جادّ، ويتوصل إلى نتائج ملموسة، لكن التحدي الحقيقي يظل دائماً في كيفية تنفيذ هذه النتائج على أرض الواقع»، بحسب تورتشين.

وقبيل المحادثات، اتهم الزعيم السياسي للحركة، برتراند بيسيموا، القوات الحكومية «بتصعيد الهجمات»، قائلاً: «اختار نظام كينشاسا توقيت استئناف المفاوضات السياسية لقصف عدة قرى».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى تورشين أن التعقيدات الإثنية والعرقية المتجذرة في منطقة البحيرات العظمى تفرض ضرورة تبني مقاربات غير تقليدية تختلف عن النتائج التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة. ويضيف: «هناك حاجة إلى واقع جديد يبدأ بتحقيق السلم المجتمعي أولاً، كمدخل أساسي قبل الولوج في الأبعاد السياسية، خاصة أن آثار وتبعات الصراعات التاريخية بين قوميتي الهوتو والتوتسي لا تزال حاضرة ومؤثرة، سواء في الكونغو أو رواندا أو بوروندي».

ويؤكد أن مسألة المصالحات الوطنية هي أمر جوهري، ولا غنى عنه، حيث إن البعد المجتمعي يعدّ المدخل الحقيقي للاستقرار السياسي، والسلم المجتمعي يتطلب مصالحات حقيقية وعدالة انتقالية فاعلة، وكذلك تلعب التنمية دوراً محورياً في تحقيق الأمن، ويلفت إلى أنه على الرغم مما تتمتع به مناطق شرق الكونغو من ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، فإن الفقر والبؤس يسيطران على الواقع السياسي والاقتصادي، ما يجعل من استمرارية الحرب واقعاً معاشاً.

وخلص الخبير في الشؤون الأفريقية إلى تأكيد ضرورة التركيز على 3 عوامل أساسية لتحقيق السلام في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، أولها البعد الاقتصادي والتنموي، بجانب تعزيز المشاركة السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للمجموعات التي تشعر بالاضطهاد والتهميش، وأخيراً تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.


مقالات ذات صلة

تقرير: متمردون يقتلون العشرات في هجمات بوسط مالي

أفريقيا جنود خلال دورية قرب قاعدة كاتي الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

تقرير: متمردون يقتلون العشرات في هجمات بوسط مالي

قالت ​ثلاثة مصادر إن ‌متمردين ​مرتبطين ‌بتنظيم «القاعدة» ​شنوا هجمات على قريتين في وسط مالي ‌مساء ‌أمس.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
العالم إجلاء مرضى من السفينة السياحية (إم في هوندوس) إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle 01:32

فيروس «الأنديز»... هل تكسر سلالة «هانتا» المتمردة قيود الحركة من جديد؟

من القوارض إلى البشر... تحور «الأنديز» يضع عائلة «هانتا» في مواجهة مباشرة مع سيناريوهات العزلة

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري ونظيره التنزاني بدار السلام في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تتمسك بالتوافق لاستعادة شمولية «مبادرة حوض النيل»

شدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على أهمية التعاون والتكامل في نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة والمصالح المتبادلة بين دول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)

مصر تدعو لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بأفريقيا

دعت مصر إلى تضافر الجهود الإقليمية والدولية لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وشددت على «رفض الاعتداءات كافة التي تنال من أمن واستقرار الدول».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أفريقيا المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

أعلن «الكرملين»، اليوم الخميس، أن القوات الروسية ستبقى في مالي لمساعدة الحكومة التي يقودها ​الجيش بالبلاد على محاربة جماعات مسلّحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

«تهدئة هشة» في الزاوية الليبية عقب اشتباكات بين ميليشيات

سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
TT

«تهدئة هشة» في الزاوية الليبية عقب اشتباكات بين ميليشيات

سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)

هيمن الهدوء الحذر على مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، السبت، عقب توقف الاشتباكات المسلحة التي وقعت بين ميليشيات، وذلك عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة محلية، مع انتشار «قوات اللواء 52» داخل المدينة لفض النزاع، وفقاً لمصادر محلية وشهود عيان.

وساد الهدوء خصوصاً في الأحياء الشمالية المكتظة بالسكان قرب مصفاة الزاوية، أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، والتي استأنفت عملها، السبت، بعدما أُغلقت بالكامل إثر تعرضها لقصف شديد تسبب في أضرار بمنشآتها، الجمعة.

وقالت مصادر محلية إن «اتفاق وقف إطلاق النار تم التوصل إليه بعد وساطة قادها عدد من الأعيان والشيوخ، بالتعاون مع قيادات عسكرية»، غير أن مراقبين يرون أن «التهدئة لا تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، في ظل استمرار نفوذ الميليشيات، وتعدد مراكز القوة داخل المدينة ذات الثقل الاستراتيجي».

وتوقف القتال بعد دخول «قوات اللواء 52» بقيادة محمود بن رجب، والتابعة لمنطقة الساحل الغربي العسكرية، لفض الاشتباكات، بناءً على طلب من بلدية الزاوية والأعيان.

وسارعت شركة «البريقة لتسويق النفط»، السبت، إلى إعلان استئناف العمليات التشغيلية بشكل كامل في مستودع الزاوية النفطي، وتزويد شركات التوزيع بمنتجاتها بشكل اعتيادي، بعد يوم واحد من تعرض أحد خزاناته لأضرار؛ جراء سقوط قذيفتين في أثناء الاشتباكات.

قوة تابعة لـ«اللواء 52» عند مدخل مدينة الزاوية الليبية السبت (متداولة)

ولم يصدر عن السلطات الرسمية أي إفادة بشأن «أعداد الضحايا»، ولكن مصادر طبية ومحلية قالت إن «الاشتباكات أسفرت عن سقوط 10 قتلى وأكثر من 20 جريحاً»، في حين أفادت تقارير أخرى بأرقام متفاوتة، وسط تضارب في حصيلة الضحايا.

وأظهرت لقطات بثتها وسائل إعلام محلية تعرُّض منازل وممتلكات المواطنين، وبعض المحال التجارية، وإحدى الصيدليات في المدينة، لأضرار كبيرة، جرَّاء سقوط قذائف عشوائية، بينما أعرب الأهالي عن استياء وغضب شديدين من تكرار مثل هذه الاشتباكات بين المجموعات المسلحة، مطالبين بتدخل حاسم من حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ووزارة الداخلية، لوضع حد نهائي لها.

وذكرت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» أن ضحايا سقطوا إثر سقوط قذائف وشظايا على مناطق سكنية، خلال مواجهات دارت بين «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» التابع لحكومة الوحدة، ومجموعات مسلحة أخرى تنشط في المدينة. وأشارت المنظمة الحقوقية إلى أن القتال تسبب في أضرار مادية بمنشآت مدنية، واتهمت أطراف النزاع بعرقلة عمليات إجلاء المدنيين، ومنع فرق الإسعاف والطوارئ من الوصول إلى العالقين في مناطق التوتر.

من مخلَّفات اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)

من جانبها، رحبت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا بجهود الوساطة التي قادها «اللواء 52 مشاة» التابع لرئاسة الأركان العامة، والتي أفضت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وأكدت «المؤسسة» بدء انتشار قوات اللواء في مناطق التَّماس لضمان عودة الاستقرار، ودعت النائب العام الليبي إلى فتح تحقيق عاجل في الواقعة، لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، محملة الحكومة المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ولم تعلِّق حكومة «الوحدة» المؤقتة على الأضرار التي لحقت بمصفاة النفط ولا حجم الخسائر البشرية النهائية جرَّاء هذه الاشتباكات، التي استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة وطائرات مُسيَّرة.

وكانت «قوة الإسناد الأولى» التابعة لمحمد بحرون، المعروف بـ«الفار»، قد أعلنت شن «عملية واسعة النطاق» ضد جماعات إجرامية في المدينة «ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى فرض سلطة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة، وإنهاء حالة الفوضى والانفلات الأمني».

إدانة أممية

من جهتها، أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الاشتباكات المسلحة، وأعربت عن قلقها البالغ إزاء سقوط ضحايا مدنيين، واستخدام أسلحة ثقيلة في أحياء سكنية مكتظة، وتحويل منشآت مدنية إلى ساحات قتال، ودعت جميع الأطراف إلى وقف فوري للأعمال القتالية وحماية المدنيين.

وتشهد الزاوية، التي تضم إحدى كبريات مصافي النفط، معارك بين فصائل مسلحة متناحرة وعمليات اتجار غير مشروعة متعددة، مثل تهريب الوقود والسلع التجارية إلى تونس المجاورة، كما تشكِّل نقطة انطلاق للمهاجرين غير النظاميين الساعين إلى الانتقال إلى أوروبا بحراً.


«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)

أثارت جرائم «النصب الإلكتروني» قلق قطاعات مصرفية في مصر، ووجَّهت بنوك عدة تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال وتطور أساليبها، وسط مخاوف عبَّر عنها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» بشأن إحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني التي تشجِّع عليها الحكومة ضمن خططها لتسريع خطوات التحوُّل الرقمي.

وحذَّر رئيس «اتحاد بنوك مصر» والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، عملاء القطاع المصرفي من تصاعد محاولات النصب الإلكتروني، مؤكداً في الوقت ذاته، أنَّ «أموال المودعين في أمان ما دامت بياناتهم سرية».

وقال الإتربي، في بيان، مساء الجمعة، إنَّ المصرف لن يطلب الإفصاح عن «الرقم السري أو بيانات البطاقات أو رموز التحقق (OTP) عبر الهاتف أو أي وسيلة اتصال»، في إشارة إلى إحدى وسائل الاحتيال على العملاء، مشدِّداً في الوقت ذاته على «ضرورة تجاهل الاتصالات التي تدَّعي تقديم جوائز أو تنتحل صفة جهات رسمية لتحديث البيانات، أو تطلب تحويلات مالية بحجة ضمان استمرار خدمات (إنستاباي) والتطبيقات البنكية».

تحذير رئيس «اتحاد بنوك مصر»، سبقه آخر أطلقه الرئيس التنفيذي لـ«البنك التجاري الدولي» هشام عز العرب، الأسبوع الماضي. ودعا عبر حسابه على «فيسبوك» إلى «الحذر من الصفحات والإعلانات المزيفة»، مطالباً العملاء بالتواصل «الفوري مع البنك عند تلقي طلبات للبيانات الشخصية».

تطور أساليب الاحتيال

وفي رأي خبير أمن المعلومات المصري أحمد طارق، فإنَّ أساليب الاحتيال تتطوَّر بشكل مستمر، وأبرزها الآن في مصر ما يتلقاه المواطنون من اتصالات هاتفية أو رسائل من محتالين يدعّون أنهم يعملون بخدمة عملاء أي من البنوك لطلب بيانات الحسابات المصرفية الخاصة بهم، بما يمكِّنهم من اختراقها.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتصالات تتضمَّن أيضاً إيهام الضحايا بأنَّهم ربحوا جوائز مالية، وطلب بيانات خاصة بالحسابات المصرفية لإيداعها، أو طلب إجراء تحويل على تطبيق (إنستاباي) لأسباب مختلفة، وكذلك عمليات ابتزاز العملاء؛ نتيجة اختراقات حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الطرق التي تهدف في النهاية إلى «النصب» مع التوسُّع في خدمات التحوُّل الرقمي.

هذه الأنواع المختلفة من أساليب النصب عكستها دراسة دولية أعدَّتها شركة «فيزا» تحت عنوان «ابق آمناً»، ونشرتها وسائل إعلام مصرية منتصف فبراير (شباط) الماضي، تشير إلى أنَّ «91 في المائة من المستهلكين المصريين معرضون للوقوع في فخ الاحتيال الإلكتروني»، نتيجة «مزيج من الثقة الزائدة في المحتوى الرقمي، وسوء تقدير الرسائل غير المتوقعة، وضعف القدرة على التمييز بين المنصات الشرعية وتلك الوهمية».

البنوك المصرية تطمئن عملاءها: «أموال المودعين في أمان» (البنك المركزي المصري)

وبحسب تقارير لوسائل إعلام مصرية، تطرَّقت البيانات الإقليمية الصادرة عن شركة «كاسبرسكي للأمن السيبراني» إلى حجم التحدي الذي يواجه المستخدمين في مصر، حيث أظهر نحو 57 في المائة من المستخدمين أنَّهم تعرَّضوا لمحاولات تصيُّد احتيالي خلال عمليات الدفع الإلكتروني، بينما واجه 54 في المائة منهم مواقع إلكترونية مزيفة صُمِّمت خصيصاً لسرقة البيانات الشخصية أو الاستيلاء على الأموال خلال المعاملات عبر الإنترنت.

ونشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء المصري، منتصف فبراير الماضي، سلسلة فيديوهات تناولت مخاطر تطور عمليات الاحتيال على القطاعات المصرفية بالعالم، مؤكداً أنَّ «تطور الهجمات السيبرانية لم يعد تطوراً سنوياً، بل صار يومياً ولحظياً لاختراق الأنظمة المصرفية والمالية».

وتحدَّث أحمد طارق، عن تطور دولي لشبكات النصب الإلكتروني يبتكر وسائل جديدة للاحتيال، قد تحدث في مصر مستقبلاً، منها «سرقة بصمة الصوت عن طريق مكالمة هاتفية، حيث يتم تحليلها بالذكاء الاصطناعي ونسخ صوت الشخص واستخدامه في الاحتيال»، مؤكداً أنَّ «الأنظمة الإلكترونية للبنوك المصرية آمنة، لكن المشكلة في وعي العملاء والجمهور».

تحذيرات حكومية مستمرة

وحذَّرت وزارة الداخلية المصرية من تطور عمليات الاحتيال الإلكتروني. وقالت في بيان، الأربعاء الماضي، إنَّ هذه العصابات تعتمد على «أساليب احترافية في الخداع، مثل تصميم مواقع وهمية مطابقة للمواقع الرسمية، واستخدام تقنيات حديثة في سرقة البيانات».

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة، أن تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني يُشكِّل خطراً اقتصادياً متصاعداً. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «على الرغم من أنَّ حالات النصب وسرقة البيانات البنكية لا يمكن اعتبارها ظاهرة، فإنَّها تُشكِّل خطراً كبيراً على القطاع المصرفي وحركة التجارة الإلكترونية، حيث يمكن أن تؤدي إلى فقدان الثقة في البنوك، وإحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح أن «وقائع الاحتيال الإلكتروني تتسبب في ارتباك داخل البنوك وتثير تخوفاتها من فقدان العملاء، بالتزامن مع جهود حكومية متواصلة لدفع المواطنين نحو التحوُّل الرقمي».


انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
TT

انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)

تصاعدت في ليبيا موجة انتقادات واسعة للسلطات في غرب البلاد بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع مؤشرات الفقر، تزامناً مع انتشار مقطع فيديو قصير أثار ضجة لعامل يتحدث بعفوية عن «ظروفه المعيشية القاسية».

يأتي الاستياء العام الذي عبَّر عنه سياسيون ونشطاء من دلالات هذه الواقعة، في مواجهة مفارقة يتزايد فيها الحديث عن الفقر في بلدٍ غني بالنفط، ويعيش منذ سنوات على وقع الانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

مقطع «عامل البناء الفقير»، الذي انتشر على نطاق واسع عبر صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، أظهر رجلاً خمسينياً بملامح مرهقة في أثناء تناوله وجبة «الفاصوليا» الشعبية، متحدثاً عن «عدم قدرته على الزواج رغم بلوغه الخمسين من العمر»، بينما كان هناك عامل وافد (أفريقي) يصوره بطريقة أثارت غضباً واسعاً.

ولم يكن تحرك السلطات الأمنية في مدينة صرمان عبر توقيف العامل الأفريقي كافياً لاحتواء موجة الغضب الشعبي، بل تحول في نظر كثيرين إلى إشارة دالة على «حجم التدهور المعيشي والفقر، وغياب العدالة الاجتماعية الذي يعيشه المواطن الليبي»، بحسب تقديرهم.

انكسار معيشي

خلصت «المنظمة الليبية لحقوق الإنسان»، ومقرها بنغازي، من هذه الواقعة إلى «حجم الانكسار الذي يعيشه المواطن الليبي داخل وطن يُفترض أنه يملك من الثروات ما يكفي لحفظ كرامة شعبه»، بينما رأى الإعلامي خليل الحاسي، عبر حسابه بمنصة «إكس» أن «الليبيين لا يشعرون بأن المؤسسات والموارد ملك لهم».

وذهبت رابطة «مرضى ضمور العضلات» إلى أن الاحتجاجات التي نظمها ذوو الإعاقة للمطالبة بزيادة المعاشات، الأسبوع الماضي، في طرابلس وبنغازي، تندرج في سياق واحد مع ما عكسه مقطع فيديو العامل البسيط، معتبرة أنها «ترجمة مصورة لمعاناة متفاقمة من تدهور الأحوال المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشّي الفساد».

نسبة الفقر 30 في المائة

تفيد آخر أرقام رسمية بأن «نسبة الفقر في ليبيا تبلغ نحو 30 في المائة»، وهي المعطيات التي أشار إليها وزير الاقتصاد في حكومة «الوحدة» الوطنية حينها، محمد الحويج، خلال تصريحات في يناير (كانون الثاني) الماضي، محذراً من أن «الفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى».

غير أن تقديرات أكاديمية تشير إلى أن «الوضع قد يكون أكثر حدة، خصوصاً في المناطق الريفية».

وسبق أن تحدثت دراسة ميدانية أعدها الباحثان بجامعة مصراتة الهادي لاغا ومحسن نتيفة، العام الماضي، حول قياس الفقر في منطقتي الوشكة (غرب مدينة سرت الساحلية) وأبوقرين (جنوب مصراتة)، أن «نسبة الفقر بلغت أكثر من 90 في المائة بين عينة عشوائية من 342 أسرة».

إجراءات حكومية

وفي مواجهة الانتقادات والأرقام الصادمة، أقرت حكومة «الوحدة» خطة لخفض الأسعار عقب اعتماد الإنفاق التنموي الموحد بين شرق البلاد وغربها؛ ما أسهم في خفض أسعار بعض المواد الغذائية بنحو 17 في المائة، وفق تقديراتها، إلى جانب إجراءات حكومية تهدف إلى زيادة معاشات المتقاعدين، وتعديلات مرتقبة في معاشات ذوي الإعاقة.

غير أن وزير الاقتصاد الأسبق، سلامة الغويل «لا يبدي تفاؤلاً كبيراً بقدرة هذه الإجراءات على معالجة جذور الأزمة»، مستنداً في ذلك إلى أنه لم يلمس خلال توليه الوزارة «إرادة سياسية حقيقية» لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ويرى الغويل أن الملف الاقتصادي في ليبيا «لا يدار بشكل جيد»؛ ما أدى إلى «خلق الولاءات السياسية، وتغليب الانتماءات الجهوية على حساب المصلحة الوطنية، فضلاً عن إهمال الاستثمار والتنمية الحقيقية»، كما حمّل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن غياب العدالة الاجتماعية أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة.

وفي ظل انقسام حكومي بين شرق البلاد وغربها، رأى الغويل أن الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي «لا تتحمل المسؤولية المباشرة عن تردي الأوضاع المعيشية، على أساس أن أدوات إدارة الملف الاقتصادي والمؤسسات السيادية والعلاقات الخارجية ما زالت، وفق قوله، تحت سيطرة حكومة عبد الحميد الدبيبة.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تنتج فيه ليبيا نحو 1.3 مليون برميل نفط يومياً، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا؛ ما يجعل مشاهد الفقر والعوز أكثر صدمة لدى الرأي العام المحلي.

انقسام وهشاشة

الخبير الاقتصادي، عمر زرموح قال لـ«الشرق الأوسط» إن الفقر موجود في معظم دول العالم، وحتى في دول غربية وعربية ثرية، «لكن انتشاره في ليبيا ليس مستغرباً» في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وسوء الإدارة، وهشاشة الوضع الأمني.

وشدد زرموح على ضرورة وجود موازنة «متوازنة ومفصلة» ترافقها سياسات مالية ونقدية وتجارية واضحة، مؤكداً أن معالجة الفقر لا تقتصر على زيادة المعاشات التضامنية، بل تتطلب توفير فرص عمل، ورفع مستوى الإنتاجية، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.

وبينما دعت دراسة جامعة مصراتة إلى تبنِّي سياسات تنموية شاملة للمناطق الريفية، وإصلاح السياسات النقدية، وتوسيع برامج الدعم المباشر.

يرى سلامة الغويل أن الحل يبدأ من «تشكيل حكومة موحدة تمتلك رؤية وطنية واضحة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمواطن الليبي».