الاتفاق النووي الإيراني: هبة باردة... هبة ساخنة

لماذا يلعب الطرفان الأميركي والإيراني ورقة التمهل في العودة إليه؟

الاتفاق النووي الإيراني: هبة باردة... هبة ساخنة
TT

الاتفاق النووي الإيراني: هبة باردة... هبة ساخنة

الاتفاق النووي الإيراني: هبة باردة... هبة ساخنة

«هبة باردة، هبة ساخنة»: هكذا يمكن توصيف حالة المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي تتم بوساطة جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي الذي بدا عليه الإحباط وهو يعرب عن «أسفه» بمناسبة مؤتمر صحافي في بروكسل؛ لأن فرصة التوافق على إعادة تفعيل الاتفاق النووي الإيراني قد ابتعدت. وقال بوريل ما حرفيته «يؤسفني أن أقول إن ثقتي تراجعت عما (كانت عليه) قبل 28 ساعة بشأن تقارب وجهات النظر (بين واشنطن وطهران) وإمكانية إبرام الاتفاق الآن».
اللافت في حديث بوريل أمران: الأول، شكلي؛ إذ إنه أشار إلى «28 ساعة» في حين التقليد الدبلوماسي يتحدث عادة عن 24 ساعة أو 48 ساعة أو أكثر من ذلك.
أما أن يذهب دبلوماسي مجرب وبحجم بوريل إلى الحديث عن «28 ساعة»، فإن هذا يؤشر إلى أمر جلل سعى الأخير إلى توخي الدقة الفائقة في الحديث بشأنه. والآخر، يتمثل في المفارقة الفاضحة بين ما قاله بوريل في 31 أغسطس (آب) وفي الخامس من سبتمبر (أيلول)؛ إذ انتقل من النقيض إلى النقيض. ففي حين كان يتوقع تفعيل العودة إلى اتفاق 2015 «في الأيام القليلة المقبلة»، فإنه بدا كأنه فقد الأمل من النجاح في مهمة الوساطة التي انطلقت قبل 16 شهراً ولم تؤتِ حتى الساعة أكلها. لكن بوريل لن يتخلى عن جهوده، وأكد مواصلة المشاورات مع جميع المشاركين «ولا سيما الولايات المتحدة».
لم يكن بوريل الخائب الوحيد، بل الخائبون كل الذين عولوا على العودة «السريعة» إلى الاتفاق، وأولهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي لم يتردد، الخميس الماضي، في خطابه البارز بمناسبة المؤتمر السنوي لسفراء بلاده عبر العالم، عن توقعه العودة القريبة إلى «خطة العمل المشتركة والشاملة». فما الذي جرى لتتغير التوقعات من النقيض إلى النقيض ولتتبدد موجة التفاؤل التي انتشرت عبر العالم؟
انطلقت هذه الموجة مع تقييم الإدارة الأميركية نهاية الأسبوع الماضي للرد الإيراني على خطة بوريل. وبعد أن كان المسؤولون الأميركيون وعلى رأسهم جون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي الأميركي الذي أكد أنه «بفضل تنازل إيران عن بعض القضايا الرئيسية، نحن بالتأكيد أقرب إلى الاتفاق مما كنا عليه قبل أسبوعين»، جاء كلام الناطقة باسم الخارجية الأميركية ليسكب الماء الباردة على المتفائلين؛ إذ اعتبرت أن الرد الإيراني «غير بنّاء». وبالمقابل، استمرت إيران في التسويق لرؤية متفائلة من خلال الإصرار على أن ردودها «إيجابية» ومن شأنها «تسريع» العودة إلى الاتفاق.
الثابت حتى اليوم، أن إصرار طهران على إغلاق تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آثار لليورانيوم المخصب عُثر عليها في ثلاثة مواقع إيرانية لم تكن السلطات قد أعلنت عنها، يمثل العقبة الرئيسية.
وترى مصادر أوروبية في باريس، أن إشارة كيربي إلى «تنازل إيران عن بعض القضايا الرئيسية» كانت تتضمن ملفين: الأول، هو طلب سحب «الحرس الثوري» من لائحة المنظمات الإرهابية للخارجية الأميركية، والآخر تحقيق الوكالة الدولية. وإذا كان مسؤولون إيرانيون سارعوا لاحقاً لتأكيد أن ملف «الحرس الثوري» لم يكن «شرطاً مسبقاً» للعودة للاتفاق؛ فلأن تسوية تم التوصل إليها وهي إبقاء «الحرس» على اللائحة الأميركية، ولكن مقابل رفع العقوبات عن المؤسسات الاقتصادية «المدنية» التي يديرها وإبقائها على المؤسسات العسكرية. وتفيد هذه المصادر، بأن الحل الوسطي طرحه الدبلوماسي الأوروبي.
* تضارب في طهران
أما الصعوبة الخاصة بالملف العالق مع الوكالة الدولية، فمردها بالدرجة الأولى - وفق المصادر الأوروبية - إلى الخلاف بين توجهين داخل السلطة في إيران، بين تيار متشدد «يريد إغلاقه لأنه يرى أن الفرصة اليوم سانحة للي ذراع مدير عام الوكالة الدولية والحصول على تنازل غربي» بسبب الحاجة للبترول والغاز الإيراني. والتيار الآخر يرى، أن «الأهم هو العودة إلى الاتفاق، وأن هناك إمكانية للتعايش مع تحقيق الوكالة» التي لن تكون قادرة على «حشر» إيران في المستقبل.
والواضح اليوم، أن الخط المتشدد في طهران الذي لا يتصرف بعيداً عن موافقة، لا، بل مباركة أعلى السلطات التي لها الكلمة النهائية في الملف النووي، أي المرشد علي خامنئي، له الأفضلية. وتفيد التصريحات التي أطلقها أمس علي بهادري جهرمي، الناطق باسم الحكومة الإيرانية، بأن طهران عادت إلى المربع الأول؛ إذ أكد الأخير أن طهران تولي الأهمية لأربع قضايا رئيسية، هي الضمانات، ورفع العقوبات، والتحقق من ذلك، وإغلاق ملف الزاعم السياسية، أي تحقيق الوكالة الدولية.
وقال جهرمي «كما أعلن رئيس (الجمهورية) عملنا وسنعمل على أربع قضايا...». ما يعني عملياً أن أياً من هذه الملفات لم يتم الانتهاء منه، لا، بل كلها ما زالت مفتوحة. ويبدو كلام جهرمي على أنه رد على التصريحات الأميركية الأخيرة. لكن الناطق الحكومي أبقى الباب مفتوحاً أمام تواصل المفاوضات التي اعتبر أنها ما زالت مستمرة، داعياً الجانب الأميركي إلى «الكف عن طلباته المبالَغ فيها». ومرة أخرى، طالب جهرمي بأن تتوافر لبلاده، «ضمانات مطمئنة» لتقبل العودة إلى الاتفاق.
وفي ما يشبه توزيع الأدوار، تكفل محمد مرندي، مستشار الفريق الإيراني المفاوض والذي أكد أكثر من مرة أنه شارك في جولات فيينا، مهاجمة بوريل، متهماً إياه بأنه «حليف للولايات المتحدة، وأنه ينسى أن سبب هذه المفاوضات هو الانتهاكات الغربية لخطة العمل الشاملة المشتركة وعقوبات الضغط القصوى التي تستهدف المواطنين الإيرانيين حتى في الوقت الذي كانت فيه إيران في حالة امتثال كامل». وفي لغة قاطعة، أكد مرندي، أن إيران «لن تقبل الثغرات والغموض والولايات المتحدة تفرض التكاليف على الاتحاد الأوروبي».
وجاء تصريح المبعوث الروسي لمحادثات فيينا السفير ميخائيل أوليانوف كالعادة مسانداً لموقف إيران؛ إذ رأى أنه «من الواضح أن إيران لن تقبل الثغرات والغموض» في النص الأوروبي. وألقى أوليانوف باللائمة على الاتحاد الأوروبي الذي «ربما نسي من هو المسؤول عن الوضع الحالي، أي الوصول إلى الطريق المسدودة».
* ضغوط إسرائيلية
حقيقة الأمر، أن العوائق ليست فقط إيرانية، بل أيضاً أميركية. فليس سراً أن الإدارة الأميركية تواجه ضغوطاً من الداخل والخارج، وخصوصاً من إسرائيل التي تستخدم كل الأدوات المتاحة للتأثير على القرار الأميركي، أكان عبر أعضاء في مجلس النواب والشيوخ أو عبر الرأي العام أو عبر الهيئات الموالية لها من مراكز أبحاث ومجموعات ضغط، فضلاً عن الضغوط المباشرة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية أو مسؤولوها الأمنيون المتوافدون على واشنطن. ولم يتردد رئيس الحكومة الإسرائيلية في تصريحاته الأخيرة في تأكيد أن إسرائيل نجحت في إحداث تغييرات في الموقف الأميركي. ومن بين ما تستهدفه الضغوط الإسرائيلية منع واشنطن من الرضوخ للمطلب الإيراني الخاص بتحقيق الوكالة الدولية؛ لأن الجانبين الأميركي والإسرائيلي يعتبران أن العثور على آثار تخصيب اليورانيوم في مواقع غير معلن عنها يعني وجود برنامج نووي سري موازٍ للبرنامج المعروف، وأنه ذو أغراض عسكرية.
كذلك، رفضت إسرائيل رفع اسم «الحرس الثوري» من لائحة الإرهاب. وفي الحالتين، نجحت الضغوط الإسرائيلية ولكن حتى اليوم لم تنجح في إقناع الإدارة الأميركية عن العملية التفاوضية برمتها. ومن المهم الإشارة إلى أن يائير لبيد وضع «خطاً أحمر» لما تقوم به إسرائيل وهو ألا تصل العلاقات إلى حد القطيعة.
وحصلت إسرائيل على ثلاثة تعهدات من واشنطن: تعزيز قدراتها العسكرية، منع إيران من الحصول على السلاح النووي حتى باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، وأخيراً ترك حرية التصرف لها. وقال توماس نايدس، السفير الأميركي في تل أبيب، الاثنين، في مؤتمر صحافي، إن بايدن وعد لبيد بـ«أننا لن نكبل يد إسرائيل أبداً».
* عض أصابع
تلخص المصادر الأوروبية الوضع الراهن القائم بين طهران وواشنطن بأنه كناية عن «لعبة عض الأصابع». الأول تستخدم أوراق الضغط التي اعتادت على استخدامها وأولاها مواصلة دفع برنامجها النووي إلى الأمام بغرض إخافة الغرب وتخييره بين قبول الاتفاق وفق شروط طهران أو بعضها على الأقل أو مواجهة إيران نووية. والخيار الثاني يمكن أن يفضي إلى الحرب. يقين طهران أن واشنطن أو الغرب لن يقبلا بحرب ثانية إلى جانب الحرب الروسية على أوكرانيا ما ستكون له تداعيات جيوسياسية واقتصادية لا تطاق.
من هنا، تلويح إيران بأنها وصلت إلى العتبة النووية وقادرة على تصنيع القنبلة ورفع قدراتها التخصيبية... كذلك تسعى طهران لشق الصف الغربي بتأكيد استعدادها للاستجابة لحاجات الأوروبيين من الغاز مع اقتراب فصلي الخريف والشتاء في الوقت الذي تهيمن فيه هذه المسألة على اهتمامات المسؤولين من ألمانيا إلى فرنسا وإيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية. وتتكاثر المخاوف من اندلاع احتجاجات شعبية تذكّر بما عرفته فرنسا زمن «السترات الصفراء» في العامين 2019 و2020.
وبكلام آخر، يمكن توصيف الموقف الإيراني بأنه التلويح بالهراوة النووية من جانب وبالعصا الغازية من جانب آخر مع إظهار قدراتها على المناورة واستخدام عامل الزمن وتوتير الأوضاع في مياه الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر. وقال ناصر كنعاني، الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بصريح العبارة، إنه «في ضوء مشاكل الإمداد في أوروبا الناتجة من الأزمة الأوكرانية، يمكن لإيران أن تلبّي الاحتياجات الأوروبية للطاقة في حال رفع العقوبات المفروضة عليها».
المفارقة اليوم، أن الطرفين الأميركي والإيراني يستخدمان عامل الوقت. فالمتعارف عليه اليوم أن بايدن لم يعد راغباً في أن يبرم الاتفاق قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل مخافة أن يستخدم ضده وضد الديمقراطيين حجة للتنديد بـ«ضعفه» السياسي علماً بأن القانون الأميركي يتيح له، لو أراد، أن يعود للاتفاق من غير موافقة الكونغرس. والحجة القانونية في ذلك أنه ليس اتفاقاً جديداً، بل عودة لاتفاق سابق. ولكن بالتوازي، تعمد واشنطن إلى إظهار عضلاتها من خلال المناورات الجوية الأخيرة. ويعد إرسال قاذفتين استراتيجيتين أميركيتين «بي - 52» إلى الشرق الأوسط للمشاركة في مناورات جوية مع الطيران الخليجي العسكري بمثابة تحذير لإيران بأن المخلب الأميركي ما زال حاداً، وسبق أن ذاقت تنظيمات موالية لإيران طعمه في سوريا والعراق. ولذا؛ يبقى الوضع مفتوحاً على كل الاحتمالات.


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

مصر تدعو لتسوية «القضايا العالقة» بين أميركا وإيران بعد «مفاوضات جنيف»

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة قبل أشهر (الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة قبل أشهر (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعو لتسوية «القضايا العالقة» بين أميركا وإيران بعد «مفاوضات جنيف»

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة قبل أشهر (الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع نظيره الإيراني في القاهرة قبل أشهر (الخارجية المصرية)

دعت مصر إلى تسوية «القضايا العالقة» بين واشنطن وطهران، بعد انتهاء مفاوضات رعتها سلطنة عمان، في مدينة جنيف، مع حديث عن جولة جديدة وعدم التوصل إلى اتفاق وحشد عسكري يتصاعد.

هذا الحراك المصري المتواصل يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تعبيراً عن موقف إقليمي رافض للحرب وفي إطار المصالح، خصوصاً وقد نجح أخيراً في إبرام اتفاق بين طهران ووكالة الطاقة الذرية في سبتمبر (أيلول) لم يستمر طويلاً.

وعقب ذلك، واصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اتصالاته بتوجيهات رئاسية بأطراف الأزمة متمسكاً بأهمية خفض التصعيد، في محادثات مع إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صحافي، الجمعة، بأن عبد العاطي، أجرى اتصالين هاتفيين الخميس، بنظيره الإيراني عباس عراقجي، ومدير وكالة الطاقة الذرية، رفائيل غروسي، في «إطار توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعمل على خفض التصعيد وحدة التوتر بالمنطقة».

وتناول الاتصالان الهاتفيان «مجريات ومضمون جولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف».

وأكد عبد العاطي «موقف مصر الثابت الداعم للجهود الدبلوماسية لتسوية القضايا العالقة»، مشيراً إلى «الحرص على مواصلة المسار التفاوضي وتجنيب التصعيد بالمنطقة»، دون عدم تحديد طبيعة تلك القضايا، فيما تشير تقارير عربية وإيرانية عدة إلى أنها مرتبطة بالملف النووي والصواريخ الباليستية بصورة كبيرة.

وأشار الوزير المصري الى «أهمية تسوية الخلافات المعلقة وجميع الشواغل في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران والتوصل إلى حلول وسط، بعيداً عن الحلول العسكرية وتداعياتها الوخيمة».

واستؤنفت المحادثات بين طهران وواشنطن بسلطنة عُمان في 6 فبراير (شباط) الحالي، بعد توقفها إثر الهجمات الإسرائيلية - الأميركية على إيران في يونيو (حزيران) 2025، فيما جرت الجولة الثانية برعاية عُمانية في جنيف في 18 فبراير الحالي، قبل أن تنعقد الجلسة الثالثة بالمدينة السويسرية ذاتها الخميس.

ويرى خبير الشؤون الإيرانية، رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، الدكتور محمد محسن أبو النور، أنه «بات واضحاً جداً في الوقت الراهن، أن الدولة المصرية تبذل جهوداً كبيرة ومكثفة، بعضها مرئي يتم عبر القنوات الدبلوماسية ممثلة في وزارة الخارجية، والبعض الآخر ربما يكون غير مرئي عبر جهات أخرى، وذلك فيما يتعلق بملف التهدئة بين إيران والولايات المتحدة».

وأوضح أبو النور أن «هذا التحرك يأتي انطلاقاً من المصلحة المصرية، وباعتبار مصر قوة استقرار في الإقليم، وهو ما يستدعي أن تشهد النزاعات الأميركية - الإيرانية تخفيضاً في حدة التوتر والصراع».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره الإيراني في القاهرة يونيو (حزيران) الماضي (الخارجية المصرية)

فيما أكد الخبير المصري المختص في الأمن الإقليمي والدولي، أحمد الشحات، أن «الدور المصري مهم في محاولة احتواء الموقف وإثبات فاعلية هذا الدور، ويعدّ تعبيراً عن موقف إقليمي واسع يرفض الحرب، ويسعى لتنفيذ سياسة الاحتواء، ومخاطبة كل الأطراف لعدم تبني الخيار العسكري، ومحاولة الوصول إلى حالة توافقية والدعوة إلى ذلك».

وأوضح الشحات أنه «رغم تحركات التهدئة؛ فإن هناك فجوة على طاولة المفاوضات لم تحقق حالة التوافق، وتم تأجيل الاتفاق وسط تحشيد عسكري كبير في منطقة الشرق الأوسط، يفتح الباب أمام كل السيناريوهات بغض النظر عن أدوار الوساطة».

وهذه الجهود المصرية متواصلة منذ ضربة يونيو ضد طهران، وتنوعت بين اتصالات ولقاءات بين أطراف الأزمة.

وقبل انعقاد مفاوضات جنيف، أجرى عبد العاطي اتصالات هاتفية مع كل من نظيريه العماني بدر البوسعيدي وعراقجي وغروسي، بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» في 23 فبراير الحالي، مؤكداً أنه «لا توجد حلول عسكرية لمختلف الأزمات والتحديات التي تواجه المنطقة».

ويرى أبو النور أن الجهود المصرية المتواصلة منذ شهور، ترتكز الآن على إعلاء صوت الدبلوماسية فوق صوت العمليات العسكرية في الإقليم، نظراً لأن المنطقة لم تعد تتحمل مزيداً من الحروب والصراعات والنزاعات، في إطار رغبة مصر في تحقيق استقرار مستدام يضمن انسيابية حركة الملاحة، ويدعم الملفات الاقتصادية والجيوستراتيجية.

ومساء الخميس، أعلن وزير الخارجية العماني، الذي تقود بلاده وساطة بالأزمة، أن المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران ستُستأنف قريباً بعد انتهاء الجولة الثالثة في جنيف، وإحراز تقدم كبير فيها.

ويتوقع الشحات أنه «في حال تم تجاوز مشهد الوساطة وعدم الاكتراث للأفكار الداعية للتهدئة، فإن المنطقة قد تشهد ضربة عسكرية، خصوصاً في ظل رغبة إسرائيل في توريط الولايات المتحدة الأميركية بهذا المشهد».

ويعتقد أن «سيناريو الضغط الأميركي على إيران للقبول بحلول توافقية تتفق حصراً مع الرؤية الأميركية هو سيناريو ضعيف في ظل المعطيات الحالية»، مؤكداً أنه «حال استمر أطراف التفاوض في التمسك بمواقفهم، فقد يجعل خيار الحرب هو الأقرب بدلاً من التهدئة رغم الدور المصري المتميز وأدوار الوساطة الإقليمية».


روبيو إلى إسرائيل الاثنين لإجراء محادثات حول إيران

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

روبيو إلى إسرائيل الاثنين لإجراء محادثات حول إيران

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

يجري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الاثنين، محادثات في إسرائيل تتناول الملف الإيراني، وفق ما أفادت «الخارجية» الأميركية الجمعة، في وقت يستمر الحشد العسكري الأميركي في المنطقة مع التهديد بتوجيه ضربة عسكرية لطهران.

وقال المتحدث باسم «الخارجية»، تومي بيغوت، إن روبيو «سيناقش مجموعة من الأولويات الإقليمية، بينها إيران ولبنان والجهود القائمة لتطبيق خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام في غزة».

وكان مقرراً أن يزور روبيو إسرائيل السبت، حسب مسؤول أميركي، لكن الزيارة ارجئت إلى الاثنين. واللافت أنه لن يرافق روبيو أي صحافي معتمد في وزارة الخارجية.

وطلبت الولايات المتحدة، الجمعة، من طاقمها الدبلوماسي غير الأساسي في سفارتها مغادرة إسرائيل. كذلك، دعت الصين مواطنيها لمغادرة إيران «في أسرع وقت ممكن»، وطلبت من رعاياها في إسرائيل تعزيز استعداداتهم، مشيرة إلى ارتفاع كبير في المخاطر الأمنية في الشرق الأوسط.

وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية سحب طاقمها الدبلوماسي من إيران بسبب التهديد بتوجيه ضربة أميركية إلى هذا البلد.

بدورها طالبت «الخارجية» الفرنسية رعاياها بعدم السفر إلى إسرائيل والقدس والضفة الغربية في أعقاب الوضع الأمني ​​في إيران.

في المقابل طالبت الفرنسيين الموجودين في هذه الأماكن بتوخي الحذر والحيطة وتحديد أماكن الاحتماء.


إسرائيل تواكب محادثات إيران بتشاؤم وتواصل الإعداد للحرب

رجل يستخدم منظاراً لمشاهدة البحر الأبيض المتوسط قبل الوصول المتوقع لحاملة الطائرات جيرالد فورد إلى ميناء حيفا (إ.ب.أ)
رجل يستخدم منظاراً لمشاهدة البحر الأبيض المتوسط قبل الوصول المتوقع لحاملة الطائرات جيرالد فورد إلى ميناء حيفا (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تواكب محادثات إيران بتشاؤم وتواصل الإعداد للحرب

رجل يستخدم منظاراً لمشاهدة البحر الأبيض المتوسط قبل الوصول المتوقع لحاملة الطائرات جيرالد فورد إلى ميناء حيفا (إ.ب.أ)
رجل يستخدم منظاراً لمشاهدة البحر الأبيض المتوسط قبل الوصول المتوقع لحاملة الطائرات جيرالد فورد إلى ميناء حيفا (إ.ب.أ)

رغم التفاؤل الحذِر حيال مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والآمال بإمكان التوصل إلى اتفاق نووي جديد، تُصر القيادات السياسية وغالبية وسائل الإعلام في إسرائيل على تبنّي نبرة تشاؤمية والاستعداد الصريح لسيناريو الفشل واندلاع حرب.

وتسود الشارعَ الإسرائيلي قناعة بأن المواجهة مع إيران حتمية، في حين تشير استطلاعات الرأي إلى تأييد واسع للحرب.

وتسهم في تكريس هذه الأجواء تصريحات قيادات سياسية عن «التعنت الإيراني» والقول إن أي اتفاق قد تبرمه واشنطن مع طهران سيكون سيئاً، إلى جانب تصريحات عسكرية تؤكد جاهزية الجيش الإسرائيلي لكل السيناريوهات، وتقارير إعلامية تكشف عن تحركات عسكرية إسرائيلية وأميركية مكثفة داخل إسرائيل.

ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الجمعة، عنواناً بارزاً يفيد بأن طائرات «إف 22» الأميركية المقاتِلة، التي وصلت إلى إسرائيل، وُضعت في حالة تأهب قصوى على مدرَّج الإقلاع بمطار عوفدا في النقب جنوب البلاد.

وتُعد هذه الطائرة من الطائرات الأكثر تطوراً، ولا تبيعها الولايات المتحدة لأي جيش في العالم بسبب تقنياتها القتالية الحساسة. وذكرت الصحيفة أنه مِن أصل 45 طائرة أُنتجت للجيش الأميركي، وصل 26 منها إلى إسرائيل.

كما يعزز هذه الأجواء الحديث عن وصول حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى ميناء إسرائيلي، وصدور تعليمات عن عدة شركات طيران بوقف رحلاتها إلى إسرائيل، إضافة إلى تقارير عن وجود أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين في قواعد الجيش الإسرائيلي لتشغيل منظومات الدفاع الجوي الأميركية التي تدفقت إلى البلاد، في الأسابيع الأخيرة.

ومع أن بعض المحللين لم يستبعدوا أن يكون هذا الحراك جزءاً من توزيع أدوار تستخدمه الولايات المتحدة للضغط على إيران، فإن غالبية المحللين يرون أن الهدف الأساسي هو الاستعداد لفرضية فشل المفاوضات، تمهيداً للانتقال السريع من التفاوض إلى الحرب.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش سرّب مواقف تفيد بانزعاجه من الانجراف نحو تأييد الحرب، دون الالتفات إلى الثمن الذي ستتكبده إسرائيل.

وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي ديفرين، أنه لا تغيير حتى الآن في الإرشادات الموجهة للجمهور. وقال، في بيان مصوّر، إن الجيش «يراقب من كثب» التطورات في إيران، وهو في حالة تأهب وجاهزية للدفاع، مشيراً إلى تنسيق كامل مع الشركاء لتعزيز منظومة الدفاع. وأضاف: «إذا طرأ أي تغيير، فسنوافي الجمهور بتحديث فوري».

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الحكومة تمنع الجيش من التحدث علناً عن المخاطر. وأفادت، في تقرير نشرته قبل يومين، بأن «الجيش يمتنع عن تقديم إحاطة للجمهور حول الموضوع، على خلفية ضغط المستوى السياسي بعدم كشف العواقب والمخاطر».

وأضاف التقرير أن أياً من السيناريوهات التي وضعها الجيش، للعام الحالي، بما في ذلك احتمال جولة قتالية مفاجئة مع إيران، «لم تشمل حرباً مع دولة إقليمية عظمى مثل إيران، التي استخلصت دروساً من الحرب السابقة»، مشيراً إلى أن طهران تعمل على إعادة تعبئة ترسانتها الصاروخية، وترميم منظومة دفاعاتها الجوية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه «في حين قُتل 30 إسرائيلياً في الحرب السابقة ضد إيران، يحذر الجيش من أنه في الحرب المقبلة قد تكون أحداث مثل إسقاط طائرة حربية إسرائيلية داخل إيران أو تدمير مواقع أكثر داخل إسرائيل، بما في ذلك مقتل عشرات المواطنين، أكثر واقعية».

كما حذّر من احتمال الانجرار إلى «حرب استنزاف قد تستمر أشهراً طويلة وتكبّد الاقتصاد الإسرائيلي أثماناً باهظة، مع إطلاق صواريخ ثقيلة من إيران بوتيرة منخفضة، بما يعرقل عمل مطار بن غوريون ويصيب الجبهة الداخلية».

وتواصلت التسريبات في الإعلام الإسرائيلي. وذكرت تقارير، الجمعة، أن رئيس أركان الجيش إيال زامير حذر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من احتمال انضمام «حزب الله» إلى حرب كهذه، رغم أنه لم يشارك في الحرب السابقة، وأعلن مؤخراً عدم نيته المشاركة.

ونُقل عنه قوله إن إيران «ضخّت إلى خزينة (الحزب) مليار دولار، في العام الماضي وحده، عبر عمليات تهريب، وعزّزت ترسانته لتشمل عشرات الآلاف من الصواريخ الدقيقة والقذائف الصاروخية بعيدة المدى، وطائرات مُسيّرة مفخخة، وعشرات الآلاف من المقاتلين الجاهزين لمواجهة قوات الجيش الإسرائيلي إذا توغلت في لبنان»، ما يشكل تحدياً كبيراً لإسرائيل.

في المقابل، خرج المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، عن هذا السياق، وكتب أن «الدخول في حرب كبيرة، وربما طويلة في الشرق الأوسط، يتعارض مع غرائز الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكل ما بشّر به لسنوات». وأشار إلى أن ترمب عَدَّ الولايات المتحدة متورطة في حروب طويلة ومكلِّفة في فيتنام وأفغانستان والعراق، وفضّل دائماً حلولاً سريعة وحاسمة تُمكّنه من إعلان النصر. وأضاف أن نسبة الأميركيين المؤيدين للحرب ضد إيران منخفضة، وأن معظمهم يهتم بتكلفة المعيشة والفوضى الداخلية، وهو ما قد يفسر إحجام ترمب عن التوسع في الحديث عن الحرب وتأجيله المتكرر لها، مع إبقائه نافذة صغيرة أمام طهران للتراجع وقبول تسوية حول اتفاق نووي جديد.