ليبيا: صالح والمشري يخفقان في حل معضلة «المسار الدستوري»

«النواب» يقر تعديل قانون المحكمة العليا... ويناقش توحيد المرتبات

جانب من جلسة مجلس النواب الليبي بطبرق أمس (المكتب الإعلامي للمجلس)
جانب من جلسة مجلس النواب الليبي بطبرق أمس (المكتب الإعلامي للمجلس)
TT

ليبيا: صالح والمشري يخفقان في حل معضلة «المسار الدستوري»

جانب من جلسة مجلس النواب الليبي بطبرق أمس (المكتب الإعلامي للمجلس)
جانب من جلسة مجلس النواب الليبي بطبرق أمس (المكتب الإعلامي للمجلس)

سعى المجلس الرئاسي الليبي للاستعانة بوساطة أميركية لحسم الخلافات المستمرة بين رئيسي مجلسي النواب عقيلة صالح، و«الأعلى للدولة» خالد المشري، خلال لقاء جمعهما في القاهرة، مساء أول من أمس، حول القاعدة الدستورية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة. في وقت تتزايد فيه المخاوف الأميركية والأممية والمحلية من اندلاع صراع مسلح جديد في العاصمة طرابلس بين ميليشيات حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والميليشيات الموالية لغريمه فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الموازية.
وسعى عبد الله اللافي، عضو المجلس الرئاسي، لإقناع السفير الأميركي ريتشارد نورلاند، خلال اتصال هاتفي بينهما، بالدخول مجدداً على خط الوساطة بين عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وخالد المشري رئيس مجلس الدولة، عقب تأكيد مصادر مقربة من الطرفين فشل اجتماعهما في القاهرة لحل الخلاف حول المسار الدستوري.
وقال المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب، عبد الحميد الصافي، إن لقاء صالح والمشري استهدف بحث ما تبقى من نقاط الخلاف بالمسار الدستور، تحديداً حول «مزدوجي الجنسية، ومشاركة العسكريين بالتصويت في الانتخابات»، مشيراً إلى أنه «تم الاتفاق على أن يعود صالح والمشري إلى مجلسيهما لمزيد من التشاور، والوصول إلى الاتفاق النهائي لمسودة الدستور فيما يخص المسار الدستوري».
ويفترض أن يعود صالح والمشري بعد عشرة أيام للمباحثات بالقاهرة مجدداً، وفق ما صرحت مصادر مقربة منهما أمس لـ«الشرق الأوسط».
وفيما يتعلق بالمسار التنفيذي، وما يتردد حول البحث عن حكومة ثالثة، أضاف الصافي موضحاً أن «الحكومة الشرعية الممنوحة الثقة من مجلس النواب هي حكومة فتحي باشاغا، ولا أساس لأي خيارات أخرى تطرح كما يشاع في وسائل الإعلام». وكانت ترددت أحاديث غير رسمية عن أن لقاء صالح والمشري سيتطرق إلى تشكيل «حكومة ثالثة»، بدلاً من حكومتي الدبيبة وباشاغا.
في السياق ذاته، قال اللافي إنه أكد مع نورلاند على أهمية إنجاح مشروع «المصالحة الوطنية»، والدور الذي يقوم به المجلس الرئاسي بالخصوص، والإسراع في إيجاد أرضية صلبة للتوافق بين مجلسي النواب و«الدولة» على القاعدة الدستورية، لافتاً إلى أنهما أكدا مواصلة العمل لحل كافة المختنقات السياسية، التي تعوق أي مشروع للاستقرار، وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن، وتجنيب البلاد أي تصعيد قد يؤثر على العملية السياسية، وسلامة المدنيين.
في غضون ذلك، استأنف مجلس النواب جلسته الرسمية أمس بمدينة طبرق، برئاسة النائب الأول لرئيس المجلس فوزي النويري، لمناقشة الانسداد السياسي الحاصل في البلاد، وسبل دعم المسار الدستوري، واستهل المجلس أعماله بالاستماع لإحاطة عدد من أعضاء لجنة «المسار الدستوري»، قبل أن يقر تعديل قانون المحكمة العليا المقدم من المحكمة، بحيث يؤدي مستشارو المحكمة العليا اليمين القانونية أمام مجلس النواب، كما اعتمد القرار الصادر عن هيئة رئاسة المجلس بشأن تعيين عدد من مستشاري المحكمة العليا.
كما ناقش المجلس مشروع قانون المرتبات الموحد لكافة العاملين في الدولة، من أجل «تحقيق العدالة والمساواة» بين المواطنين، وقرر المجلس إعادة مشروع القانون للجنة المالية لتضمين المؤسسات السيادية في الدولة ضمن هذا المشروع، بالإضافة إلى التشاور مع صندوق الضمان الاجتماعي في الصدد ذاته.
في شأن آخر، تحدثت وسائل إعلام محلية عن تفاهم بعض القيادات الميدانية بالمنطقة الغربية وطرابلس لأول مرة، وذلك خلال اجتماع تشاوري مساء أمس، على دعم حكومة باشاغا، وضرورة تمكينها من العاصمة، تزامناً مع إعلان المستشار الإعلامي لعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، أن المجلس ينتظر دخول حكومة باشاغا إلى العاصمة طرابلس، واتهم الدبيبة بالاستعانة بميليشيات مسلحة خارجة عن القانون لعدم تسليم مقرات الحكومة هناك.
ونقل بدر الدين التومي، وزير الحكم المحلي، بحكومة «الوحدة»، عن عمداء 11 من بلديات العاصمة التقاهم رفضهم لأي صراع مسلح، واعتبارهم أن الطريق الوحيد لصلاح ليبيا هو اللجوء إلى صناديق الاقتراع، لافتاً إلى أن الاجتماع ناقش الأوضاع الأمنية بالعاصمة وجملة من المواضيع ذات العلاقة بالإدارة المحلية.
إلى ذلك، اعتبر الدبيبة أن ما يهم الليبيين هو تقديم الخدمات ومعالجة الأوضاع، وإيجاد الحلول الحقيقية للأزمات التي يعيشونها. وفي المقابل، دعا فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الموازية، مصرف ليبيا المركزي، إلى العمل على وضع خطة لوقف الركود الاقتصادي، وتعزيز قيمة الدينار الليبي، لافتاً إلى تأثير الأزمة الاقتصادية الخانقة على الاقتصاد الوطني، وتداعيات الأزمة العالمية، وارتفاع أسعار السلع على انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، وانعكست عواقبه الوخيمة على المواطنين وزاد من معاناتهم.
وبعدما أكد في خطاب لرئيس وأعضاء المصرف استعداد حكومته للعمل والتعاون لتحقيق أهداف تعزيز الاقتصاد الوطني والاستقرار المالي والنقدي، تعهد باشاغا باتخاذ الحكومة كافة الإجراءات والترتيبات الكفيلة بتخفيض الإنفاق المتسبب في التضخم، بما يتوافق مع السياسة النقدية للمصرف المتعلقة بقواعد تعديل سعر الصرف.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

يتواصل مسار العنف منذ بداية عام 2026 في شرق الكونغو الديمقراطية، رغم محاولات وسطاء لإحياء اتفاقات وقف إطلاق النار بين الحكومة ومتمردين بينهم حركة «23 مارس» المتهمة بـ«تلقي دعم من رواندا».

ذلك المشهد الحالي في شرق الكونغو، لن يخرج من دوامة العنف والاتفاقات الهشة، قريباً، مع عدم وجود مقاربة يتقبلها الطرفان، وفق خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وشن متمردون يشتبه بانتمائهم إلى «قوات التحالف الديمقراطية» عدة هجمات قتلوا خلالها ما لا يقل عن 50 شخصاً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وذكرت إذاعة «أوكابي» المحلية، السبت، نقلاً عن شخصيات من المجتمع المدني في المقاطعة، أن عمليات القتل التي نُسبت إلى متمردي «قوات التحالف الديمقراطي»، وقعت في الفترة من 9 إلى 15 مارس الجاري وقتل 35 مدنياً في منجم موتشاتشا للذهب، و15 في بابيسوا، بخلاف تدمير الممتلكات ونهب وحرق الكثير من المنازل، ما تسبب في نزوح مئات العائلات.

وقبل نحو أسبوع، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا) في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في إحدى مناطق شرق الكونغو». وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن «أزمة شرق الكونغو معقدة رغم التحركات محلياً ودولياً، وتجعل الاتفاقات هشة والنزوح والعنف في تصاعد».

فيما يشير المحلل السياسي التشادي، المختص في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إلى أن «دوامة العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مستمرة بفعل تداخل عوامل بنيوية معقدة، في مقدمتها تعدد الفاعلين المسلحين، وتشابك الأجندات الإقليمية، واستمرار التوتر مع رواندا... وإلى جانب التنافس الحاد على الموارد الطبيعية، وضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها، يتفاقم النزوح، ويتحمل المدنيون التكلفة الأكبر ضمن سياق أمني هش ومتقلب».

عناصر من «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويأتي هذا التصعيد رغم جهود أميركية - قطرية جديدة. وقبل يومين، قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريده على «إكس»، إن «الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، وذلك بعد اجتماعات في واشنطن يومي 17 و18 مارس الجاري، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وفي 5 مارس الجاري، شاركت قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، المنبثقة من إعلان المبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» الذي تم توقيعه بالدوحة في يوليو (تموز) 2025.

تلك المسارات المتعثرة لإحياء السلام، تأتي بعد عام كامل من اتفاقات 2025 التي لم تصمد، حيث أبرمت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام بوساطة أميركية في واشنطن نهاية العام الماضي، ينص على آلية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم، بدعم من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو (مونوسكو).

ويرى عيسى أن «الاتفاقات المبرمة تظل محدودة الجدوى، لكونها جزئية في نطاقها، وقاصرة عن معالجة الجذور العميقة للأزمة، ما يجعلها عرضة للتآكل السريع مع أول اختبار ميداني»، لافتاً، إلى «أن أفق إنهاء هذه الدوامة يظل بعيداً، ما دامت محدداتها قائمة دون تغيير جوهري، وما دام ميزان القوى يعيد إنتاج العنف بدل احتوائه».

وأشار إلى أن المخرج من دوامة العنف في شرق الكونغو، «يظل ممكناً من حيث المبدأ، غير أنه مرهون بتحولات عميقة تتجاوز حدود المعالجات الظرفية والتسويات الجزئية، ويقتضي ذلك إرساء تفاهم إقليمي متماسك يخفف حدة التوتر مع رواندا، وينصّ على التزامات وآليات رقابة فعالة، بما يحد من تغذية الصراع عبر دعم الفاعلين المسلحين».

ويعتقد تورشين، أن تلك الأزمة «بحاجة إلى نقاشات جادة وتفاهمات حتى يمكن الوصول لاتفاق سلام جاد وحقيقي، يرجع حقوق الضحايا وذويهم، ويحقق مساراً حقيقياً، وإلا ستستمر موجة النزوح والعنف والهجمات كما هي حالياً».


تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)

أثارت الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مدينة ديمونة في صحراء النقب بجنوب إسرائيل، تساؤلات ومخاوف في الأوساط المصرية بشأن احتمال تأثير أي هجوم على مفاعل ديمونة النووي، في ظل الغموض الكبير الذي يكتنف البرنامج النووي الإسرائيلي.

التساؤلات بشأن مخاطر استهداف واسع النطاق لمفاعل ديمونة، الذي يبعد 70 كم عن مصر، وفق تقديرات خبراء، أعقبت إعلان الجيش الإسرائيلي السبت وقوع «ضربة صاروخية مباشرة على مبنى» في المدينة.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من جانبها، قالت إنها لم تتلق أي إشارة عن أضرار في مركز الأبحاث النووية في النقب. وأضافت الوكالة أن المعلومات الواردة من السلطات الإقليمية لم تُظهر أي مستويات إشعاعية غير طبيعية، وفق حساب الوكالة عبر منصة «إكس».

ولم يصدر تعليق رسمي من جانب «هيئة الرقابة النووية والإشعاعية» المخولة بهذا الملف، لكن عضو مجلس إدارة الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء في مصر، أمجد الوكيل سارع إلى الطمأنة بأن «التأثير محكوم بعوامل متعددة ومعقدة وليس مجرد وقوع الحدث».

وأشار في منشور له على موقع «فيسبوك» مساء السبت، إلى أن مصر تتمتع بـ«عوامل أمان استراتيجية على المستوى الجغرافي والفني والمؤسسي». وأضاف أن المخاطر المحتملة على مصر، إذا وجدت، «محدودة النطاق وقابلة للإدارة العلمية الرصينة».

وذهب الوكيل، وهو رئيس سابق لهيئة المحطات النووية المصرية، إلى أن استهداف المفاعلات النووية لا يؤدي إلى انفجار نووي كما يحدث في القنابل الذرية. ورجح أن أسوأ السيناريوهات الممكنة قد تقتصر على «تسرب إشعاعي» يمكن التعامل معه فنياً وبيئياً، مضيفاً أن الرياح السائدة في منطقة شرق المتوسط، من الغرب إلى الشرق، تمثل عاملاً طبيعياً يحد من انتقال أي سحابة إشعاعية محتملة نحو العمق المصري.

وعلى الرغم من عدم تسجيل أي أضرار لمصر جراء الضربة، وفق الوكيل، فقد تساءل البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري عن تداعيات استهداف محتمل للمفاعل، قائلاً: «ماذا لو أصيب مفاعل ديمونة نتيجة القصف الذي استهدف المدينة؟»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر مجاورة لهذا المفاعل، والنتائج ستكون خطيرة في حال تدميره».

بدا التساؤل منطقياً من وجهة نظر الدكتور يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، الذي أكد أن المخاوف من مخاطر القدرات النووية الإسرائيلية «لها ما يبررها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاعتماد على الرياح لتقليل أي تسرب إشعاعي يبقى أمراً غير مضمون».

كذلك يجزم الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، أن مخاطر مفاعل ديمونة قائمة وتشكل تحدياً حقيقياً لمصر والمنطقة، مشيراً إلى أن الضربات الإيرانية الأخيرة كانت بمثابة طلقة تحذير استهدفت محيط المفاعل ولم تقترب من قلبه.

لكنه حذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن أي استهداف مباشر لجسم المفاعل أو أحواض الوقود المستعمل بقنبلة شديدة الانفجار قد يؤدي إلى تناثر المواد النووية في الجو، مكونة ما يُعرف بـ«سحابة الفطر»، قد تؤثر على دول الإقليم بأكمله، وهو ما يعتمد على اتجاه وسرعة الرياح.

اجتماع مجلس إدارة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية في مصر فبراير الماضي (الصفحة الرئيسية للهيئة)

ويعتمد البرنامج النووي الإسرائيلي على سياسة «الغموض النووي»، إذ يؤكد أن مفاعل ديمونة للأغراض البحثية فقط، دون تأكيد امتلاك أسلحة نووية، بينما تشير تقديرات معهد «استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» إلى امتلاك إسرائيل نحو 90 رأساً نووياً.

ويعود إنشاء «مركز شيمعون بيريز للأبحاث النووية»، المعروف باسم موقع ديمونة النووي، إلى أواخر خمسينات القرن الماضي، إذ بدأ بناؤه عام 1958 بمساعدة فرنسية، قبل أن يدخل المفاعل العامل بالماء الثقيل مرحلة التشغيل بين عامي 1962 و1964.

ويقع المركز في صحراء النقب جنوب إسرائيل، على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة بئر السبع، ونحو 25 كيلومتراً غرب الحدود الأردنية، وحوالي 75 كيلومتراً شرق الحدود المصرية.

وأوضح عبد النبي أن «مفاعل ديمونة يستخدم الماء الثقيل ويعمل بطاقة 150 ميغاواط حرارية، وهو مخصص لإنتاج البلوتونيوم 239 المستخدم في القنابل النووية، مع استخدام التريتيوم في تصنيع القنابل الهيدروجينية»، مؤكداً أن «أخطر ما فيه هو اليورانيوم المخصب بدرجة عالية».

وسبق أن علق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، على استهداف «ديمونة»، داعياً إلى مراعاة «أقصى درجات ضبط النفس العسكري، خصوصاً في محيط المنشآت النووية»، وفق حساب الوكالة عبر «إكس»، علماً بأن إسرائيل ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ما يعني أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تملك صلاحية تفتيش الموقع النووي الإسرائيلي.

جانب من مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)

ويبدي سياسيون وخبراء مصريون ثقتهم في استعدادات القاهرة لأي خطر محتمل قد يستهدف ديمونة، ويقول البرلماني مصطفى بكري إن «القيادة المصرية والقوات المسلحة حريصة على مواجهة أي تداعيات خطيرة قد تؤثر على المواطن المصري».

أما عبد النبي فقال إن «مصر تمتلك شبكة رصد إشعاعي تضم 20 مركزاً تابعاً لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية، منها ما هو على حدود سيناء وقناة السويس، لمراقبة أي تسرب نووي محتمل، نظراً لقربهما من مفاعل ديمونة ومسارات السفن التي تحمل مواد مشعة».

كما يشير أبو شادي إلى أن «عضوية مصر في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعزز من قدرتها على متابعة الملف عن كثب، والتنسيق مع الجهات الدولية المختصة لضمان تقييم دقيق لأي مخاطر محتملة على المستوى الإقليمي».


«تبكير إغلاق المحال» في مصر يثير مخاوف من تأثيرات سلبية

المدن السياحية بمصر لم تحصل على استثناءات في القرار الحكومي الجديد (محافظة جنوب سيناء)
المدن السياحية بمصر لم تحصل على استثناءات في القرار الحكومي الجديد (محافظة جنوب سيناء)
TT

«تبكير إغلاق المحال» في مصر يثير مخاوف من تأثيرات سلبية

المدن السياحية بمصر لم تحصل على استثناءات في القرار الحكومي الجديد (محافظة جنوب سيناء)
المدن السياحية بمصر لم تحصل على استثناءات في القرار الحكومي الجديد (محافظة جنوب سيناء)

أثار قرار الحكومة المصرية «تبكير» إغلاق المحال والمولات والمطاعم بدءاً من الخميس المقبل ولمدة شهر، مخاوف من تأثيرات اقتصادية سلبية.

وتهدف الحكومة من قرارها إلى تقليل تداعيات الحرب الإيرانية والضغوط الاقتصادية الناتجة عنها وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

ومن المقرر أن يُفعّل قرار الإغلاق يومياً في التاسعة مساءً، على أن يكون يومي الخميس والجمعة في العاشرة مساءً، من أجل ترشيد استهلاك الطاقة.

وتطبّق الحكومة «خطة ترشيد» على مستويات عدة، لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المستخدمة في توليد الطاقة، تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي.

عضوة لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، ساندي غبريال قسطور، ترى أن «تطبيق قرارات استثنائية لمدة مؤقتة بسبب تداعيات الحرب أمر إيجابي حتى مع وجود تأثيرات اقتصادية سلبية محتملة على بعض القطاعات؛ لكنها في النهاية تهدف إلى منع تكرار حدوث أزمات في توليد الطاقة على غرار ما حدث خلال فترات سابقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «التحرك المبكر والاستباقي للتعامل مع الأزمة يعكس وجود رؤية للحد من تأثيرات الحرب السلبية».

القرار الحكومي يطول المحال كافّة في المحافظات المصرية (محافظة البحر الأحمر)

لكن الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «التداعيات السلبية للقرار الحكومي أكبر من تكلفة تطبيقه والوفر الذي يحققه مالياً». ويشير إلى أنه على الرغم من تفهم الضغوط التي فرضتها ظروف الحرب من ارتفاع في تكلفة الطاقة وتأثيرات سلبية على موارد العملة الأجنبية، فإن تطبيق القرار من دون استثناءات أمر ستكون له أضرار».

وحسب مستشار رئيس اتحاد الغرف التجارية في مصر، علاء عز، فإن «هناك دراسة يجري إعدادها من (الاتحاد) الآن تتضمّن التأثيرات الاقتصادية للقرار الحكومي بشكل تفصيلي مع التطرق إلى التداعيات من الأبعاد كافّة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الدراسة سيتم الانتهاء منها قبل نهاية الأسبوع الحالي، وستتضمن حجم الأضرار المحتملة بناءً على المبيعات وحركة العمالة، في مقابل الوفر المتوقع في استهلاك الطاقة، وسيتبعها تواصل مع الحكومة».

أمر آخر تحدث عنه النحاس بقوله إن المنشآت السياحية -على سبيل المثال- كان يجب أن يكون لها استثناء من تطبيق القرار بوصفها من الجهات التي لديها عمالة وتحقق عوائد، خصوصاً في المحافظات السياحية.

ويتابع: الحكومة «كان يُمكن أن تمنح استثناء مشروطاً أو تضيف رسوماً إضافية على بعض هذه الأماكن للعمل بعد المواعيد المقررة، على اعتبار أن جزءاً رئيسياً من نشاطها يكون في أوقات متأخرة».

محال ومطاعم في مدينة دهب الأحد تعتمد على الحياة الليلية بشكل أساسي (محافظة جنوب سيناء)

يُشار إلى أن القرار الحكومي الأخير لم يشمل أي استثناءات، عكس قرارات الترشيد التي اتُّخذت قبل نحو عامَين في ذروة انقطاعات التيار الكهربائي خلال فصل الصيف لـ«ترشيد النفقات» التي استثنت حينها المناطق السياحية.

وكان رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس قد طالب من رئيس الوزراء المصري، في تغريدة على «إكس» أخيراً، بـ«مراجعة قرار الإغلاق (المُبكر) بسبب تأثيراته السلبية على السياحة».

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح بمعدل نمو بلغ 21 في المائة مقارنة بعام 2024، وفق إحصائيات رسمية من وزارة السياحة والآثار، فيما تجاوزت إيرادات السياحة 24 مليار دولار، وسط سعي حكومي لتحقيق مستهدف 30 مليون سائح قبل 2030.

محمد عبد التواب، منظم رحلات في جنوب سيناء، يخشى تأثير القرار الحكومي على الأنشطة التي يقوم بترتيبها للسائحين والجولات التي تتضمّن في ختامها حضور حفلات عشاء بالمطاعم مع عروض شعبية، بالإضافة إلى الحفلات الليلية التي تُنظّم في المطاعم الجبلية.

ويقول عبد التواب لـ«الشرق الأوسط»: لا نعلم كيف سيتم تطبيق القرار سواء في مدينتي دهب ونويبع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended