أمراض التلوث وسوء التغذية تغزو سوريا... ولا علاجات

هدايا الوافدين مسكنات ومتممات غذائية وفيتامينات

السوريون يفتقرون لكثير من المواد الأساسية
السوريون يفتقرون لكثير من المواد الأساسية
TT

أمراض التلوث وسوء التغذية تغزو سوريا... ولا علاجات

السوريون يفتقرون لكثير من المواد الأساسية
السوريون يفتقرون لكثير من المواد الأساسية

بدت الحقائب الخمس التي حملها السوري سليم معه من كندا إلى دمشق أقرب إلى صيدلية؛ إذ كان أكثر من 50 في المائة من محتوياتها عبارة عن أدوية: مسكنات ومتممات غذائية وفيتامينات. ويقول سليم (45 عاماً): «ذُهلت والدتي بمحتويات الحقيبة، وأصابها الذعر، لظنها أن تلك الأدوية تخصني، ولم تصدق أن تلك الأدوية هدايا من أصدقائي في كندا إلى ذويهم في دمشق». ويضيف: «سابقاً كنتُ أحمل معي من كندا إلى دمشق هدايا وشوكولاته وملابس وإكسسوارات من ماركات شهيرة، ولكن مع بدء الحرب بدأت تتحول إلى أشياء ضرورية، إلا أنها في العامين الماضيين راحت تقتصر على الأدوية والمبالغ النقدية»، مشيراً إلى تزايد الطلب على الفيتامينات المفقودة في سوريا.
أم ريمون تسلمت هدية ابنها المقيم في هامبورغ. أرسلها مع سيدة سورية كانت في زيارة إلى ألمانيا، وتقول إنها انتظرتها بـ«فارغ الصبر»، بعد أن كانت تحصل عليها من صيدلية قريبة تؤمنها من لبنان: «لكن حتى في لبنان لم تعد هذه الأدوية متوفرة». والأدوية التي تسلمتها أم ريمون هي حبوب ضغط وحديد وأمبولات فيتامين «د» و«ب - 12».
طبيب مخبري في دمشق قال لـ«الشرق الأوسط» إن أعداداً كبيرة من المرضى الذين يجرون تحاليل في المخبر الذي يعمل فيه يظهر لديهم نقص في الفيتامينات، لا سيما مجموعة فيتامينات «ب»، وأهمها «ب - 12» اللازم لصحة الأعصاب، وفيتامين «د» اللازم لتوازن المعادن في الجسم وتعزيز المناعة، وكذلك أمراض فقر الدم بسبب نقص الحديد وأمراض هشاشة العظام الناجمة عن نقص الكالسيوم. وأوضح أن النقص في الفيتامينات الأساسية يسبب أمراضاً عدة باتت تنتشر كثيراً، مثل اعتلال الأعصاب وأمراض المعدة والقلب والتهاب المفاصل وهشاشة العظام والتعب والوهن العام. ورأى أن انتشار تلك الأمراض بدأ بالتحول إلى ظاهرة، وقال: «كثيراً ما نطمئن المرضى عندما نسأل عن نتيجة التحليل بترديد عبارة: اطمئن لستَ مصاباً بمرض خطير، كل الناس لديها نقص فيتامين (ب) و (د)».
وأضاف الطبيب أن تلك ليست ظاهرة جديدة، لكنها طفت على السطح بعد تفاقم الأزمات المعيشية، ومن ضمنها أزمة الدواء التي اشتدت قبل عامين بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، وارتفاع تكاليف إنتاج الأدوية إلى مستويات قياسية تفوق القدرة الشرائية بعدة أضعاف، وتراجع الإنتاج المحلي كمّاً ونوعاً، وبعد أن كان يغطي 70 في المائة من الاحتياج وبأسعار زهيدة، لأن معامل الأدوية لم تعد قادرة على تحمل الخسائر الناجمة عن الفجوة الكبيرة بين تكاليف الإنتاج وسعر المبيع الرسمي الذي تحدده وزارة الصحة». والمشكلة، بحسب الطبيب المخبري، أن معظم أمراض الصيف، لا سيما التي تصيب الجهاز الهضمي، تحتاج إلى جانب الأدوية إلى حمية غذائية لم تعد الأسرة السورية قادرة على تأمينها، لارتفاع أسعارها، كالموز والبطاطا واللبن الرائب لحالات الزحار، والسمك وكبدة الخروف والطحال، والأخيرة لتعويض نقص الحديد، والبيض لتعويض نقص الكالسيوم وغيرها. وما عزز تردي الواقع الصحي في البلاد، بحسب الطبيب المخبري، شح المياه وقطع الكهرباء لساعات طويلة وتدهور خدمات النظافة والسلامة البيئية لا سيما في المناطق والأحياء الشعبية، ما ساهم في انتشار الأمراض الوبائية والمعدية، التي تتضاعف خلال موسم الصيف، مثل الزحار والتهاب الكبد والحساسية الجلدية، وغيرها من أمراض.
وفي تقرير لها، كشفت صحيفة «الوطن» المحلية، أمس (الجمعة)، عن تسجيل انتشار إصابات بالتهاب الكبد الوبائي في ريف محافظة حماة. ونقلت عن رئيس المنطقة الصحية في مدينة سلمية، الدكتور رامي رزوق، أنه تم تسجيل العديد من الإصابات بالتهاب الكبد الوبائي في ناحية السعن بريف سلمية الشمالي، من دون أن يتم تحديد مصدر التلوث بعد. وأوضح رزوق أنه تم تشكيل فريق من عدة جهات رسمية لتقصي أسباب الإصابات وتفشي المرض، وجرى قطف عينات من مصادر مياه الشرب الرئيسية التي تغذي الشبكة العامة، وتبين سلامتها من أي ملوثات وصلاحيتها التامة للشرب، كما تم قطف عينات من مادة البوظة التي تناولها عدد من المصابين، باعتبارها مصدر شك وقد تكون من مسببات الإصابات، بالإضافة إلى قطف عينات من مياه مسبحين، وتبين أن أحدهما «بركة» ملوثة. وتعاني مناطق سيطرة النظام من أزمة مياه شرب حادة، لعدم توفر الكهرباء اللازمة لعمل مضخات توزيع المياه، ما يدفع الأهالي للبحث عن مصادر أخرى، كمياه الصهاريج المعبأة من آبار غير خاضعة للرقابة الصحية، وشهدت مدينتا قطنا وعرطوز وقرى محيطة بهما في ريف دمشق عشرات حالات التسمم جراء تلوث مياه الشرب. وردت مصادر أهلية أسباب تلوث مياه الشرب إلى تهتك في شبكة الأنابيب الناقلة للمياه، وتعرضها لتسرب مياه مالحة من حفر فنية أقيمت بشكل مخالف قريباً من مصادر المياه العذبة.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
TT

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

سيطر ملف المصريين العاملين في ليبيا على مباحثات وزيري العمل في البلدين، التي ركزت على تنظيم أوضاعهم، وتعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة «وافد» ومنصة التأشيرة الإلكترونية، لتسهيل إجراءات دخولهم وتنقلهم بين البلدين.

والتقى وزير العمل والتأهيل في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، علي العابد، نظيره المصري حسن الرداد، على هامش أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة، أمس الاثنين.

وتطرق اللقاء إلى تنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا، وفق الإجراءات واللوائح المعمول بها، بما يسهم في تنظيم سوق العمل، وتعزيز انسيابية الإجراءات بين البلدين.

وزير العمل المصري حسن الرداد خلال مباحثات مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» (وزارة العمل الليبية)

وقالت وزارة العمل في حكومة «الوحدة الوطنية» إن مباحثات الجانبين تناولت «أهمية تفعيل اللجان المشتركة بين ليبيا ومصر، وتعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة (وافد) ومنصة التأشيرة الإلكترونية، بما يسهم في تطوير الإجراءات وتنظيم حركة العمالة».

وأكد الوزيران حرصهما على «تعزيز التعاون المشترك، وتطوير آليات التنسيق في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، بما يخدم المصالح المشتركة بين ليبيا ومصر».

وأوضحت وزارة العمل المصرية أن المباحثات تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، وتنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا.

وسبق أن أطلقت وزارة العمل والتأهيل الليبية منصة «وافد» الرقمية لتسجيل العمالة الأجنبية، وقالت حينها إن هذا الإجراء يهدف إلى «تنظيم سوق العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في ليبيا».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» التفعيل الرسمي لمنظومتي «وافد» و«E - VISA LIBYA»، باعتبارهما المنصة الوطنية المعتمدة لإدارة التأشيرات الإلكترونية، وتنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا، وذلك مع انطلاق المرحلة الثانية من المشروع.

ولا توجد أرقام رسمية في ليبيا عن عدد العمالة الأجنبية، بسبب الانقسام السياسي ووجود حكومتين، واتساع عمليات التهريب، وتسرب كثير من الوافدين إلى سوق العمل بشكل غير رسمي، لكن العابد ذكر في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن عدد العمالة الأجنبية في ليبيا تجاوز مليوني شخص.

وقالت الحكومة إن وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، أصدر تعميماً يقضي بالبدء الرسمي في تشغيل المنظومتين، في إطار تنفيذ رؤية الحكومة لتطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز مسار التحول الرقمي.

ووقعت مصر وليبيا خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة، بحضور عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» ومصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية، 13 اتفاقية مشتركة في سبتمبر (أيلول) 2021، شملت مجالات المواصلات والكهرباء والبترول، بالإضافة إلى البنية التحتية والشباب والرياضة والتأمينات الاجتماعية.

وفي ختام اللقاء، هنأ وزير العمل والتأهيل الليبي نظيره المصري بمناسبة انتخابه رئيساً لفريق الحكومات في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، مؤكداً حرص ليبيا على «مواصلة تطوير علاقات التعاون المشترك مع مصر في مختلف مجالات العمل، والتشغيل والتأهيل».

ويتولى ائتلاف الشركات المصرية، المكون من «أوراسكوم» و«حسن علام» و«رواد الهندسة الحديثة»، تنفيذ مشروعات كبيرة في العاصمة طرابلس، من بينها مشروع الطريق الدائري الثالث، الذي تبلغ تكلفة تنفيذه 4.263 مليار دينار، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع طريق غات - أوباري جنوب غربي ليبيا.

(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية)، و9.44 في السوق الموازية.


انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.