ماذا تبقى من «الإرهاب»؟... وهل لا يزال عدو أميركا الأول؟

«حصاد أيلول 2001»

لحظة الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 (أرشيفية - رويترز)
لحظة الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 (أرشيفية - رويترز)
TT

ماذا تبقى من «الإرهاب»؟... وهل لا يزال عدو أميركا الأول؟

لحظة الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 (أرشيفية - رويترز)
لحظة الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 (أرشيفية - رويترز)

هل يمكن أن تلخص 3 طائرات بعينها جانباً من التاريخ وجزءاً من المستقبل؟... يبدو أن ذلك يحدث؛ فبينما كانت طائرتان تحلقان نحو برجي «مركز التجارة العالمي» في نيويورك ضمن «هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)» عام 2001، جاءت ثالثتهما بعد عشرين عاماً تقريباً، وأقلعت منسحبة من أفغانستان ومن حولها تحلق البشر كموجات، ومنها تساقط من حاولوا عبثاً التمسك بـ«رحلة الفارين».
لكن التلخيص الذي قد يبدو لبعضهم «مخلاً» إذ يختصر آلاف الضحايا ومليارات الدولارات؛ يبدو قادراً على إثبات وجاهة ما عبر طائرة رابعة لكنها «بدون طيار» هذه المرة تلك التي اغتالت «بلا صخب عملياتي» زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في أغسطس (آب) الماضي «بينما كان يقف في شرفة مخبئه في كابل» وفق الرواية الأميركية.
فهل بعد 21 عاماً من «الحادي عشر من سبتمبر» يمكن القول إن «جماعات الإرهاب» التي فجرت المعركة في مطلعها مثل «القاعدة»، أو تلك التي استنسخت مسارها بتصرف –إن شئت الدقة بتوحش- تحت راية جديدة كـ«داعش»، لا تزال تمثل قوى صلبة؟... وماذا تبقى منها؟ وفي أي بقاع؟... وهل لا تزال العدو الأول لأميركا؟... أم أنه جرى استبدال الأعداء؟
غداة هجمات سبتمبر (أيلول) عام 2001، وقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، متوعداً الأصدقاء المترددين قبل الأعداء المنتظرين... استعار الرجل من الحرب حدتها وأسقطها على مفردات لغته قائلا: «من ليس معنا فهو ضدنا»، أما بالنسبة لمواطنيه فإنه بشرهم بأن «الحرب ستبدأ مع تنظيم القاعدة، لكنها لن تنتهي عنده»، في إشارة إلى حملته الكونية التي انتقلت من أفغانستان إلى العراق فضلاً عن تعبيرات أخرى بمواقع شتى حول العالم.
ستتكفل إطلالة على نشاط «القوى الإرهابية» الأبرز في التصنيف الأميركي، خلال الأيام الأولى من الشهر التذكاري المؤسس (سبتمبر) لهذا العام، ببناء تصور ما عن مآلات تلك الجماعات وأفرادها ومستوى عملياتها، وكذلك ستشرح لنا جانباً عن حدود قوتها وبؤر نشاطها.
وكما جاءت بداية «الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على الإرهاب» عام 2001 من أفغانستان، لتكن بدايتنا من البقعة نفسها حيث أعلن ما يعرف بـ«داعش خراسان» مسؤوليته قبل أقل من أسبوع عن الهجوم الذي استهدف «سفارة موسكو» في كابل، ليرسخ متغيرات جديدة على ترتيب «قائمة الأعداء» التي باتت تضم روسيا، ونطاق النشاط الذي انتقل تركيزه من العراق وسوريا غرباً إلى أفغانستان شرقاً.
لقد باتت أفغانستان نفسها الآن موقعاً لتسويات جديدة بين أضداد سابقين في «معركة الإرهاب»، وعادت طالبان إلى السلطة وفق اتفاق مع الولايات المتحدة، غير أن ذلك لم يمنع واشنطن من إبقاء الأعين مفتوحة لتتمكن من استهداف الظواهري.
ووفق جيمس دوبينز، الزميل الأول بمعهد «راند» الأميركي للأبحاث، فإن «النجاح في عملية استهداف الظواهري أظهر فاعلية قدرة الاستهداف الأميركي بعيد المدى، لكن هذا لم يكن موضع شك»، ويستطرد في تقديره الذي نشره موقع المعهد في أغسطس (آب) الماضي: «الأمر محل التساؤل هو (مدى) قدرة الولايات المتحدة على مراقبة النشاط المتطرف في بلد (أفغانستان) تفتقر فيه إلى الوصول المباشر والشراكة على الأرض».
ويعتقد دوبينز أنه «من المحتمل أن يؤدي قرار طالبان الواضح باستضافة أكثر إرهابيين مطلوبين في العالم إلى زيادة عزلة طالبان، مما يجعل من الصعب تتبع ما يحدث هناك، ناهيك عن التأثير فيه».
تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي جو بايدن، أعلن في أغسطس (آب) 2021 بموازاة الانسحاب من أفغانستان، أن بلاده كانت «تنفق 300 مليون دولار يومياً طوال عقدين» خلال التواجد في كابل.

العراق والشام
في المحطة الثانية بمسيرة «الحرب ضد الإرهاب» وفق سردية «بوش الابن»، جاء العراق؛ ذلك البلد الذي احتاج لنحو عشر سنوات تحت «التجربة الأميركية» مثلت موئلاً لخمائر طائفية وقبلية كامنة، وليظهر بعدها إلى العالم «كابوس داعش» الذي خرج شاهراً «دولته» في عام 2014.
هناك في قلب مدينة الموصل، وعلى الضفة الغربية من نهر دجلة، يقع «جامع النوري» ذو «المنارة الحدباء»، والذي يعود تأسيسه للقرن الثاني عشر الميلادي، وهو الموقع الذي اختاره «داعش» لظهور قائده أبو بكر البغدادي في أول خطبة جمعة لعهده، وبعد ثلاث سنوات من ذاك المشهد المؤسس، ابتلي الجامع بتفجيرات مدمرة، وكان ذلك ضمن معارك استعادة المدينة التي انتهت بطرد مقاتلي التنظيم عام 2017.
لا يمكن الجدال بشأن الحقائق التي تؤكد أن الجامع النوري بات الآن في عهدة «اليونيسكو» لإعماره، هذا على مستوى المقاربة الثقافية.
ولا يختلف الأمر عسكرياً وفق الإفادات الواردة من «الجبهة العراقية»، على ما يؤكد المتحدث الرسمي باسم جهاز «مكافحة الإرهاب» صباح النعمان، قبل يومين بأن «عصابات داعش الإرهابية فقدت المبادرة»، شارحاً لوكالة الأنباء الرسمية العراقية أن «تعزيز الحدود في أعلى مستوياته مع دول الجوار وخاصةً مع سوريا، إذ كان الإرهابيون يتوافدون من الحدود السورية، ولكنه الآن ومع وجود التعزيزات أصبح الوضع في الحدود أفضل وأكثر استقراراً»، وفق تقييمه.
غير أن تقديرات الأمن العراقي لحدود بلاده مع سوريا، وتحركات المسؤولين الثقافيين الأمميين في الموصل، لا تعدم توجساً يصدره معلقون استناداً إلى استمرار وجود بؤر «داعشية» خاصةً في شمال البلاد، على ما يحذر المفكر الفرنسي، برنادرد هنري ليفي، في مقال نشرته «وول ستريت جورنال»، قبل يومين، والذي يرى أن «داعش» عاد لـ«يرفع رأسه» بالقرب من تخوم كردستان، وحدد مناطق «السليمانية، وكهوف قرقوش» كبؤر يختبر فيها التنظيم قدراته بمواجهة قوات البشمركة الكردية. ويصف ليفي «داعش» بأنه «زئبق، سام يتبخر ويبقى معلقاً».
وتدعم أخبار توقيف منتمين لـ«داعش» والتي يعلن في كردستان، تلك المخاوف من عودة التنظيم، والتي كان أحدثها عشية «سبتمبر المؤسس» الجاري، عندما أعلنت «مديرية أسايش (غرب السليمانية) بإقليم كردستان اعتقال مجموعة (إرهابية) من 4 أفراد بتهمة الانتماء لـ(داعش)، وتوزيع منشورات تحمل عبارات تكفيرية».
ولا يختلف الأمر كثيراً في سوريا، إذ تتحدث «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، عن محاولات يجريها مسلحون تابعون لـ«داعش» لفتح ممرات «جنوب الفرات للتواصل مع عناصر أخرى موالية للتنظيم نفسه».
وبحسب إحصاء نشرته «مجلة النبأ» التابعة لـ«داعش» عن عمليات التنظيم في الفترة من 1 إلى 7 سبتمبر الجاري في العراق والشام، فإنها بلغت 26 عملية (من إجمالي 50 عملية) أسقطت 49 شخصاً بين قتيل وجريح.

قاعدتان للقاعدة
وإذا اعتمدنا عنصر استمرار العمليات بغض النظر عن حجمها أو تأثيرها، فإن حصرنا لما يتعلق بتنظيم «القاعدة» يظهر أنه يمتلك قاعدتين فاعلتين، أولاهما في اليمن، حيث أسفر الهجوم الأحدث للتنظيم، في سبتمبر (الجاري) عن مقتل «21 جندياً يمنياً في محافظة أبين الجنوبية»، بينما سقط 6 من عناصر «القاعدة» في الاشتباكات، ناهيك عن احتجاز «مسلحي القاعدة» لـ«آكام سوفيول أنام» الذي يشغل منصب مدير مكتب الأمم المتحدة للسلامة والأمن في اليمن.
أما الثانية: فيعبر عنها في الصومال «حركة شباب المجاهدين»، والتي تعد الفرع الأكثر فاعلية ونشاطا لـ«القاعدة»، وتسبب أحدث هجوم للحركة لهذا الشهر في سقوط 17 قتيلاً بولاية هيران.

ولايات أفريقية
عبر عمليات وهجمات متفاوتة الحدة، يتحرك منتمون لـ«داعش» في عدد من الدول الأفريقية، إذ أسقطوا (فقط خلال الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري)، 75 شخصاً بين قتيل وجريح.
وتندرج الكيانات الفاعلة راهناً والتابعة لـ«داعش» في أفريقيا، تحت 3 مسميات هي: «ولاية وسط أفريقيا، وولاية غرب أفريقيا، وولاية موزمبيق».
ووفق ما تفيد إصدارات إعلامية لـ«داعش»، فإن مسلحيه في الكونغو (ولاية وسط أفريقيا) قتلوا «44 مسيحياً، وأصابوا ضابطين من مخابرات البلاد».
وتكرر الاستهداف على أساس ديني في موزمبيق، وبلغ عدد القتلى والجرحى، خلال الأيام الأولى من الشهر الحالي، 19 حالة.
أما ثالث التعبيرات الأفريقية عن «داعش»، خلال «أسبوع إحياء ذكرى 11 سبتمبر» فكان عبر «ولاية غرب أفريقيا» في نيجيريا والتي أسقطت 10 أشخاص في هجمات متفرقة بين قتيل وجريح.
ويذهب الباحث المصري في شؤون الأمن الإقليمي محمد فوزي إلى أن «الإرهاب في مرحلة ما بعد 2001، اتخذ مسارات متفاوتة بين الكمون في بعض الفترات والفاعلية في فترات أخرى، وصولاً إلى فترة الذروة بعد 2011».
لكن فوزي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «جماعات الإرهاب سجلت (عمليات تحور)، حيث طغى على النشاط الإرهابي البعد (العولمي)»، ويضيف: «لا تزال التنظيمات الموالية للقاعدة وداعش تحظى بحضور ونشاط كبيرين بمناطق استراتيجية مهمة في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا، خصوصاً في مرحلة ما بعد سيطرة حركة طالبان على الدولة الأفغانية».
ويستدرك «صعود طالبان حفز العديد من التنظيمات للسعي إلى استنساخ نموذجها، وجعل من الجغرافيا الأفغانية ملاذاً آمنا للعديد من التنظيمات وقادة الصف الأول فيها».

من العدو؟ أين الأولوية؟
بحسب رواية كشفت عنها «أسوشييتد برس» الشهر الماضي، فإن «المسؤول الثاني في (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية)، أكد خلال اجتماع مغلق ضم قادة (مركز مكافحة الإرهاب) بالوكالة أن محاربة القاعدة ومختلف الجماعات المتطرفة الأخرى ستظل أولوية، ولكن أموال الوكالة ومواردها ستتحول بشكل متزايد إلى التركيز على الصين».
وبعد أكثر من عقدين على حرب خاضتها أميركا بشعار «من ليس معنا فهو ضدنا»، وبدأت باستهداف «إرهاب القاعدة» ولم تنته عنده، تبدو الولايات المتحدة، وليس إدارة جو بايدن وحسب، مشغولة بسؤال جوهري حول العدو الأول، أو بالأحرى إعادة ترتيب أولويات العداء.
الإشكالية جديدة - قديمة في الآن نفسه، إذ اقترح الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة الأميركية جوزيف دانفورد، في عام 2017 الإطار «4 + 1»، والذي كان يستهدف توجيه وزارة الدفاع لتحديد أولويات التهديدات الدولية، والتي تتعلق بـ(4 تهديدات) هي: «المنافسة الاستراتيجية مع الصين، وروسيا، ثم تهديدا إيران وكوريا الشمالية»، على أن يأتي تهديد «مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف» في البند (+1).
لكن التفكير العلني في تعديل الأولويات الدفاعية الأميركية قبل نحو 5 سنوات، يبدو أكثر إلحاحاً الآن، خاصةً في ظل إدارة بدأت عهدها بتخفيف التواجد العسكري في «الشرق الأوسط» حسبما أعلن البنتاغون في يونيو (حزيران) 2021، ثم بعد شهرين تقريباً جاءت خطوة الانسحاب من أفغانستان.
وعلى الجانب الآخر، سنجد أن ما خفف شرق أوسطياً، زاد أوروبياً، بإعلان بايدن تعزيز وجود القوات الأميركية في أوروبا ضمن «حلف الناتو» وذلك بعد اندلاع الصراع الروسي - الغربي في أوكرانيا.
وإذا كانت تعزيزات القوات الأميركية تستهدف بصورة أو بأخرى تحقيق الردع تجاه تهديد روسي تراه أميركا وحلفاؤها في حرب أوكرانيا؛ فإن إشكالية تحديد العدو، وجدت مخرجاً لدى «الكونغرس» الذي تقول «أسوشييتد برس» نقلاً عن مطلعين إنه «دفع وكالة المخابرات المركزية ووكالات الاستخبارات الأخرى إلى جعل الصين أولوية قصوى... (و) تطلب دفع الموارد نحو الصين تخفيضات في أماكن أخرى، بما في ذلك في مكافحة الإرهاب».
مع ذلك يعتقد الباحث المصري، محمد فوزي أن «الظاهرة الإرهابية لا تزال تمثل التهديد الأكبر الذي يواجه دول العالم كافة، وذلك في ضوء التجربة التاريخية التي تؤكد أنه لا يمكن القضاء على تلك التنظيمات بشكل نهائي، خصوصاً مع تبنيها لاستراتيجيات متغيرة للتعامل مع الهزائم التي تتعرض لها، وهي التي أسماها داعش (استراتيجية فترات عدم التمكين)».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي أفراد من قوات الأمن التابعة للحكومة السورية يحرسون على طول منطقة قريبة من سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الحكومة العراقية: نقل عناصر «داعش» من سوريا خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي

قال المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، اليوم (الخميس)، إن نقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق «خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات حرس الحدود العراقية يقوم بدورية على طول جدار خرساني على الحدود العراقية السورية 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

العراق: سنقاضي معتقلي تنظيم «داعش» المنقولين من سوريا

قال ​مجلس القضاء الأعلى في العراق، اليوم (الخميس)، إنه سيبدأ إجراءات ‌قانونية ‌بحق ‌معتقلي تنظيم «داعش» ‌المنقولين من سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
أفريقيا كنيسة هاجمها مسلحون واختطفوا عدداً من المصلين فيها بمنطقة «كورمين والي» النيجيرية في 20 يناير 2026 (رويترز)

لأول مرة منذ ضربات ترمب... وفد أميركي في نيجيريا

سيناقش الوفد الأميركي موضوعات في مقدمتها «حماية المجتمعات المسيحية».

الشيخ محمد ( نواكشوط)
شمال افريقيا عناصر من «حركة الشباب» (أ.ف.ب - أرشيفية)

«حركة الشباب» تشن هجوماً على جزيرة استراتيجية في الصومال

هاجمت عناصر من «حركة الشباب» جزيرة استراتيجية في جنوب الصومال، الأربعاء، واشتبكوا مع وحدات عسكرية متمركزة في منطقة جوبالاند، التي تتمتّع بشبه حكم ذاتي.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

في حرب نووية افتراضية تشمل روسيا والصين والولايات المتحدة، ستكون جزيرة غرينلاند في قلب المعركة.

تُعدّ الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة القطبية الشمالية - الواقعة ضمن مسارات الصواريخ النووية الصينية والروسية التي قد تسلكها في طريقها لتدمير أهداف في الولايات المتحدة، والعكس صحيح - أحد الأسباب التي استشهد بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حملته المثيرة للجدل لانتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، مما أثار قلق سكان غرينلاند وحلفائهم الأوروبيين على حد سواء، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

يزعم ترمب أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند ضرورية لـ«القبة الذهبية»، وهي منظومة دفاع صاروخي بمليارات الدولارات، يقول إنها ستكون جاهزة للعمل قبل انتهاء ولايته في عام 2029.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» السبت: «بسبب القبة الذهبية، وأنظمة الأسلحة الحديثة، الهجومية والدفاعية على حد سواء، فإن الحاجة إلى الاستحواذ عليها (غرينلاند) بالغة الأهمية». أدى ذلك إلى أسبوع آخر متقلب بشأن الإقليم الدنماركي شبه المستقل، حيث ضغط ترمب مجدداً من أجل سيادته الأميركية على الجزيرة قبل أن يتراجع ظاهرياً، معلناً يوم الأربعاء «إطاراً لاتفاق مستقبلي» بشأن أمن القطب الشمالي، وهو اتفاق قد لا تكون له الكلمة الأخيرة في هذا الملف.

فيما يلي نظرة فاحصة على موقع غرينلاند عند مفترق طرق للدفاع النووي.

مسارات صواريخ ICBM

تميل صواريخ ICBM، التي قد يطلقها الخصوم النوويون بعضهم على بعض إذا ما وصل الأمر إلى ذلك، إلى اتخاذ أقصر مسار مباشر في مسار باليستي إلى الفضاء ثم الهبوط من صوامعها أو منصات إطلاقها إلى أهدافها. وأقصر مسارات الطيران من الصين أو روسيا إلى الولايات المتحدة - والعكس - ستمر عبر منطقة القطب الشمالي وبالتالي احتمال كبير أن تمر فوق غرينلاند.

على سبيل المثال، ستحلّق صواريخ توبول إم الروسية، التي تُطلق من مجمع صوامع تاتيشيفو جنوب شرقي موسكو، عالياً فوق غرينلاند إذا تم توجيهها نحو قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأميركية المكونة من 400 صاروخ مينيوتمان 3، والمتمركزة في قاعدة مينوت الجوية في ولاية داكوتا الشمالية الأميركية، وقاعدة مالمستروم الجوية في ولاية مونتانا، وقاعدة وارن الجوية في ولاية وايومنغ.

كما يمكن لصواريخ دونغ فنغ 31 الصينية، إذا أُطلقت من حقول صوامع جديدة تقول وزارة الحرب الأميركية إنها بُنيت في الصين، أن تحلّق فوق غرينلاند إذا استهدفت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وقال ترمب يوم الأربعاء، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «إذا اندلعت حرب، فسوف يجري جزء كبير من العمليات على تلك البقعة الجليدية. تخيّلوا الأمر: ستحلّق تلك الصواريخ فوق قلب البلاد مباشرة».

قاعدة بيتوفيك الفضائية

تعمل مجموعة من رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى كعيون البنتاغون في مواجهة أي هجوم صاروخي. وتقع أقصى هذه الرادارات شمالاً في غرينلاند، في قاعدة بيتوفيك الفضائية. يمكّن موقع هذه القاعدة فوق الدائرة القطبية الشمالية، وفي منتصف المسافة تقريباً بين واشنطن وموسكو، من مراقبة منطقة القطب الشمالي عبر رادارها، وصولاً إلى روسيا، ورصد المسارات المحتملة للصواريخ الصينية الموجّهة نحو الولايات المتحدة.

يقول بافيل بودفيغ، المحلل المقيم في جنيف والمتخصص في الترسانة النووية الروسية: «هذا (الموقع) يمنح الولايات المتحدة مزيداً من الوقت للتفكير في الخطوة التالية. غرينلاند موقع مثالي لذلك».

يرى الخبراء ثغرات في حجج ترمب الأمنية التي يتبنّاها لضم غرينلاند. ففي معرض حديثه عن «القبة الذهبية» في دافوس، قال ترمب إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك هذه الجزيرة للدفاع عنها.

وقال: «لا يمكن الدفاع عنها باستئجارها».

لكن خبراء الدفاع يجدون صعوبة في فهم هذا المنطق، نظراً لأن الولايات المتحدة تُدير عملياتها في قاعدة بيتوفيك في غرينلاند منذ عقود دون امتلاك الجزيرة.

يشير إتيان ماركوز، الخبير الفرنسي في مجال الدفاع النووي، إلى أن ترمب لم يتحدث قط عن حاجته للسيطرة على المملكة المتحدة (بريطانيا)، رغم أنها، مثل غرينلاند، تلعب دوراً مهماً في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية.

أجهزة استشعار فضائية بدل غرينلاند

يخدم رادار الإنذار المبكر، الذي تشغله القوات الجوية الملكية البريطانية في فايلينغديلز شمال إنجلترا، حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث يقوم بمسح المنطقة بحثاً عن الصواريخ الآتية من روسيا وغيرها، وصولاً إلى القطب الشمالي. وشعار الوحدة العسكرية هناك هو «فيجيلاموس» (Vigilamus)، وهي عبارة لاتينية تعني «نحن نراقب».

يمكن أن يشمل نظام «القبة الذهبية» متعدد الطبقات الذي تصوّره ترمب أجهزة استشعار فضائية لكشف الصواريخ. ويقول ماركوز، وهو خبير سابق في الدفاع النووي بوزارة الدفاع الفرنسية، ويعمل حالياً في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، إن هذه الأجهزة قد تقلل من حاجة الولايات المتحدة إلى محطة الرادار الموجودة في غرينلاند.

وأضاف ماركوز: «ادعاء ترمب بأنّ غرينلاند حيوية لنظام القبة الذهبية، وبالتالي ضرورة غزوها، أو بالأحرى الاستيلاء عليها، هو ادعاء خاطئ لعدة أسباب».

وأوضح: «أحد هذه الأسباب هو وجود رادار في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، ولا علم لي بوجود أيّ نيّة لغزو المملكة المتحدة. والأهم من ذلك، وجود أجهزة استشعار جديدة قيد الاختبار والنشر، والتي ستُقلّل في الواقع من أهمية غرينلاند».

صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية

نظراً لموقعها، يُمكن أن تكون غرينلاند موقعاً مناسباً لنشر صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية، لمحاولة تدمير الرؤوس الحربية قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.

وكتب ترمب في منشوره الأسبوع الماضي: «لا يُمكن لهذا النظام شديد التعقيد أن يعمل بأقصى طاقته وكفاءته إلا إذا كانت هذه الأرض (أي غرينلاند) مُدرجة فيه».

لكن الولايات المتحدة لديها بالفعل حق الوصول إلى غرينلاند بموجب اتفاقية دفاعية أُبرمت عام 1951. قبل أن يُصعّد ترمب الضغط على الإقليم والدنمارك التي يتبعها الإقليم، كان من المرجح أن يقبلا بسهولة أي طلب عسكري أميركي لتوسيع الوجود العسكري هناك، وفقاً لخبراء. كانت أميركا تمتلك سابقاً قواعد ومنشآت متعددة، لكنها تخلّت عنها لاحقاً، ولم يتبقَّ سوى قاعدة بيتوفيك.

قال ماركوز: «كانت الدنمارك الحليف الأكثر امتثالاً للولايات المتحدة. أما الآن، فالوضع مختلف تماماً. لا أعرف ما إذا كان سيتم منح التفويض، لكن على أي حال، في السابق، كانت الإجابة دائماً (من الدنمارك): نعم»، للطلبات العسكرية الأميركية.


برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
TT

برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك اليوم (الخميس) إنه أكد مجدداً لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، أن الولايات المتحدة تدعم بقوة اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة و«قسد»، والذي تم التوصل إليه في 18 يناير (كانون الثاني) الحالي.

وقال برّاك في منشور على منصة «إكس»: «أكدت الولايات المتحدة مجدداً دعمها القوي والتزامها بتعزيز عملية الدمج الموضحة في اتفاق 18 يناير بين (قوات سوريا الديمقراطية) والحكومة السورية».

وأضاف أن الخطوة الأولى الضرورية هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، في إطار عملية بناء الثقة من جميع الأطراف من أجل الاستقرار الدائم.

ونقلت «الوكالة العربية السورية للأنباء» عن مصدر بوزارة الخارجية القول اليوم إن جميع الخيارات مفتوحة؛ من الحل السياسي إلى الحل الأمني إلى العسكري... حال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.

وتبادلت الحكومة السورية و«قسد» الاتهامات اليوم؛ إذ اتهمت «قوات سوريا الديمقراطية» القوات التابعة للحكومة بقصف سجن الأقطان في شمال الرقة بالأسلحة الثقيلة «بالتزامن مع حصار محيط السجن بالدبابات والعناصر»، وبقطع المياه عن مدينة عين العرب (كوباني)، وقالت إنه «ليس مجرد اعتداء عسكري، بل جريمة حرب مكتملة الأركان». لكن وزارة الطاقة السورية نفت ذلك، وقالت إن انقطاعها يعود لأعطال فنية نتيجة أضرار لحقت بإحدى المحطات في السابق جراء اعتداءات قوات «قسد» على البنية التحتية للطاقة في المنطقة.


نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أكّد نائب رئيس وزراء غرينلاند، اليوم (الخميس)، أن أيّ محاولة «للتخلّي عن بلدنا لآخرين» هي «غير مقبولة»، غداة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطار اتفاق حول الجزيرة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حسبما أفادت به «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب ميوتي إيغيدي في منشور على «فيسبوك»: «أيّاً كانت الضغوط الممارَسة من الآخرين، فإن بلدنا لن يتمّ التخلّي عنه ولن يكون موضع مزايدات على مستقبلنا».

وأضاف: «من غير المقبول محاولة التخلّي عن بلدنا لآخرين. فهذا بلدنا ونحن من يحدّد مستقبله».

وغرينلاند جزيرة في القطب الشمالي تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي.

وبعد محادثات بين الأمين العام للناتو والرئيس ترمب، أمس (الأربعاء)، في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، تراجع ترمب عن تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند بالقوّة، معلناً التوصّل إلى «إطار» لاتفاق حول الجزيرة يلبّي رغباته.

وأفاد مصدر مطّلع على المناقشات في دافوس «وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم، بأن الولايات المتحدة والدنمارك ستعيدان التفاوض على اتفاق الدفاع بينهما في شأن غرينلاند الذي وُقّع عام 1951.

وقال إيغيدي: «هذا هو البلد الذي ورثناه من أجدادنا، ولنا أن ننقله إلى أحفادنا».

ومن المرتقب أن يعقد رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريديريك نيلسن، الذي لم يعلّق بعد على آخر التطوّرات، مؤتمراً صحافياً في عاصمة الجزيرة، نوك، عند الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش.