بوتين يطلق مرحلة جديدة في معركة أوكرانيا... تعبئة عسكرية وتلويح بـ«النووي»

تعديلات قانونية تشدد العقوبات الجنائية في «زمن الحرب»

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لاجتماع قيادات الدفاع في الوزارة للبدء في تنفيذ المرسوم الرئاسي بشأن التعبئة الجزئية للاحتياط في البلاد (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لاجتماع قيادات الدفاع في الوزارة للبدء في تنفيذ المرسوم الرئاسي بشأن التعبئة الجزئية للاحتياط في البلاد (إ.ب.أ)
TT

بوتين يطلق مرحلة جديدة في معركة أوكرانيا... تعبئة عسكرية وتلويح بـ«النووي»

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لاجتماع قيادات الدفاع في الوزارة للبدء في تنفيذ المرسوم الرئاسي بشأن التعبئة الجزئية للاحتياط في البلاد (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لاجتماع قيادات الدفاع في الوزارة للبدء في تنفيذ المرسوم الرئاسي بشأن التعبئة الجزئية للاحتياط في البلاد (إ.ب.أ)

أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس (الأربعاء)، مرحلة جديدة في العمليات العسكرية الجارية في أوكرانيا حملت رداً مباشراً على الانتكاسات الميدانية التي تواجهها بلاده خلال الأسبوعين الأخيرين.
ومع إقراره بتحول المواجهة إلى «حرب شاملة» قال إن أوكرانيا بدأتها والغرب وسّعها ضد بلاده، حمل الخطاب الرئاسي الموجه إلى الروس ملامح تصعيد عسكري قوي منتظر، من خلال إعلان التعبئة الجزئية واستدعاء الاحتياط مع التلويح باستعداد روسيا لاستخدام «كل ما يلزم» لمواجهة المخاطر وحماية مصالحها، بما في ذلك على صعيد التذكير بقدرات روسيا النووية.
تزامن ذلك مع إدخال مجلس الدوما (النواب) تعديلات قانونية واسعة على العقوبات الجنائية كرّست مفهوم التعامل مع الجرائم في «زمن الحرب». وبدا أن خطاب بوتين الموجه إلى مواطنيه، صباح أمس، حمل تحولاً أساسياً في طريقة تعامل الكرملين مع الحدث الجاري، خصوصاً لجهة القناعة بعدم جدوى مسار المفاوضات ووضع رهانه على الحسم العسكري الكامل على الرغم من الانتكاسات الأخيرة.
وخطاب بوتين إلى الأمة هو الثالث من نوعه الذي يحمل تحولاً استراتيجياً في آليات تعامل موسكو مع الملف الأوكراني بعد خطابي الاعتراف باستقلال دونيتسك ولوغانسك في 21 فبراير (شباط) ثم خطاب إطلاق «العملية العسكرية الخاصة لحماية دونباس» بعد ذلك بثلاثة أيام.
في خطابه الجديد بدت لهجة بوتين أكثر تحدياً للغرب، وأكثر إصراراً على مواصلة وتصعيد المواجهة حتى تحقيق أهداف بلاده.

بوتين مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (إ.ب.أ)

واللافت في الخطاب أنه عكس انتهاء الاعتراف الروسي بدولة أوكرانيا بشكل علني ونهائي، وهو ما حمله تأكيد الرئيس الروسي تأييد انضمام دونيتسك ولوغانسك ومقاطعتي خيرسون وزابوربجيا إلى روسيا، في إطار الاستفتاءات التي أعلن عن الشروع بتنظيمها في هذه المناطق.
وقال بوتين إن «النظام في كييف هو من بدأ هذه الحرب، منذ عام 2014 ورفع السلاح في وجه مواطنيه العزل».
وزاد أن كييف «ارتكبت أعمال إبادة جماعية ومارست الإرهاب والحصار تجاه الذين رفضوا الانقلاب عام 2014».
وفي تجاهل متعمد للتقدم الميداني الذي أحرزته كييف خلال الفترة الأخيرة، قال بوتين إن قواته «تواصل تحرير الأراضي الأوكرانية بالتدريج خطوة بخطوة».
وتطرق إلى إمدادات السلاح الغربي وقال إن «الأمر لم يعد يقتصر على الاستهتار الغربي بشأن خطورة إمدادات السلاح، إذ بدأنا نتعامل مع قصف إرهابي على حدود مدننا في القرم وبيلغورود وكورسك».
وزاد بوتين أن الغرب «تجاوز في سياساته المناهضة لبلادنا كل الحدود الممكنة، ولم يعد سراً الحديث عن تدمير روسيا بالكامل في ساحة المعركة باستخدام كل الوسائل الممكنة، بما يتبع ذلك من تداعيات لنزع سيادتها السياسية والاقتصادية والثقافية وكل أشكال السيادة والنهب الكامل لبلادنا».
وقال إن «الغرب استخدم الابتزاز النووي، والحديث لا يدور فقط حول دعم الغرب لأوكرانيا في قصف محطة الطاقة النووية في زابوريجيا، وإنما يخص بعض التصريحات من مسؤولين رفيعي المستوى في بعض دول الناتو، حول إمكانية استخدام السلاح الدمار الشامل ضد روسيا».
وفي تهديد مباشر قال بوتين: «لمن يطلق مثل هذه التصريحات، أود تذكيرهم بأن بلادنا كذلك تملك أسلحة دمار شامل وفي بعض أجزائها أكثر تطوراً من نظيراتها لدى دول الناتو».
وتعهد بأنه «أمام أي تهديدات لوحدة أراضينا أو سيادتنا نحن قادرون على استخدام هذه الأسلحة وهذا ليس مجرد تمويه أو خداع».
في الوقت ذاته، أعلن بوتين التعبئة الجزئية من قوات الاحتياط وممن يمتلكون الخبرة في القتال.
وحمل قانون إعلان التعبئة العامة الذي نشره الكرملين على موقعه الرسمي، أن العمل بمرسوم الرئيس يبدأ فور إعلانه (الأربعاء). وبناءً على ذلك، «تقوم وزارة الدفاع بدعوة مواطني روسيا للخدمة العسكرية من خلال التعبئة في القوات المسلحة لروسيا الاتحادية.
ويتمتع مواطنو روسيا الاتحادية الذين يتم استدعاؤهم للخدمة العسكرية عن طريق التعبئة بوضع الأفراد العسكريين المتعاقدين الذين يخدمون في القوات المسلحة الروسية.
وأشار إلى أنه «على الحكومة الروسية تمويل أنشطة التعبئة الجزئية، واتخاذ التدابير اللازمة لتلبية احتياجات القوات المسلحة لروسيا الاتحادية والقوات والتشكيلات والهيئات العسكرية الأخرى خلال فترة التعبئة الجزئية».
في الأثناء، وجه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، في اجتماع مع قيادات في الوزارة بالبدء في تنفيذ المرسوم الرئاسي بشأن التعبئة الجزئية للاحتياط في البلاد.
وأكد أنه من الضروري تنظيم إخطار المواطنين والتصدي للاستفزازات، وكذلك تعزيز أمن مناطق الإخطار ونقاط التجمع. وقال شويغو خلال الاجتماع إن «التعبئة الجزئية تهدف إلى إحكام السيطرة على الأراضي التي تم تحريرها سابقاً خلال العملية العسكرية الروسية خصوصاً في أوكرانيا».
وزاد أن «خط التماس، أو ما يمكن تسميته خط الجبهة، يزيد على 1000 كيلومتر. بطبيعة الحال، يجب تأمين هذا الخط من الخلف، ويجب التحكم في هذه المناطق، بالطبع، العمل الذي يتم القيام به، وأقصد التعبئة الجزئية يتم على هذا الأساس».
وأكد شويغو أن روسيا تمتلك موارد بشرية ضخمة للتعبئة الجزئية، حيث من الممكن استدعاء 300 ألف جندي احتياطي إجمالاً، وهو ما يمثل أكثر من 1 في المائة من قوات الاحتياط. وقال شويغو إن روسيا لم تعد نحارب أوكرانيا، وإنما تحارب الغرب ككل.
وذكرت قناة «آر تي» الروسية بالعربية أن شويغو قال إن هناك 70 قمراً صناعياً عسكرياً و200 قمر صناعي لأغراض مدنية تابعة للغرب تقوم بدعم أوكرانيا.
وأضاف أن 150 مستشاراً عسكرياً من حلف شمال الأطلسي (الناتو) يشاركون في قيادة الجيش الأوكراني. وأوضح شويغو أن خسائر الجيش الأوكراني بلغت 61 ألفاً و207 قتلى و49 ألفاً و368 مصاباً.
وأشار إلى أن خسائر روسيا بلغت 5939 قتيلاً.
إلى ذلك، سارت موسكو خطوة لتشجيع الأجانب على الانخراط في عملياتها العسكرية في أوكرانيا. ووافق أعضاء مجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي على قانون يسهّل إجراءات الحصول على الجنسية الروسية للمواطنين الأجانب الذين يتعاقدون مع الجيش الروسي للخدمة فيه لمدة عام واحد على الأقل.
ووفقاً للوثيقة التي تم التصديق عليها (الأربعاء) يحق للمواطنين الأجانب الذين يبرمون عقوداً مع القوات المسلحة الروسية أو القوات الأخرى أو التشكيلات العسكرية الروسية، لمدة عام واحد على الأقل، التقدم بطلب للحصول على الجنسية الروسية، دون التقيد بشرط الحصول مسبقاً على إقامة مؤقتة أو دائمة.
في سياق آخر، عرض مجلس الدوما (النواب) حزمة من التغييرات على مشروع تعديل القانون الجنائي الروسي، من بينها إدخال أحكام مشددة لارتكاب الجرائم «في فترة التعبئة أو في ظل الأحكام العرفية أو في زمن الحرب».
وتنص التعديلات على تشديد العقوبات بشكل كبير ضد من يُتهمون بـعدد من المخالفات الجنائية بينها «الاستسلام» أو ارتكاب أعمال شغب ونهب أو ضد «المتقاعسين» عن تلبية واجباتهم خلال الخدمة الإلزامية. وفور إعلان القرار برزت دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاجات في البلاد ضده.
وانتقد معارضون القرار. ورأى المعارض الروسي المسجون أليكسي نافالني، أن قرار التعبئة الجزئية سوف يؤدي إلى «كارثة كبيرة».
وقال نافالني خلال جلسة استماع في المحكمة وفق مقطع فيديو بثته وسائل إعلام روسية: «كل ذلك سيؤدي إلى كارثة كبيرة وعدد كبير من الوفيات».
وأضاف: «من الواضح أن الحرب الإجرامية التي تدور حالياً ستزداد خطورة وضراوة، ويحاول بوتين إقحام أكبر عدد ممكن من الناس فيها».
ورأى نافالني أن الرئيس الروسي وعبر استدعاء 300 ألف من جنود الاحتياط لتعزيز قوات موسكو يريد «تلطيخ (أيادي) مئات آلاف الأشخاص بالدماء».


مقالات ذات صلة

أوروبا تواجه مشكلة المسيّرات الأوكرانية مع استهداف كييف للأراضي الروسية

أوروبا حطام طائرة أوكرانية مسيّرة حلّقت في المجال الجوي اللاتفي وتحطمت في منطقة كراسلافاس لاتفيا 25 مارس 2026 (رويترز) p-circle

أوروبا تواجه مشكلة المسيّرات الأوكرانية مع استهداف كييف للأراضي الروسية

تزايدت اختراقات طائرات أوكرانية مسيّرة لأجواء دول أوروبية بسبب التشويش الروسي أثناء استهداف موانئ النفط الروسية، ما أثار مخاوف أمنية وسياسية داخل الناتو.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين لدى وصوله للمشاركة بقمة «المجموعة السياسية الأوروبية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

الكرملين يرحب بـ«نقاشات أوروبية» لاختيار مفاوض مقبول لإحياء الاتصالات

حرب إيران وتساؤلات «اليوم التالي» في أوكرانيا عززتا فرص الحوار الروسي الأوروبي... والكرملين يرحب بمناقشتها الأسبوع المقبل.

رائد جبر (موسكو)
العالم بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب) p-circle

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بدا أنَّ ترتيب استقبال كل من ترمب وبوتين في بكين متطابق عمداً؛ بهدف إبراز قدرة الصين على استضافة قادة واشنطن وموسكو بالقدر نفسه من الفخامة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

إدانة «إيرباص» و«إير فرانس» في قضية تحطم طائرة عام 2009

حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
TT

إدانة «إيرباص» و«إير فرانس» في قضية تحطم طائرة عام 2009

حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)

أدانت محكمة استئناف في باريس، الخميس، شركتَي «إير فرانس» و«إيرباص» بتهمة القتل غير العمد في حادث تحطم رحلة بين ريو دي جانيرو وباريس عام 2009، معلنة أنهما «المسؤولتان الوحيدتان بالكامل» عن الحادث الأعلى حصداً للأرواح في تاريخ الطيران الفرنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي تحول قضائي لافت، حُكم على الشركتين؛ اللتين كانتا قد بُرِّئتا في المحكمة الابتدائية ودافعتا عن نفسيهما أمام أي خطأ جنائي، بالعقوبة القصوى المتمثلة في غرامة قدرها 225 ألف يورو في الكارثة التي أودت بحياة 228 شخصاً، وهي إدانة ذات طابع رمزي، لكنها تلطّخ صورتيهما.

وأعلنت شركة «إيرباص» الأوروبية لصناعة الطائرات على الفور أنها ستستأنف الحكم أمام محكمة النقض، بينما رحّبت الأطراف المدنية بالإدانات وأعربت عن ارتياحها لطي صفحة الماضي.

وأدينت «إير فرانس» بعدم تنفيذها تدريباً ملائماً للطيارين على التعامل مع حالات تجمّد «حسّاسات السرعة الجوية (بيتو)» التي تقيس سرعة الطائرة من الخارج، وعدم توفيرها معلومات كافية للطاقم، وهو ما دأبت الشركة على نفيه دائماً.

أما شركة «إيرباص»، فرأت المحكمة أنها قلّلت من خطورة أعطال أجهزة قياس سرعة الرياح، ولم تتخذ كل التدابير الضرورية لإبلاغ شركات الطيران المزوَّدة بها على الفور، وهو ما ينفيه الصانع كذلك.

وبعدما طالبت النيابة العامة بتبرئة شركة الطيران والصانع وحصلت على ذلك خلال المحاكمة الابتدائية، تراجعت عن موقفها في ختام الشهرين اللذين استغرقتْهما محاكمة الاستئناف في الخريف، وطالبت بإدانتهما في هذه الكارثة.

وفي المحاكمة الابتدائية والاستئناف، أنكرت كل من «إيرباص» و«إير فرانس» بشدة أي مسؤولية جنائية. وأشار ممثل «إيرباص» في المحكمة إلى قرارات خاطئة اتخذها الطيارون في حالة الطوارئ، مؤكداً أن «العوامل البشرية كانت حاسمة» في الحادث.

وتحطمت الطائرة التابعة لشركة «إير فرانس» في المحيط الأطلسي يوم 1 يونيو (حزيران) 2009 خلال رحلتها رقم «إيه إف447»، وقُتل ركابها وأفراد طاقمها البالغ عددهم 228 شخصاً من 33 جنسية؛ بينهم 72 فرنسياً و58 برازيلياً.


خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
TT

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)

بعد أيام من استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بكين بفرقة موسيقية عسكرية وحرس شرف وعشرات الأطفال الذين لوَّحوا بالأعلام الأميركية والصينية، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين وسط مشهد مماثل تقريباً.

وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد بدا أنَّ ترتيب الاستقبالين متطابق عمداً؛ بهدف إبراز قدرة بكين على استضافة قادة واشنطن وموسكو بالقدر نفسه من الفخامة.

لكن الصين حرصت أيضاً على إبراز الاختلافات. فقد استُقبل ترمب في المطار من قِبل نائب الرئيس الصيني، وهو دور شرفي إلى حد كبير خارج نطاق السلطة الفعلية للحزب الشيوعي، بينما استُقبل بوتين من قِبل عضو حالي في المكتب السياسي للحزب، وهو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب، في إشارة ضمنية إلى أنَّ الصين تنظر إلى موسكو بصفتها شريكاً موثوقاً به في نظام عالمي جديد تقوده الصين بعيداً عن الهيمنة الغربية.

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

رد الفعل الروسي

وحاول الكرملين التقليل من المقارنات بين الزيارتين، إذ رفض المتحدث باسمه، ديمتري بيسكوف، التلميحات بأنَّ الزيارتين تُقارنان ببعضهما، مُصرَّاً على عدم النظر إليهما من منظور المنافسة، في حين أكد مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، أنَّ زيارة بوتين «جرى التخطيط لها قبل وقت طويل من زيارة ترمب».

ورغم ذلك، فإنَّ الرسائل بدت في الإعلام الروسي مختلفة، حيث كتبت صحيفة «أرغومينتي إي فاكتي» أن بوتين استُقبل في بكين «حليفاً وشريكاً موثوقاً»، بينما عومل ترمب بوصفه «منافساً وخصماً يمكن توقع أي شيء منه».

النتائج العملية للقمتين

ورغم الضجة المصاحبة للقمتين، فإنَّ نتائجهما العملية بدت محدودة. فلقاء ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ لم يُحقِّق تقدماً ملموساً في ملفات شائكة مثل؛ الرسوم الجمركية، وقيود تصدير الرقائق الإلكترونية، بينما كان بوتين يأمل في تحقيق اختراق اقتصادي مهم مع الصين في ظلِّ الضغوط التي تواجهها روسيا؛ بسبب الحرب والعقوبات الغربية.

وتُعمِّق المشكلات الاقتصادية المتفاقمة لروسيا اعتمادها على الصين، مُحوّلةً ما يُصوّرها الكرملين «شراكةً متكافئةً» إلى «علاقة غير متكافئة» بشكل متزايد. لكن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منحت روسيا فرصةً جديدةً، حيث إنها تحاول استغلال التوترات الناتجة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز؛ لتقديم نفسها للصين مُورِّداً أكثر موثوقيةً على المدى الطويل للنفط والغاز.

وكانت موسكو تأمل في تحقيق تقدُّم بشأن مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، الذي يهدف إلى تحويل صادرات الغاز الروسية من أوروبا إلى الصين، لكن القمة انتهت دون إعلان واضح بشأن المشروع. واكتفى الرئيسان الصيني والروسي بالتعهد، بعبارات مبهمة، بتعميق التعاون في قطاعات واسعة.

كما أقرَّ بيسكوف لاحقاً بأنَّ موعد تنفيذ المشروع «لم يُحسم بعد».

المستفيد الأكبر من القمتين

ويرى مراقبون أنَّ المستفيد الأكبر من القمتين كان الرئيس الصيني نفسه، الذي سعى إلى ترسيخ صورته زعيماً عالمياً قادراً على التعامل مع القوتين المتنافستين، الولايات المتحدة وروسيا، في وقت واحد.

ولم يسبق لأي زعيم صيني أن استضاف زيارتين رسميَّتين متتاليتين في الشهر نفسه لرئيس أميركي ورئيس روسي.

وخلال استقبال ترمب داخل مجمع «تشونغنانهاي»، وهو المقر المغلق عادة أمام الضيوف الأجانب، حرص شي على إبراز خصوصية المكان، وعندما سُئل إن كان قادة أجانب يزورونه كثيراً، هزَّ رأسه قائلاً: «نادراً جداً»، ثم أضاف ضاحكاً: «على سبيل المثال، بوتين كان هنا».

وفي لقائه مع بوتين، وصف شي العلاقات الصينية - الروسية بأنها «نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى».

تأثير القمتين على حربَي أوكرانيا وإيران

ورغم هيمنة الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط على المشهد الدولي، فإنَّ أي من القمتين لم تشهد اختراقاً حقيقياً في جهود التسوية.

وقال ترمب إنه رفض اقتراحاً من شي بأن تساعد الصين في الوساطة لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الحرب التي تسببت في استمرار إغلاق مضيق هرمز.

كما نفت الصين وترمب تقريراً نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» تحدث عن أن شي أبلغ الرئيس الأميركي سراً بأن بوتين قد «يندم في النهاية على الحرب في أوكرانيا».

وفي بيان مشترك، كرَّرت الصين وروسيا دعوتهما إلى «إزالة الأسباب الجذرية» للحرب الأوكرانية، وهي العبارة التي تتطابق إلى حد كبير مع الرواية الروسية التي تحمِّل الغرب مسؤولية الصراع.

وقال ويليام يانغ، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن شي جينبينغ ربما يسعى إلى فهم أوضح لوجهة نظر بوتين بشأن الحرب في أوكرانيا، التي زادت من تعقيد علاقات بكين مع الدول الغربية، في وقت تحاول فيه الصين استقرار علاقاتها التجارية مع أوروبا والولايات المتحدة.

ولم تلعب الصين، التي تتمتع بنفوذ هائل على الاقتصاد الروسي، دوراً يُذكر في محاولة إنهاء الحرب في أوكرانيا، مكتفيةً بالتسامح مع الصراع ما دامت تستطيع الحفاظ على علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع موسكو، بينما تنتزع شروطاً أكثر ملاءمة من شريكها المُنهك.


«الفاو»: إغلاق مضيق هرمز يُنذر بحدوث «صدمة زراعية غذائية»

سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

«الفاو»: إغلاق مضيق هرمز يُنذر بحدوث «صدمة زراعية غذائية»

سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)

حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الأربعاء، من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة يُنذر بصدمة هيكلية في قطاع الأغذية الزراعية، قد تُفضي إلى أزمة حادة في الأسعار العالمية للأغذية خلال 6 إلى 12 شهراً، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولتجنب هذه النتيجة، أوصت «الفاو» بـ«إنشاء طرق تجارية بديلة، وضبط القيود على الصادرات، وحماية تدفقات المساعدات الإنسانية، وتكوين احتياطيات لاحتواء ارتفاع تكاليف النقل».

وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في «الفاو»، في مدونة صوتية جديدة الأربعاء: «حان الوقت للبدء بالتفكير جدّياً في كيفية زيادة قدرة الدول على التكيّف مع التداعيات، وكيفية تعزيز قدرتها على الصمود في وجه هذا العائق، وذلك بهدف الحد من الآثار المحتملة».

وذكرت «الفاو» أنّ الوقت المتاح لاتخاذ إجراءات استباقية يتقلّص بسرعة، مشيرة إلى أن القرارات التي يتخذها المزارعون والحكومات حالياً بشأن استخدام الأسمدة والواردات والتمويل وعوامل أخرى ستحدد ما إذا كان العالم سيشهد أزمة حادة في أسعار الأغذية العالمية خلال ستة إلى اثني عشر شهراً.

وفي أبريل (نيسان)، ارتفع مؤشر أسعار الأغذية الصادر عن «الفاو»، والذي يتابع التغيرات الشهرية في الأسعار العالمية لسلة من المنتجات الغذائية المتداولة عالمياً، للشهر الثالث على التوالي، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة والاضطرابات المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وتمتد آثار الصدمة على مراحل متتالية: الطاقة، والأسمدة، والبذور، وانخفاض المحاصيل، وارتفاع أسعار السلع، ثم التضخم الغذائي، حسب «الفاو».

وقد يتفاقم الوضع مع وصول ظاهرة «إل نينيو» التي يُتوقع أن تُسبب جفافاً وتُخلّ بتوازن أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق عدة، وفق «الفاو».

وللحد من هذا الخطر، أوصت «الفاو» بأكثر من عشرين إجراء قصيراً ومتوسطاً وطويل الأمد، تشمل مسارات بديلة حول مضيق هرمز، وتوفير قروض ميسرة للمزارعين، وإنشاء احتياطيات إقليمية.