مصلحة الأطراف وقف النار... لكن دينامية الحرب أقوى

الدخان يتصاعد في غزة بعد غارة إسرائيلية (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد في غزة بعد غارة إسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

مصلحة الأطراف وقف النار... لكن دينامية الحرب أقوى

الدخان يتصاعد في غزة بعد غارة إسرائيلية (إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد في غزة بعد غارة إسرائيلية (إ.ب.أ)

لو كانت المصلحة هي الاعتبار الأساسي الذي يأخذه في الحسبان أطراف الحرب الجديدة على غزة، لكانوا أوقفوا إطلاق النار فوراً، بعد 24 ساعة من نشوبها. فقد حقق كل طرف جملة من أهدافه وصار له مبرر يتباهى به أمام جنوده وجمهوره. لكن في هذه الحرب، كما في كل حرب، تتولد دينامية أقوى من القرارات وأصحابها. وقد ينجرون وراء كرة الثلج المتدحرجة. وتتسع رقعتها إلى آماد لا يرغب بها أحد.
ولنبدأ بتلخيص اليوم الأول:
إسرائيل، التي بادرت إلى هذه العملية الحربية، تستطيع أن تسجل لنفسها عدة نقاط. فهي خاضت عملية حربية ضد غزة، بعد 15 شهراً فقط من العملية السابقة. وجهت ضربة قاسية لحركة «الجهاد الإسلامي»، «عقاباً لها» على عملياتها المسلحة ضد جيشها ومدنها خلال السنة. واغتالت اثنين من قادتها الأساسيين، تيسير الجعبري مسؤول الجبهة الشمالية في قطاع غزة، وعبد الله قدوم، قائد وحدة الصواريخ. واستخدمت أنواعاً جديدة من الأسلحة، التي ستبيعها الآن لزبائنها الكثيرين، كأسلحة مجربة. وبالرغم من القصف المدمر لـ28 هدفاً، وإلقاء 16 طناً من المتفجرات، وقتل 12 شخصاً، بينهم طفلة وامرأة وثلاثة مدنيين آخرين، لم يتصد لها العالم، بل إن الإدارة الأميركية أبدت تفهماً واعتبرت العملية دفاعاً عن أمن مواطنيها. وخلال هذه المدة نجحت في تحييد حركة «حماس»، التي تمتلك ترسانة أسلحة أكبر وأضخم وأدق من ترسانة «الجهاد» بعشرة أضعاف. والأهم من ذلك، حققت العملية الحربية مكسباً سياسياً يعد هدفاً أساسياً. فرئيس الحكومة الجديد والمؤقت، يائير لبيد، الذي تستخف به المعارضة، وتنعته بالرجل الضعيف وغير المجرب، والذي لا يصلح لإدارة أزمة ولا حرب، يفوز اليوم بفرصة الظهور كرئيس حكومة بالكامل «مِلْوِ هدومه». يدير الحرب بأعصاب باردة. يجمع هيئة أركان الحرب في مقر القيادة العامة في تل أبيب. يجلس إلى رأس طاولة تضم كبار الجنرالات ورؤساء الأجهزة الأمنية ويحقق مكاسب (حتى الآن).
في العادة، يطمح رؤساء الحكومات إلى حرب خفيفة كهذه عشية الانتخابات تجعلهم يبدون قادة أقوياء. لكن هذه المرة، الجيش هو الذي بادر إلى الحرب، وقدم هذه العملية هدية للبيد، قبل ثلاثة شهور من الانتخابات. بالنسبة إلى الجيش هذه مساهمته لمنع بنيامين نتنياهو من العودة إلى الحكم. بها ينتقم من نتنياهو على الحرب التي يديرها ضد الجيش، بواسطة صحفه ووسائل الإعلام الإلكترونية ومعاهد الأبحاث التي يسيطر عليها رجاله، ويحاولون فيها المساس بهيبة الجيش، ويطعنون في قدراته، ويتهمونه بالجبن والهزال أمام الأعداء، وبتبذير أموال الدولة.
«الجهاد الإسلامي»، من جهته، لم يحقق مكاسب مادية، إذ إن صواريخه لم تصب أي إسرائيلي بشكل مباشر (هناك ستة جرحى، أحدهم أصيب من شظية صاروخ وخمسة أصيبوا عندما أطلقت صفارات الإنذار وراحوا يتراكضون للوصول إلى الملجأ). لكن حسابات الربح والخسارة لدى تنظيم صغير كهذا لا تصلح للمقارنة بينه وبين إسرائيل. فهي دولة عسكرية كبرى ذات قدرات هائلة تتفوق بها على عدة دول مجتمعة ولا يتوقع أن تهزمها «الجهاد». لكن «إسرائيل الكبرى» هذه خصت هذه الحركة بعملية حربية حقيقية، استخدمت فيها الطائرات المقاتلة والمسيّرات، وجندت لمحاربته 25 ألف جندي احتياط وأغلقت منطقتها الجنوبية بحزام نصف قطره 80 كيلومتراً، وغيرت اتجاهات الطائرات في مطارها الدولي. هذا يضع «الجهاد» في مصاف التنظيمات ذات الشأن التي تدفع ثمناً لكفاحها، ويرفع مكانتها في صفوف الفلسطينيين، وكذلك في صفوف قيادة المحور التي تدفع المال وتزود بالعتاد. بالصدفة، جاءت العملية في وقت كان فيه قادة «الجهاد الإسلامي» يزورون طهران، واجتمع أمينه العام، زياد نخالة، مع الرئيس إبراهيم رئيسي. وحسب التقديرات الإسرائيلية الاستخبارية المعلنة، فإن إيران لا تؤيد تصعيداً كبيراً في الحرب.
من هنا، فإن المصلحة تقتضي أن يُوقف الطرفان النار فوراً. وهناك ما يساعدهما على ذلك، فمصر باشرت الوساطة. ودول العالم تناشد الطرفين وقف النار. والجمهور من الجانبين تعب من الحروب وأنهك منها. و«حماس» الأخ الأقدر، تمتنع عن التدخل في المعركة ضد العدو المشترك، لحسابات تكتيكية واستراتيجية. و«حزب الله» في لبنان يكتفي ببيان تعزية ولا يهبّ لنصرة الحليف الفلسطيني الأقرب إليه. عملياً هذا وضع مثالي لوقف الحرب.
إلا أن هناك عوائق أيضاً. فالحرب تولد عادة ديناميات تفرض واقعاً مختلفاً؛ أولاها تعلق بالصورة النهائية. ما يسمى صورة النصر. فما سيعلق في ذهن الناس من هذه الحرب، لا يقل أهمية عن أهداف الحرب نفسها. وهناك عائق يتعلق بأخطاء الحرب. فإذا سقطت قذيفة في قلب تل أبيب، ووقع عدد كبير من الضحايا، ستغير إسرائيل اتجاه الحرب. وإذا أصابت إسرائيل أحد المرافق التابعة لـ«حماس»، واضطرت هذه إلى الانجرار للحرب التي لا تريدها، سيكون الرد الإسرائيلي كفيلاً بتوسيع نطاقها. وإذا وقع حدث في القدس، يمكن أن تلتهب الأوضاع في جميع الأراضي الفلسطينية، وعندها لن يكون ممكناً وقف الحرب، خصوصاً أن المستوطنين المتطرفين يخططون لاقتحام باحات المسجد الأقصى بأكبر عدد ممكن من اليهود، لمناسبة التاسع من أغسطس (آب)، الذي يصادف الأحد، حسب التقويم العبري، وفيه يصوم اليهود ويحدون على خراب الهيكل. والمتوقع أن يصل مائتا ألف مصل منهم إلى باحة البراق، ويتوقع أن يتسلل منهم 3 آلاف أو 4 آلاف إلى الأقصى.
ولأن مثل هذه الأحداث وقعت في عمليات حربية سابقة، وأدت إلى إطالة الحرب أكثر بكثير مما رغب فيه أصحابها، فإن جميع اللاعبين السياسيين والعسكريين يسيرون على حبل دقيق، يستخدمون فيه ليس فقط الأسلحة بل كثيراً من الدعاء بأن تنتهي العملية على خير.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
TT

دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)

بحث مبعوث رئاسة الجمهورية، العميد زياد العايش، مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وعدد من القادة العسكريين والأمنيين، آلية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية، وناقش معهم الخطوات التنفيذية المتعلقة بذلك وفق اتفاق 29 يناير (كانون الثاني).

وأوضح العايش في تصريح صحافي لمديرية إعلام الحسكة، أنه سيتم دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»، بقيادة العميد عواد الجاسم قائد عملية السيطرة على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب أوائل يناير.

وفيما يخص ملف الأسرى، قال إنه سيبدأ (الاثنين) العمل على الإفراج عن 60 أسيراً ممن لم تثبت بحقهم أي تهم أو ارتباطات بأعمال جنائية. وأشار إلى أنه سيتم تسليم قوائم بأسماء معتقلين سبق أن شاركوا في أنشطة ثورية، للنظر في أوضاعهم تمهيداً للإفراج عنهم.

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (مديرية إعلام الحسكة)

كذلك، سيتم فتح الطرق المؤدية إلى مدينة الحسكة من خمسة محاور، باستثناء الطريق الدولي (M4)، إلى حين استكمال تأمينه بشكل كامل.

وأعلن العايش تشكيل لجان مختصة لضمان عودة آمنة للمهجّرين إلى مناطقهم، وتشكيل فريق فني وهندسي لتسلّم حقول رميلان والسويدية النفطية.

مضخات النفط بمدينة رميلان شرق سوريا عندما زارها وفد من الحكومة السورية في 9 فبراير لتفقد حقول النفط وإتمام الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة السورية و«قسد» (رويترز)

وكانت رئاسة الجمهورية كلفت العميد العايش مبعوثاً رئاسياً لتنفيذ اتفاق 29 يناير مع «قسد» وتحقيق الاندماج، وتعزيز حضور الدولة، وتذليل العقبات، وتفعيل الخدمات الحكومية للمواطنين.

وأعلنت الحكومة السورية في 29 يناير الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على وقف إطلاق النار، ضمن اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.

وقال المكلّف الرئاسي بتنفيذ بنود الاتفاق مع «قسد» العميد زياد العايش، في تصريح صحافي لمديرية إعلام الحسكة، إنه عُقد الاثنين اجتماع موسّع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وعدد من القادة العسكريين والأمنيين في المحافظة. وأعلن تشكيل لجان مختصة لضمان عودة آمنة للمهجّرين إلى مناطقهم. كما تم تشكيل فريق فني وهندسي لتسلّم حقول رميلان والسويدية النفطية.

في السياق، وصل وفد حكومي إلى مديرية حقول الحسكة، برفقة مدير الشؤون السياسية في محافظة الحسكة عباس حسين، والمتحدث باسم الوفد الرئاسي أحمد الهلالي، وفرق فنية وهندسية من «الشركة السورية للبترول» (SPC)، وبدأ الوفد عقد اجتماع لمتابعة الإجراءات الإدارية والفنية اللازمة في الحقول النفطية واستكمال تنفيذ بنود الاتفاق المبرم، بما يضمن تقييم جاهزية الحقول ودمج هيكليتها الإدارية.


نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
TT

نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)

لم يجنب النأي النسبي لسوريا عن دائرة الاستهداف في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، تأثرها بالتداعيات الجارية في المنطقة، بدءاً من تساقط بقايا الصواريخ على مناطق متفرقة، وعودة أزمتَي الغاز والكهرباء، واكتظاظ الحدود مع لبنان بالسوريين العائدين إلى البلاد، وتعطل حركة شحن البضائع... في مشهد جدد ذاكرة حرب مريرة قبل أن يبدأ السوريون التعافي منها.

عاد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، والنقص في توفر الغاز المنزلي، وارتفاع الأسعار... لترخي بظلال ثقيلة على الأوضاع المعيشية في سوريا، بعد أشهر قليلة من التحسن النسبي. وقالت وزارة الطاقة السورية الاثنين إن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية سببه تراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، نتيجة للتصعيد الإقليمي الراهن وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.

وبينت الوزارة أن الفرق الفنية تواصل إدارة المنظومة الكهربائية بالاعتماد على الإنتاج المحلي المتاح من الغاز، وفق بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، مشيرة إلى أن تنظيم ساعات التغذية يتم وفق الإمكانات المتوفرة لضمان استقرار الشبكة واستمرار عملها؛ إذ تعمل على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.

وفي أول انعكاس مباشر لتداعيات التصعيد في المنطقة، أوقف الأردن مؤقتاً «ضخ الغاز إلى سوريا» وفق تقرير نشرته منصة «الطاقة» الاثنين. وقالت نقلاً عن مصادر لم تسمها، إن قطع إسرائيل إمدادات الغاز إلى الأردن دفع عمّان إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات السوق المحلية.

وتعتمد سوريا جزئياً على الغاز القادم من الأردن لدعم منظومة التوليد، في ظل ضعف الإنتاج المحلي وتهالك البنية التحتية خلال السنوات الماضية.

وكانت الحكومة السورية بدأت في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي تسلّم الغاز الطبيعي عبر الأردن لتوليد الكهرباء، بمعدل أربعة ملايين متر مكعب يومياً، ضمن تنفيذ اتفاقية شراء الغاز عبر خط الغاز العربي. ووقعت مع الجانب الأردني اتفاقية لتزويد سوريا بنحو 140 مليون قدم مكعبة يومياً بهدف حل أزمة الكهرباء في سوريا.

وأعلنت دمشق الاثنين خروج أحد محوّلات محطة تحويل العتيبة الصناعية في ريف دمشق عن الخدمة جراء سقوط بقايا صاروخ نتيجة القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران.

قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا صاروخ إيراني في القنيطرة (أ.ف.ب)

ويسود الحذر في مناطق ريف دمشق ومحافظات جنوب سوريا بعد تساقط بقايا الصواريخ خلال اليومين الماضيين ووقوع إصابات بين المدنيين، في حين قالت مصادر أهلية في محافظة درعا إن المدارس أُغلقت وسط حذر في الحركة والتجمعات والابتعاد عن الأجسام الغريبة، وذلك في حين استجابت فرق الدفاع المدني السوري الاثنين لحادث سقوط أجسام حربية في قرية الفتيح في منطقة عين الشرقية بريف جبلة على الساحل السوري. وقالت وزارة الطوارئ إن سبب سقوط تلك الأجسام هو الأحداث الإقليمية الجارية، داعية المواطنين إلى الالتزام بإرشادات السلامة.

وفي ظل التوتر الحاصل واصلت إسرائيل انتهاكاتها للأراضي السورية، واعتقلت الاثنين راعي أغنام غربي قرية كودنا في ريف القنيطرة الجنوبي.

وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا) إن «قوات الاحتلال قامت باقتياد الشاب إلى داخل الأراضي المحتلة، دون ورود معلومات حول مصيره».

قادمون من لبنان عند معبر جديدة يابوس في جنوب غربي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع دائرة التصعيد واستهداف «حزب الله» في لبنان، شهدت المعابر الحدودية السورية - اللبنانية حركة مغادرة كثيفة للسوريين من لبنان.

وأفادت شركة «ترحال للسفر» بأن مئات السوريين غادروا الاثنين الأراضي اللبنانية باتجاه دمشق عبر معبر المصنع ـ جديدة يابوس، وبثت عبر حسابها في «تلغرام» صوراً لطوابير المغادرين. كما أكدت مصادر من المسافرين اكتظاظ المنطقة الحدودية بالمغادرين وبالشاحنات المتوقفة عند الحدود، مع الإشارة إلى وجود أزمة في حركة الشاحنات بدأت قبل أسابيع بعد قرار الحكومة السورية منع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها وفرض المناقلة بين الشاحنات. وأدى القرار إلى أزمة في حركة الشحن من وإلى الأردن، وتفاقمت الأزمة مع تصاعد التوتر.

وحذرت غرفة تجارة دمشق من استمرار تعطيل انسياب الشحن في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وقالت إن هذا «يفاقم الضغط على المعابر، ويهدد سلاسل الإمداد، ويرفع التكاليف على التجار والناقلين، ويعرّض حركة التبادل التجاري لمخاطر غير محسوبة»، داعية الحكومتين السورية والأردنية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة تضمن انسيابية الحركة؛ لأن الظرف الراهن يستدعي قرارات سريعة ومسؤولة تحمي الاقتصاد الوطني في البلدين.


أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
TT

أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)

استفاق سكان جنوب لبنان، في منتصف ليل الأحد - الاثنين، على إطلاق «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل، لتبدأ رحلة نزوح جديدة لا قدرة لهم على تحملها؛ لا نفسياً ولا معنوياً ولا مادياً.

وهكذا، خلال أقل من ساعة في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان، حزمت العائلات ما تيسر من أغراضها في حقائب وأكياس، فيما كان الحظ حليف البعض ممن جهزوا حقائب النزوح مسبقاً مع بدء الحرب على إيران، والحديث عن إمكانية دخول «حزب الله» في الحرب.

ورغم كل التطمينات التي سادت في الأيام الأخيرة، بأن «حزب الله» لن ينخرط في الحرب، لقناعة الجميع بأن نتائجها ستكون كارثية على بيئته وعلى كل لبنان، وجد الجنوبيون أنفسهم مجدداً، أمام واقع التهجير القاسي، لتتبدّد تلك الوعود تحت وطأة التصعيد، وهو ما انعكس مواقف رافضة لخيار الحزب حتى في أوساط تُعدّ من بيئته المؤيّدة.

زحمة سير خانقة في صيدا نتيجة توافد النازحين من جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرحلة من الجنوب في ساعات الفجر الأولى كانت مرهقة وطويلة، امتدت لما يقارب 16 ساعة... وجوه شاحبة وحزينة سيطرت على ملامحها تعابير الهم والقلق مما هو آتٍ. هرب أصحابها من مختلف المناطق الجنوبية والحدودية، خصوصاً بعد إطلاق إنذارات إسرائيلية بضرورة إخلاء عشرات القرى.

في «شارع البص» في صور، توقفت السيارات بالشوارع الرئيسية وفي الطرق الفرعية. ازدحام خانق مشابه لرحلة النزوح السابقة... الجميع يبحث عن أماكن تؤوي العائلات والأطفال.

هنا توقف المئات في الشارع، كثير منهم يرتدي ثياباً لا ترقى للخروج من المنزل، ولا تصلح إلا في حالة النزوح... الهمّ مشترك والقلق يجمعهم؛ قلق إيجاد سقف يؤويهم في هذه الأيام الباردة.

هم النزوح وإيجاد مأوى

وكما في كل مرة، يتحدث الناس عن غياب الدولة والخطط، تقول إحدى السيدات القادمة من بلدة صريفا: «ليس في يدنا حيلة»، وتسأل: «إلى أين سنذهب؟ إلى المدارس مجدداً؟ كانت تجربة مرّة للغاية في المرة السابقة!».

نازحون يفترشون الكورنيش البحري في بيروت (رويترز)

وتسأل سيدة خمسينية أخرى، كانت قد خرجت من بلدة معركة، برفقة ابنتها وأحفادها: «نحن منسيون والدولة لا تسأل عنا، ماذا سنفعل؟».

من جهتها، تقول سيدة ثمانينية تدعى مريم: «لم يشكّل خروجنا مفاجأة لي، نحن أبناء الجنوب قضينا كامل عمرنا بين تهجير وآخر، وفي كل مرة كنا نغادر منازلنا وقرانا، نترك أرزاقنا من حقول وماشية وأشياء لا يمكن عدّها، وحتى الأمس ما زالت حقائبنا موضبة».

«لا نريد الحرب»

وكما حال معظم اللبنانيين، بات صوت عدد كبير من أهالي الجنوب رافضاً للحرب التي لا يزالون يعيشون تداعياتها.

واليوم، تبدو آراء هؤلاء الذين أخرجوا من بيوتهم قسراً، مختلفة، بحيث انقسموا بين من يقول «سائرون على نهج المقاومة»، وغالبية ممتعضة وقد أصيبت بصدمة، وصلت إلى حد تمنّي «أن يكون خبر إطلاق الصواريخ من قبل (حزب الله)، كذبة إسرائيلية سمجة».

وهذا الموقف، يعبّر عنه أحد النازحين، قائلاً: «نحن لا نريد الحرب، ولم نخترها، كنا قد عدنا إلى قرانا في بنت جبيل، وأعدنا ترتيب أمورنا الحياتية البسيطة، دون أي متطلبات، ماذا فعلوا بنا الآن؟ ولماذا؟».

ويضيف: «كانت إسرائيل بحاجة إلى حجّة كي تثبت للمجتمع الدولي أننا نشكل خطراً عليها، وها هي الفرصة أتت إليها».

وعن فرضية أن الحرب على لبنان آتية حتى لو لم يتدخل الحزب، قال: «كان الأمر ليكون محتوماً علينا، لكن من غير المنطقي أن نذهب بأقدامنا إلى حرب كهذه، لا يمكن أن نعلم متى وكيف تنتهي».

غضب مضاعف

والمتحدث مع النازحين على «طريق النزوح»، يستمع إلى مخاوف هؤلاء وصدمتهم من دخول «حزب الله» مجدداً في الحرب... وغضبهم يعود إلى سببين أساسيين، بحسب ما عبّر معظمهم، وهما: «التطمينات التي سمعوها في الأيام الأخيرة، لجهة عدم انخراط (حزب الله) في الحرب، والاعتبارات المتعلقة بقدراته العسكرية الراهنة، بحيث إنه لا يمكنه أن يخرج من الحرب، إلا خاسراً»... إضافة إلى أن أهالي الجنوب، يعانون منذ سنوات من أزمات لا تنتهي، حرب «إسناد غزة»، ثم الضربة اليوم، وما سينتج عنها من أزمات جديدة لا تقوى غالبية الناس على احتمالها.

مواطن يتفقد موقع «القرض الحسن» في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

ثأراً لخامنئي وليس لأبناء الجنوب

ومع كل هذه المعاناة، بات لسان حال معظم أهل الجنوب، بعد عام ونصف عام، على الحرب المتواصلة على قراهم وأرزاقهم، أن «(حزب الله) لم يردّ على كل الاعتداءات التي سببت خسائر مادية وبشرية للجنوبيين كل يوم، بل ردّ ثأراً لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي... ووضعهم في مأزق جديد لا يعرفون كيف ومتى سينتهي».